islamaumaroc

خرافة الفكر العلمي

  دعوة الحق

186 العدد

الأيديولوجيا والعلم على طرفي نقيض. و من العبث الجمع بينهما في نسق عقلي واحد أو مقولة من مقولات الثقافة والفكر، بل إن من الإرهاب والتضليل الإدعاء أن الأيديولوجيا علم له قوانينه الميكانيكية وأصوله ومناهجه وحدوده وآفاقه. فهذه المغالطة مكشوفة تترتب عليها نتائج لعل أخطرها وأشدها تأثيرا على الحياة العقلية في مجتمع من المجتمعات البشرية، اختلال الموازين واضطرابها، وهي جريمة من جرائم الفكر، شاعت في الآونة الأخيرة، وراجت في الأوساط الثقافية في العالم الثالث.
وكذلك الأمر بالنسبة للفلسفة والدراسات النفسية والاجتماعية والسياسة، فالفلسفة ليست علما، ولن تكون علما بأية حال من الأحوال، لأن للفلسفة مجالها، وللعلم ميدانه، وكلاهما لا يلتقيان، وبذلك يبطل كل زعم أو ادعاء أو محاولة الربط بين الفلسفة والعلم.
وتأسيسا عليه، فقولك عن هذه الفلسفة أو تلك، أنها فلسفة علمية قول باطل من الأساس، وهو قول ليس علميا، ولن يكون بأية حال.
ومن هنا، ندرك سعة وعمق الهوة التي يسقط فيها –عادة- المنظرون والكتاب والمفكرون حينما يزعمون أنهم ينتجون أو «يبدعون» فلسفة علمية ويعتنقون أو «يومنون» بفلسفة علمية.
وحينما نحشر العلم في هذه المتاهات اللا محدودة، وننزل به من قمة اليقين والجزم، والقطع والحسم، إلى حضيض الشك والأخذ والرد والحلم والهذيان –أحيانا- نسيء إلى أنفسنا أيما اساءة، ونحتقر عقولنا احتقارا لا يليق بالإنسان من حيث هو إنسان وكفى.
وهكذا، فليست الماركسية علما، ولن تكون، وليست ثمة اشتراكية علمية، ولن تكون، وليست الدراسات والأبحاث النفسية والاجتماعية والسياسية علوما ولن تكون. وإنما هي جميعا لا تعدو أن تكون نظريات وفروضا وتخمينات واجتهادات وتأويلات وتحليلات، تخضع لقانون الخطأ والصواب والجرح والتعديل، والأخذ والرد والبحث والنظر، كما هو الشأن، دائما بالنسبة لكل نظرية أو اجتهاد في أي فرع من فروع المعرفة.
• لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر النظرية الماركسية اللينينية، هل يمكن الجزم بعلميتها وموضوعيتها وعدم قابليتها للنقد والتحليل؟؟
إن من يقول بذلك واحد من اثنين:
- رجل واقع تحت تأثير أحد الضغوط والعوامل التالية: الجهل، الغفلة، الغباء، الغرور، العناد، التضليل، التزييف، غسل الدماغ... الخ.
- رجل واقع تحت تأثير التبعية، الانبهار، فقدان التوازن، انعدام الثقة بالذات. أما العملاء المأجورون، وسماسرة المذاهب، وتجار الفكر، ومقاولو الثقافة، والضاربون على كل دف، والنافخون في كل مزمار، فلا شأن لنا بهم ف هذا المجال، لأنهم «يستحقون» وقفة تحليلية تضيق عنها هذه الصفحات، ولأننا –من جهة أخرى- نتعامل هنا مع ذوي الفكر وأرباب العلم والمثقفين عموما.
• إن إعادة النظر في النظرية الماركسية اللينينية من الظواهر البارزة في المعسكر الاشتراكي، فليست هناك مفاهيم موحدة حول النظرية، وهذا يعني أن المسألة غير منتهية، ومن ثم لا يجوز عقلا التسليم بها جملة وتفصيلا، كأنها آخر ما وصل إليه الفكر الإنساني، أو كأنها أقصى ما يمكن أن يدركه العقل البشري.
هذا حجر على العقل..
وهذا إرهاب وتضييق للخناق على ذوي العقول النيرة، والإرادات القوية، والمواهب النادرة..
ثم إنه يمكن النظر إلى المسألة من زاوية أخرى .. وهي أن الماركسية ليست ماركسية وكفى .. ولكنها «ماركسية لينينية»، وهذه الإضافة، أو هذا الجمع، أو قل هذا الخليط المتنافر، يحمل في طيته نقدا ضمنيا .. فهذه النظرية من عمل رجل اسمه ماركس وآخر اسمه لينين. وفي بعض الدول يضاف إسم ثالث إلى التركيبة. ومن يدري، فربما غدا أو بعد غد تطول قائمة الإضافات، وتمتد حتى يصعب مجرد النطق بها .. أما التطبيق فقد صعب منذ البداية، ولا يزال صعبا ومثاليا وطوباويا ومغرقا في الخيال .. إلى يوم الناس هذا.
ونحن نتساءل هنا بحسن نية –وإنما الأعمال بالنيات-: هل يعقل أن تحتكم البشرية في الحاضر والمستقبل إلى نظرية من وضع رجلين مهما كانا على جانب عظيم من الذكاء والفطنة، ورجاحة العقل، وبعد النظر؟؟!.
أي علم هذا؟. و ما نصيب الفلسفة الماركسية من العلم والموضوعية مادامت خاضعة للزيادة والنقصان والتعديل والتصحيح والحذف والإضافة!.
إن التكنلوجيا علم، وهو علم مطلوب بإلحاح شديد، والأخذ به فرض كفاية، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود بين ظهرانينا لطالبنا بالتفوق التكنولوجي ودراسة علوم الفضاء وأعماق البحار، والوقوف على أسرار الذرة والطب والفيزياء والكيمياء وطبقات الأرض والإحصاء والرياضيات .. الخ. وقد فعل عليه الصلاة والسلام ...
• وهكذا، فإذا كانوا يقصدون «بالفكر العلمي» العلم المادي المجرد الخالص من الأهواء والأغراض والميول الذاتية والإشعاعات الثقافية والحضارية فلا أحد يجادل في حتمية ذلك ووجوبه وفرضيته، أما إن كانوا يقصدون بالفكر العلمي التصور الفكري للحياة والإنسان والكون فهذا تدجيل وشعوذة وضرب من الخرافة .. سواء كانوا يعلمون أو لا يعلمون ...
إن تنظيم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وأحكام الصلات بين الأفراد والجماعات لا ينبغي أن يكون خاضعا للنزوات النفسية والشطحات الفكرية ورواسب البيئة والتكوين والوسط العائلي، وأن الذين يصدرون في تصوراتهم وأفكارهم ونظرياتهم عن الحقد ويتعاملون مع العالم بروح الانتقام والتشفي أو بدافع الثورة والتمرد يسيئون إلى أنفسهم وإلى مجتمعاتهم وإلى البشرية جمعاء.
إن الفكر الثوري –كما يزعم الزاعمون- أبعد ما يكون عن العلم وروح الإنصاف والموضوعية، لسبب بسيط جدا يغفل عنه كثير من الناس، وهو أن الإنسان الثائر لا يملك من أمر نفسه شيئا، لأن الثورة خروج عن الصواب، والثائر خارج عن طوره، بمعنى أن زمام العقل انفلت من يده، وبات فاقد التوازن والقدرة على الانضباط والضبط والربط، وبعيدا عن الحكمة وحسن التدبير والتصرف. وعلماء النفس، ومنهم طائفة من الملحدين ومن معتنقي الفكر الماركسي والشيوعي على العموم يذهبون إلى القول بأن الإنسان في حالة الغضب والثورة وهيجان النفس يفقد القدرة على التركيز والحكم السليم على الأشياء فكيف يمكن أن يتصرف المرء تحت تأثير هذه الحالة؟ وكيف يمكن له أن يبني وينشئ ويحكم ويقدر الأمور حق قدرها؟
• هذا التناقض المشين يقع فيه عادة، المفكرون الثائرون، والقادة الثوريون وكل من انجذب إلى طريقهم بتأثير التنويم الفكري والتخدير السياسي.
فكيف يا ترى نوفق بين الثورة والعلم؟ وكيف يجوز الجمع بينهما، والعلم أساسه العقل والحكمة وبرد اليقين وقوة الردع والكبح والضبط والتحكم في القلب والوجدان والعقل؟
إن شعوب العالم الثالث، وفي مقدمتها الشعوب الإسلامية في حاجة ماسة إلى أن تبني حياتها الجديدة على أساس العلم والتكنولوجيا لا على أساس الخرافات الجديدة المعروضة في إطار نظريات علمية غير قابلة للنقد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here