islamaumaroc

من اجل مفهوم إسلامي للثقافة.

  دعوة الحق

183 العدد


لم تكن الثقافة في يوم من الايام تحتاج الى تعريف لها، لان الناس كانو يسعون الى الثقافة ولم يكن يدور في خلدهم انهم يحتاجون الى هدا التعريف للثقافة، واصنافها وضروبها واتجاهاتها، وهل هم في حاجة الى خلق أو بعث ثقافة وطنية خاصة بهم أم يتعين عليهم ان يوسعوا من رقة مفهومهم للثقافة وانتاجهم لها يشمل العالم بأجناسه ولغاته واديانه ... حتى جاء العصر الحديث عن ضرورة تعريف الثقافة : ماهي ؟ ! وقد يكون سبب ذلك أن الناس احسوا – فيما بينهم – انهم يتمايزون عن بعضهم البعض، وهذا التمايز – ايا كان – لابد ان تكون له آثاره وانعكاساته ومعطياته على الفكر وعلى العقل والوجدان والضمير، لان وجود الانسان في الارض لا يتسع لشؤون اخرى هي أسمى وارفع – ومهما حاولوا أن يقاربو بين مذاهبهم ومشاربهم في القول والعمل فقد وجدوا أنفسهم اخيرا انهم يتمايزون بميزات معينة لا بد لهم أن يحددوها وأن يضعوا لها قسماتها وان يضعوها في اطارها الخاص من الناحية التاريخية والاجتماعية حتى يكون لهم كيان قائم بذاته بين مختلف المواقف التي يقرأون عنها أو يسمعون ويتأثرون بها أو يؤثرون فيها، الى غير ذلك من عمليات التبادل والتفاعل والالتقاء أو الاختلاف بين امة وأخرى . وبعد تعريف الثقافة، وجد هؤلاء الذين طرحو تعريفاتهم للثقافة – وهي تعريفات لم يتفق عليها اجماع بعد – أن الانسان تتعدد تقافاته مثلما تتعدد الالوان في اللوحة او المنظر الواحد، ولذلك اطلقوا على هذه الثقافات اسم الحضارة الانسانية لان الحضارة هي مصلحة ابداع الانسان وانجازاته في الفكر والعمل، ولاحظ  هؤلاء ان الثقافة لا تسير دائما حتى في البلد الواحد على نمط  واحد وعلى وتيرة واحدة، وأنها لا تتم دفعة واحدة بل على مراحل، وان في امكان جيل واحد ان يصنع ثقافة معينة تسهم في تقدم الانسان والحضارة، وقد تنعكس الآية فلا تستطيع ان تسهم في تقدم الانسان والحضارة وانما قد تعود بهما معا الى وراء . وفي التاريخ قرائن ودلائل على وجود هذه الظاهرة، فقد أمسكت اجيال معينة عن الاسهام ولو بنصيب ضئيل في تقدم الانسان وحضارته على الارض، واطلقو ثقافة الانسان بأنها عصور ذهبية، واطلقوا على المراحل والفترات التاريخية التي لا يتحقق فيها اي انجاز ثقافي من اجل الانسان وحضارته بانها عصور الانحطاط والاضمحلال . وعود على بدء، الثقافة – كما يقول الدكتور طه حسين ليست هي العلم فحسب ولا الادب ولا الفن الجميل وحده وأنما هي مجموع هذه الاشياء، ووفق تعريف طه حسين للثقافة – وهو في الأصل

تعريف ستمد من الثقافة الفرنسية – فان عصرا من العصور التي عاشتها او يعيشها الانسان اذا لم تقدم فيها العلوم والفنون الجميلة والآداب شيئا جديدا، فإن هذا العصر قد يستيقظ من الحساب وتسقط ثقافته بالتالي فلا يصبح شيئا مذكورا في ذاكرة الجيال . وينطوي هذا التعريف للثقافة – ان نحن حاولنا تطبيقه على بعض مراحل الحضارات النسانية وعصورها على جانب خطير جدا لا يتفق مع التفكير العلمي ولا يقدم لنا شيئا ذا قيمة ونحن في محاولة لتفسير وتحليل ودراسة الانتاج العلمي والدبي الذي انتجه الانسان في هذه المنطقة او تلك ... اذ أننا سوف نجد انفسنا امام عمل يفصل ثقافات الانسان فصلا تاما ويضع بينها الحدود والحواجز، وسيحتاج الانسان الى تذليل عدد  من الصعاب حتى يتمكن من تخطي الحدود والحواجز :

فلو اننا نظرنا الى العصر الاغريقي الذي ازدهرت فيه الفلسفة وارتفعت قيمة العقل وساد النظر والفكر وجدناه لا يتعدى في نشاطه وحيويته هدا الاطار الضيق من أطر  الثقافة، وينتج عن ذلك اننا لو استثنينا آثار سقراط وأفلاطون وأرسطو وهوميروس وبعض  كتاب الادب المسرحي وأعمال بعض الفنانين الذين أمحت أسمائهم وغير هؤلاء، وجدنا العلوم التطبيقة لدى الاغريق لا وجود لها باستثناء بعض البصمات التي تذروها الرياح ... فهل نسلم بثقافة اليونان القديمة ومت انتهت إليه أم نرفضها كليا لانها لم تحقق من مفهوم الثقافة الا جانبا منه ؟ وهل نحكم على هذه الثقافة بأنها ثقافة أقليمة أم انها ثقافة عالمية ؟ لقد اعلت الحضارة الاغريقية من قيمة العقل وشانه ودعت الى ممارسته والنظر الى ظواهر النفس والحياة والكون وفق مقاييسه وأحكامه، ولكن أي عقل كانت الفلسفة الاغريقية تدعو الا اعماله في الفكر والنظر الى ظواهر النفس والحياة والكون ؟
هل هو العقل الاغريقي بعينه ؟
هل هو عقل شرق البحر الابيض المتوسط ؟
أم هو العقل البشري إطلاقا ؟
فإذا سلمنا بالفرض الاول، تساءلنا : لماذا انقرض هذا العقل ولمذا تلاشت قوته من الوجود، وما هي أسباب هذا العقل ولمذا تلاشت قوته من الوجود، وما هي اسباب هذا الإنقراض والتلاشي، وإذا عرفنا هذه الأسباب، هل نعود فنطبقها على كل حالة من الحالات التي تشابه « الحالة الاغريقية » ؟
اما إذا سلمنا بالفرض الثاني، فيترتب على ذلك أننا يجب ان نسلم ايضا بجهوية واقليمية الحضارات الانسانية كلها وبدون استثناء، ولكن هذا لا تدعمه الشواهد والقرائن لأننا نعرف جميعا ان الفكر الاسلامي أستفاد كثيرا من الفكر الاغريقي وتكفل بترجمته وتعديله وقدمه الى الفكر الاروبي في العصور الوسطى، وحين تلقته اروبا تمثلت هذا الفكر تمثلا جيدا مع ما اضافه المفكرون المسلمون اليه . بقي لدينا فرض واحد هو أن العقل الاغريقي وانجازاته هي جزء من حضارة الانسان بدون تمييز ... فهل نأخد بهذا الرأي ؟ وإذا كان الامر كذلك، فما هو موقع الحضارة العربية الاسلامية من خريطة الحضارة الانسانية ؟ ولمذا ولاي غرض يدعى بعض المفكرين واشباه المفكرين – من الشرق ومن الغرب على حد سواء – ان الثقافة الاسلامية ثقافة اقليمية جهوية ؟ وعندما يريدون أن يؤرحو للحضارة الانسانية ومراحلها المتعددة يغفلون اسهاماتها العلمية والادبية والفنية ويسقطون من حسابهم كل اضافة جديدة قدمتها الحضارة الاسلامية الزاهية الى حضارة الانسان في مجموع أطرها وعناصرها ؟

و ... لا بد اننا محتاجون جدا الى نظرية اسلامية متكاملة عن الثقافة بمفهومها الشامل، ليس لأننا نحب أن نضع لأنفسنا مفهوما للثقافة يتنافى ويتناقض مع مفاهيم المطروحة التي تقوم على اساس من العقل والعلم والموضوعية والوضوح ... وكلن لسبب واحد وهو اننا أمة بدأت ثقافتها وبنت حضارتها من القرآن الكريم وهو كتاب الله عز وجل ومن الحديث والسنة، وهذه هي منابع ثقافتنا، وهي التي شكلت حضارتنا وثقافتنا الخاصة، ومن هذه المنابع العظيمة تخلقت الخلايا الحية التي أفرزت اعلامنا الكبار في الحديث والفقه والشعر والآداب والفنون والعلوم مصطبغا كل ذلك بصبغة تختلف تماما عن أي  صبغة اخرى في اي بلد آخر . 

ومما يحفزني على إبداء هذه الحاجة، أن ثقافتنا الإسلامية تعرضت لأشر من الهجمات والحملات التي لم تقو على فصم أو هدم ذلك النسيج الحي الذي تتشكل منه الثقافة الإسلامية، فقد جاء الصليبيون تم المغول والتتار والاستعمار الجديد الحضاري للإنسان، وانقضوا على هذه الثقافة انقضاض السبع على فريسته ولكنهم أخفقوا جميعا في ذلك المسعى النيئ إخفاقا شنيعا، وبعثت الثقافة الإسلامية من جديد وهي أشد وهجا ولمعانا وبريقا ونصاعة ووضوحا وشبابا وقوة على الاستمرار والحياة، وخرج الخصوم والأعداء  من بلاد الإسلام وهم بكل ما ملكت أيديهم من أسلحة الفتك والدمار وأجهزة  ومعدات غسل الدماغ، لم يستطيعوا أن يمسوا الثقافة الإسلامية بالأذى الذي كانوا يقصدون ويهدفون إليه، وكما كانوا يخططون لذلك جهرة حينا وعلانية أحيانا أخرى لمدى وحقب طويلة وبعيدة من الزمن . ومن هنا ترتب على ذلك بان الثقافة الإسلامية التي عاشت أربعة عشر قرنا وامتدت إشعاعاتها من جنوب شرقي آسيا وشمالها حتى شمال غربي إفريقيا عرضا هي ثقافة  عالمية بكل ما تحمل هذه  الكلمة من معنى،  وهذا ليس دفاعا ـ ولكنه مدخل إلى صياغة مفهوم لا نستطيع أن نقول عنه من الآن أنه ينبغي أن يكون مقدمة نحو دعوة إلى وضع مفهوم الإسلامي للثقافة الإسلامية مفهوما خالص لأنه لا يوجد مفهوم خالص لأي شيء لهذا العصر ـ شأنه شأن حضارة الإنسان نفسها ـ بل ينبغي أن يلتقي في أكثر من نقطة وحد مع بقية المفاهيم الثقافية المطروحة عن الحضارات الإنسانية، دون أن نفرط فيما تفرضه علينا ـ عبر ا ريعة عشر قرنا ـ معطيات ثقافة أصيلة  أخد ت الشيء الكثير ولكنها أعطت ما يفوق الذي أخد ته ، وأثرت وأسهمت في تقدم وتطور الإنسان ماديا وذهنيا ووجدانيا وعقليا وأخلاقيا، وكانت له في وقت من الأوقات الضوء الوحيد الذي استضاء به الإنسان في أحلك الليالي والدليل الذي استرشد  به في أعقد الطرق والمصباح الذي استنار به في اشد الظروف ظلمة وقتامه وسوادا ... ولا شك أننا نحاول الآن أن نضع أنفسنا في قفص من الزجاج نتفرج منه على ما يرجي من خلال رؤية يكتنفها الضباب، كما أن الآخرين يحاولون ـ وهم في نفس الوضع ـ أن يخترقوا الزجاج الذي يعتم ويضبب رؤيتهم إلينا، وقد ساهمنا في الدفاع عن الثقافة الوطنية ربما بقدر يفي بالكفاية المرجوة وان كانت بعض الجوانب منها لازالت مهملة لم تمتد إليها أيدينا وعيوننا وعقولنا معا، وان كانت قد امتدت إليها فلازال البحث فيها يشكو من قصور بين ... وأقول أن الحاجة الآن ماسة ـ بعد أن وضعنا فمهموما لثقافة الوطنية ـ أن ننتقل إلى مرحلة سوف تستغرق منا  الجهد الكثير والوقت الطويل أيضا من أجل أن نضع فيها مفهوما خاصا وأصيلا لثقافة الإسلامية التي تعتبر ميراث الأمة تشترك معنا ونشترك معها في أكثر من حد من حدود المصلحة والمنفعة الروحية والمادية والتاريخية سواء على صعيد الحاضر الراهن لهذه الأمة أو على صعيد المستقبل المرتقب لها .
فهل نفعل ؟ 
  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here