islamaumaroc

أحاديث شاذة ومنكرة.

  دعوة الحق

183 العدد

إذا روي الراوي حديثا خالف فيه من هو أوثق منه، أو أكثر عددا . فان كان ثقة أو صدوقا ، كانت روايته شاذة . وان كان ضعيفا، كانت روايته منكرة، وكلاهما من قبيل المردود .
هذا هو المقرر في علوم الحديث . ولكن المحدثون يخالفون ذلك عند الاستعمال، حيث يطلقون المنكر على الموضوع، وكذبك الشاذ .

وسيمر بالقارئ الكريم أمثلة من هذا الاطلاق، في الأحاديث التي نوردها، عنوانا على سائرها :

1 ـ روي الحاكم من طريق أبي الضحى عن أبن عباس : أنه قال : ( الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ) . قال : سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى . ورواه البيهقي في الأسماء والصفات عن الحاكم، بهذا الإسناد، ثم قال : إسناد هذا عن أبن عباس صحيح، لكنه شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا .
وقال ابن كثير في تاريخه : هو محمول على أن ابن عباس رضي الله عنه، أخذه عن الاسرائليات .
ومال العلامة الشيخ عبد الحي المنوي إلى أثبات معنى الأثر، ليس بشاذ . وألف في ذلك رسالة سماها : « زجر الناس عن إنكار أثر ابن عباس » .

لكن مثل هذا لا يقبل فيه الا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حديث ثابت في هذا الباب .
وذكر ابن العربي الحاتمي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال : أن الله خلق مائة ألف آدم، وهذا الحديث، لا أصل له .

قال ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر: حدثني اسحق بن حاتم المدائني، حدثنا يحيى بن سليمان عن عثمان بن أبي درهس، قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى أصحابه، وهم سكوت . فقال : « ما لكم لا تتكلمون ؟ »  فقالوا : نتفكر في خلق الله . قال :  «  فكذلك فافعلوا تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا فيه فان بهذا المغرب أرضا بيضاء، نورها بياضها أو قال : بياضها نورها مسيرة الشمس أربعين يوما، بها خلق من خلق الله تعالى لم يعصوا الله طرفة عين قط » قالوا : « فأين الشيطان عنهم ؟ قال : «  ما يدركون خلق آدم ام لم يخلق ؟ »     

قال ابن كثير : حديث مرسل، وهو منكر جدا . وعثمان بن أبي درهس ـ بوزن جعفر ـ ذكره أبن أبي حاتم فقال : روي عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص، وعنه سفيان بن عيينة وابن المبارك ويحيى بن سليم الطائفي، سمعت أبي يقول ذلك ج 6 ص 149 ـ الجرح والتعديل .
قلت : روى عنه أيضا يحيى بن سليمان . وعثمان هذا مجهول الحال ولم بذكره البخاري في التاريخ الكبير، ولا الذهبي في المغنى ولا الميزان، ولا الحافظ في اللسان، مع أنه على شرطهما، فيستدرك عليها .

3 ـ روي أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : قال رسوب الله صلى الله عليه وسلم : « لما قال فرعون ( آمنت أنه لا اله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ) قال : قال لي جبريل : لو رأيتني وقد أخدت من حال البحر ـ طينه الأسود ـ فدسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة » حسنه الترمذي مع أن في سنده على ابن زيد . لكن له طرق عن أبي هريرة وابن عمر . وقد ورد موقوفا على أبي هريرة وابن عباس ومتن الحديث منكر، لوجهتين :

أحدهما : أن جبريل يعلم ـ وكل مؤمن يعلم ـ إن دس الطين في فم فرعون، لا يمنع عنه رحمة الله لو أراد أن يرحمه .

والآخر : أن جبريل نزل على أن موسى بقوله الله تعالى لها ( أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له ) وهذا خبر بأن فرعون عدو الله ولرسوله، وخبر الله لا يدخله نسخ، وعدو الله لا نصيب له في الرحمة .  فكيف يقول جبريل : دسست الطين في فمه مخافة أن تناله الرحمة ؟ هذا من الباطل الذي لا يحصل من جبريل عليه السلام . فتبين انه موقوف، وانه أخد عن الإسرائيليات . وهذه الآية، ترد قول زعم أن فرعون قبل إيمانه . وتثبت أنه مات كافرا عدوا لله ولرسوله . واستدل ابن العربي لقبول إيمانه، بأنه آمن في حالة اضطرار ( فلما أدركه الفرق قال آمنت ) والله تعالى يقول : ( فلما أدركه الغرق قال آمنت ) والله تعالى يقول : ( امن يجيب المضطر إذا دعاه ) فإيمان فرعون مقبول، بمقتضى وعد الله الصادق ورحمته الواسعة . لكن الإيمان غير الدعاء، فلو أن فرعون دعا في حالة العرق، لاأنجاه الله، لكنه آمن، والإيمان لا يقبل في تلك الحالة .

قال تعالى ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى اذا حضر احدهم الموت  قال ني تبت الآن ) .
وفي سنن الترمذي عن ابي عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » حسنه الترمذي . ولم ينفرد ابن العربي الحاتمي بدعوى إيمان فرعون، كما يظن كثير من الناس . بل سبقه إليها بعض الصوفية، كما نقله الفقيه عبد    الصمد الحنفي في تفسيره، وهو من أهل المائة الخامسة .

4 ـ قال أبو سعيد الكنجرودي في أهاليه : أخبرنا الحافظ أبو الفضل نصر بن محمد بن أحمد العطار، أنا أحمد بن الحسين بن الأزهر بمصر حدثنا يوسف بن يزيد القراطيسي أن الوليد بن  موسى ناعيتيه ابن عثمان عن عروة بن رويم عن الحسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ان مؤمني الجن لهم تواب وعليهم عقاب »، فسألناه عن ثوابهم ؟ قال : «على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم » قلنا : وما الأعراف ؟ قال « حائط الجنة تجري فيه الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار » . قال الذهبي : هذا حديث منكر جدا .

قلت : في سنده الوليد بن موسى الدمشقي، قال الدارقطني : منكر الحديث، وزهاه ابن حبان والعقيلي، زاد العقيلي : أحاديثه بواطيل، لا أصول لها، وليس ممن يقيم الحديث .
وقال الحاكم : روى عن عبد الرحمن بن ثابت عن ثوبان، أحاديثه موضوعة .

ولا يقبل قول حاتم فيه : صدوق الحديث، لين ، حديثه صحيح . وأبو حاتم لم يطلع من رواياته المنكرة على ما أطلع عليه من جرحه .ومن أحاديثه الدالة على تجريحه ما رواه عن الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن الحسن عن أنس مرفوعا : « آجال البهائم كلها من القمل والبراغيث ذلك، آجالها في التسبيح فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها وليس إلى ملك الموت من ذلك شيء » .ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وأعله بالوليد بن موسى وقال الحافظ في اللسان : هذا حديث منكر جدا .

5 ـ قال نعيم بن حماد : حدثنا ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن ابي هلال عن مروان بن عثمان عن عمارة بن عمارة عن أم الطفيل إنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « رأيت ربي في أحسن صورة شابا موفرا ـ له وفرة ـ رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب » قال ابن حبان فيترجمه عمارة بن عامر، من الثقات : هذا حديث منكر .

وقال الحافظ ابن حجز في تهذيب التهذيب عن هذا الحديث: هو متن منكر .وقال الفقيه أبو بكر ابن الحداد : سمعت النسائي يقول : ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله عز وجل ؟ !
ومروان ضعفه أبو حاتم، وقال الحافظ في الاصابة : متروك . ورواه الدارقطني في الرؤية، بلفظ « رأيت ربي في المنام » الحديث، وبهذا اللفظ رواه الخطيب في تاريخ بغداد ومن طريقه لورده أبن الجوزي في الموضوعات . وأعله بنعيم بن حماد، ومروان بن عثمان وعمارة بن عامر .

وتعقبه الحافظ السيوطي بما نقله ابن عراق، في تنزيه الشريعة وختمه بقوله : وما كان من هذه الروايات غير مقيد بالمنام، فينبغي أن يحمل عليه، لتتفق الروايات، ويزول الأشكال . قلت : رؤية الله في اليقظة، لم تقع لأحد في الدنيا . والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد الله، ليلة المعراج بقلبه، ولم بره ببصره .

والأحاديث التي يفيد ظاهرها رؤية الله في اليقظة في صورة شاب أمرد، كهذا الحديث، موضوعة قطعا . وإما رؤية كذلك في المنام، فمنعها الصابوني من الحنفية، والقاضي أبو يعلى من الحابلة، وبالغ ابن الصلاح في إنكارها . وقال القاضي عياض في شرح مسلم : لم يختلف في جواز رؤية الله تعالى في المنام، حتى لو رؤى على صفة لا تليق، كرؤيته في صفة رجل، للعلم بأن ذلك المرئي، ليس ذاته الكريمة، لاستحالة صفة الأجسام عليه .وقال القاضي أبو بكر بن العربي : رؤيته تعالى في المنام، أوهام وخواطر في القلب، يتعالى الله سبحانه عنها . وهي دلالة للرأي على أمور، مما كان أو سيكون، كغيرها من الرؤيات اه . وقال الغزالي في كتاب المضنون به على غير أهله :

الحق أنا نطلق القول بأن الله تعالى يرى في المنام، كما نطلق القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى، لكن المرئي مثال محسوس من نور وغيره من الصور الجميلة التي تصلح أن تكون مثالا للجمال الحقيقي المعنوي الذي لا صورة له ولا لون . ويكون ذلك المثال، صادقا حقا، وواسطة في التعريف . فيقول الرائي : رأيت الله في المنام، لا بمعنى رأيت ذاته . كما يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، لا بمعنى أني رأيت ذات روحه، أو ذات شخصه بل بمعنى أنه رأى مثاله .

قال : فان قيل : النبي صلى الله عليه وسلم، له مثل . والله تعالى لا مثل له . قلنا : هذا جهل بالفرق بين المثل والمثال . فليس المثال عبارة عن المثل، إذ المثل : المساوي في جميع الصفات والمثال لا يحتاج فيه المساواة . فان العقل، معنى لا يماثله غيره مماثلة حقيقية . ولنا أن نضرب له الشمس  مثالا، لما بينهما من المناسبة في شيء واحد . وهو أن المحسوسات، تنكشف بنور الشمس، كما تنكشف المعقولات بالعقل . فهذا القدر من المناسبة، كاف في المثال .

ويمثل في النوم السلطان بالشمس، والوزير بالقمر . والسلطان لا يماثل الشمس بصورته، ولا بمعناه ولا الوزير يماثل القمر .

الا أن السلطان له استعلاء على الكل، ويعم أمره الجميع، والشمس تناسبه في هذا القدر . والقمر واسطة بين الشمس والأرض، في إفاضة النور، كما أن الوزير واسطة بين السلطان والرعية، في إفاضة نور العدل، فهذا مثال، وليس بمثل . وقال الله تعالى : ( الله نور السموات و الأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح الآية. ولا مماثلة بين نوره وبين الزجاجة و المشكاة.

وعبر النبي صلى الله عليه وسلم عن اللبن في المنام بالإسلام . والحبل بالحبل والقران ؟ الا في مناسبة . وهو ان الحبل والقرءان ؟ الا في مناسبة . وهو ان الحبل يتمسك به في النجاة ، واللبن غذاء الحياة الباطنية . فهذه كلها مثال ، وليست بمثل . فذات الله تعالى ، وذات النبي صلى الله عليه و سلم ،لا يريان في المنام .

وأن مثالا يعتقده النائم ذات الله تعالى ، وذات النبي صلى الله عليه وسلم، لا يريان في المنام . وأن مثالا يعتقده النائم ذات الله تعالى، وذات النبي صلى الله عليه وسلم، يجوز ان يرى . وكيف ينكر ذلك  مع وجوده في المنامات ؟ فان من لم يره بنفسه، فقد تأوثر إليه عن جماعة أنهم رأوا ذلك اه كلام الغزالي، وهو تحقيق نفيس . وعلى هذا، فحديث اختصام الملأ الأعلى الذي رواه أحمد والترمذي عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إني قمت من الليل     فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي فاستثقلت فإذا أنا بربي في أحسن صورة فقال : يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لا أدري يا رب، قالها ثلاثا .. فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء وعرفت » الحديث صححه الترمذي، ونقل عن شخصه البخاري أنه صححه أيضا .

معناه: أن الله تعالى أراد أن يطلع نبيه على الملأ الأعلى، وعلى ما شاء من غيبه، بغير واسطة جبريل عليه السلام، فتعرف إليه بهذه الصورة التي كانت آلة أدت ما أوحي الله إليه بواسطتها، فهي مثال، وليست بمثل .

وعالم الرؤيا، عالم المثال . يرى فيه ما ليس بجسم، في صورة الجسم . فيرى العلم في صورة اللبن، والدين في صورة القميص، والعهد في صورة الحبل، وهكذا .

ومن أوابد ابن تيمية، ما نقله تلميذه ابن القيم في زاد المعاد، حيث قال : وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه في الجنة، يذكر في سبب الذؤابة شيئا بديعا . وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه في المدينة، لما رأى رب العزة تبارك وتعالى فقال : يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لا أدري، فوضع يده بين كتفي .. الحديث . قال : فمن تلك الليلة أرخي الذؤابة بين كتفيه . ولم أر هذه الفائدة في إثبات الذؤابة بغيره . قلت : شهد ابن القيم بأن هذه الفائدة تفرد بها شيخه .

وقال الحافظ العراقي : لم نجد لها أصلا . قال ابن حجز في شرح الشمائل : بل هذا قبيح رأيهما وضلالهما إذ هو بني على ما ذهبا إليه من إثبات الجهة والجسمية لله تعالى .
قال المناوي تعقيبا عليه : إما كونهما من المبتدعة فمسلم، وإما كون هذا بخصوصه، بناء على التجسيم، فغير مستقيم، وبين ذلك بما يناقش فيه . والحقيقة في هذه الفائدة : إنها من كيس ابن تيمية .
ومما يردها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرخى الذؤابة لعمامته على عادة العرب في ذلك، وهو بمكة . ورؤيا الله تعالى، حصلت له في       

المدينة، في أواخر حياته، وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية، عمم أميرها بيده الشريفة، وأرخى لها ذؤابة .

6 ـ روى ابن خزيمة في صحيحه، والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا لا تقبحوا الوجه فان الله خلق آدم على صورة الرحمن » هذا الحديث شاذ . وأول بعضهم لفظ الصورة بالصفة، قال : والمعنى أن الله خلق آدم حادثة، وصفة الله قديمة، فلا شبه بينها الا في الاسم . واعل ابن خزيمة هذا الحديث بثلاث علل : إحداها : أن الثوري رواه عن عطاء مرسلا، لم يذكر ابن عمر .
ثانيتها : أن الأعمش عنعنه، وهو مدلس.
ثالثهما : أن حبيب بن أبي ثابت لم يصرح بالسماع من عطاء، وهو أيضا مدلس .
وقال البيهقي : يحتمل ان يكون ذكر الرحمن، من تصرف بعض الرواة، بحسب فهمه، وهذا هو الصحيح.

وكذلك ما رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة من طريق أبي يونس عن أبي هريرة مرفوعا : « من قاتل فليتجنب الوجه فان صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن » هو أيضا حديث شاذ، ولم يخل من تصرف الرواة، كما يتبين مما يأتي :
ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خلق الله آدم على صورته وطوله، يعود على آدم جزما، لأنه محط الفائدة، ويستفاد منه أمران :

1 ـ أن الله خلق آدم رجلا كاملا سويا، من أول ما نفخ فيه الروح . ولم ينتقل في النشأة أحوالا، ولا تردد في الأرحام أطوارا كذريته .

2 ـ إن آدم عليه السلام، ولم يكن من فضيلة الحيوان الأعجم، ثم ترقى إلى أن صار قردا، ثم تخطى حلقة مفقودة، فصار إنسانا .

فالحديث يرد نظرية التطور والارتقاء التي ظهر بها دارون .
على عالما المانيا قال : القرد إنسان متقهقر، وليس الإنسان قردا مرتقيا، عكس ما يقول دارون . واتخذ أدلة دارون وبراهينه أدلة وبراهين على صحة نظريته هو، فجعل أدلة دارون حجة عليه، لا له .

ومن تشدد الإمام أحمد، هجرانه لأبي ثور، على تأويله لهذا الحديث . إذ أن مذهبه إبقاء الحديث على ظاهرة في إثبات الصورة المعهودة .

لكن غاب عنه أمر ظاهر في الأعراب، وهو عود الضمير إلى آدم، لأنه اقرب مذكور، ولأنه المقصود من سياق الحديث، إذ المراد الإخبار بأن الله خلق آدم على صورته التي أوجدها بها .

وفي صحيح مسملم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فان الله خلق آدم على صورته » .
الضمير في صورته يعود على المقابل أو المضروب .

يؤيده ما رواه البخاري في الآداب المفرد والإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فان الله خلق آدم على صورته » .
والغرض من الحديثين تكريم وجه المضروب والمشتوم، لشبهه بوجه آدم أبي البشر عليه السلام .
وأما ما رواه الطبراني في السنة، قال حدثنا عبد الله بن أحمد أبن حنبل، قال : قال رجل لأبي صورة الرجل، فقال : كذب، وهو قول الجهمية ا ه . فهذا تزمت شديد .

وكيف يجزم بعود الضمير على الله، مع ظهور عودة على الرجل ؟ بل صرح بعودة على الله كما في بعض الروايات، لم يجز الجزم به، لاحتمال روايته بالمعنى، حسب فهم الراوي .   

ولهذا اعترض أبو حيان على ابن مالك في استشهاده بالأحاديث النبوية،  لبعض القواعد النحوية .
وقال : إن الحديث دخلته الراوية بالمعنى، بحيث لا تكاد تجزم باللفظ النبوي إلا في القليل النادر . فمن الخطأ الواضح : قول اسحق بن رأهويه صح إن الله خلق آدم على صورة الرحمن . وقول احمد : هو حديث صحيح .وقول ابن قتيبة : صورة لا كالصور .

قال ابن حزم في الفصل : وكذلك القول في الحديث الثابت : خلق الله آدم على صورته . فهذه إضافة ملك، يريد الصورة التي تخيرها الله سبحانه ليكون آدم مصورا عليها . وكل في كبقته، فأنه ينسب إلى الله عز وجل كما نقول بيت الله عن الكعبة، والبيوت كلها بيوت الله، لكن لا يطلق عليها هذا الاسم، كما يطلق على المسجد الحرام . وكما نقول في جبريل وعيسى روح الله، والأرواح كلها لله .
وكالقول في ناقة صالح : ناقة الله، والنوق كلها لله عز وجل . فعلى هذا قيل : على صورة الرحمن، والصور كلها به تعالى أ ه .

وسبقه بن خزيمة إلى تأويل إضافة الصورة لله، على أنها إضافة خلق، وعاب من حملها على الصفة، ووصفه بعدم تحري العلم .

وأما الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة من طريق أبي يونس عن أبي هريرة مرفوعا « من قاتل فليجتنب الوجه فان صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن » . فهو حديث شاذ، لم يأت في الصحيحين .

ومنكر المعنى، لأنه يشبه وجه الإنسان بوجه الرحمن، وهو تشبيه صريح، لا يحتمل تأويلا، فهو مردود لا محالة .

7 ـ روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن طريق سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب، قال : كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرت سحابة . فنظر إليها فقال : « ما تسمون هذه ؟ » قالوا : السحاب، قال : « والمزن ؟ » قالوا  : والمزن، قال « والعنان لا » قالوا والعنان . قال « هل تريدون بعد ما بين السماء والأرض ؟» قالوا : لا ندري . قال :« إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سموات ثم من فوق السابعة بحرين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبيهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك » .

قال الترمذي : حديث حسن غريب، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم، وسلمه الذهبي .
وأجهد نفسه ابن القيم في تقويته، في شرحه لمختصر سنن أبي داود، لإفادته فوقية الله على العرش، وهو يعتقدها كشيخة .

وقد كنت وانا بمصر جزءا في بطلانه ونكارته، وأخذه مني بعض كبار العلماء بالأزهر، وبقي عنده حتى مات، ولم أتوصل به .
ويمكن تلخيص ذلك الجزء في النقاط الآتية :

1 ـ إن هذا الحديث تفرد به سماك، وهو وان كان من رجال مسلم، فقد ضعفه شعبة والثوري وابن المبارك، وقال أحمد : مضطرب الحديث، وقال النسائي : كان ربما لقن، فإذا انفرد بأصل لم يكون حجة، لأنه كان يلقن فيتلقن، وهذا مما انفرد به .

2 ـ إن سماكا اضطرب فيه، فرأوه مرة كما هنا، ورواه مرة عن عبد الله بن عميرة عن العباس، بإسقاط الأحنف . وقال مرة : عبد الله بن عميرة عن وزج درة بنت أبي لهب .. ورواه مرة مرفوعا، وأخرى موقوفا على العباس .    

3 ـ إن عبد الله بن عميرة بفتح العين، قال الذهبي : فيه جهالة . وقال إبراهيم الحربي : لا أعرفه، وقال مسلم في الوحدات : تفرد سماك بالراوية عنه، وذكره ابن مندة في الصحابة فأخطأ وبين خطأه أبو نعيم .

4 ـ قال البخاري : لا يعلم لعبد الله بن عميرة سماع الاحنف، وعلى هذا فالإسناد منقطع .

5 ـ ان حديث يفيد أن حملة العرش اليوم، ثمانية . والقرآن يفيد أنهم ثمانية يوم القيامة . قال الله تعالى : (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) . 
روى ابن جرير في تفسيره، عن ابن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية » . وروي أيضا عن أبن أسحق، قال بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « هم اليوم أربعة ـ يعني حملة العرش ـ وإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية » .

6 ـ مخالفة الحديث للقرءان، يقول الله تعالى ( الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحته مثنى وثلاث ورباع )، فأفاد أن الملائكة ذوو أجنحة، وكذلك جاء في السنة الصحيحة وهذا الحديث أفاد أن حملة العرش من ذوات الاظلاف، وهذه نكارة ظاهرة .

7 ـ ذم الله المشركين الذين وصفوا الملائكة بأنهم إناث . قال الله تعالى ( وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ) .
وهذا الحديث جعل العرش وهم الملائكة المقربون، اوعالا ذوي أظلاف وقرون، وهي نكارة ظاهرة .

8 ـ  إن الوعول جمع وعل، والوعل هو التيس الجبلي والذكر من المعز، والتيس مذموم عند العرب، قال الشاعر العربي : وشر منيحة تيس معار
وقالوا : أحمق من ناطح الصخرة أي الوعل .

وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كلما نفرنا غازين في سبيل الله تخلف أحدكم ينب نبيب التيس » وذلك انه أتى رجل الزنا، فأمر برجمه، وذكر الحديث ( نب التيس بتشديد الباء صاح عند الفساد ) .

وفي سنن أبن ماجة بإسناد حسن عن عقبة بن عامر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إلا أخبركم بالتيس المستعار ؟ هو المحلل » .

فكيف يكون حملة العرش المقربون، على صورة تيوس ؟! هذه ظاهرة .
ولذا قال ابن العربي في عارضة الاحوذي : أن خبر الأوعال متلقف من الإسرائيليات أه وما قاله صحيح، والله تعالى أعلم 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here