islamaumaroc

دراسة في ديوان "أيامنا الخضراء" شعر الأستاذ عبد السلام البقالي

  دعوة الحق

183 العدد

من المعلوم عبر التاريخ أن المثقف المغربي نهم في مطالعاته ودقيق في ملاحظاته نقاد بميوله وطبعه، وهذه الظاهرة لها محاسنها، وعيوبها شان جل الظواهر، فمن عيوبها أنها تخلق نوعا من الحضر، والتحري يكاد يصل أحيانا إلى تصرب نوع من العقم، للمكتبة من الإنتاج المحلي، فالكاتب أو الشاعر يضع جميع حساباته لملاحقات القراء، وما سيصدرونه على  إنتاجه من الأحكام قاصية لا تعرف الرحمة، ولا تجد العاطفة الوطنية إليها أي سبيل، هذا السبب من بين الأسباب التي تجعل ظهور كتاب أدبي أو ديوان شعر قليلا بالنسبة لما تحتاجه الأندية الثقافية ودور النشر والأوساط الثقافية من حملة رسالة الأدب، بوطن أعطى الكثير وترك أسلافه آثارا بارزة في النقد الأدبي، وتاريخه، نظما، ونثرا .

تم تلك العوائق بالإضافة إلى سلبياتها نتجت عنها ايجابيات تمحو أدران سلبياتها، فالحذر الذي يساور نفس الكاتب، أو الشاعر يحتم عليه يقدح زئد العبقرية
ليقدم إنتاجه قابلا للصمود أمام نقد الناقدين وملاحظات الملاحظين، لذا فقليلا ما نجد كتب الفواصل، والقواطع، وجمل الأوراق، ودواوين اللحن، متداولة بأقلام مغربية داخل مكتباتنا الخاصة أو العامة . فالقارئ المغربي حكس كثير من القراء لا يقرأ ليملك سمعه اليراع المثقب، وإنما يتصفح ما يجد بحثا عن الملاحظات لتقويم اعوجاج بيت أو إصلاح غلط لغوي، أو غلط نحوي، أو غير ذلك حتى إذا ما تم للشكل شرطه يسير نحو المنظمون ليميز السرقات، فيرجعها إلى أهلها ثم عندئذ يصطفي من الشعر أجوده ومن النثر أسلمه وأحسنه.

وإذا أدركنا مغزى الملاحظات السالفة لندرك أن نقد كتاب من بين الكتب أو ديوان من بين الدواوين يستدعي ممن أقدم عليه أن تكون أحكامه خالية من
العيوب التي ذكرناها، وعلى هذا الأساس وجدتني مدفوعا، بمشاعر ملؤها الإعجاب، والتقدير بأن أقدم   تعليقا، وتلخيصا على آخر ديوان أصدرته المطبعة الملكية ألا وهو ديوان  الأستاذ الجليل الكاتب الشاعر السيد أحمد عبد السلام البقالي الذي هو أشهر من يعرف أو يقدم فما خطه يراعه على أعمدة الصحف والمجلات، من بحوث ومقالات تعدت شهرها وطنه، وبلده لتنزله من مصاف عالمنا العربي الممتازين، أما الديوان المقدم الآن فإن تقديم الأستاذ البقالي له اغنائا عن التعليق عليه خصوصا عندما قال : « قصائد كتبت الثلاثين سنة الماضية .. وربما كتبها عشر أو عشرون شخصا معنويا سكنو جسدا واحدا ثم غادروه لساكنه الجديد » . هذا التعبير وحده يجعل القارئ يدرك باوجز عبارة مضامين الديوان الذي هو بحق تجسيد لأفكار متخصص في علم الاجتماع .  فتغلب الشاعر على عقبات اود النظم وسلاسة العبارة وجودتها بتجاوب مع جمل اللفظ لم يذهب بشاعرنا بعيدا عن تناول مواضيع بعيدة عن ا ذاتية التي هي الطريق الهين امام الشاعر، وعلى اي حال وقبل اعطاء الراي النهائي في ديوان  « ايامنا الخضراء » سأتناول الموضوع حسب ما ياتي :

1 ـ تحليل فصول الديوان
2 ـ أنواع شعره :
ا ـ الشعر المقفي
ب ـ الشعر الحر
3 ـ عدد القصائد ومواضيعها
4 ـ أغراض الديوان
1 ـ تحليل فصول الديوان :
الفصل الاول خصصه الشاعر لمعجزة المسيرة التي اعطا اسمها للديوان باسره، ولا غرابة في ذلك فهذا الحدث الذي غير وجه تاريخ نضالات الشعوب،
وأعطاه روافد جديدة تمكن اي قائد توفر على عناية الالهام، ودقة الملاحظة، وعبقرية النفكير، وشجاعة العباقرة الابطال، من ان ينتزع حق بلاده، بمواجهة العدو وباسلوب يجعل من طاقات السلم حربا، تقهر كل وسائل الدمار الشيء الذي استطاع امير المؤمنين جلالة الحسن الثاني نصره  الله ان يسترجع به لنا حق لم يبق من وسيلة لاسترجاعه سوى عدالة المطلب، وتصميم شعب باكمله على الموت في سبيل استرحاعه . الملك اختار الاستاذ البقالي ان يجعل فصل ديوانه الاول خاصا بالمسيرة وظروفها فخصص له ما بين القصائد والمقطوعات عشرين وحدة افتتحها « بنداء المسيرة » وهو اشبه بنشيد استحث فيه همم المواطنين للمشاركة بحماسهم المعهود في  حدلهم الوطني باسلوب استعمل  فيه ربط الحاضر بالماضي، وان كان يؤخد عليه في هذا النداء أنه لم يشر فيه الى الفارق بين حدث المسيرة وغيره من المواقف التي ذكرها مثل : طارق بن زياد وقعة الزلاقة عندما قال :

ذكرتنا بطــــــــــــــارق
                     ووقعــــــة الزلاقـــــــــــــــــة
بمجد عهد سابـــــــــــــــق
                     بهدة اللانطلاقــــــــــــــــــــــة

فاذا كانت تلك الملاحم خالدة فانها ما وصلت الى فخامة حدث المسيرة الخضراء التي أوجدت مفهوما جديدا للنضال، غير أن هده الملاحظة الهامشية لا تنال من حسن مضمون تلك المقطوعة وخصوصا عند قوله :

وسنزيــــــــــــــــــــل عن طر
               يقنا الحدود والســـــــــــــــدود
كموجة جبـــــــــــــــــــــــارة
               الى الوراء لا تعـــــــــــــــتتود

لقد صور الشاعر جحافل المسيرة بتخيله ايها عند اعلان امير المؤمنين لها، واذكر ان لم تخن بمدة لا تقل عن اسبوعين قبل انطلاقة الطلائع الاولى
للجماهير المغربية نحو ارضهم الصحراوية . ثم استرسل في وصف احداث المسيرة وما صاحبها من ظروف دوليا كانت فرصة ثمينة للمغاربة عرفتهم بشهود لا تقبل الطعن بالاشقاء والاصدقاء الذين اشترو صداقة كل المغاربة بمناصرتهم العدل والحق، ومنهم اولئك الذين غررت بهم دعاية المغرضين الجزائريين فتعلقو بالغريق بعد أن تهاوى في أعماق الباطل . فحلل الشاعر تلك المرحلة تحت العناوين التالية : « إعلان المسيرة »، مطلعها :

طفا الشـر حولنا وتمـــــــــــــــرد
               ونـادى بويلاته المستطيــــــــــرة

استعرض فيها ما حركته المسيرة في نفوس الشعب المغربي من روح النضال ويؤخد عليه فيها بالنسبة لمدارس الشعر الاصيلة تعدد قوافيها، لكن مع سلامة
اللفظ، وتحكم في تحليل الموضوع، ولعل حسنات هاته سيئات تلك . وتحت عنوان : « في طرفاية » قدم الشاعر ثلاث مقطوعات : الاولى صور فيها تلاقي المواطنين بمدينة العبور، وشوق المؤمنين الى يوم النصر، او الاستشهاد، وما أثاره تلك المظاهر من تذكر لمجاد المغرب السالفة، فقال :
وعادت ذكريات المجد تتـرى
                    معطرة بانســــام رقــــــــــاق

والثانية اشتملت على مساهمات المغاربة المادية ومواقف الاشقاء العرب، والاصدقاء الافارقة وكل الحبين للسلام المؤيدة للحدث الذي ترك العالم مبهورا مكا
وصفه شاعرنا بقوله :
 ورنا العالم المخدر محــــو
                 رألشعب المسيرة الخضرا

اما الثالثة فكانت لوحة لوصف منجزات المسيرة، واستحكام الرعب عن طريقها في نفوس العدو الاسباني قادة، وجيشا، وما كلفتهم من أظهار قوة لم تغن
عنهم في الاخير الا ان تعلن استسلامها لإدارة ملك، فكر فخطط فنفد ثم انتصر
وظن حارسهم نبض القلوب بها
                     طبول حرب تزف النصر للحسن
وتحت عنوان : « الاقتحام »  
انشأ الشاعر ست مقطوعات تناولت ساعة النداء الملكي للعبور بعد استكمال الاستعداد، وتلبية الشعب لذلك النداء، وصلاة المؤمنين ركعتين على أول تربة
وطْئتها اقدامهم من أرض الصحراء التي كانت في قبضة المستعمر الاسباني، واحتقار المواطنين العزل لما أحشده المستعمر أمامهم من معدات حربية :

واصبح المدفع والدبابــــــــــة
             يبدو لنا كأنه ذبابـــــــــــــــــة
وتجلى ذلك في اقتلاع الاسلاك وأدسه حقول الالغام .
      واقتحمنــــا اشواكهم وانتزعنا
   ها ودسنا الالعام بالاقــــــــدام
ويختتم هذا المقطع من هذا الفصل، بذكر كرم الاخلاق، والترفع الذي يطلق عليه العفو عند المقدرة، وعدم رغبة المغرب ملكا وشعبا في الحرب بعكس

الرغبة الاكيدة في اخلال الصداقة محل الخلاف والتنافر .
ومددنا يد المودة للجــــــــــــــــا
              ر وهذه مكارم الاســـــــــــــــلام
وبعد الاقتحام يأتي النصر، وبلوغالهدف، فتصل الجماهير أرضها، وتنتصر على أعدائها فتنزل علم المستعمر الغريب ليحل محله، علم الوطن الحقيقي على

المغرب فوق ارض المغرب ثم يعلن القائد الملهم:
  وأتى قائد المسيرة بالبشرى
              بأن الصحراء ردت اليــــنا
ثم صدر الامر بالرجوع، وكان الحدث المدهش للعالم : شعب لبي نداء قائدة لعبور الحدود، وعلى مشارف مدنه المغتصبة، ياتيه الامر بالرجوع فيلبي بنظام،

وانتظام .
فاذهلهم تماسكنا وما شــــــــــا
       هدوده من انظباط وانتظــــــام
وقال النــــــاس هذا شعب حقا
       جدير بالجلاب والاحـــــــترام 


وبعد العبور والرجوع، اتى دور تسلم أمور الاقليم المغربي، ليعاد مجد خالد لمجد طارق بجمع شمل فرق بينه المنون وتلاعب بع العابثون زهاء قرن من الزمن، ثم وضع الحاقدون الجزائريون وأسيادهم الاستعماريون اللمسات الاخيرة على خطة ابتلاعه نهائيا، ولم يضع من حسابهم الا عنصر واحد كان هو السر في فشلهم ذلك أنهم نسو بأنهم يريدون اغتصاب حق شعب « من الحاربين » يقوده ملك عبقري له الحكمة والتبصر ما مكنه من وضع استراتيجية أفسدت ما خططوه منذ عشرات السنين في اقل من شهر .

وأعدنا ما كان من حقنا ضاع
               بعهد الاجـــــداد للأبنـــــــــاء

وبعد النداء والاستعداد، والعبور، والرجوع، والنصر، واسترجاع الحق تكون المسيرة أدت غايتها الشيء الذي تمكن الشاعر من وصفه مرحلة مرحلة،
وخطوة خطوة، وهو شيء ينبىء عن مقدرة أدبية وسلفية شعرية تشفع في تعدد قوافي القصيدة الواحدة حينا، وقصر النفس الشعري حينا آخر، بعد تلك المراحل يميل شاعرنا صوب هامش المسيرة، فخصص عدة قصائد لجهود حكام اللصوصية بالجزائر، وأغراءاتهم وتهديداتهم لاسبانيا، من أجل أجهاض مفاوضاتها مع المغرب، ثم كذلك لم ينس جور بوق أذاعه الجزائر ايام المسيرة، وتحريضه لجيش المستعمر الاسباني ليضرب المواطنين المغاربة العزل، متهكما علة المهاتر المخدوع بومدين في تساؤل لا يخلو من الدعاية الهازئة، عن مصير مغرب الشعوب الذي سبق أن غطى بع طبيعة مكره وخداعه يوما ما ؟ عن الشعب الجزائري، وقد  اهتدى في آخر مطاف هذا الفصل الى وصف حقيقة حكام الجزائر وذلك، بتسميتهم، بسماسرة المبادىء، وهي آخر قصيدة في موضوع المسيرة، وان كانت الشعر الحر فانها قدمت الصورة الحقيقية عن نظام جماعة اللصوص الجزائرين .

الفصل الثاني 
الوطنيات من 1949 حتى سنة 1955 يجد القارىء في هذا الفصل سبع عشر قصيدة من أجود ما تضمنه الديوان بل تكاد هي سر فعاليته الشعرية ففيها
كان الشاعر مبتعدا شيئا ما، عن غير الشعر العربي الاصيل، وفيها عبر الشاعر عن احساس امته في أنصع أيام الكفاح الوطني، ثم وقف الشاعر في اختيار عناوين القصائد بذكاء يحمل الناظر على قراءة ما تحت العنوان . من حيث التقديم يلاحظ عدم التقيد بترتيب القصائد حسب المناسبات التي قيلت فيها عكس ما شاهدناه في فصل المسيرة . فالقصيدة الني عنوانها (  ذكر المجد ) يرجع تاريخ إنشائها الى 49، وقد ادرجت في آخر القصائد الوطنية مع أنها كانت

كلها مخصصة للتوعية والتغني بالامجاد .
« الم يان يا تطوان أن يصدق الوعد ؟
ويخشن تحت الجنب من أهلك المهد » 
انها من أحسن شعر الديوان في نظري، خصوصا وأن الشاعر قالها بمناسبة عيد المولد النبوي خلال السنة المذكورة، والدافع الى قولها، وهو شاب ناشىء
أنه بذكره لي أراد بعض أساتذة معهد تطوان أن يمتحنه ليعرف مدى مبلغ موهبته الشعرية، فطلب منه يهيأ لهم قصيدة بالمناسبةالمذكورة .

وأنها لبحق كانت انفجارا لعبقرية شاب متوئب تضيق حناياه، عما يطفح به فكره الادبي نحو بلده ودينه، واستمع لذلك عند ما يقول : 
                  لعمرك ما الذكرى بنافعة غـــــــــدا
اذا لم يكن فيها اتعاظ ولا رشـــــــد
                  ف الله ما الاسلام بالمدرك العـــــلا
اذ لم يقرح مقلة المسلم الســــــــهد
                  بني وطني قد أصبح النصح واجبا
علة فمالي من نصيحتكم بــــــــــد
                  اذا لم تقيمو شرعة اله فيكــــــــــم
فمن ذا الذي يزهو بطلعتها غـــــد

الى أن يقول :
نسيم الصبا ما انت الا حشاشـــــة 
                  المت بأجساد هياكل لا تبـــــــــــد

ومنهـــا :
 فبلغ سلامي أن مررت « بيثرب »
ربي أحد ,انجد بمن ضمهم نجــد
ويختم قصائده الوطنية بقصيدتين في مدح جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه وإحداهما نونية من بحر الطويل مطلعها:

عليك لسان الدهر يا ذا العلى أثنى
فلم يبق لفظا لثناء ولا معـــنى
ومنها :
وانقذت قوما من شبى ظفر الردى
وابدتهم من بعد خوفهم أمنــــا
بقدر مصاب الشعب تسمو ملوكه
واسنى نجوم الليل أحلكها دجنــا
وان تنبئات شاعرنا في قصيدته التالية التي نالت جائزة العرش لسنة 1952 لا تنبيء لنا عن قوته الشاعرية، وتمكنه من أزمة اللغة العربية كما عهدنا في

قصائده السالفة، وانما توصلنا الى الحكم على أنه لم يكن ينظم الشعر عن طريق ايحاء وتنسيق الكلمات، لنسج مجموعة من الظواهر التي يحس بها تقاسما مع أبناء شعبه، شأن كثير  من ناظمي الشعر بل ان أحمد كان من بين النخبة القليلة التي قال فيها الرسول الاعظم او على الاصح انتاجها عليه الصلاة والسلام « ان الشعر لحكمة » انه لتنبؤ بالاحداث التي وقعت 53 وكان الشاعر عاشها، وبدا يتكلم حول ردود فعل الشعب عليها، وذلك مثل قوله :

ولم يدركون ان الدم واحـــــد 
                  ولو كان يجري في عروقي أثانـي

ابعد الذي شاهدت تخبو قريحتــي 
                  ويخرش عن مدح الامام لسانــي
الى ان يقول :
تعددت الامال فيك كانمـــــا 
                  تدور على افلاكك القمـــرا ن

لقد كتب الشاعر نفسه في تقديمه للقصيدة اعلاه ما نصه : « جاء في هذه القصيدة التي كتبها لسان المغرب تشاؤم غير مقصود، وكأنني استعجل حوادث 1954
التي كانت بدء مخاض الاستقلال » .
لاشك انه هنا يعني ما قال في البيت :

وزين للمستعمرين انتدابـــه
              لعرشي ما ظنو من الطيشـان
الى أن قال :

اذا انكسرت أمواجه بين أضلعي 
                  تردد في أعماق كل جنـــان

وفي الموضع  المرأثي اورد قصيدتين الاولى تحت عنوان سكتة القلب الكبرى في ثراء أب الحرية زعيم نهضة افريقيا المغفور له سيدي محمد الخامس

طيب الله ثراه مطلعا :
كف قلب تفديه كل القـــلوب
                  الارض عن نبضع وعن خفقاته
واختفى مشعل اضاء ليالـــي 
                  قومه فجأة وقبل أواـــــنه
وخبت في تلك العيون ابتسامـات
                  ترد الفوائد عن أحزانــــه
فسلام عليك من وطن خلفتـــه
               حرا وشعب حللت في انسانـه

ان المناسبات الوطنية والمنجزات الجلى التي فتح بها عصر أمير المؤمنين فجر نهضته المباركة كانت مناسبات أكبر من الكلام، وأسمى من أدراك الشعر،
وبذلك فانها كانت دفعة الى المام طورت اسلوب الشعر ببلادنا، واكسبته حيوية جديدة، جعلت اسلوبه يتفاوت، حتى ولو كان الشاعر واحدا، تجاوز مرحلة ابتداء نسج الشعر، وذلك ما يلاحظ في بعض قصائد آخر الديوان مثل قوله بمناسبة المباراة التي نظمتها وزارة الدفاع بمناسبة حفل جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن سنة 61 تحت عنوان :

روعة الجلاء

جلا الليل عن ارضي وولت غيابـــه 
                  وشابت مع الفجر الوليد ذوائبـــــه
ورقرق في آفاقنا علم الضحـــــى 
                     بنصر بدت للعالمين مواكبــــــه
جلا جيش الاستعمار عن أرض مغربي 
                  وعن أفقنا الزاهي تلاشت سحائبـــه

وفي مدح أمير المؤمنين مجلي مفاخر عظماء الزمن مولانا الحسن الثاني نصره الله . قال في تلك القصيدة :

تفاءل هذا الشعب يوم اعتلائه 
                  على عرش أجداد تسامت مراتبــه
به الوطن الغالي تشامخ أنــــفه 
                  وبالأمم الكبرى تساوت مناكبه
أنهى الأستاذ أحمد عبد السلاlم البقالي هذا الجزء من ديوانه القيم بقطعة في رثاء الأستاذ الكبير المرحوم علال الفاسي تحت عنوانه :

سوف يحيا علال
مطلعها :
إن دفنا جثمانه ما دفنــــــا
               علمه أو كفاحه او جهـــــاده 
لقد مثل هذا الجزء قمة شعر الاستاذ البقالي لأنه اختار عن عمد حسبما سيبدو لي ان يسوق القارىء بتلك الحسان الروائع لان تكون بدابة مشاهدات
الديوان لتجره الى الجزء الذي يليه والمعنون بقوله وطن أكبر . وهدا الجزء بدأ بمقطوعات من الشعر الحر، ثم بمقطعات تحت عناوين :

ـ حول الشرق والغرب
ـ سيوف الاسلام
ـ نشيد أسرة المغرب
ـ حماة العروبة (عش للمحبة )
ـ لومومبا لم يمت ( موجهة الى جميع شهداء الحرية ) .
ـ طبول افريقيا
ـ رجع الى الاندلس

وتأتي أهمية هذا الفصل دون مرتبة الذي سبقه من حيث السبك الشعري بكثير ويكاد يكون غريبا على مستوى ادسوان لو لم يختم باحدى روائع الديوان

تحت عنوان الفردوس الدارس .
                  أسجى فؤادك طرفه المتحفــــر
فاراك عن هجرانه لا تصبــــر
                ملك كان الله صور وجهـــــه
من لطفه غض البنان مطهــــر
                 تطوان ما تدلين الا جوهـــرا
يحتار فيه الناقد المتحيــــر
               أو لست الا دمعة مسفوحـــة
من عين أندلس المفاتن تقطــر
               الله في كبدي عليها انهــــا
يا قوم بين جوانحي تتقطـــر

وتحت عنوان مزامير كتب الاستاذ عشر قطع كلها تاملات نفسانية، فيها تساؤلات صوفية، حول الايمان والخشوع الالهي، احسنها : قصيدة « أنا الله » . 

انا الله فاعبد في وصل صلاتــــي 
               وسبح بحمدي وأزدجر بعظاتــــي
أنا الله سبحاني واعظم بقدرتــــي 
                 وجل جلالي لامدى لحياتــــــي

كل هذا الفصل ينبىء عن الروح الاسلامية للاستاذ مثل قوله :

يقولون امرؤ لا يرى غير نفســـه 
               أصم على أذنيه من دوننا وقــــر
ونشوان تسجية الاصائل والضحــى 
               اضلته في ديوان احلاامها الخمـــر
وهل بقيت عين رأت ربها تـــرى 
               سواه، وفي الديجور لا يبصر الصقـر

اما بقية الديوان وبالظبط من صفحة 126 الى نهاية الديوان فهي مجموعة من الاناشيد، وقصائد من الملحون ومقطعات من الشعر الحر، وبعض الغزليات التي يبدو ان الشاعر لم يعرها من الاهتمام ما اعار لغيرها من مواضيع الديوان الاخرى او ان خياله الشاعري هنا اثر فيه تركه للشعر مدة طويلة لتملك مشاعره الكتابة عن موضوعات أخرى ذات أهمية بالنسبة لكثير من القراء. اما عن من تأثر بهم، حسب نظري، فقد تأثر الشاعر في بداية حياته الشاعرية بالمتنبي أكثر من غيره اذ يحس بطابعه في غير ما موضوع من مواضيع الديوان، اما في آخر الديوان فتبدو بصمات مدرسة اصحاب الشعر الحر بحسناتها وسيئاتها واضحة .

وبالجملة فأننا نتمنى أن يسهم شعراء مثل البقالي بتزويد المكتبة الادبية بمزيد من انتاجهم . وفي مقال قادم ان شاء الله ساقدم جملة من الملاحظات تهم
المقارنات والاقتباسات الواردة في الديوان، وما يمكن أن أوجه من نقد لاسلوب بعض القصائد وان كان حكمي في النهاية بعد ذلك سيكون طبعا لصالح دودة الديوان في مجمله .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here