islamaumaroc

صورة جده (قصة).

  دعوة الحق

183 العدد


استرعت انتباه الطفل صورة موضوعة فوق رف مثبت على الحائط منذ اليوم الذي استطاع فيه إن يركز النظر ويتبين الأشياء، ولو كان في استطاعته أن ينطق لسان أمه عنها مند عهد مبكر في حياته ، ولكنه كان يقتصر على التحديق فيها ثم يعود إلى لعبه وتلك الصورة منه في الأعماق، وهو لا يستطيع أن يتبين بوضوح في سنه المبكرة هل في صورة سحر يجدب أو غرابة تبعث على النفور، وظل ذبك موقفه من الصورة إلى أن جاء اليوم الذي حلت فيه عقدة لسانهن فسأل أمه وهو ينظر إلى الصورة كما اعتاد أن يفعل من أن يرى النور تقريبا :

ـ ماما، لمن تلك الصورة المعلقة على الحائط ؟
وصدم السؤال الأم صدمة خفيفة ذات مغزى لم تعرف مصدرها ونظرت إلى الطفل ثم رفعت بصرها إلى صورة الشيخ الذي كان يبدو على طلعته أنه ينتسب إلى عصر سقراط ... لو كان عصر سقراط يعرف الصورة الملونة .. لنظرته الصافية التي ترقص مستبشرة في عينيه الخضراوين خضرة الخليج من الخلجان البحر المتوسط ... وابتسامته الواعية الحافلة بالاطمئنان والمرح .. وبلحيته المشذبة وثيابه المغربية والعمامة المنسقة، وكلها بياض ناصع .. كأنه يضرب المثل لما يجب أن يكون عليه الناس في مدينة فاضلة تفتق عنها خيال شاعر مبدعن في ليلة مقمرة تحت سماء صافية الأديم ..

وانحدرت ببصرها من الحائط إلى الطفل تتفرسه بشعره المنفوش الكستنائي .. إنسان مستقبل المغرب على أبواب الاستقلال ... فلم يستقر تفرسها عن أية  صورة واضحة ... فإنه ما يزال يترنح في مشيته ... تختلط على لسانه الكلمات ... ويصرخ في بعض الأحيان لسبب، ولكن لغيره سبب في الكثير من الأحيان وهنا تذكرت أن الطفل ينظر الواجب، فقال : صورة جدك يا بني، أنه الرجل الذي كان باباك يقول له : « بابا » .

ولم يستطع رأسه أن يستوعب أكثر من هذا، بل أن ردها لم يترك أكثر من أثر غامض، ولكن اهتمام الطفل بالصورة الموضوعة فوق الرف المثبت على الحائط تزايد مع مرور الأيام فكان يتوقف عن اللعب في بعض الأحيان ويسعى في النظر إليها في استغراب ، كما لو كانت صورة شخص كان يعرفه ولكنه نسيه، ومع ذلك يحاول جهدا أن يتذكره دون جدوى . وقد استرعى ذبك انتباه والدته الشابة وآثار استغرابها في نفس الوقت، وان كانت تعلم علم اليقين أن هناك رابطة ما تربط بين الأجيال، قد تكون قوية وقد تكون واهية، ولكنها موجودة في سائر

الأحوال، فهل يكفي ذلك لتبرير اهتمام الطفل بصورة جده، وهو الذي مات منذ سنوات طويلة جدا قبل ان يعرف ابنها النور ؟ إنها هي نفسها لا تذكر الجد حينما كان يزال على قيد الحياة الا على نحو باهت، ولولا هذه الصورة الموضوعة فوق الرف لكان من المرجح أن تكون قد نسيته تمام النسيان، بالرغم من أنها كانت تدعوه « عمها » عندما كانت هي بدورها طفلة صغيرة منذ زمن بعيد ..

لم يكن توفيق ـ وهذا هو اسم الطفل ـ غريبا عنا في صباه، وكنت أتوسم فيه صفاء الذهن وصدق العاطفة وسلامة الطوية، ولكن نأت بي عنه الدار، ومرت عدة سنوات دون أن أعرف عنه أكثر من أنه تلميذ ناجح في مدرسة ابتدائية من هذه المدارس الحرة التي أخذت على عاتقها ان ترفع مشغل الحرية والعرفان في أواخر عصر الظلمات الغابر، وان كانت أخباره قد أخذت تترامى إلى بعد ذلك بأنه يواصل دراسته الثانوية بالنجاح المعهود، وفيما عدا ذلك كدت أنساه، بل نسيته لولا أن أعادته إلى ذاكرتي من جديد رسالته تلقيتها منه يطلب مني فيها ان أوافيه بكتاب من كتبي القصصية كان حديث العهد بالصدور .

وكنت أعرف بالإضافة إلا ذلك ان توفيق وحيد أبوين لم ينجبا سواه لا في عالم الإناث ولا في عالم الذكور، وأن أباه الحاج محمد يومئذ ـ كان رجلا عصاميا يشق طريقه المادي بنجاح تحت سمع وبصر الاستعمار دون أن يتمكن من أن يتعرض له بسوء حقيقي، وكان يحيا حياة تميل كل الميل إلى البذخ والرفاهية في منزله، وان شركاته تفرض عليه أن يتنقل في كل مكان داخل البلاد، وفي قليل من الأمكنة خارجها أيضا كلما أتاحت له قبضة الاستعمار أن يحقق ذلك ومهما يكن من شيء فقد كان الحاج محمد رجلا ناجحا بقدر ما يمكن أن يسمح به الوضع الاستعماري في تلك الأيام الذاهبة .

وكانت والدة توفيق سيدة مثقفة عنيت بتربية وحيدها في المنزل، وتمتع باهتمامها حينما أصبح تلميذا في المدرسة الابتدائية، ولكنها لم تكن ربة منزل على النحو الذي كنا نعرف عليه ربات المنازل في تلك الأيام، بل كانت من القليلات اللائي اختلفن إلى المدارس وتعرفن إلى الحياة العامة .
لم يكن توفيق من أبناء الجيل الذي ضبط ساعة تخرجه على ساعة بزوغ الاستقلال ... ولذلك فقد كان عليه أن يواصل إقامته في باريس أربع سنوات أخرى قبل أن يعود إلى المغرب بعد أن تحقق الاستقبال .
ولذلك فان من المستطاع ان يقال ان عقل توفيق تفتح في فترة خطيرة وسريعة من تاريخ هذه البلاد، فانتقل من الفترة التي كان الأبيض والأسود فيها أسود، إلى فترة اختلطت فيها معالم الألوان اختلاطا مربيا .. كان الهدف واضحا في أول الأمر ... ثم فجأة لم يعد بعد أحد يدري أين اختفى هذا الهدف، أو تعددت الأهداف المشكوك فيها بتعبير آخر، وذلك في فترة وجيزة لا تتعدى سنوات أصابع اليد الواحدة، وهي نفس الفترة التي قضاها توفيق في حياته الجامعية بباريس.
وقد حدثتني والدته بعد ذلك عن بقية حياة توفيق الطفل والعلاقة الغربية التي نشأت وترعرعت بينه وبين صورة جده الملونة الجميلة المعلقة على الحائط . منذ نعومة أظفاره، فاخذ يطيل النظر إليها ساهما، ولما التحق بالمدرسة الابتدائية وضع مكتبه عن يسارها في الحجرة الكبيرة لتطالعه الصورة عن يمينه كلما رفع طرفه إليها .. ويتوقف عن مراجعة دروسه ويتوجه إليها .. ويتوقف عن مراجعة دروسه ويتوجه إليها كأنه يستلهمها حلا لما استعصى وعندما تنشب المشاكسات بين التلاميذ يسرع توفيق إلى المنزل غاضبا في بعض الأحيان فيعدوا إلى الصورة ليقف تحتها لحظات وعيناه مثبتتان في عينيها، ليخرج بعد ذلك من الحجرة وكأنه تلميذ آخر منشرح النفس، واسع الصدر مشرق الابتسام .
وعندما شب توفيق عن الطوق أخد يطيل إلى جده الجلوس، ولكنه لم يعد يرفع إليه طرفه كثيرا كما كان يفعل، وإنما كان هادئا كما لو كان يستأنس بقرب صورة جده التي أخد يبدو انه أستوعب أسرارها ..
مشاكل جيل يتمخض عن جيل ... جيل يحسب التمخض إيذانا بالانفصام ... وجيل يحسب التمخض إيذانا بالاستمرار ... جيل يريد أن يلوذ بالفرار بعيدا بعيدا عن صقيع الماضي ... وجيل يرى في هذا الفرار ترديا في أعماق الجحيم، ومعانقة مخيفة الاحتراق ... رباه . معركة تصدع الأجيال هذه يا ترى ؟ يجب أن يزول جيل كامل قبل أن يخلفه جيل آخر أذن ؟ بين كل جيل وجيل هوة ؟      
الأجيال حلقات متماسكة، ان الأجيال مجرد حلقات كل منها يندثر،ولكل منها مقبرة معزولة عالية الأسوار ؟
تاريخ المغرب حلقات مبعثرة لا يجمعها تسلسل ولا ترابط، كل حلقة منها ابنة سفاح ؟ أم تاريخ المغرب سفر ضخم متماسك الفصول متناسق الأبواب، صفحاته متسلسلة الأرقام من واحد إلى ما شاء الله ؟ هل نحن أمة تتحدث أجيالها لغة واحدة ولها تاريخ مشترك، وثقافة متوارثة، وعقلية تتطور ونفسية تنمو، وشخصية تتبلور، ومستقبل يتأجج ... ؟ أو مجرد أجيال مفككة يستأجر كل جيل منها هذا المغرب فترة من الزمان ... ثم يجلو عنه ليستأجره جيل آخر ... المغرب منزل للإيجار أذن ؟ ...
وإذا كان المغرب منزلا للإيجار يفعل به كل مستأجر ما يشاء ... فماذا يفعل به كل مستأجر ما يشاء ... فماذا يفعل بع هذا المستأجر الجديد ؟ يسير به نحو اليسار أو اليمين أو يقف به في منتصف الطريق ؟ وأين تقف حريتي وحريتك إذا كنا من أفراد أسرة هذا المستأجر الجديد ؟ وهل تتمثل العدالة في نظام أو تتمثل في حق ؟ وهل الدين مرب للنفوس أو مخدر لها ؟ وهل تتمثل الثورة الإنسانية الكبرى في أن تثور على الأجيال في الوطن الواحد، وان تتمرد الدول على الدول في القارة الواحدة، وان تتمرد القارات الخمس بعضها على بعض ام ان الثورة الإنسانية الكبرى تتمثل في ان تثوب الأجيال والدول والقارات إلى رشدها، وتعمل وان تتفاهم بالحسنى تمهيدا لتحقيق هدف الثورة الإنسانية الكبرى، فيتعايش الإنسان مع أخيه الإنسان في أرض تسودها المحبة، ويسودها التفاهم في ميدان المصالح الاقتصادية لمصلحة الإنسانية كلها ... لا لمصلحة فرد أو جيل أو دولة أو مجموعة من المجموعات دول العالم السكين .

هذا شيء، ولكن الواقع ان الفرد يحل مشاكله مع أخيه بالقوة ما وجد إلى ذلك السبيل، قوى يأكل الضعيف الذي ينادي بالمثل العليا .. ولو تبادلا الموقف لكان الأول هو المنادى بهذه المثل العليا ...
طبيعة متأصلة في الإنسان ؟ شريعة الغاب ؟ لا أحد يدري .
ثم الم يعرف التاريخ أبطالا صبروا وصابرو لنصرة الحق على الباطل وكان نصيبهم في النهاية النجاح وكانوا هم هداة البشرية طوال عصور التاريخ ... وأولادهم لتقهقرت إلى عهود القردة مند عهد بعيد ؟ ولكن من الذي قال ان الإنسانية لم تتقهقر إلى عهود القردة منذ عهد بعيد ؟ وهل يعرف التاريخ عصرا عانى من الهدم والتدمير، وعرف من الحقد والضغينة ما عرفه قرننا العشرون ؟ ومع ذلك هل أطلع عصر آخر على الآفاق ...

هذه هي الأسئلة ـ أو بعض الأسئلة ـ التي كان يصيح بها عقل توفيق وأفراد جيل توفيق ـ بعد عودته إلى المغرب، وكانت قد تحولت إلى صداع في الرؤوس، وهم في الصدور، وضلال في العقول، وضباب في الإبصار ...


ولا يعرف توفيق سر القوة التي منعته من ان يأخذ معه صورة جده إلى باريس يوم ذهب لتلقي الدراسة في جامعتها ... فانه لم يكن ليستغني عن الالتجاء إلى النظر إليها كلما ادلهم عليه أمر ... لعله أستهجن أن يمد إليها يده وينتزعها من مقامها السامي وموقعها التقليدي من الجدار ... وها هو ذا يعود إليها بعد غيبة طويلة اختلط الإدراك خلالها عليه، ولم يدلهم عليه أمر واحد فقط ولكن ادلهمت عليه كل الأمور، فسعى إلى صورة جده في إشفاق ... مخافة أن تكون الأمور قد ادلهمت عليه هي أيضا .. ولما رفع الطرف إليها طالعته نفس الابتسامة المعهودة بكل ما فيها من وقار وطيبة نفس، وجمال روح ورضا عن الحياة ... بالرغم من أنه فارق الحياة منذ عقود خلت من السنين ... وركز عينيه الحائرتين في عيني الصورة الخضراوين الصافيتين مليا ... وشعر بنظرات العينين النجلاوين الصافيتين مليا ... وشعر بنظرات العينين النجلاوين تتسرب من عينيه إلى أعماقه ... وشعر بعرق بارد يترقرق فوق جبينه .. وتلاشي كل شيء ... كأنه أصبح فجأة في مكان يشبه غار حراء ... وبان الحياة قد دبت في الصورة فاتسعت ابتسامتها ... وتحولت صورة جدة في إطارها إلى شخص حقيقي يطل عليه من نافذة ... تتحرك أساريره ... وبتقد نور عينيه ... وتستغرب حاجباه وتتحرك شفتاه ... ليهمس في قلبه :

اعرف ان في راسك دوامة مياهها رعناء، وان لم يعرف رأسي مثيلا لها في يوم من الأيام عند ما كنت على قيد الحياة، انتم جيل مغرور تحسبونه ان الدنيا ظهرت بظهوركم دون ان يكون لها وجود من قبل، وإنها ستختفي باختفائكم ... ولذلك فهي دنياكم 
     

وحدكم ... والأعباء أعباؤكم ... قبلكم لم تكن توجد أعباء ... الأعباء متوارثة يا بني ... والمتوارث يتناقض ولا يزيد، أو هذا هو المضنون على كل حال ... بيد أنكم انتم تعملون على مضاعفة أعبائكم بدلا من التخفيف منها ... فأنت تحلم بمشاكل الإنسانية قبل أن تحل مشكلة واحدة من مشاكل نفسك ... هل وضعت خطة لحياتك بعد، قبل ان تضع خطة الحياة البشرية ؟ لقد عشت حياة سعيدة جدا يا بني أتحرق إلى ان أعيدها يوما يوما يوما، وان لم يكن متاعي من الدنيا إلا قليل ...

الابتسامة التي تراها على وجهي ليست استجابة للشخص الذي أخد صورتي، ولكنها استجابة صادقة للمحبة الحقيقية التي كنت أكنها للحياة ... وللبهجة التي كانت تتدفق في قلبي لشعوري بأنني حي يحبني الناس وأحبهم، وتحبني حياتي وأحبها، وأحب الحدائق والزهور والحيوانات والنور والظلام والنجوم والسماء والأرض، وهي تحبني أيضا ... حل المشاكل ؟ من الذي قال ان حل المشاكل غير محمود ؟ ولكن ثق يا بني ان حل المشاكل غير محمود ؟ ولكن ثق بني ان حل المشاكل بالابتسام أجدى كثيرا من حلها بالعبوس ... فالابتسام مجلبة للابتسام يا بني، ولكن العبوس ليس مجلبة إلا للعبوس .. قد تقول ان لكم من المشاكل ما لم يكن لنا، وأنا لا أنكر ذلك ولا أنكر أنني لا اعرف الكثير من مشاكلهم وانأ مثبت هنا على الحائط عبر السنين  ... ولكن العيب الحقيقي في جيلكم هو أنه يظن أنه مفصول عن جيلنا ... هل تعرفون أننا نحن الذين دفعنا ضريبة حياتكم هذه من أموالنا وأنفسنا ودمائنا وجهلنا ؟ وعملية الاستعمار الجراحية نحن الذين عانوها ... والضربة التي أيقظتكم هبطت على رؤوسنا ... جيلنا هو الذي مشى فيه المحراث لتبنوا ... إلا تكون جاحدا إذا أزلت صورتي من مكانها وألقيت بها في قمامة ... ؟ لم أقم بشيء عظيم في حياتي ولكني فخور بأنني أشعت حولي الابتسام ... وما أزال إلى اليوم أحاول ان أثبتها من مكاني هذا في نفوس من يدخلون هذه الحجرة، وتزداد ابتسامتي اتساعا ورضا عن الحياة من هنا أيضا، حينما اسمعهم يقولون : « رحمه الله » واراهم يبتسمون ... أنني لا أعرف إلا القليل عن المشاكل وحلها ... ولكنني أعرف الكثير عن الابتسام ...

كان توفيق مطأطأ الرأس وهو يستمع في ضميره إلى صوت صورة جده، وكان يشعر شعورا مريحا بانفراج توتر شدده مرور الأيام وعقده تعاقب السنين ... وغمره من الهدوء ما يغمر صحراء انحسرت عنها عاصفة مجنونة حمقاء ... ليخلفها سكون مطبق لم يكن منذ قليل في حسبان ... وأيقظ السكون المطبق توقيف من ذكرى هزيم الزوبعة العاتية التي تلاشت ... رفع رأسه لتلتقي عيناه بعيني جده الزرقاواين الصافيتين، وبابتسامة محياه المشرقة، فنهض لينصرف وهو يبادله الابتسام . ولكن كانت تترقرق في عينيه دموع ...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here