islamaumaroc

قراءة في ديوان "من وحي الأطلس" للشاعر المرحوم: مفدي زكرياء.

  دعوة الحق

183 العدد

إن للكلمة جمالا وجلالا يستوقفان أنفاس الزمن، ويجثو على قدميها الخلود. ولا يعطي الله البلاغة و البيان و فصل الخطاب إلا لمن أحبه واصطفاه من عباده، ليكون المعبر الأمين عما في صنع الكمال. وتدبيره من حكمة و كمال . و الله يقول في كتابه المبين : « ن . والقلم و ما يسطرون » ـ « اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق. اقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم . »

فالمتجول في ديوان «من وحي الأطلس » الذي تم طبعه تحت سامي إشراف صاحب الجلالة الحسن الثاني أبقاه الله، بمناسبة تخليد ذكرى مرور عشرين
سنة على الاستقلال المغرب، لشاعر الثورة الجزائرية المغفور له مفدي زكرياء، يدرك عن كثب أن لط المناضل العظيم عاش من أجل قضية نبيلة وهي : أن وجدة المغرب العربي مرحلة حتمية لتحقيق الوحدة الإسلامية الكبرى، إيمانا منه بان الوحدة حاصلة بين الشعوب لولا السياسة التي تسيطر عليها الأطماع في بعض الأدمغة الضعيفة الإيمان » .

والسيئ الذي يسترعي الاهتمام في هذه المأثرة الأدبية، والملحقة الشعرية الطافحة والزاخرة بالروائع، هو الحضور المستمر في ساحة الوطنية، والفاء
بالعهد، والسير الحثيث في درب المبادئ
النضالية الثورية والمثل العليا للوطنية والروابط الأخوية الإنسانية .

ولقد أشاد هذا البلبل الغريد بوحدة أقطار المغرب العربي مستمدا وحيه مما قدمته تلك الأقطار في نضالها المرير من أجل خلاصها وانعتاقها، من فنون
التضحيات، وضروب البطولة، والبلاء الحسن، والاستشهاد في سبيل التحرير، وحماية أمجادها الأصيلة، وشعورها بحقيقة وجودها، وواقع تاريخها وذاتها .

وهذا الشاعر الفذ لا يخفي هيامه وصبابته بالمملكة المغربية، وما قطعته من أشواط باهرة في مجالات التنمية والرقي والازدهار والعرمان، مما أوحى إليه
برائع الأشعار التي تطرب وتمتع . وكان أثبت ما يكون الثبات على هذا الصدق والإخلاص والوفاء والعاطفة نحو بلادنا في ظروف تحاك فيها ضدنا المؤامرات من شرذمة لا ضمير لها ولا أخلاق ولا احترام لحقوق الجوار .
ولعل إطلالة عابرة ديوانه « اللهب المقدس » تذكرنا بما هنالك من انسجام تام وتجاوب عميق بين الكلمة الصادرة في الأعماق، وبين وقع السلاح الهادر في
قمم الجبال وفي مختلف قلاع الفداء والجهاد . إن شعره إبان الثورة وتصاعدها، كانت له أبعاد تاريخية تمضي جنبا إلى جنب مع مصير أمة وشعب . أليس هو القائل :  
                  
نطق الرصاص، فما يباح كلام،
               وجرى القصاص فما يتاح مـلام
ألسف أصدق لهجة من أحرف 
               كتبت فمكان بيانها الإبهـــام
هو الذي يقول أيضا في نخوة ومنعة :
وتكلم الرشاش جل جلالــــه 
               فاهتزت الدنيا، وضخ النيــــر
ونزلت آياته لهابـــــــة 
               لواحة، أصفى لها المستهتـــر
والنار للأمم المبرح بلســـم 
               يكوي بها العظم الكسير فيجبـر
 
وإبان الثورة الجزائرية، كان الشاعر مفدي زكرياء يرى استمرارية النضال مرتبطة أشد ما يكون الارتباط بالمصير المشترك للمغرب العربي الكبير . ولذلك
كان يتغنى أيضا بالمغرب وتونس . فهو القائل في هذا الخصوص :

وتغنيت منذ فجر شبابــــي
               بالتحام القوى ودعم الجهــود
لم أزل صادحا على كل غصـن 
               من ربى المغرب الكبير العتيـد
إنا في المغرب الكبير نشيـــد 
               يترامى صداه للأحقـــــاب
ونداء لوحدة الصف يسمـــو 
               للنهايات دون أي حســــاب

والمتجول أيضا في ديوانه : « تحت ظلال الزيتون » يلمس عن كتب ذكريات الشاعر في تونس الخضراء، وكيف تغنى بأمجادها وبطولاتها والمواقف
الخالدة للمجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقية .

وقد وجد الشاعر في المغرب مستقرا وملاذا وهو في عز معاناته لالتزامات المقاومة وواجباتها . وأثري الأدب المغربي بما لقحه به  من روح تضامنية
وروح حدودية متشبعة بالأصالة الحضارية، والذات الثقافية العربية العريقة، في إطار ما يحظى به المغرب من معطيات طبيعة وبشرية، وما يتسم به من مثل وشيم سارت بذكرها الركبان، وما يجعله بحق منطلقا لتعزيز الوحدة التي يهفو إليها الشاعر حيث أزداد به حبا وهياما، لا عن افتعال وتصنع، ولكن عن صدق وإيمان عميق بعظمه الغاية، ونبل الوسيلة فهو الذي يقول :

وقالوا : مدحت المالكين، أجبتهم : 
               ما المدح في غير الاماجد شانــي
إذا ما استقام المالكون مدحتـهم 
               وصفت مديحي من قواعد إيمانـي
ولولا كفاح ما مدحت محمــدا ، 
               ولا جئت بالآيات في الحسن الثاني

فمديحة إذن منبثق من المبادئ والقيم التي يقتنع بها، لا عن الزلفى والتملق والانحدار إلى مهاوي التزويق والتلفيق والكذب . فهذا الصنف من الشعر في
المفهوم والمعيار المغربي التقليدي هو من صميم الشعر الوطني في الكفاح المشترك بين العرش والشعب . وفي هذا المعنى يقول الشاعر الخالد مفدي زكرياء :  

ومن ألف الكفاح يزد كفــاحا
               بمدح رفاقه أيان حــــلوا
وعودني نضالي في بــلادي 
               على مدح البطولة في الرجـال
مدح البطولة رفعة وكرامــة،
               لولا البطولة ما انتزعت خلودا

فهو إذن بريء من التكسب أو أدنى رياء وشعره إنما هو في الواقع أشاده بالتخطيطات والمنجزات، واستنهاض للهمم على التشبث بالمبادئ والمقومات 
الذاتية لأمة، وتحميس الجماهير المنفعلة بالمواقف البطولية . فهو يسير في نفس الخط المستقيم المتطلع لآفاق الوحدة عبر الرؤية الواضحة، ومن خلال الزاوية القوية .          

أليس هو القائل في المسيرة الخضراء :
صحراؤنا دنس الغربان حرمتـــها 
               وخانها من إلى جلادها ركــــنوا
قالوا : براح، وفي دعواهموا كذبـوا، 
               لا بدع، فالمين من أخلاقهم سنـــن
سألوا الوثائق، فالتاريخ يحفظـــها 
               وسائلو الكون عنها يشهد الزمـــن
واستفتت ( لاهاي ) واستنطق نزاهتها 
               تنبئك من نبتوا فيها ومن سكنـــوا
دم المغاربة الإبطال ضخمــــها 
               وما استكانوا لظلام وما وهنـــوا
قالوا : اقتراع، فقلنا : بل نقارعكـم 
               فتهزمون، ويبقى اللحد والكفـــن

فهده النبضات الصادقة والخفقات الحلوة لا تصدر إلا ذات أصيلة، وعاطفة فياضة، جميلة، التعبير، عميقة الانفعال .
وهو الذي يتفنن أيضا في براعة متناهية، إذ يصف المسيرة الخضراء بقوله :

فقاد مسيرة خضراء تعلـــو 
               بها الرايات والذكر المجيــد
بها الأكباد تنصب انصبــاب 
               فيدهش من شجاعتها الوجـود
فلا تعجب لمعجزة شعـــب 
               تسير المعجزات كما يريــد

وهو الذي يصف أيضا كيف أن صاحب الجلالة الحسن الثاني ـ أيده الله ونصره ـ هو حامل لواء الوحدة الكبرى، وراسم مناهجها وأصولها، فيقول :

يا من رعى الوحدة الكبرى وآزرها 
               فاخضر من عودها دوح وأغصـان
فليصنع المغرب الجبار وحدتـــه 
               ما دام يرعى ذمام الجار جــيران

ومفدى زكرياء لا يكتم حبه للمغرب وافتتانه به وبشعبه، وبما يتفرد به هذا القطر دون الأقطار الأخرى، إذ هو الذي يقول في هذا المعنى :

وطني مغربي، وأهلي بنــوه، 
               إن ما بي من حبه مثل ما بك !
بلاد عرفت الله في قسماتـها ، 
               وآمنت أن الله ليس ثانـــي

وهو الذي يشيد بالموقف البطولي للمغرب في حرب رمضان، فيقول :
يقود الثائر الحسن المفدي 
               جحافلها، فيرتعش الوجود
إلى سيناء تنصب السرايا، 
               إلى الجولان تندفع الأسود   

ويمتاز شعر مفدي زكرياء بالتناسق والتماسك ووحدة العرض والقدرة الكاملة على التحكم في الشعور، وذلك في نمط عمودي أصيل . فكله تنوير للبصائر،
وشحذ لهم، وحث على الثبات والصمود وتحريض على الجهاد والصبر والمصابرة والثورة على الدخيل الغاضب حتى النصر أو الاستشهاد .. كما شعر مفدي زكرياء يمتاز بالتطريب في التقاسيم والمقاطع، وبالقافية الرصينة القوية، والأوزان الموسيقية المناسبة، وقد يذهب به الحرص على جمال القافية إلى حد لزوم ما لا يلزم؛ هذا بالإضافة إلى جزالة اللغة وسلاسلها وسهولتها ونصاعتها، وشحن الكلمات بالنبرات والإيقاعات الحماسية الرنانة، في روح من التلقائية البعيدة عن التكلف والتلاعب بالألفاظ . فالمهم عنده هي الصياغة الناضجة المؤيدة بأمانة للوظيفة التعبيرية . والانسجام بين الشكل والمضمون أحسن طابع لشعره في صدق التعبير والجودة الفنية روحا وأداء، الشيء الذي يتم عن شاعرية ناضجة مكتملة تتطلع دائما إلى الأبهى والأفضل، وعن المبرر الدافع للحفاظ على مقومات حياة الشرف والنبل والحرية والكرامة والنضال . وهذه المقومات بالذات هي التي تلهم الجدية والموضوعية في المعاناة والتشبع بروح العروبة والإسلام القائمة على التساند والتعاضد، وحب مبادئ الخير، وصيانة ما للرأي من حرمة،  وما للكلمة من مقام رفيع . فليست العبرة بغزارة المضامين وتنوع الأشكال القوالب، ولكن العبرة بوضوح الرؤيا وتعزيز وشائج الوحدة في الكفاح الوطني والقومي من أجل المصير المشترك .

تلك هي العبرة من جولتي هذه في ديوان  « من وحي الأطلس » الذي أقتبس عظمته وإشعاعه من بطل التحرير وقاهر الأحداث والزمن وملهم الأجيال محمد
الخامس طيب الله روحه، ومن أرث سره ورفيقته في الكفاح، محقق الوحدة الوطنية الكبرى، ومحرر أقاليمها الصحراوية الحبيبة بفضل المسيرة الخضراء المظفرة جلالة الحسن الثاني دام له العز والتمكين والفتح المبين .
رحم لله شاعر المغرب العربي الكبير، أستاذنا الفذ الجليل، المجاهد الشهيد مفدي زكرياء الذي كان لي نعم القدوة ونهم الرفيق . وإنني لاعتز أيما اعتزاز
بإهدائه لي ديوانه الخالد بخط يمينه .

فالمجد والسؤدد، والمغفرة والرضوان للشاعر العربي الفذ مفدي زكرياء الذي انتقل إلى جوار ربه بغثة في تونس . وأنا على فراقه لمحزنون . وخسارة
العروبة والإسلام، والمغرب العربي الكبير فيه لا تعوض . ذلك قضاء الله لا مفر من قضائه . وإنا لله وإنا إليه راجعون . ونحن إن شاء الله على دربه سائرون !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here