islamaumaroc

ظاهرة التمرد الفكري

  دعوة الحق

183 العدد

ما هو التمرد الفكري ؟
التمرد كيفما كان المجال الذي يقع فيه، هو محاولة الانعتاق من السلطة . فلا بد من وجود سلطة أولا، تشمل بإشرافها مجموعة كبيرة أو صغيرة من الناس، وتضع لهم شروطا للتحرك والعمل، وتحيطهم بحدود يجب إلا تجاوزها. وسواء أكانت هذه السلطة عائلية أم اجتماعية، أم كانت هي سلطة الدولة ممثلة في أجهزتها القضائية والتشريعية والتنفيذية .

والسلطة ـ أيا كانت ـ لا يتم معناها إلا بوجود الفرض والالتزام من جانب، والطاعة والامتثال من جانب آخر. فلا سلطة إذا كان الشخص المادي أو المعنوي الذي يتصرف بمقتضاها، ليس في مقدوره إعطاء كلمته صفة الأمر الواجب التنفيذ، ولا سلطة إذا كان الطرف الذي تمارس عليه السلطة سيادتها لا يتقيد بها في شأن من شؤونه، وإنما يتحقق للسلطة معناها الصحيح، إذا كانت تمثل طرفا له سيادة فعلية أو في حكم الفعلية، في مقابل طرف ثان ملتزم بكلمة هذه السيادة . وعلى ذلك، فإذا عجز صاحب السلطة عن إعطاء أحكامه صفة الحقائق الواقعة، أو استطاع من يقع تحت طائلة السلطة الخروج من دائرة نفوذها، انتفت السلطة وصارت غير ذات معنى على الإطلاق . ولا يمكن وصفها حينئذ بأنها سلطة معطلة، لأنها إذا تعطلت أصبحت في حكم الأشياء الاغية .

فإذا وجدت السلطة بمعناها الذي ابنا عنه، فلا بد من وجود أمر آخر لنفهم حقيقة التمرد، وهو أن يحاول احد أو جماعة التخلص من هذه السلطة، بمعنى أن التمرد موجود في نطاق السلطة، ولكنه يريد تمزيق الحدود التي رسمتها، وتحطيم القوانين التي وضعتها ، فلا هو يستطيع تحقيق كل ما يهدف 
إليه، ولا هو يبقى محافظا على ولأنه للسلطة القائمة، وإنما يبقى بين هذا وذاك، وهذا هو التمرد في معناه الأصيل، حتى إذا استطاع الإفلات من قبضتها وتحطيم كل القيود التي تربطه بها، لا يسمى حينئذ تمردا، لان التمرد هو ما يبقى بين الخضوع والعصيان، وربما كان أقرب إلى العصيان منه إلى الخضوع . هناك إذن سلطة وهي إلزام وامتثال، وهناك حدود أو قوانين أو أعراف، تضعها هذه السلطة، ولابد من التحرك طبقا لها، وهناك أخيرا محاولة الإفلات من قبضة ذلك كله والتحرر منه . ومن مجموع هذه العناصر يتكون ما نسميه تمردا. ومع ذلك يبقى معنى التمرد ناقصا ما لم نضف عنصرا آخر لا غنى عنه، وهو العنف فكل تمرد يكتسي صبغة العنف . وهو درجات ومستويات، من الحركة القوية، إلى الصوت الصارخ، إلا تحطيم حدود الأشياء، إلى الأذى الجدي وإراقة الدماء، وهذه أقصى درجات العنف.

وأن من الطبيعي أن يكون التمرد متسما بشيء كثير أو قليل من العنف، إذ أنه يستهدف تغيير ما هو واقع وحاصل متعارف عليه، ولا يمكن فعل ذلك، بدون عنف، مادام الأمر اصطدام ما بين إرادتين : إرادة القائم بالتمرد، وإرادة فرد أو مجموعة أفراد، هم القائمون وراء السلطة، مادية كانت أو معنوية وبناء على ذلك، وعلى كل ما تقدم، يكون التمرد في أساسه ومنطلقه تجاوزا للمشروعية، أو محاولة لتجاوزها . والمشروعية هي نفس القوانين أو الحدود أو الأعراف التي تضعها السلطة، وتلزم أتباعها بتنفيذ، بقطع النظر عن أهدافها ومقاصدها .فلكل سلطة مشروعيتها، وكل محاولة لتحطيم هذه المشروعية تعتبر عملا غير مشروع، وبعرض صاحبه لغضب أصحاب السلطة وعقابهم . ومن ثم كان التمرد أخلالا بالنظام، أيا  كان نوع هذا التمرد . بمعنى تغيير مواضع الأشياء وقلبها رأسا على عقب، أو أزالتها بالمرة، لوضع أشياء أخرى محلها، أو أن شئت تعبيرا أدق، استهدف هذا التغيير .

هذا هو التمرد في مفهومه العام، ثم ذلك إما أن يكون تمردا سياسيا أو تمردا مهنيا، أو تمردا فكريا، لو غير ذلك من أنواع التمرد .

والتمرد الذي يهمنا من بين هذه الأنواع هو التمرد الفكري. فما التمرد الفكري ؟
لتصور هذا الضرب من التمرد على حقيقته، لابد من إلقاء نظرة على السلطة الفكرية التي لا يدرك التمرد الفكري على حقيقته إلا بفهمها بشيء من أعمق . وسلطة الفكر هي جانبه الذي يملك قوة التأثير على إحداث الحياة العقلية والإشراف على نشاطها ووضع الأهداف التي يجب أن تتجه نحوها وهي ـ أي سلطة الفكر ـ قسمان : قادة الفكر أو زعماء فكر، ورأي عام فكري تكون خلال سنتين عادة، وأصبحت له الهيمنة على شؤون الحياة العقلية . قادة الفكر وزعماؤه يمثلون شخصا ماديا عضويا يؤثر على شؤون الفكر تأثيرا مباشرا، والرأي العام الفكري شخص معنوي ليس له تأثير مباشر، إلا أنه ربما كان أشد تأثيرا من الشخص المادي ذي التأثير المباشر، حتى لربما كان هذا الأخير مجرد مجسم لأحسن خصائص الأول ومميزاته .

وتختلف سلطة قادة الفكر عن سلطة الرأي العام الفكري في عدة أمور . منها أن سلطة الرأي العام أطول بقاء من سلطة القادة، إذ هي تستمر عقودا طويلة من السنتين، توجه أحداث الفكر والأدب، وتوحي إلى مبدعي الكلمة بالاتجاه المتلائم معا بطريق غير مباشر، في الوقت الذي يتساقط فيه القادة واحدا بعد الآخر في حياتهم أو بعد مماتهم . فالرأي العام شبيه بالحياة في تدفقها الدائم، وتكرر مجرياتها واطراد وقائعها، من حيث أن أفراد الأحياء تذهب منهم طائفة وتجيء أخرى، فلا تعبأ الحياة في أطرادها المستمر بشيء من ذلك، وإنما هي ماضية لطيتها في طريقها المرسوم . نعم قد يكون لبعض القادة تأثير على الرأي العام ـ بضم ذلك إلى رصيده من تجارب الفكر التي تراكمت عليه عبر مسيرته التاريخية الطويل، ماضيا إلى غايات أخرى أوسع وأبعد . إما  القائد فسيدركه الفناء يوما، وبالرغم من أن آثاره على الحياة العقلية قد تكون من العمق والقوة بحيث تستمر بعد رحيله عن هذا العالم مدة غير قصيرة من الزمن، إلا أنها أخيرا لابد أن تذوب في يحر الحياة العقلية وتتحول إلى موجة عابرة في المحيط الفكري . وهذا نفس ما يحدث بالنسبة إلى الحياة العامة تماما .   

فهي تتأثر ببعض الأشخاص من ذوي النبوغ العظيم في علم أو أدب أو فن أو وسياسة أو حرب أو ما إلى ذلك، ولكنها في الوقت نفسه تواصل طريقها إلى غاياتها البعيدة خضوعا لما يتحكم فيها من قوانين التطور التي تكاد جبرية لولا ما يعترض طريقها إلى غايتها البعيدة خضوعا لما يتحكم فيها من قوانين التطور التي تكاد تكون جبرية لولا ما يتعرض طريقها أحيانا من عبقريات فردية تجبرها على تخليه السبيل لقوانين أخرى، ريثما تعود قوانين التطور إلى سيرتها الأولى، مستحثة حطاها نحو ما هو مقدر لها من مصير .

ومما تختلف فيه سلطة قادة الفكر عن سلطة الرأي العام الفكري أن هذه الأخيرة أوسع وأفسح مجالا من السلطة القادة . فهؤلاء يكون لهم جمهورهم المؤيد لهم، ويختلف هذا الجمهور باختلاف قادته في المذاهب الأدبية والمعتقدات الفكرية، بحيث تتعصب كل طائفة لقائدها الممثل لمثلها الأعلى، بينما تمتد سلطة الرأي العام إلى أوسع من ذلك، إذ تضم جماعات من المثقفين اختلفت اتجاهاتها، وتنوعت الزوايا التي تنظر منها إلى قضايا الفكر والثقافة . وذلك إلا لاعتمادها على عدد من الأصول العامة المشتركة التي لا خلاف حولها . على حين يحصر القادة أنفسهم داخل قضايا خاصة، وفلسفات نوعية يكرسون لها كل جهودهم ونضالهم، حتى إذا تعرض للقضايا الفكرية العامة، فمن خلال زواياهم الخاصة، بالمنظار الخاص الذي ينظرون بواسطته إلى الأشياء والقادة مهما أوتوا من قوة العقل وشمول النظرة، لا يقوون على أن يحلو محل الرأي العام، في سلطته الواسعة العريضة، لأنهم مجرد أفراد ممتازين، في حين انه ـ أي الرأي العام الفكري ـ خبرة أجيال بكاملها تجمعت في قوم معينين يعيشون في زمن معين .

ومما يفرق بين السلطتين أن السلطة الرأي العام تضغط على الفكر، وتحدد له الاتجاه، وتتولى رقابته في كل حركاته، في الوقت الذي تكون فيه مسؤولياتها عن ذلك غامضة، وغير محددة لأنها تعمل في الظلام والخفاء . فهي شخص معنوي غير ظاهر، يشغل الحرائق ويختفي في طرفه عين . آثاره موجودة، ولكن مصدرها غير معروف بالضبط، بحيث لا تستطيع  توجيه الاتهام إلى جهة معينة . إما القادة فسلطتهم واضحة المسؤولية لكونهم أشخاصا ماديين، يتصدرون الحياة الفكرية ويتولون زعامتها، ومن ثم يرد إليهم ما ينالها من خير أو شر، ويلوح لهم بمناديل السلام والتحية والإعزاز، او يرجمون بالحجارة ويشار إليهم بأصابع الاتهام، مع أن كثيرا من مواقفهم قد لا تكون سوى مجرد صدى لذلك الرأي العام الفكري العامل وراء الستار، وفي جو من الغموض والإبهام .

ومما بفرق بينهما أن السلطة الرأي العام الفكري تقوم من جمهور الفكر والأدب مقام العقل الباطن من الإنسان، أو قل هي ضمير هذا الجمهور ودوافعه الباطنية وبواعثه النفسية، ومن ثم تكون في حياة الفكر، في الوقت الذي يتوهم فيه الكثيرون من حملة الأقلام إنهم مستقلون في أفكارهم . إما قادة الفكر فيقومون من جمهور الفكر والأدب  مقام العقل الظاهر بالنسبة إلى الإنسان الفرد، فهم يقررون ويرشحون ويطرحون القضايا والأفكار للمناقشة، قصد إعطاء الحياة العقلية مزاجها الذهبي الواضح المحدد .

فإذا كان الرأي العام الفكري هو وجدان كل من الأدب والفكر، فان قادة الفكر هم عقلهما المنظم المقنن . وبين العقل والوجدان لعبة قديمة، إذ بينهما جذب ودفع، ومراوغة واحتيال، وكثيرا ما نرى العقل يزهو فيها باستقلاله واكتفائه الذاتي، في الوقت الذي يسخر منه الوجدان، لأنه استطاع إلقاء ظلاله عليه من حيث لا يدري .

من تلك الفروق أن الرأي العام الفكري غير مرن في مقاييسه ومقاصده، إذا مال ظاهرة فكرية تعصب لها على طول الخط، ووقف من ورائها مناصرا مؤيدا بدون تحفظ، وإذا كره ظاهرة أخرى قاومها بشدة، مزورا عنها في كبرياء تصل أحيانا إلى حد الغطرسة . وهو على العموم لا يعرف الاعتدال في مواقفه، ومن ثم كان المجددون من رجال الفكر والأدب يحتالون عليه ضروبا من الاحتيال، ويضبطون أنفسهم في وجه معارضته القوية، متسلحين بالصبر الطويل، حتى يتمكنوا من إقناعه وفتح حوار ايجابي معه، فهو كرجل طاعن في السن، ليس من سبيل إلى إقناعه برأي يعارضه، إلا بكثير من التأني والتروي وبراعة التناول . بينما القادة لا يخلون من مرونة، ولو بلغ التعصب للرأي يبعضهم أقصى مداه . وذلك لكونهم أشخاص ماديين، يمكن التحاور معهم والتوجه إليهم بالأدلة تلو الأدلة، قصد زحزحتهم عن مواقفهم . وطائفة هامة منهم تضطر إلى التنازل أحيانا عن مواقفها الصارمة، حتى لا تتهم بالجمود والعجز عن مسايرة ركب التطور الفكري، خصوصا إذا كانت رياح الفكر متجهة في اتجاه مضاد لوجهتها. وقد يلعب حب المحافظة على المركز الفكري والاجتماعي دوره في هذا التنازل . بعد هذه النظرة السريعة إلى تلك الفروق الكائنة بين دينك النوعين من السلطة الفكرية، يمكننا القول بأنها تستمد عناصر تكوينها حتى من خارج الفكر نفسه، تستمدها من الدين ومن السياسة ومن الاقتصاد ومن العلاقات الاجتماعية ومن التاريخ، باعتبار أن حياة الفكر متأثرة بكل هذه الأمور، تمتص عصارتها وتتغذى بمقوماتها . ففكر كل امة تتجلى فيه مجموعة من القيم والمبادئ والقوى الروحية التي لا يمكن تفسيرها دون الرجوع إلى أصول حياتها المادية والمعنوية، بحيث إذا انقطعت لدراسة فكر امة أمكنك أن تلمح من خلاله عقيدتها الدينية، وعلاقة حاكمها بمحكومها، وما هي عليه من غنى أو فقر، وما قد يكون فيها من صراع بين الأغنياء والفقراء، ومبلغ رفضها لها وثورتها عليها، وكذا قل بالنسبة إلى أوضاعها الاجتماعية وما إلا ذلك . نعم نجد أحيانا نوعا من التعارض بين السلطتين من حيث الوفاء للأمور المذكورة أو مقاومتها . فالجمهور المثقف خلف الرأي العام الفكري غالبا ما يكون محافظا على قيمه التقليدية، وقادة الفكر قد يكونون منسجمين معه في ذلك وقد يخالفونه أو يخالفه البعض منهم ، فيقع بين الطرفين سوء تفاهم قد يستحيل إلى خلاف حاد . ومع ذلك فهذا لا يعفي سلطة القادة من أن تكون انعكاسا للقيم السائد. ذلك أن معارضات الشيء أو الاعتراف به هما وجهان لحقيقة واحدة لأننا لا نعارض أو نقر في هذا المجال إلا الشيء الموجود الذي إليه المعارضة أو الإقرار والاعتراف . ربما ان السلطتين تستمدان كثيرا من مقوماتها من أصول مشتركة، فبينهما تلاق حول عدد من الأشياء يمكن إجمالها فيما يلي : كل منهما تحاول أن تضبط شؤون الأدب والفكر وتحفظ لها نظامها، وتحول بينها وبين الفوضى والاضطراب. سلطة الرأي العام تفعل ذلك بواسطة ما تتمسك به عادة من تقاليد، وسلطة القادة تفعل ذلك بما تشبه من قواعد وبين تقاليد الفكر وقواعده تحاط حياة الفكر بأسلاك شائكة تمنع تسرب الفوضى . وكثيرا ما تتطابق التقاليد والقواعد إلى حد الضغط على الفكر وأصابته بضيق التنفس . وقد لا يكون في مصلحته أن يقع نوع من التحالف بين التقاليد والقواعد للتضييق عليه . فالخير أحيانا يمكن في تباعدهما كي يخرج الفكر من بين الفكين المنفرجين إلى الهواء الطلق . وكل منها يحرس عددا من القيم الفكرية صادا عنها عادية الميوعة والتحلل، جالبا لها عناصر التماسك والقوة . فقيم كل مجتمع إنما تتحصن وراء عدد من الأنظمة والأعراف والقوانين، لو تخلت عنها لدب إليها الفساد وإصابتها عوادي الضغط ثم الانحلال . وكثيرا ما تكون تلك الأنظمة والأعراف والقوانين من نفس المعين الذي انبثقت منه القيم، وحينئذ تكون هذه الأخيرة ذات دعائم قوية لا سبيل أي أضعافها أو النيل منها إلا في زمن طويل . وكل منها ـ أي السلطتين ـ يقع من الفكر موقعا يتلاءم وطبيعته . سلطة القادة تتربع على القمة، وترفع المثل العليا، وتبرز القيم الأدبية الرفيعة، وسلطة الرأي العام تمكث بالقاعدة . والقاعدة هنا هي العقل الباطن لجمهور الفكر، وضميره الأدبي ومزاجه النفسي .وفي حياة كل فكر لابد من وجود قمة وقاعدة على غرار ما يحدث في الحياة السياسية، القمة تخطط وترسم الطريق وتقنن القوانين، والقاعدة تتلقى مخططات القمة وتوجيهاتها فتحافظ عليها وتصونها وتحميها في غالب الأحيان . وقد يقع خلاف بين القمة والقاعدة، ولكن هذا الخلاف لا يمنع أي واحد منهما من أداء وظيفته الطبيعية .

إذا نحن تصورنا سلطة الفكر على هذا النحو، أمكننا أن نتقدم خطوة أخرى حتى نصل إلى تجلية التمرد الفكري على حقيقته . أن كل سلطة كيفما كان نوعها لابد أن تحمل في طبيعتها بذور التمرد عليها، اذ من غادة الناس النفور من التقيد بالنظام، والتقولب ضمن مجموعة من الأعراف والتقاليد والقوانين . وما كانت هذه إلا قيود أوضع على ميل الإنسان الغريزي إلى التحلل من النظام . ولذلك فهم يقبلونها لأنهم نشأو عليها، أو لكونهم اجبروا على قبولهم أما من طرف مجتمعهم أو من طرف هيئة خاصة، ثم بعد ذلك اخذوا يتعودون عليها وينسجمون معها، إلى أن أصبحت بالنسبة إليهم أمرا طبيعيا . ومع ذلك فقد يجد من الأسباب ما يجعلهم يضيقون بها يوما، متأثرين بمنازعهم الذاتية المكبوتة فتصدر عنهم حركات تمرد وعصيان . وحينئذ لابد أن يجدوا مبررا 

أو أكثر لعصيانهم . والمبررات دائما كثيرة وجاهزة، جنوحا منهم إلى أقناع أنفسهم بأن تمردهم ليس مجرد ظاهرة انفعالية، وإنما هو صادر عن اقتناع بوجهة نظر . ومن ثم كان التمرد ظاهرة طبيعية سأتولى شرحها بشيء من التوسع بعد قليل .

والتمرد الفكري هو من جنس التمرد بمعناه  العام . أي أنه تعبير عن ضيق بعض المثقفين بشتى القيود الفكرية والأدبية المحيطة بهم من كل جانب . وهي نوعان : قيود خارجية قائمة في الوسط الأدبي والفكري، وهي عبارة عن مجموع التقاليد الثقافية السائدة كالمنهاج والأساليب والمواضيع والهياكل الثقافية برمتها . وقيود داخلية نفسية وعقلية، هي عبارة عن الأصدقاء والرواسب والانطباعات التي تركها المحيط الخارجي في نفس المثقف، فكانت من وراء كل آرائه ومواقفه الفكرية ومآتيه الذوقية والوجدانية . التحالف القائم عادة بين هذين النوعين من القيود، وحصار المثقف بينهما، مما يخلق في نفسه بذرة التمرد والعصيان . فهو تمرد على السلطة الفكرية والأدبية المستمدة من قادة الفكر الذين يكونون كأعضاء حكومة بالنسبة إلى الجمهور، ومن الرأي العام الأدبي والفكري، منظورا إليه من جهته الخارجية، ومن خلفيته النفسية . وهنا يجدر بنا أن نقف قليلا عند هذه القضية : هل التمرد الفكري هو تمرد جميع القوى المنضوية تحت لواء العقل من دوق وعاطفة ووجدان أو هو تمرد العقل وحده، باعتباره القوة العاقلة المفكرة التي يتحدث عنها كشيء قائم الذات يقف في موضع الفعالية والوضوح والصدارة بالنسبة إلى القوى النفسية الأخرى . أو بعبارة أكثر اختصارا : هل التمرد الفكري خاص بالقوى الذهنية أو هو تمرد عام يشمل الأفكار والنظريات كما يشمل الانفعالات والعواطف والاستجابات الوجدانية ؟ إذا جاز لنا أن نضع حدودا مصطنعة مؤقتة بين قوى العقل والعاطفة والوجدان، أمكننا القول بأن العنصر الفكري الذهني هو الذي يبدأ بشق عصا الطاعة على التقاليد الفكرية والأدبية السائدة، في الوقت الذي تكون فيه العواطف والوجدانيات ما زالت مشتبكة بالتقاليد كدودة القز داخل شرنقتها . وجل الانتفاضات الفكرية كان العقل فيها هو صاحب الدور الأول، وكان المثقفون الذين يحتل العقل النافذ المكانة الأولى عندهم، هم طليعة المتمردين على الأعراف الثقافية السائدة . ولكن أحيانا يكون من وراء تمرد العقل بعض البواعث النفسية العاطفية التي تعطي انتفاضة العقل حماسها ووقودها ألازمين . وهذا مصدر الحدة في اللهجة التي نجدها لدى  الكثيرين من المتمردين فكريا ، ولولا أن عقلهم يضع عليهم قيودا كثيرة لذهبت بهم حدة انفعالهم كل مذهب .

والآن نصل إلى عملية التمرد الفكري نفسها فما هي ؟ لقد تقدم شيء من صفاتها العامة، ولكن ذلك لا يكفي لتصورها تصورا شاملا ودقيقا، فلابد من تحديد أدق . فوصف هذا الضرب من التمرد بأنه مجرد محاولة الانعتاق من السلطة الفكرية القائمة، ليس من شأنه أن يجعلنا نتحدث عن شيء كامل الوضوح، وله جدران الأربعة، ولا من شأنه أن يقنعنا فكريا إلا درجة الاكتفاء . لذلك أزيد موضحا : أن التمرد الفكري في حقيقته هو (عجز عن تغيير الاوضاع الفكرية يقترن به عادة رفض لهذه الاوضاع، بأي شكل من الأشكال الرفض ) وهذه عبارة تحتاج إلى تحليل . أن الشخص الذي يجد من الوسائل ما يستطيع بع تغيير نمط من أنماط الحياة المادية أو المعنوية لا معنى لان يتمرد . لان التمرد هو الحيلة التي يلجأ إليها العاجز ، فبذل أن يعمد إلى الظاهرة الاجتماعية أو الفكرية فيزيلها، يتمرد عليها، أي يحاول رفضها، عن طريق الشروع في عدم الالتزام بها، مع بقاء الظاهرة قائمة الذات في الفكر أو في المجتمع . لذلك كان المتمردون في عالم الثقافة أو في غيرها من مجلات الحياة، تشويشا على هامش النظام بمعنى أنهم يتركون الطريق العام ويشقون لأنفسهم طرقا جانبية يحاولون جلب الانتباه إليها، وتحويل الأنظار عن ذلك الطريق الطويل الذي طالما وطئته أقدام السابلة . واذن فالتمرد إنما هو بديل القدرة على التغيير، بحيث لو أتيح للمتمرد قبل تمرده أن يغير ما يود تغييره لما كان متمردا بالمعنى الذي شرحته . وما دام التمرد الفكري بديلا، فهو حركة مؤقتة مبدئية، وليس هو غاية ما يهدف إليه الخارج على الاوضاع الفكرية الجامدة، بديل أن المتمردين ما أن ينجحوا في تمردهم ويحرزوا بعض الانتصار على خصومهم، حتى يشرعوا في ترك مواقع التمرد إلى مواقع الهيمنة والقدرة على التغيير . وبناء على ذلك يكون التمرد الفكري هو انقلاب الشخص على نفسه في حالة عجزه عن تحقيق الانقلاب على غيره، والإنسان إذ يتقلب على نفسه مثقفا كان أو غير مثقف، لا يصح بحال من الأحوال اعتبار عمله هذا شخصيا محضا، لا علاقة له بالغير، ذلك أن الشخص هو مجموعة من العلاقات والالتزامات، منها ما هو قانوني، ومنها ما هو سياسي، وما هو اجتماعي، وما هو ديني، وما هو ثقافي . فإذا هو انقلب على نفسه، كان في الحقيقة منقلبا على علاقاته والتزاماته . ومن ثم لو حاول مثقف أن يتمرد على ثقافته قصد استبدال قيم أخرى بقيمة الثقافية التي هي في الوقت نفسه قيم من يقتسمون معه حياة عقلية مشتركة ، لما عد عمله هذا عملا فرديا محضا، لأنه يمس بالكيان الثقافي العام . وهذا هو الذي يعطيهم الصلاحية للتدخل في تمرده، كي يوضع لتمرده حد ، حتى لا يشتري ويتضخم، فيقابل التمرد الفكري بقوى مضادة تعمل على استئصاله من أساسه . وهذه القوى ضرورية لوجود التمرد نفسه ، إذ لو خلي بينه بين ما يريد لاستحال بقاؤه تمردا . فلا بد من وجود قوى مضادة ، تقف حجر عثرة في طريقه، وتسير في اتجاه مضاد لاتجاهه . وهذه القوى المضادة هي السلطة قادة الفكر ، وسلطة الرأي العام الأدبي . هذا معنى قولنا في تعريف التمرد انه ( عجز عن تغيير الاوضاع الفكرية، يقترن به عادة رفض لهذه الاوضاع بأي شكل من الأشكال الرفض ) وبذلك يكون التمرد الفكري قد اتضح بما فيه الكفاية، وصارت عندنا القدرة على التفرقة بينه و بين الثورة الفكرية  أو إرادة التغيير، أو التحول الثقافي، أو غيرها من الكلمات الملابسة لتمرد الفكر، ويكون بينها وبينه شيء من التداخل .

تقييم التمرد الفكري : 
تحيط بالتمرد الفكري بعض الشبهات، وتقع عليه ألوان من سوء الظن، وهو في جل الأوساط الفكرية المتشبثة بمفاهيم وقيم ومعايير ثقافية عريقة منظور إليه على انه انحراف وتطنع وتجاوز للمكتسبات الفكرية . ولذلك فهي تقاومه بكل ما أوتيت من قوة معتبرة إياه نشازا يشوه جمال الحياة الفكرية . سلطة الرأي العام تقاومه، لأنها ترى فيه مساسا بنسقها الفكري الذي اطمأنت إليه زمنا طويلا، واجدة فيه راحتها وارتخاءها اللذيذ . وقادة الفكر التقليديون يقاومونه، لكونه يحاول سحب الثقة منهم، ووضع قشرة موز تحت أقدامهم . ومن ثم فهو مطارد من الجانبين . وقد لا يعدم أن يجد أصوات تأييد خافتة تتسلل من خلال الثقوب الضيقة في الجدران السميكة المحيطة به .

وعندي أن التمرد الفكري لا نشاز فيه ولا انحراف، لأنه ظاهرة صحية تتلاءم وطبيعته حياة الفكر . بل إني لا أتصور فكرا حيا دون أن تعتريه من حين لآخر حالة انتفاض وتبرم بالروتين الفكري المألوف وتمرد عليه، كي يجدد نفسه في مواجهة تقلبات الحياة في شتى المجالات . وللبرهة على صحة هذه الفكرة أقول : أن التمرد جزء من طبيعة الفكر نفسه،  ولا يمكن تصور فكر دون أن يكون التمرد داخلا في صميم تكوينه .  فما الفكر ؟ الفكر في أبسط صورة وأقربها إلى الفهم هو القوة العاقلة في الإنسان، والتي إليها يرجع في تعليل شتى الظواهر المحيطة به، فصد اتخاذ موقف منها . ولكن هل هذا الفكر هو فكر مجرد قائم الذات ؟ كلا، انه فكر هؤلاء الأفراد الذين لا يقعون تحت حصر، فلا يمكن تصوره إلا من خلال الفرد . أما ما يقال عنه من انه فكر اجتماعي فأمر لا يثبت أمام البحث العلمي . فالفكر الفردي هو الموجود حقيقة، أما ما يدعى بالفكر الاجتماعي فمجرد عبارة مجازية تطلق ويراد بها وجوه الاشتراك والتشابه العديدة الموجودة بين أفراد المجتمع الواحد في طرق التفكير، داخل حقبة زمنية معينة . ثم هل من الضروري إن بفكر الأفراد بأسلوب واحد، وطريقه واحدة ؟ طبعا لا . لان كل فرد له من المقومات الذاتية الوراثية والمكتسبة ما يجعل فكره يلتقي مع أفكار الآخرين في أشياء، ويختلف عنها في أشياء أخرى . ومن ثم كانت الحياة العقلية لكل أمة مسرحا لكثير من التناقضات والمواقف المتباينة، خصوصا وأن تقابل الملكات والكفاءات الفكرية واصطراعها وتحاورها من شانه أن يسفر عن ظهور الفروق بين أقوياء الفكر وضعفائه . وقوة الفكر ليست قوة مسالمة مهادنة، قانعة، وإنما هي قوة طاغية ذات جبروت، طموح إلى بسط السيطرة وفرض التفوق وفيها طبيعة العدوان والافتراس والميل إلى الزعامة وتكوين مدرسة من الأتباع والاذناب والحواشي . وليس ذلك راجعا إلى ما قد يكون من غطرسة في بعض قادة الفكر فحسب، بل أن طبيعة الاقتدار الفكري الفائق تقتضي ذلك، كالشأن في جميع القوى التي يزخر بها هذا الكون، وتطفح بها هذه الحياة، إذ تنجح إلى السيطرة على كل ما يمت إليها بصلة من الصلات . 
وتلك طبيعة النظام الشامل لكل الكائنات، في عالم ومجوداته غير متكافئة . هذا الجبروت الفكري الجانح إلى السيطرة وبسط النفوذ بحكم طبيعته، ربما ركب في بعض قادة الفكر من غطرسة، من أهم العوامل الخالقة . للتمرد الفكري . ذلك أن السلطة الفكرية كثيرا ما تتعارض مع حرية الفكر، وتخلق تحيزا ضدها لدى بعض المنتمين إلى الحياة الفكرية، فيتمردون عليها، شاقين عصا الطاعة رافضين الانضواء تحت لوائها، وترديد ما تشيعه من آراء ونظريات . وهنا كثيرا ما تكون السلطة الفكرية مظلومة، تهاجم وتستنزل من عليائها، وتمس حقوقها مسا غير رفيق . وليس لها من ذنب إلا أنها رفضت التراجع ـ وهي القوية ـ وآثرت الوفاء لطبيعتها، فلم تتخلف فيها بواعث الغلبة والاقتدار . وكثيرا ما يعمد المفكر ذو السلطة المذكورة الى ظلم المتمردين عليه، الضارين بآرائه عوض الحائط، فيكيل لهم الصاع صاعين، ويمر عنهم في الوحل، ناثرا إياهم يمينا وشمالا، كما يفعل النسر إذ تتحرش به بغاث الطير . وبذلك تهان القيم الإنسانية ، ويساء عن عمد وسابق إصرار إلا الادات الخيرة، الساعية إلى ممارسة الحرية الفكرية واثبات الشخصية الإنسانية، والنضال من اجل الانعتاق الفكري، والبحث عن جزر مهجورة، وزوايا منسبة أفلتت من قسوة النظام الذي فرضته التقاليد الفكرية القائمة لشدة رسوخها وقيامها مقام الظواهر الطبيعية .

وقد لا يكون التمرد على السلطة الفكرية المتمثلة في زعماء الفكر فحسب، بل حتى على النسق الفكري الذي يمثلونه، بما في ذلك القيم الثقافية والفلسفية الفكرية السائدة، والتي ينتظم تحتها كل الإنتاج الفكري على سائر المستويات وقد أثبتت التجارب أن كل نسق فكري يحمل في طياته أسباب زواله والتمرد عليه . طالما ان كل الأنساق الفكرية إنما تريد أن تبقى، وان تستمر، ولو زالت مبررات وجودها، إلا أنها ما أن تصل إلى أوج قوتها، وتستنفذ كل أغراضها حتى تبدأ في الانحلال والتآكل، إذ إنها ما أن تصل إلى أوج قوتها وتستنفذ كل أغراضها حتى تكون قد تداعت للسقوط، وترنحت تحت تأثير ما يوجه إليها من ضربات، في والوقت الذي تكون فيه انساق فكرية أخرى قد برزت شابة متحدية عاقدة العزم على البقاء والاستمرار، ولكنها هي الأخرى يكون مصيرها كمصير سابقاتها بعد أن تستفيد أغراضها، وتصبح مانعة من أي تحرك فكري إلا داخل وضمن مناخها . وما كل الأنساق الفكرية خليقة بالزوال والاندثار، فان في بعضها خيرا كثيرا وقيما رفيعة جديرة بالخلود والاستمرار، ولكنه حب التغيير، والكلف بالتهوية الفكرية، وديدن الأجيال في أثبات ذاتها، يدفعها إلى التنكر الأجيال السابقة علها وانتزاع المبادرة منها وإحالتها على المعاش، كي يخلو لها مركز الصدارة، ويترك لها الطريق مفتوحا إلى ما تريده من شهرة ونباهة ذكر وتول لمقاليد الحياة الفكرية . هذا مع العلم بأن الناس أبناء عصورهم دائما، وحياتهم  لا تسير على نمط واحد، وإنما هي دائمة التغير، الأمر الذي بفرض أن يكون هناك انسجام بين طرفي حياة الإنسان : الطرف المادي، والطرف المعنوي . فإذا كان هناك تعارض بينهما بأن كان الناس يفكرون على نحو، ويحيون على نحو آخر، أصبحوا يشكون في سلامة قيمتهم الفكرية ويظنون بها الظنون . ها هنا تكمن بذرة التمرد الفكري . ودعني أجازف بهذا الرأي، وهو أن الناس قبل اليوم كانت حياتهم تابعة لأفكارهم ومبادئهم ، فصارت اليوم أفكارهم تابعة لأفكارهم ومبادئهم، فصارت اليوم أفكارهم تابعة لحياتهم . ومما يستأنس به في تبرير هذا الرأي أن الأفكار والمبادئ كان لها قديما من السلطان ما ليس لها اليوم، وكانت الحياة تتسم بشيء من البطء غير قليل . وكان الناس محكومين بالعاطفة وما تنئه فيهم آراؤهم وقناعاتهم الفكرية ومن مشاعر وإحساسات ومن ثم كان لرجال الفكر المكانة الأولى في المجتمع بعد ذوي السلطان، نظرا لما لهم من تأثير كبير ونفوذ عظيم على الهيئة الاجتماعية . وكان الأدب ينال من الناس ويتحكم في أقدارهم، فيرفع قوما ويخفض آخرين، لما كان للكلمة من فاعلية وتأثير . إما اليوم فالأفكار تراجعت عن مكانتها العتيدة، وصارت تابعة للحياة العملية الواقعية . ذلك أن الحياة العملية الواقعية بلغت من السرعة والتعقيد والديناميكية  والتحرك في كل اتجاه، إلى حد أنها سيطرت على عقول الناس وشدتهم إليها بأياد من حديد، وفرضت عليهم الذوق والرأي والصورة واللون، وكان من أثر ذلك أن أرتفع الواقع إلى مقام الحجة القاطعة، وصار المنطق المقبول هو منطق الواقع، وحتى صار الناس لا يحتون بالواقع، كما كانوا يفعلون من قبل، وإنما يحتجون بالواقع على الفكر، لان ما هو واقع عندهم أولى بالتقديم مما هو مجرد خيالي أو مثالي فكري أو عاطفي، وصاروا من جراء ذلك ينعتون من لا يرضخ للواقع بأنه خيالي، ولو كان يحتكم إلى الخيال، وإنما يحتكم إلى العقل، إذ أنهم أقاموا علاقة تناقض وتضاد بين الواقع والخيال . واعتبروا كل ما ليس واقعيا ضربا من الخيال . وانتشرت كلتما : واقعي، وواقعية، في وقتنا هذا، واكتسبنا معنى سحريا يكاد لا يحتمل المناقشة لدى جل الناس، فيكفي في التنويه بشخص أن يقال عنه أنه واقعي، ويكفي في  تمجيد فكرة أو حطة أن توصف بأنها واقعية . وبذلك صارت الواقعية هي المنطق وهي الفكر وهي الخاصية التي تهب لصاحبها قيمة بين الناس . وتخلص من هذا إلى تأكيد ما سبق منذ قليل من أن أفكار الناس صارت تابعة لحياتهم وصادرة عنها ومشتقة منها، وان الكثيرين من المثقفين يجري عليهم في هذا الصدد، ما يجري على السواد الأعظم من الناس . وبما أن الحياة في وقتنا هذا كثيرة التبدل والتغير كأنها الفاتنة اللعوب، فان أفكار الناس ما تفتأ تتقلب وليس لها من قرار . ومن ثم كانت الأفكار في تمرد مستمر، يثور بعضها على بعض، حتى صار إنسان العصر يغير فكرته بكل سهولة، منقذا في ذلك لتيارات الحياة من حوله . ويزيد في بلبلة الأفكار، الصحافة التجارية الواسعة الانتشار، والتي تلبس لكل حالة لبوسها، وتتلون بلون المصالح التي تمثلها، وتفسر ما تعرض له من وقائع تفسيرا يتلاءم وهذه المصالح، لا يهمها إلا أرقام المبيعات من أعدادها . أضف إلى ذلك الدعاية المغرضة المنظمة الهادفة إلى تلوين عيون الناس ووضع السماعات على آذانهم، وإدخال محلول كيماوي على أذواقهم وتعريضهم لصنوف من الإغراء تشغلهم عن مضادين الأشياء، وتلهيهم عن اللباب بالقشور، وعن الحقائق بالزخارف، وتأخذهم بالشعارات الزائفة، الأمر الذي ابعد أشياء ثمينة إلى زوايا منسية، ووضع في دائرة الضوء الساطع أشياء تافهة ولكنها شديدة التأثير على عقول الناس وأذواقهم ونظراتهم إلى الحياة ككل . فلا غرابة إذا كان عصرنا هو عصر التمرد . الفكر يتمرد على الفكر، والواقع يتمرد على الفكر، والفكر يتمرد على الواقع . وهنا أقف وقفة قصيرة لأنفي عن التمرد الفكري الأصيل ما يعلق به من شبهات، ولاستخلصه من بعض ما يلتمس به من ضروب ردود الأفعال الفكرية غير المسؤولية ولا الناضجة فأقول : إن كل تمرد فكري لا بد أن يكون له مضمون فكري معين، أي موقف محدد يطرح من خلاله البديل للأوضاع الفكرية التي وقع التمرد عليها . ذلك أن الانشقاق على النسق الفكري العام لا يعني شيئا إذا كان مجرد زوبعة في فنجان، يتخذ شكل رفض لما هو قائم، دون أن يكون منطلقا من تجربة حية مبدعة. وكثيرا ما نجد بعض مراهقي الفكر يحدثون نشوزا في الحياة العقلية قصد لفت الأنظار إليهم، وليصيروا ا محط اهتمام من طرف الوسط الذي أهملهم لأنهم ليسوا جديرين بالاهتمام، أو لأنهم ما زالوا في أول الطريق، ولم تتفق محاولاتهم عن عمل فكري واعد . وعليه فيجب ألا نخدع بما قد نجد أحيانا من تظاهرات تتخذ شكلا فكريا خاليا من أي مضمون، وتحاول استعارة علامات التمرد الفكري وليست منه في شيء. ومن ثم فهي لا تستحق احترامنا . وخير ما يقضي عليها وبحولها اثر ابعد عين، هو إهمالها وعدم تغذيتها بالحديث عنها ونفد أصحابها بما في ذلك أشارتي إليهم في هذا المضمار .. !
وإذا كان التمرد الفكري بمعناه الأصيل الدقيق ظاهرة صحية، فان ما يلتبس به ويتشبه به من تظاهر فارغ، ليس إلا شذوذا، ولا باعث عليه من التجربة الفكرية نفسها، وإنما باعثه حب الظهور والرغبة في الامتياز، إذا لم يكن عن طريق الخلق والإبداع، فعن طريق إحداث الصخب والضجيج . ولكن مما يؤسف له أن الكثيرين تنطلي عليهم الحلية، ويخافون من الأصوات الصاخبة فينشقون لأصحابها عن طريق يمرقون منه إلى حيث توجد الطليعة المفكرة، فيحتكون بها، ويندسون في صفوفها بوقاحة اللسان، وصفاقة الوجه، وقلة الحياء .. ! كما يفعل المارة إذ يصك آذانهم بوق سيارة حاد، فيهربون إلى جانبي الطريق تاركين لها المجال . !وإذا كان التمرد الفكري الأصيل ظاهرة صحية، فان التظاهر الكاذب مظهر غير صحي، ذلك أن التمرد الفكري يجدد أنسجة الحياة العقلية ويفتح أمامها آفاقا طريفة للتأمل والتفكير، ويحدث هزة في المقاييس الذهنية المألوفة من زمن بعيد، على حين أن التظاهر الكاذب زيف وتفاق واستغلال للقيم الفكرية للوصول إلى أغراض ساقطة، ومحاولة خبيثة مسمومة لنشر الغوغائية وأسلوب التنطع والقفز فوق الرؤوس .هذا وقد يكون التمرد الفكري خاليا من القدرة على طرح البديل للقيم الفكرية السائدة في أول الأمر، إذ يظهر في شكل أقرب ما يكون إلى التظاهر الكاذب، ولكنه ما يفتأ يبحث عن بديل إلى أن يجده، وهنا يستوي قوة فكرية دافعة، تفرض احترامها . ذلك أن البديل المطروح هو المبرر المعقول لوجود التمرد، وإضفاء صفة المشروعية عليه، بشرط أن يكون هذا البديل رؤيا جديدة، تزيد في ثراء الفكر القومي، وتتحدى أقوى عناصره وملكاته . التمرد العاجز عن رؤية البديل في أول الأمر، يكون ثورة في الوجدان، مبهمة الأهداف والغايات، إذ هي ضرب من الشعور بالملل وكراهية الرتابة، ومن حب التغيير والتجديد في قواعد التفكير ومطلقاته ومسلماته، مما تضطرب به قلوب شباب طموح، يود أن يعيش تجربة فكرية تنسجم وتطلعاته إلى المستقبل . ولكن الرؤيا الغامضة ما تلبث أن تتضح، والضباب الذي يحول دون رؤية الأهداف ما يلبث أن ينقشع، فيطرح البديل الفكري، وتنهض فلسفة جديدة تدعم الموقف المتمرد، ولا يحصل ذلك إلا بوجود نزاهة النفس، وشرف القصد، وصفاء النية، وقوة الضمير .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here