islamaumaroc

حروب البرتغاليين في المغرب

  دعوة الحق

العددان 179 و180

لم يبق للبرتغاليين من المراكز في المغرب سنة 1550 سوى سبتة وطنجة والجديدة وكان لهم  من قبل القصر الصغير وأصيلا ورأس كير وأسفي وأزمور.
فأراد سبستيان أن يسترد مجد البرتغاليين المفقودة في إفريقيا بإعداد حملة قوية إلى الأراضي المغربية تحت إمرته.
ولكن المغاربة بقوة عزيمتهم وتوحيد كلمتهم تحت راية السعديين بددوا أحلامه في موقعة وادي المخازن حيث لقي حتفه مع النخبة الممتازة من نبلاء البرتغال.

الانقضاض على سبتة
كان القصد من احتلال سبتة المحافظة على سير الأساطيل التجارية والحربية إلى الهند عن طريق المحيط الأطلسي، ولا يذكر المؤرخون الأسباب التي دعت جوان الأول ملك البرتغال إلى الاستيلاء على سبتة، ومع ذلك فالمفهوم أنه احتلها لتكون قاعدة تدفع  عن بلاده غارات سكان الشواطئ  المغربية في بوغاز جبل طارق. وكانت البرتغال تمني نفسها باحتلال مركز الجمهوريات الايطالية في البحر الأبيض المتوسط. فهي إذن على هذا الاعتبار مركز له أهميته في طريق التجارة بين إيطاليا ولشبونة وشمال أوربا. ولم يكن المقصود من الانقضاض على سبتة في أول الأمر التوغل داخل بلاد المغرب، فإن هذا الشعور لم يلد إلا فيما بعد.
وما أن وصلت الحملة التي أعدها دون جوان في ثلاث سنوات إلى البوغاز حتى الجأتهم رداءة الجو إلى الجزيرة الخضراء ولكنهم استطاعوا أن يقتحموا سبتة ثم عاد الملك جوان بعد أن ترك واليا عليها«يدور دي منيسيس» وحامية مؤلفة 2500 رجل.
وهو عدد ضئيل بالنسبة لأهمية هذه القاعدة إلا أنه كان للدفاع عن سبتة من جهة البر بسهولة فضلا عن أن دولة المغرب ليس لها اسطول يستطيع أن يهددها بحرا. ومع ذلك فقد كانت هذه الحامية تعيش عيشة الهلع بسبب الغارات التي يشنها عليها عامل تطوان وفي كثير من الأحيان كان السلطان يأتي بنفسه محاولا القاء البرتغاليين إلى البحر واسترداد الميناء الضائع خوفا من امتداد نفوذ البرتغاليين إلى داخل البلاد. فأصبحت سبتة بهذه الغارات المتكررة  عبئا على دولة البرتغال لضياع الأرواح وكثرة الخسائر  المادية الأخرى.

احتلال طنجة
كان المحرض الأول والداعي لفكرة التوسع في المغرب، الأمير انريكي المعروف ب « الملاح » وكان في البرتغال يومئذ حزبان أحدهما ينتصر للتوسع ولآخر يعارضه. فانتصر الحزب الأول أيام حكم «دوارتي» خلف جوان الأول فأعد أنديكي جيشا لفتح طنجة يتجه أما من سبتة فتطوان فالفندق فالركائع. وأما من سبتة فالقصر الصغير فآثر الأخيرة  لقصرها. فوصلها برا عن طريق القصر الصغير يحميه الأسطول من جهة البحر حتى أشرف عليها يوم 13 سبتمبر 1437 وأنزل عاكره بضحية مرشان. إلا أن صلة الجيش بالأسطول كانت مضطربة، عرضت المدفعية لكثير من الأخطار، كما أن المدافع كانت غير ملائمة، يضاف إلى هذا خلو الحملة من عنصر المفاجأة. لهذه الأسباب ولقدوم المجاهدين من أنجرة ووادراس وبني مصور وجبل حبيب وبني يدر وبني عروس وبني كرفط وأهل سريف: أصبح الغزاة البرتغاليون وعددهم 6500 رجل مطوتين من كل الجهات فلم يجد « اندريكي» مناصا من النزول عند رغبة المغاربة بتسليم سبتة مقابل تسريح أسرى الجيش البرتغالي واحتفظوا ب « الانفانتي دون فرناندو» ريثما يطبق عليه، فكان هذا الأمر موضوعا للجدال في بلاد البرتغال بعد إبحار الأسطول البرتغالي في 17 أكتوبر أدى إلى نقض العهد، فنقل عندئذ فرناندو إلى أصيلا ثم إلى فاس حيث بقى أسيرا إلى أن توفى في خامس يونيو 1443 .

المحاولة النهائية
بينما كان يتربع على عرش المملكة الفونكو الخامس سنة 1438 أخذ اتريكي يستحثه على شن حملة جديدة على الثغور المغربية، فاستجاب له في 17 أكتوبر من سنة 1458 مجهزا أسطولا مؤلفا من 52000 رجل لاحتلال القصر الصغير كمرحلة أولى للاستيلاء على طنجة من جديد.
وفي عام 1463 عاد الفونسو الخامس إلى القصر الصغير يوم 17 نوفمبر، وقضى به فصلى  الشتاء والربيع يشن الغارات المتاولية على طنجة وأسوار أصيلا فيدبر له سكان الجبل كميناء يضحي فيه عامل البرتغاليين على القصر الصغير بنفسه لينقذ حياة مليكه.
عاد ملك البرتغال متذمرا مما أصابه من الفشل ليعد هجوما جديدا على أصيلا في 20 أغسطس سنة 1471 فوقعت معركتان إحداهما بالجامع والأخرى في القصبة فقد بعدهما ثغر أصيلا. فلم يبق أمل لي غير أخلاء طنجة أمام الخطر الداهم الذي يهددها من جهتين: أصيلا والقصر الصغير.
ثم جلا السكان عن مدينة العرائش خوفا من امتداد نفوذ البرتغاليين إليها، وفعلا فكر جوان الأول ابن الفونسو الخامس في امتلاك إحدى الضواحي الشرقية لمدينة العرائش لقطع بين جنوب المغرب وشماله الغربي عن طريق القصر الكبير. ثم احتلوا العرائش سنة 1489 فضرب المغاربة الحصار عليها حتى أبحر الغزاة منها بأسطولهم.
في هذا الوقت كان ظل الإسلام قد أخذ يتقلص في الأندلس أمام هجوم مملكة أراغون ومملكة قشتالة المتحدثين، وأخذت كل من اسبانيا والبرتغال تتجهان بأنظارهما إلى التوسع فيما وراء البوغاز ووضع مشروعات أدت إلى نزاع بينهما على تحديد مناطق النفوذ في المغرب، فاعترفت قشتالة طبقا لمعاهدة صادق عليها البابا « سكستو السادس» في 9 يونيو 1491 بحقوق البرتغاليين في الشاطئ الشمالي يمتد من مليلية إلى سبتة. ولكن الملكين الكاثوليكيين احتلا مليلية  يوم 17 سبتمبر سنة 1497( بعد سقوط غرناطة بخمس سنوات) مما دعا ملك البرتغال إلى الاحتجاج واشتداد الخلاف بين المملكتين لاقتطاع تلك المدينة من منطقة أطلق يد البرتغاليين فيها بمقتضى الاتفاق المتقدم. ثم انتزعت من المغرب أيضا قزازة سنة 1505 وحجر بادس عام 1508 باعتبار أنها مستقلة عن مملكة فاس !
فوقع كل هذا موقعا سيئا في نفوس البرتغاليين مما أدى إلى عقد معاهدة «سينترا» في 18 سبتمبر سنة 1509 تشطر القسم الشمالي من المغرب شطرين من حجم بادس بثلاث وثلاثين كيلو مترا إلى سبتة للبرتغاليين ومنها إلى الشرق للاسبانيين.

توسع البرتغاليين نحو الجنوب
في عهد « مانويل الأول»- 1491- 1521 – أي في سنة 1506 احتل « ديبكودي ازامبوجا» الصويرة. واستغل خلافا وقع بعد سنتين بعد عاملي آسفي على المنصب فاستولى عليها وأقام أيضا خلفه « نونيو فرناندت دي أتايدي» وجلا اسمه يحي حاكما عليها. ومثل هذا حدث أيضا في أزمور، دخلها الكوندي دي بركانزا في 13 سبتمبر 1513 بسبب نزاع على الحكم فيها ولكن البرتغاليين استبدلوها بالجديدة بعد أن أخلاها السكان مما جعل حياتها لا تطاق فضلا عن أن موقعها غير متوفر  الشروط. ثم حملته نشوة الانتصار أن يغير على مراكش لردع القبائل المناوئة لمراكز البرتغاليين، فعاد من تلك الغارة سنة 1516 مقتولا ومني جيشه بالهزيمة العظيمة. وفبلها بعام أراد يتخذ من المهدية مركزا محصنا فأرغمه المجاهدين على ترك تحصيناته والجلاء عنها.

مقاومة الغزو

كان رأس المقاومة ومدبرها الأول محمد القائم ابن الشيخ السعدي حينما فقدت اسبانيا قبل البرتغال مركزا بحريا بالجنوبا كانوا يسمونه « سانتا كروت دي ماربيكلينيا» في فاتح أغستطس عام 1517 فجاءت النجدة من جزر كاناريس لاسترداده عبثا لأن المغربة استطاعوا سنة 1524 أن يحاصروه ويدمروا معالم الحصن كيلا يعاد استخدمه من جديد. ثم تعرضت أكادير سنة 1533 وأزمور بعدها بأربعة أعوام لهجوم أقلق راحة المحتلين البرتغاليين وعرضهم لأخطار ماحقة فسادت فكرة الانصراف عن المغرب إلى إمبراطوريتهم في الهند وأمريكا، وكان لا بد لجو أن يستأذن البابا في الجلاء عن المغرب وقبل أن يصل الاذن بعشر سنوات سقطت أكادير في يد المغربة يوم 12 من أبريل سنة 1541 حتى وصل اذن البابا بالجلاء عن آسفي وأزمور، ولم يبق في يدهم من ثغور المغرب على المحيط الأطلسي  سوى الجديدة، فأراد ملك البرتغال أمام هذه الطعنات القاتلة في صدر الاحتلال البرتغالي أن يستنجد بالوطاسيين أصحاب فاس بصفتهم أعداء للسعديين، فلم ينجدوه.
وممن أذكى روح الحماس في نفوس الناس للقضاء على الأجنبي، المهاجرون الأندلسيون المستقرون بتطوان وشفشاون عقب سقوط غرناطة، فازداد نفوذ السعديين قوة واستنجد الوطاسيون بملك البرتغال جوان الثالث سنة 1547 فيحيلهم على  كارلوس الخامس، فلا يهتم هذا لانشغاله بمشاكل أوربا، فلم تمض سنتان حتى كان نجم الوطاسيين قد أفل وقويت شوكة السعديين وأصبح لهم من النفوذ ما لم ير معه البرتغاليين بدأ من الانسحاب إلى طنجة والجلاء عن أصيلا (1549) حتى لم يبق لهم في منتصف القرن السادس عشر غير سبتة وطنجة في الشمال والجديدة في الجنوب.

تمهيد لمعركة وادي المخازن
تعد هذه الواقعة حادثا دوليا ومن المعارك الفاصلة في تاريخ العالم. لأن القتال فيها كان بين قوتين روحيتين فازت إحداهما على الأخرى فوزا مبينا ساحقا.
وبينما كان سلطان المسلمين يضعف في اسبانيا، أخذت إمبراطورية إسلامية أخرى تنتشر سيطرتها ويتسرب نفوذها إلى المغرب عن طريق تلمسان وتسد طريق الملاحة في وجه السفن الاسبانية والبرتغالية في حوض البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، فإذا يئس البرتغاليين والاسبانيون من القضاء على أعدائهم العثمانيين فلا أقل من مهادنتهم وتجريد حملة صليبية على المغربة جيرانهم. 
تأسست دولة السعديين على أساس من الشعور بالغض الشائع وقتذاك بين المغربة نحو البرتغاليين سادة الشواطئ المغربية في الغرب ونحو الاسبانيين المعتصمين بالمرافئ في الشمال خلال  القرنين الخامس عشر والسادس عشر، فقاوموهما معا كما قاموا النفوذ التركي للمحافظة على استقلالهم الديني والسياسي.
نشأ أبو مروان عبد الملك المعتصم بالله ابن محمد الشيخ السعدي نشأة تركية ورأى نفسه أحق من ابن أخيه أبي عبد الله محمد بملك المغرب فدخل إليه  على رأس أربعة آلاف من الرماة الأتراك بالبنادق سنة 1576 وعهد لأخيه أبي العباس أحمد المنصور بمطاردته حتى التجأ محمد إلى بادس حيث يعسكر جنود فليبي الثاني فطلب ملك اسبانيا أن يعينه على استرداد ملكه من عمه دون جدوى لانشغاله بمحاولة البروتستانت ومن بقي من المسلمين في اسبانيا، فانتقل إلى طنجة يلتمس معونة دولة البرتغال فأصغت له وظهر تعاملها سبستيان أن الفرصة مواتية للانقضاض على ما بقي من المغرب. أما عبد الملك فانصرف إلى تنظيم قواته إداريا وعسكريا ساعيا إلى مسالمة جيرانه ليتفرغ إلى تدعيم ملكه وتثبيت أركان مملكته متخذ أسيره الضابط« فرنسيسكو الدانا» رسولا يعرض على سيستيان استعداده للسعي في هدنة بين آل عثمان والبرتغال التي طالما تمناها، وكان يعوق سبيلها الجزائريون والأندلسيون الناقمون، ثم أرسل إليه مع «سونييكا» الضابط الأسير كتابا يحذره من الوقوع فيما لا تحمد عقباه ملتمسا تعيين مندوب عنه للمفاوضة، ولم يكتف بهذا، بل أوفد صديقا له أعتنق الإسلام اسمه«اندريا كاسبارو» فيقول لسبستيان أن عبد الملك يمنحك اثنين وعشرين كيلو مترا لتوسيع مناطق النفوذ البرتغالي في سبتة وطنجة والجديدة إذا أعرضت عن مشروعك، ولكن عاهل البرتغاليين أبي واستكبر وظن أن مطالب جاره تنم على ضعف ظاهرة. وهذا ما أبداه لجدته لاكاطالينا ولقمة الكردينا انريكي وغير من المستشارين في البلاط الملكي حينما حذروه نتيجة فشل المشروع أما جدته فماتت من شدة الغم، وأما فيلبي الثاني فقد أرسل الدوق دي مدينة سالم يعزيه في جدته ظاهرا ولحمله على العدول عن تجهيز الحملة باطنا.
فلم يبق أمام عبد الملك بعد هذا إلا أن يعد التدابير الدفاعية اللازمة لمواجهة الخصم العنيد ومقاومة الغزو الخارجي. فجند في تلمسان قوات الناحية الشرقية وحشد أخوه أحمد المنصور قوات الجنود فاجتمع له خلق كثير بلغ تعداده مائة ألف ...... جعل منها حاميات الثغور لمواجهة نزول الغزاة إلى البر، وكان على علم تام بحركات الأسطول البرتغالي بواسطة الجواسيس من البرتغاليين، فإن أحدهم أبحر من ميناء لاكوس حاملا نبأ العمارة الكبرى، وما أن بلغه خبر نزولهم حتى أعاد حشد الجيش في القصر الكبير وأرسل أخاه على رأس ستة آلاف فارس إلى أصيلا لمناوشتهم دون أن يواجههم وجها لوجه.

جيش عبد الملك
امتاز جيش عبد الملك بممارسته للحرب مع المرينيين أولا ثم الوطاسيين والأتراك والبرتغاليين من بعدهم، وتنظيمه الدقيق المقتبس من جيرانه الأتراك في الجزائر. ولم يعد المغربة في هذا الوقت يهابون الفرسان البرتغاليين بدروعهم الفولاذية.
وكان مؤلفا من المهاجرين الأندلسيين والعلوج  وخلق كثير يدعى جند الروم وعدد لا يحصى من الفرسان المدربين على حبل الحرب جاءوا من سائر بقاع المغرب.
أما أبوعبد الله محمد فاستقر به المقام في سبتة مع مائة من أنصاره يتصل أحيانا بأصحابه القدماء ويتعلق بأذيال سبستيان عن طريق حاكم سبتة « دوارتي دي منيزس» في كثير من الأحيان.
وفي هذه الأثناء سلم مدينة صيلا وكان يحكمها أحد رجاله إلى حاكم سبتة لينفذ البرتغاليون منها إلى الداخل. وكان 17 يونيو سنة 1578 يوم الاحتفال الرسمي في كاتدرائية لشبونة، بارك فيه كبير الأساقفة العلم وسلمه سبستيان بعد ذلك إلى القائد لويس دي مينزس، ثم انتقل الملك وحاشيته بعد الاحتفال الديني إلى حيث يرسو الأسطول، وكان مؤلفا من ستمائة نقالة بقيادة «ديبكو دي صوصة» وخمس سفن حربية وعدد آخر من المراكب يتراوح بين الأربعين والخمسين.
وقبل أن يتحرك إلى ميناء لاكوس أتجه سبستيان إلى قادس فوصلها في اليوم السادس والعشرين وقضى أسبوعا أكرمه فيه دوق مدينة شذونة حاكم الأندلس باسم الملك فليبي الثاني وألح عليه يريد أن يستبقيه عبثا ويسلم مقاليد الحملة إلى القواد.
وفي اليوم الثالث من يوليو أبحرت قطع الأسطول محاذية للشواطئ المغربية حتى نزل سبستيان في طنجة في اليوم السادس، ثم واصلت سيرها إلى القرب من المنار حيث ينتظر أبو عبد الله محمد على رأس أربعمائة فارس وثمانمائة رام لحماية الأسطول برا إلى أصيلا، وفيها بقي الجنود ثمانية عشر يوما يضعون الخطط للاستيلاء على العرائش، فبعضهم يرى دخولها من البحر والبعض الآخر يفضل أخذها من البر، وفيها تقدم سفير ملك الاسبان «دون خوان دي سليبا» وأهدى سبستيان الخوذة والقناع اللذين كانا لجده كارلوس الخامس في حروب تونس.

حالة الجيش البرتغالي قبل المعركة
بعد أن وزعت على كل جندي في اليوم التاسع والعشرين من يوليو مؤونة تكفيه ثمانية أيام، تحرك  الجيش مؤلفا من ثمانية عشر ألف جندي من المشاة وألف وخمسمائة فارس وثلاثين مدفعا يبحثون فلا يجدون ماء ولا ظلا في أشد أيام القيظ فضلا عن الغارات التي يشنها أحمد المنصور على الجنود المحملين بالأثقال، وكان أبو عبد الله قد وعد البرتغاليين بثورة المغاربة جميعا  في وجه عمه والانضمام إليه نزاد في ورطتهم وإضعاف همتهم أن شيئا من هذا لم يتحقق، فلم يبق إلا أن يقيموا معسكرهم في ثاني أغسطس بالقرب من ضفة وادي المخازن، فألف « الدوقي دي آفيرو» من ثلاثمائة فارس فرقة    للاستطلاع فوجد على الضفة الأخرى المغاربة بجيشهم العظيم يستعدون للساعة الفاصلة.
وكان لكلا الجيشين مركز جربي مناسب، يحمي مؤخرتهما رافد من روافد نهر لكوس، وكل من اتخذ خطة الهجوم أضاع ذلك الامتياز، إلا أن مركز الغزاة كان أخطر لضعف فرسانهم ونفاذ المؤونة في خمسة أيام وانعدام الحماس فيهم واختلاف الأجناس وتباين اللغات بين صفوفهم. وكما أن المغاربة عرفوا نقصان المواد الغذائية لدى أعدائهم كذلك انتظر الغزاة وفاة عبد الملك بعد أن انتهى إليهم خبر مرضه لعل فيها مخرجا من المآزق الذي وقعوا فيه.

الجيش البرتغالي
وفي الساعة العاشرة من يوم 3 أغسطس سنة 1578 خاض الجيش البرتغالي الميدان يساعده الايطاليون والقشتاليون والالمانيون ومن التحق من الخونة بأبي عبد اللــه المخلوع يقودهم جميعــا «وأرتو دي منيزس» و « اركوليس»«أكيلار» و«كودوى»و «توماس دي استرلنس»«و الدوق دي افيرو»و «مرتين دي بركونيه» وكان سبستيان إلى جوار حامل العلم لويس دي منيزس عن يسار القلب يحيط به سفير اسبانيا وعدد من الرهبان والنبلاء البرتغاليين.

الجيش المغربي
وهناك على الضفة الأخرى جيش إسلامي في شكل هلال يتحفز للدفاع يؤلف فرقة من ثمانية عشر ألف من مشاة القبائل والأندلس والعلوج وثلاثة وستين ألف فارس وثلاثين مدفعا وخمسة عشر ألف  من جند الروم غير النظاميين يقودهم أحمد المنصور وعلي ابن موسى والحسن العلج الجنوي وأبي على القتوري وسعيد الدكالي وابراهيم السفياني وحازم الالمقدوني ومحمد  بن علي بن ريسون. وتوسط الجيوش عبد الملك محمولا على محفة يحيط به مائة من الأتراك ومائة من العلوج بقيادة مصطفى رضوان ومحمد أبي طيبة، وهو عالج برتغالي، ورفعت الإعلام في الإمام وحمل الفقهاء المصاحف في الأطراف يتلون القرآن، وبقي في المؤخرة رجال عهد إليهم بالتطبيل والتزمير.

التحام الجيش:
وقبل أن تحين الساعة العاشرة وقت ابتداء المعركة يوم الاثنين متم جمادى الأولى سنة 986 الموافق ليوم 4 أغسطس 1578 أشار سبستيان إلى  القسيس اليسوعي اليخاندرو فرسم هذا الصليب بيده وأزاح الفرسان أقنعتهم وركع المشاة في صمت عميق رهيب، ثم كان الصدام الأول افرغ المغاربة  ما في جعاب المدافع من قنابل  في وجه العدو الذي فزع لها. وكان الضحية الأولى قائد الحرس الملكي فتبعهم الفرسان بإطلاق الرصاص من بنادقهم، ثم أشتبك الفريقان بإطلاق الرصاص من بنادقهم، ثم اشتبك الفريقان بالسلاح الأبيض دون استغلال المدافع وسلاح الفروسية استغلال مطابقا للنظام العسكري. وفي عنفوان المعمعة امتطى عبد الملك صهوة جواده يلهب الحماس في نفوس المقاتلين حتى تقل عليه المرض وانحنى رأسه على صدره فاقد الروح وأصبعه على شفتيه كأنه يوصى بعدم إفشاء سر موته وكذا أخفاه قائده وصفيه مصطفى رضوان بإدخال رأسه في المحفة التي نقل إليها سيده موهما أنه يتلقى التعليمات والأوامر منه إلى أن يتم النصر النهائي للمغاربة.
أما سبستيان فقد قاوم حتى بدأ وجهه ملطخا بالدماء من أثر الجراح وسقوط كثر من الجياد التي كان يمتطيها وكانت بوادر الهزيمة تظهر تدريجيا على  الفرسان البرتغاليين أولا وعلى المشاة ثانيا بعد قطع خط الرجعة عليهم، ثم سمعوا انفجارات أهوت بجسر على وادي المخازن فانتشر الذعر والفزع في الصفوف المعادية وارتفعت الأصوات وساد الضجيج ميدان القتال فحارب الجنود البرتغاليين المحنكون إلى نهاية وأسر غيرهم ممن تنقصهم الخبرة وغرق نحو عشرة آلاف من الباقين.
وفي الساعة الرابعة كان كل شيء قد انتهى لمصلحة الجانب المغربي وسقط في الميدان ثلاثة ملوك أستشهد عبد الملك وهو يدفع عن وطنه بلاء الغزو الأجنبي، وقاتل سبستيان قتال الأبطال – كعادة الفرسان – حتى غرق في الدماء المنبعثة من جروحه.
وعواقب أبو عبد الله محمد « المخلوع» بالموت فرقا جزاء غدره واستعانته بالعدو على غزو بلاده.
        

المرجع :
1- فرناندو كرانثا في عدد مارس من مجلة (أفريكا) الصادرة في عام 1935 .
2- إعداد من مجلة ( موندو) 74 و76 و81 و84 (941 ) و18 و 95 ( 1942 ).
3- العدد 30 من مجلة ( الأنوار ) الصادرة عام 1952.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here