islamaumaroc

أعلام الأندلس: القاضي أبو بكر ابن العربي (468-543 ه) -11-

  دعوة الحق

183 العدد

آثاره:

مما يدخل في التعريف بابن العربي ـ الحديث عن آثاره، ومؤلفاته، وقد خلف ثورة عملية ضخمة،  ولكن ـ يا للأسف ـ قد ضاع معظم هذا التراث، وما بقى، أكثره لم ير النور بعد (1) .
ويمكن تصنيف مؤلفاته كما يلي :
ـ في التفسير وعلوم القرءان :
قسم ابن العربي علوم القرءان إلى أربعة أقسام : التوحيد الناسخ والمنسوخ ـ الأحكام ـ التذكير (2) . وفسر كل واحد منها على حدة ، ولعل كتابة الكبير :

1 ـ ( أنوار الفجر، في مجالس الذكر (3) ـ أستوفى كل هذه الأنواع . وقد ألفه في عشرين سنة وهو يقع في ثمانين مجلدا، في كل مجلد ألف ورقة (4)، ( أي مائة ألف وستين ألف صفحة ) . أعلاه في المجالسة العامة (5) التي كان يعقدها للتذكير والوعظ، فكان كلما فرغ من مقدار منه، تناوله تلاميذه وأصحابه وتناسخوه، فتفرق بأيدي الناس (6) . وابن العربي توسع في هذا الكتاب، وأفاض في كثير من أبحاثه وموضوعاته، إلى حد أنه أملى في أية « إلهاكم التكاثر » مائة وثمانين مجلسا (7) .
واستوفى القول في آية « ثم لورثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا » في عدة مجالس (8) .


وتحدث طويلا عن آية « يا أيها الناس، أنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا (9) » .
ـ وبسط آية « أو جاءوكم حصرت صدوركم » بسطا كبيرا ـ في محو مائة ورقة (10) .
ـ وتعرض لآية « والذين آمنوا اشد حبا لله » ـ من ستة وجوه (11) .
ـ ومن الموضوعات التي أفاض القول فيها خصائصه ـ ص ـ ومعجزاته، وأنهاها إلى ألف معجزة (12) . وظل كتاب « انوارالفجر» موجودا بالمكتبات المغربية إلى حدود أوائل القرن الثامن الهجري (13)، ويذكر الشيخ يوسف الحزام المغربي، انه رآه في خزانة السلطان أبي عنان المر يني بمدينة مراكش، وكان يخدم السلطان في حزم تنبع ورفعها، فمد أسفاره، فبلغت ثمانين سفرا (14) .
ويذهب أبو العباس الصومعي في كتابه « أنوار الفجر» قد تلف في حياة مؤلفة، وتابعه على ذلك، أبو العباس بين عجيبة في تفسيره الكبير على الفاتحة (16) . ـ بينما الكوثري عندما تحدث في مقالاته ـ عن أنوار الفجر قال : ( والمعروف انه موجود ببلادنا ـ يعني تركيا ـ إلا إني لم أظفر به، مع طول بحثي عنه (17) . وتذكر فهارس الاسكوريال، والقرويين، إن هناك بعض أجزاء من تغيير القاضي أبي بكر بن العربي ولم يمكني ـ إلى الآن ـ الاطلاع عليها، وعسى الأيام تكشف عن هذا الكنز الثمين .

ـ صنوه (قانون التأويل)، أملاه سنة (531 ه (18)، وقد أخطأت عين الزمان بعض نسخة، والكتاب فريد في بابه، مهد له مؤلفه بمقدمة طويلة، لخص فيها رحلته إلى بلاد المشرق التي أسماها « ترتيب الرحلة، للترغيب في الملة » ويبدو أنها ضاعت منه (19)، فأراد أن يثبت خلاصتها في صدر هذا الكتاب .

ويذكر من الدواعي التي دفعته إلى تأليفه، أن بعض الذين كانوا يسمعون عنه في مجالس « أنوار الفجر
نكتا تتصل بموضوع قانون التأويل في القرءان، الحوا عليه في تأليف كتاب في   هذا الباب، فاعتذر إليهم فما أعذروه :( ... إن مما صرفت إليه رغبته، واستمرت عليه عزيمته، في تحرير مجموع في علوم القرءان، يكون مفتاحا للبيان، ويشير إلى الممكن من قانون في التأويل لعلوم التنزيل، برشد المبتدى إلى ضالة الطلاب، ويفتح على المنتهى ما ارتج من الأبواب (20) ... ) .
 ومن المصادر التي اعتمدها :
تفسير الثعالبي، تلخيصه للطرطوشي، كتاب الماوردي، مختصر الطبري، كتاب ابن فورك،
     
كتاب النقاش، كتاب « المحيط » لعبد الجبار، تفسير الرماني ـ إلى مصادر أخرى عامة وخاصة (21) . والمؤلف بني كتابة « قانون التأويل » على أساسين اثنين، هما :

1 ـ معرفة النفس « وفي أنفسكم، أفلا تبصرون (22) ».
2 ـ معرفة الرب « ومن عرف نفسه، عرف ربه (23) » . 
وهنا يورد آية «الله نور السماوات والأرض » إلى « لم تسمع نار » ـ كنموذج تطبيقي في الموضوع، فيذكر أنها آية كريمة، وعلى مرتبة من العلم عظيمة، ضربها الله مثلا ما بعدها في قوله : « او كظلمات في بحر لجي » إلى « فما له من نور (24) » .
وبعد أن يحلل الآيتين تحليلا دقيقا، ويضرب لذلك الأمثال ؛ ـ يأتي بما يعضه من شواهد السنة والآثار، ويزيد المعنى وضوحا وجلاء ؛ ومع كل هذا فهو لا يكتفي من القارئ بتلك الصبابة التي ربما لا تروي غلته، بل يحيله على ذلك البحر الطامي، الذي لا تعرف حدوده، ولا تدرك أعماقه : ( أنوار الفجر) ـ ما  تستدلون به على أساليب كثيرة من الكلام في علوم القرءان، ووراء هذا وجوه من التأويل في الظاهر ومعاني الباطن، هذا وسط منها في الحالين فخذوا هذا دستورا، واتخذوه قانونا (25) .

ثم يذكر أقسام النفس الثلاثة : الإمارة اللوامة، المطمئنة (26)، ويشرح وظيفة كل منها، وما قد يحدث بين النفس والجد من المنازعات (27)، ويشير إلى الآيات الواردة في النفس والقلب والجوارح، ويذكر وجوها من التأويل (28) ؛ وهنا يهاجم الفلاسفة والصوفية في تعريفاتهم للروح، وكلاهما يحلق على مذهب الحلولية، الذي يلتقي مع مذهب النصارى في اعتقادهم في عيسى (29) .
ويعجب ابن العربي من الغزالي الذي حكي هذا القول، وشاركهم الرأي بأن الروح حادث يفنى كما يفنى الجسد (30) . وهو إلى ذلك لا يشاطر اسناذه القول بأن الروح جوهر، بل المختار ـ عنده ـ انه عرض لا جوهر، ووصف غير موصف (31) .

ثم يدخل إلى صميم الموضوع، فيفصل القول في علوم القرءان وأنواعها، ومختلف ضروبها (32) ؛ فيذكر في ذلك عدة تقسيمات، منها انقسامه إلى علم ظاهر، وعلم الباطن، ويبادر إلى القول بأن هذا العلم ـ أعني علم الباطن ـ قد ضلت فيه أمم ، وزلت به أقدام (33) ، وفي هذا الصدد، يذكر أن بعض أصحابه ـ من السالكين ـ سأله عن الحكمة في قوله تعالى : « وان يمسسك الله بضر، فلا كاشف له إلا هو، وأن يردك بخير فلا رد لفضله »، فأضاف الضر إلى المس، والخير إلى الإرادة ؛ فأجابه جوابا


شافيا، وأطال في شرح ذالك (34) ؛ وتحدث ابن العربي عن التفسير الاشاري  للصوفية، وينوه بكتاب اللطائف و الإشارات للقشيري ـ على ما فيه من تمحل لبعض مقاصد الصوفية(35) .

ومما يدخل في الباطن ـ علم الحروف المتقطعة في أوائل السور، ولابن العربي تفسير حسن في هذا الباب . ويرى أن لو كان الأمر مما ينال بالاجتهاد، ويجري الظن، لقال فيه بقول من قال ? أنها إشارة إلى تعجيز العرب (36) ؛ ثم يذكر دور الاجتهاد في علوم إلى ضرورية ونظرية، وما فيه تكليف، وما ليس فيه تكليف، وما يكتفي فيه بالظن، وما لابد فيه من القطع والجازم ؛ وما دليله العقل، وما ل سبيل إلى معرفته إلا بالنقل الشرعي، أو الغوي (38) .

ومن العلم النظري، معرفة ألمه وصفاته وأفعاله، والمعاد، وأحوال الآخرة، وهذا مما يبحث في أصول الدين ؛ ومن العلم العملي ما يتصل بأحوال المكلفين، فيرجع فيه إلى أصول الفقه (39) .
والأنسب ـ في نظر ابن العربي ـ أن تقسم علوم القرءان إلى ثلاثة أقسام : توحيد، تذكير، أحكام (40) ، ـ وهو الذي أشار عليه في أكثر كتبه .

ـ ثم هناك منبع آخر ثر، يحيلنا عليه المؤلف كثيرا في باب التأويل، وهو كتاب المشكلين ـ يعني مشكل القرءان، ومشكل السنة ؛ وهذا الكتاب لم يقدر لنا أن نقف عليه ، ولا يزال في ذمة التاريخ .

ولم يفت ابن العربي أن ينبهنا إلى أهمية كتاب أبن فورك ( مشكل القرءان)، الذي رجع إليه كثير في هذا الباب، ويقول لم يؤلف مثله (41)، على انه يحذرنا من كتاب الرماني الذي ألفه في الموضوع، ويرى انه مبتدع، لا تجوز قراءة كتبه (42) .  أما ما يتصل بالقسم الأول من علوم القرآن ـ وهو التوحيد، فزيادة على البحوث المستفيضة التي نجدها في الكتابين : (أنوار الفجر) و (قانون التأويل) ؛ فقد ألف ابن العربي في الموضوع عدة م}لفات، منها :

4 ـ ( الأمد الأقصى، في أسماء الله الحسنى، وصفاته العلي) (43)، والكتاب ادخل في علم التوحيد، منه في موضوع الأذكار، وقد قال الشافعي : أن جميع القرءان شرح لأسماء الله الحسنى، وصفاته العلي(44) ؛ ويحدثنا ابن العربي في هذا الصدد ـ ومن عادته أن يستطرد للحديث عن رحلته إلى بلاد المشرق الموطن الأول لهذه الثقافات التي عاش لها ابن العربي ـ فيقول : ( ... فقد كنت متشوقا إلى قرع باب العلم بربي، متشوقا إلى مطالعة حضرته، وما فيها من عجائب المعارف وفنون المعلومات ؛ فوق بفضله، إلى سواء سبيله، ويسر العثور على دليله، وميز جملة العلم من تفصيله ... فكان أفضل ما أنتذبت إليه، وعقدت العزم عليه ؛ التعرف بالله تعالى، والتفسير لأسمائه الحسنى، وصفاته العلي؛ فنظمت فيها شتيت     
تعليقي، وصدعت بتبيانها وعاء تحقيقي؛ وجلوت نكتا طالما شددت إليها الحزام، وطبعت 

عليها الختام .... وقد سبق إلى هدا المعنى جماعة من المتقدمين، فجاءوا مستأجرين ومستقدمين ؛ ومنهم من أوعب فأطنب، ومنهم من هذب وقرب، ما استولى على المرغوب، ولا قرطاس المطلوب ؛ إلا بعض أشياخي، فانه جمع فيه كتابا صغير الحجم، استوعب فيه حملا عظيمة، وأشار إلى أمور بديعة، هتك بها حجاب الإخفاء، وقام فيها بواجب الاحتفاء ؛ وعلى كثرة ما جمعنا فيها، ـ على سيرته ـ أمورا لا تطاق، وجاء بألفاظ يضيق عنها النطاق ؛ سنفاوض منها فيما أمكن ، ونعرض عما استبهم ؛ ـ احتشاما لجنابة الرفيع، واغتناما لبيانه البديع (45) ... ) .

وقد بناه على أربعة أقطاب :
1 ـ في أسماء الله ـ تعالى ـ على الجملة والتفصيل، وذكر مواردها، واختلاف الروايات فيها .
2 ـ في ذكر سوابق وفواتح لابد من تقديمها، بيانا لما عسى ان ينبهم من أغراضه .
3 ـ في شرح معانيها، وإيضاح مقتضاها.
4 ـ في ّذكر متمات ...
وكل قطب من هذه الأقطاب الأربعة، يشمل على فصول وأصول، وتمهيدات وفروع، وتقسيمات ... ويجمل الخطوط العريضة للمنهج الذي سار عليه فيقول : ( ... من كلام كل غريبة، وأوردنا كل بديعة، وعاقبناه من الاجتهاد، ما نتضرع إلى الله في أن نقرنه بالسداد، سالكين سبل الاستيفاء، ما يمكن به الوفاء، مع أيعاب، في خالص اللباب، واختصار لا يخل بالمراد، واقتصار على المهم والاقتصاد (46) ...) .
 
5 ـ ومن أهم مؤلفاته ـ في موضوع التوحيد ـ (المتوسط (47) )، ضمنه خمسة أبواب :
ـ ببث العلم بالله وصفاته، ووجه النظر إليه بمقدماته .
ـ النظر في خلق الأعمال وما يتصل به .
ـ القول في النبوات ، وما يتبعها من ذكر المعجزات والكرامات ...
ـ ذكر السمعيات التي لا سبيل إلى معرفتها  إلا بالشعر .
ـ القول في التفصيل والخلافة، وما إلى ذلك (48)
6 ـ ووضع على هذه العقيدة شرحا اسماه ( المسقط في شرح المتوسط (49) ) .

7 ـ وتذكر له بعض المصادر ( التوسط في معرفة صحة الاعتقاد، والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد (50) ) . وله مؤلفات أخرى نحى فيها منحى المتكلمين أرجأت الحديث عنها إلى موضوع علم الكلام.

8 ـ وألف ابن العربي في القسم الثاني من علوم القرءان كتاب ( الناسخ والمنسوخ في
القرءان(51)، وهو مختصر في غاية التحرير والإتقان، اعتمده الزركشي في (البرهان)، ونوه به الحافظ السيوطي في (الإتقان)؛ وجاء في خاتمة الكتاب: (...انتهى الحاضر في الخاطر، من القسم الثاني في علوم القرءان ـ و هو الناسخ و المنسوخ ـ مختصر الألفاظ، مخترعا من كثرة الاوهال (52)...).
تحدث في مقدمة الكتاب عن الكتاب عن النسخ ما هو ؟ وهل هو جائز أم لا ؟ ثم عن شروطه وأقسامه؛ وبعد هذا يشرع في شرح ما ورد في القرءان من النسخ، مرتبا ذلك حسب سور القرءان؛ وقد مهد لذلك بالحديث عن المكي و المدني، ثم أول ما نزل، ثم تعدادا آي السرور، و ما دخله النسخ منها وما لا(53) ومن الموضوعات التي اجاد القول ـ وهي من مبتكراته ـ ما هو من قبيل المخصوص، ويذكره المفسرون في جملة أقسام المنسوخ؛ مثل قوله تعالى : « والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا » .
« فأعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ».

ـ  إلى غير ذالك من ألآيات،التي خصصت باستثناء أو غاية ؛ وأخطأ من ادخلها في المنسوخ ؛ ومن غريب النسخ، ما أشار إليه من أن آية « يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم » . فآخرها (إذا اهتديتم ) يعني بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ـ ناسخ لأولها (عليكم أنفسكم ) ، و لا نظير لها في القرءان (54) . وأن آية « فإذا انسخ الأشهر الحرم، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم » ـ ناسخة لمائة وأربع عشرة آية، ثم صار آخرها ناسخا لأولها ــ و هو قوله تعالى ? « فان تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم (55) » . وأغرب من ذالك ، ما ذكره في آية ? « خد العفو وأمر بالعرف، وأعراض عن الجاهلين» كان أولها (خد العفو)، وآخرها (و أعرض عن الجاهلين) ـمنسوخ، ووسطها محكم ـ وهو (وامر بالعرف (56) ).
9 ـ وألف في القسم الثالث من علوم القرءان ـوهو الأحكام ـ كتابه أحكام القرءان ـ (الكبرى)، وهو من الكتب القلائل في هذا الباب.
منهجه:

وطريقته? أن يذكر سورة القرءان وما فيها من آيات الأحكام، فيشرحها و يذكر ما فيها من مسائل، و هو يعتمد على اللغة، و على الحديث، و على ما كان من أفعال النبي ـ ص ـ وصحابته، مستعينا بقواعد أصول الفقه التي هي أعظم الطرق لاستثمار الأحكام.
وهو إلى ذلك ـ يوازن بين المذاهب، ويؤيد رأيه بالحجة و المنطق السليم، ينتصر لمذهب مالك في كثير من الأحيان، ويدافع عنه تارة بالتصريح، و أخرى بالتلويح، وربما قسا على بعض المذاهب وهاجمها بعنف، ولا يجد غضاضة في أن يقول لمالك ـ و هو مذهبه و أمامه ـ أنه ليس هناك، وينصف الذين خالفوه.
وهو شديد النفر من الأحاديث الضعيفة ينتقدها، ويحذر أصحابه منها (57) ؛ ويبتعد ـ ما


وسعه ذلك ـ عن الخوض في الاسرائليات، التي تورط فيها كثير من المفسرين (58) . وجاء في بعض النسخ إن المؤلف، فرغ من تأليف الأحكام سنة ثلاث وخمسمائة، ولعل الصواب سنة ثلاثين وخمسمائة (530 ه) (59) .
10-  وقد اختصره في مجلد، ويعرف بالأحكام الصغرى (60) .
11 ـ وألف في القسم الرابع من علوم القرءان ـ وهو علم التذكر ـ ( سراج المريدين) (61) .
قال تعالى : « وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين » .
وقد تناول فيه آيات الوعد والوعيد، والجنة والنار، وحكايات الصالحين، وسنن المهتدين ... وهو يميل في أسلوبه إلى السجع والتقنية في كثير من الأحيان، وهذا نموذج منه :

(كيف تكون داعيا، وأنت في المعاصي ساعيا، أم كيف تكون مضطرا، وأنت للمخالفات، وهتك الحرمات مختارا، أم كيف تكون مظلوما وأنت قد ظلمت، فان أجبت في غيرك، أجيب فيك غيرك، فالله أولى بالكل، « يدبر الأمر من السماء إلى الأرض » .
وعلامته : العاقبة الجميلة لك، والحالة الحسنة فيك ـ أن تكون ـ أبدا مستجيرا بالله من نفسك وغيرك، مستغفرا له من ذنبك، مجتنبا لحقوق الخلق لا يتعلق بك، والله الموفق برحمته (62) .

ولعل ابن عطاء الله، تأثر به في حكمه على أن ابن العربي، اعتمد كثيرا كتاب ( التحيير، في علم التذكير ) ـ للقشيري، وقد درسه طويلا لتلاميذه (63) وربما كان هو الذي أوحى إليه بتأليف هذا الكتاب .
ومن الموضوعات التي تناولها :

العلم والمباهاة به (64) ـ المحافظة على آداب الشريعة (65)، ـ الإمامة والشورى (66)، ـ الرباط والمرابطة (67) ـ كيفية اللباس : جائزة ومحظورة، حسنة قبحه (68)، ـ ارتباط أي القرءان بعضها ببعض، حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني، علم عظيم .. ـ يقول ابن العربي ـ لم نجد له حملة، فجعلناه بيننا وبين الله، ورددناه إليه (69) .
12 ـ ومما يتصل بعلم التذكير، موضوع العالم الأخروي ؛ وقد ألف فيه ابن العربي كتابه ( أحكام الآخرة، والكشف عن أسرارها الباهرة (70) .
تحدث فيه عن مشاهد يوم القيامة، وأحوال البعث والحشر والنشر .. 
 

13 ـ وقد وقفت على جزء وسط ـ في التفسير، نسبت للقاضي أبي بكر بن العربي، يحمل عنوان (خامس الفنون ) (71)، فسر فيه الآيات تحدثت عن أخبار الأمم السالفة التي أعرضت عن آيات الله، وتمردت عن شرائعه، فحقت عليا كلمة العذاب، وكانت عبرة للمعتبرين، وذكرى للمفتكرين . وهو يستعمل في معالجة هذه الآيات أسلوب الوعظ والإرشاد : (تنبه أيها الغافل )، ( فانظر وفكر، وفي الحوادث عبر ) .. تتخلل ذلك بعض الحكم، وأبيات شعرية فيها عبرة وذكرى .
ـ ( من استرعى الذنب ظلم )
(شربت الإثم حتى زال عقلي
كذلك الإثم يذهب بالعقول )
والجزء يبتدئ بقوله تعالى : « وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ، إلا كانوا عنها معرضين (72)»
ـ الآية 4 من سورة الأنعام .
وينتهي بقوله ـ سبحانه ـ : « فانتظروا إني معكم من المنتظرين، فأنجيناه والذين معه برحمة منا، وقطعنا دابر الذين كفروا بآياتنا، وما كانوا مؤمنين (73) ». ـ الآية ـ سورة الأعراف.

وبعد أن يذكر في صفة إهلاكهم ـ إن الله أرسل عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء إلا جعلته كالرميم ؛ ـ يشير إلى انه ستأتي بقية القصة في سورة هود، مما يدل على إن هذا الجزء ستتلوه أجزاء، وربما تقدمه أجزاء أخرى في نفس الاتجاه، والمحتمل أن هده الأجزاء ـ بمجموعها ـ تكون التغيير الكبير الذي يلمح إليه المؤلف في نهاية كتاب الأحكام، ويذكر أته تلف منه، وذهب به المقدار ـ : ( .. وكمل القول الموجز في التوحيد، والأحكام، والناسخ والمنسوخ ... وبقي القول في علم التذكير، وهو بحر ليس
 لمدة حد، ومجموع لا يحصره العد ؛ وقد  كنا أملينا عليكم في ثلاثين سنة، ما لو قيض له تحصيل، لكان جملة تدل على التفصيل ؛ ولما ذهب به المقدار، فسيعلم الغافل لمن عقبى الدار ) (74) .

وقد يقوي هذا الاحتمال، ما جاء في آخر نسخة عتيقة من كتاب الأحكام، وبتمامه كمل جميع الديوان ) (75) .
وهذه  التجزئة تدل على أن كتاب الأحكام، جزء من أجزاء ـ ( التفسير الكبير ) وليس هو كتابا مستقلا بنفسه، ودليل آخر، أنه لم تتقدمه خطبة ولا مقدمة ؛ خلاف صنيع المؤلف في أكثر كتبه، والله اعلم بحقيقة الحال .
14 ـ ولابن العربي إلمام واسع بعلم القراءات، ومن مؤلفاته في هذا الميدان كتاب « المقتبس (76) » .
15 ـ و « شرح حديث انزل القرءان على سبعة أحرف (77) » .
انفردت الخزانة الحمزاوية بنسخة من هذا الكتاب، وبالخزانة العامة بالرباط ـ  صورة منه صورت على شريط ( ميكرو فيلم ) تحت رقم (141)، يحتوي على (292) صفحة من القطع الكبير، كتب بخط مغربي، واضح في أكثر صفحاته .
 
و هو شرح موسع، ذكر فيه أن نقل القرءان نقل تواتر يوجب العلم، وأن قراءته نقلت نقل آحاد(78).
و قال في قول مالك : ( قراءة نافع سنة) _ ليس معناه أن قراءة غيره ليست بسنة، بل المراد أن السنة في توسع الخلق في القراءة بهذه الوجوه : من همز و حذفه، و المد وتركه، و التفخيم و الترقيق، و الاذغام  و الإظهار، من غير ارتباط إلى شيء مخصوص منها(80).
  وهاجم القراء في اختلافاتهم، و ما لهم في ذلك من جهالات (81)......

 و إذا كان هذا إسهامه الضخم في المدرسة القرءانية بالمغرب، فماذا كان دوره في مدرسة الحديث يا ترى؟
 و ذاك ما سنتحدث عنه في عدد قادم –بحول الله-.


(1) و الذي نشر من مؤلفاته لحد الآن ـ ثلاثة كتب :
ـ الأحكام ، طبعه سلطان المغرب المولى عبد الحفيظ في مجلدين سنة 1331 ه/ 1913 م، ثم نشر في أربعة مجلدات بتحقيق البجاوي 
ـ  وعارضة الاحوذي بشرح صحيح الترمذي، لم تذكر له طبعة ولا تاريخ .
ـ والعواصم من القوا صم، طبع بالجزائر سنة (1347 ه ) ونشر القسم الثاني منه بتحقيق محب الدين الخطيب ـ بالقاهرة سنة 1371 ه، وبجدة سنة 1387 ه .
(2) انظر الأحكام 2/342
(3) وسماه في إيضاح المكنون _الفجر المنير في التفسير ) 2/179
(4) ذكر ذلك في « القبس » ـ  مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم ك 1916
(5) انظر سراج المهتدين ( مخطوط خاص )
(6) انظر مقدمة العواصم من القوا صم لمحب الدين الخطيب ص 27
(7) انظر الأحكام 2 /333
(8) انظر العارضة  12 /105 و ج 13 / 93
(9) العارضة 13 /93
(10) انظر الاحكام 1 /195
(11) أنظر سراج المهتدين ( مخطوط خاص) .
(12) انظر قانون التأويل
(13) أنظر الديباج المذهب لابن فرحون ص 283
(14) نفس المصدر
(15) مخطوط خاص
(16) مخطوط خاص
(17) انظر مقالات الكوثري ص 402
(18) انظر العارضة
(19) انظر العارضة 11 / 49
(20) نفس المصدر
(21) قانون التأويل ص 18 .
(22) قانون التأويل ص 21 .
(23) قانون التأويل ص 26 .
(24) انظر قانون التأويل ص 32 .
(25) قانون التأويل ص 35 .
(26) قانون التأويل ص 40 .
(27) قانون التأويل ص 46 ـ 47 .
(28) قانون التأويل  ص 48 ـ 49 .
(29) قانون التأويل  50 ـ 51 .
(30) نفس المصدر .
(31) نفس المصدر ص 51 ـ 52 . ً
(32) نفس المصدر ص 54 ـ 55 .
(33) نفس المصدر ص 64 .
(34) نفس المصدر ص 65 ـ 66 .
(35) نفس المصدر ص 71 .
(36) نفس المصدر  ص 72 .
(37) نفس المصدر .
(38) نفس المصدر ص 73 -74 .
(39) نفس المصدر ص 78 -80 .
(40) نفس المصدر ص 81  .
(41) قانون التأويل  ص 70  .
(42) نفس المصدر .
(43) توجد نسخة منه بالخزانة الملكية كاملة، تحت رقم 2872، وبالخزانة العامة بالرباط ضمن مجموع رقم ك 2670 ـ مبتور الأخير.
(44) انظر البرهان 1 / .
(45) انظر مخطوط الخزانة الملكية رقم 2872
(46) المخطوط السالف الذكر .
(47) توجد نسخة منه بالخزانة العامة بالرباط رقم ك 2963
(48) وجاء في آخر النسخة ( نجزت العقيدة بحمد الله وعونه في جمادى الأولى سنة (600 ه ) .
(49) ذكره في قانون التأويل ص 23
(50) كذا جاء في كشف الظنون 1 / 336، وسماه عباس بن إبراهيم في الإعلام 4 / 96 ( المتوسط في معرفة صحة الاعتقاد، والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد )، ولا ربما كانا اسمين لمسمى واحد
(51) توجد نسخة منه عتيقة بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم ك 2024
(52) المخطوط المذكور.
(53) انظر الإتقان 2 / 22 .
(54) المخطوط المذكور، وانظر الإتقان 2 / 24
(55) نفس المصدر .
(56) نفس المصدر
(57) الأحكام ج 1/141، وانظر التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي 3/ 122
(58) الأحكام 1/11، والتفسير والمفسرون 3/121 .
(59) وبدل على ذلك ما ذكره المؤلف من أحداث سنة (28 ـ 529 ه )، منها ولايته القضاء، وصرفه عنها سنة (529 ه ) . انظر الأحكام 2/134
(60) توجد نسخة منها بالخزانة العامة بالرباط رقم ك 274.
(61) ويذكر عباس بن إبراهيم صاحب الإعلام، انه وقف على نسخة منه عليها خط المؤلف، وهي من الأهمية بمكان ً!
(62) انظر العارضة 2 / 120
(63) انظر فهرسة ابن خير ص 296
(64) انظر العارضة  10/123.
(65) العارضة 8 / 77-78
(66) العارضة 10/262
(67) العارضة 1 / 68
(68) العارضة 10 / 256 
(69) انظر البرهان 1 / 36 .
(70) توجد منه نسخة بالخزانة العامة بالرباط ـ ضمن مجموع رقم ك 928
(72) انظر الصفحة الأولى من المخطوط السالف الذكر.
(73) أنظر اللوحة الأخيرة من المخطوط .
(74) انظر الأحكام 2 / 342 ـ الطبعة الأولى ( 1331 ه)
(75) انظر اللوحة الأخيرة من مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم ك 427 .
(76) ذكره في كشف الظنون ص 1972، ونسب له هدية العارفين 2 / 90 قصيدة في القراءات، ثم عاد فنبها في ص (103) لأبي عبد الله محمد بن احمد بن العربي ( ت. 591 ه) ـ ولعله حفيد أبي بكر بن العربي .
انظر قانون التأويل ص 60 .
(78) نفس المصدر.
(79) و أنظر "البرهان" للزركشي 1 /212
(80) نفس المصدر.
(81) أنظر بحث الشيخ محمد الفاضل بن عاشور المنشور بمجلة دعوة الحق، س 10 ع 3 ص 73.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here