islamaumaroc

[كتاب] المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية العسكرية الإسلامية، لمحمد جمال الدين محفوظ

  دعوة الحق

العددان 179 و180

الحديث عن العسكرية الإسلامية متعدد لجوانب كثير الفروع. وهناك ارتباط دائم ووثيق بين كل جوانب العسكرية الإسلامية وبين مفهوم الجهاد في الإسلام.
ولا بد لمن أراد الفهم الصحيح لجوهر العقيدة العسكرية الإسلامية أن يتفهم كل الأبعاد التي ينطوي عليها المعنى الحقيقي للجهاد في سبيل الله كما جاء به الدين الحنيف. يقول تعالى:« يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم عل تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم أن كنتم تعلمون» فهنا نرى  القرآن قد جعل الجهاد تاليا في الأولوية مباشرة للإيمان بالله ورسوله.
وفي العصر الحديث ظهر وكثر الحديث عن العسكرية منسوبة إلى أمة أو دولة بعينها. فهناك من يحدثك عن العسكرية الألمانية، أو العسكرية الأمريكية، أو عن العسكرية الشرقية في مقابل العسكرية الغربية. وأصبح الأمريكي يتفاخر بالحديث عن « التراث المجيد للعسكرية الأمريكية»، وهكذا الألماني والروسي والفرنسي وغيرهم كل عن جوانب التفوق والفخار في عسكرية أمته.
والشيء العجيب أننا جد أغلب المشتغلين بالعسكرية من أبناء العرب والمسلمين يتدارسون كل صغيرة وكبيرة في عسكريات الأمم الأخرى من شرقية وغربية على السواء، بينما نجدهم لا يكادون يعرفون شيئا يذكر عن عسكرية الإسلام.
يقول اللواء محمد جمال الدين محفوظ في مقدمة كتابه: « العسكرية الإسلامية» تمثل جانبا رائدا من  الحضارة الإسلامية ومن الحضارة الإنسانية بالتالي، فلولا جهاد المسلمين الأوائل واسترخاصهم المال والنفس والولد في سبيل الله، لتغير وجه التاريخ، ولتخلفت مواكب الحضارة الحديثة عن الظهور.. لقد كان لأجدادنا المسلمين الأوائل فضل تأسيس هذه الحضارة، وشق الطريق لهذه الفتوحات العبقرية في ميادين العلوم الطبيعية والإنسانية، وكان فضلهم هذا من بعض ثمرات الجهاد في الإسلام».
هناك أذن تراث من العسكرية الإسلامية يستحق التنبه إليه بالدراسة والوعي، ويستحق أن يكون مصدرا للفخار والاعتزاز لكل مسلم وكل عربي. فلماذا ما نراه الآن في أوساطنا العسكرية من جهل أو تجاهل نحو هذا الجانب المشرق الوضاء.. العسكرية الإسلامية.. وعسكريونا هم أولى الناس بالاتجاه نحو هذا التراث العسكري الذي هو لهم وهم به جديرون؟ لماذا؟
إنها الحرب التي تستهدف طمس معالم الحضارة الإسلامية ومنع قيامها من جديد. هي حرب حضارية تريد فرض التبعية على العرب والمسلمين في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية أيضا.     
.. بل والعسكرية على وجه الخصوص. فلقد كانت عبقرية الإسلامية واحدة من أهم المكونات للحضارة الإسلامية.
« كان من بين أهداف تلك الحرب الحضارية طمس معالم العسكرية الإسلامية»، ومنع قيامها من جديد وفرض التبعية على العرب والمسلمين في مجال الفكر العسكري وفن الحرب. والباحث العسكري المطلع يجد أنه منذ عصر النهضة حتى اليوم، وضعت آلاف الكتب حول الإمبراطورية الرومانية، بينما لا يتعدى ما كتب في الغرب عن الفتوحات الإسلامية عدد أصابع اليد».
 وهذا الكتاب الذي نحن بصدده يلبي حاجة ملحة أنه محاولة جادة ومخلصة لعرض العقيدة العسكرية الإسلامية، وإلقاء الضوء عليها، وهو – كما يقول كاتبه- دعوة لكل من يعنهم الأمر من المسؤولين والعلماء والمختصصين في أمتنا العربية والإسلامية، للاتفاق والتعاون على تنظيم دراسة « العسكرية الإسلامية» على نحو الذي يعطيها حقها ويتكافأ مع قدرها، ولا يقل عن جهد غيرنا من الأمم في هذا المجال.
والباب الأول من الكتاب يوفر مدخلا للقارئ غير المتخصص- فضلا عن المتخصص- إلى مفاهيم   الإستراتيجية العسكرية ويميز بينها وبين العقيدة العسكرية. ثم ينتقل المؤلف في الباب الثاني إلى الحديث عن العقيدة العسكرية الإسلامية، فيبين لنا  أن مصدرها هو الكتاب والسنة، وأنها بذلك متميزة عن العقائد العسكرية الأخرى التي هي من وضع البشر، كما أنها تتميز بطابع سلمى دفاعي لا عدوانية فيه، انبثاقا من فكرة السلام التي تحتل المقام الرئيسي بين أهداف الإسلام ومقاصده العامة.
وفي الباب الثالث يتحدث المؤلف عما أسماه بإستراتيجية الردع أنها مفتاح الإستراتيجية المعاصرة ويدور حديث المؤلف عن الردع بتعريف الأنواع المختلفة له والتي تتعدد من حيث مداه ومن حيث الوسائل التي تحققه، لينتقل بعد ذلك إلى الإستراتيجية الردع الإسلامية ويتناول الخصائص المميزة لها والأسس التي تقوم عليها.
والباب الرابع من الكتاب بعنوان: « المفاهيم الإستراتيجية الحيوية في إدارة الصراع المسلح».
وهذا عنوان يدعو إلى كثير من التحفز، إلا أن القارئ سرعان ما يكتشف أن هذا العنوان الطويل ينطوي على موضوعين أساسيين هما الإدارة العلمية والحرب النفسية، وقد عالج كلا منهما في فصل خاص أوضح فيه سبق العسكرية الإسلامية في هذين المجالين.
وفي البابين الخامس والسادس تحدث المؤلف عما يعرفه العسكريون بمطالب الكفاءة وقد خصص الباب  الخامس للحديث عن مطالب الكفاءة النوعية والاستعداد  القتالي. وخصص الباب السادس للحديث عن مطالب الكفاءة القتالية للقوت المسلحة. إلا أن القارئ يشعر بوجود قدر كبير من التدخل في موضوعات هذين البابين. فنحن نرى مثلا أن الكاتب قد أفرد فصلا خاصا للحديث عن توجيهات الإسلام في القتال باعتبارها من مطالب الكفاءة النوعية والاستعداد القتالي، بينما يتحدث عن العلم والمنهج العلمي والتطور والأخلاق الفاضلة باعتبارها من مطالب الكفاءة القتالية.
 ومن المباحث الهامة التي تعرض لها الكتاب موضوع الشورى في العقيدة العسكرية الإسلامية والشورى من المبادئ المقررة في الإسلام بمقتضى الكتاب والسنة. وقد طبقها الرسول عليه الصلاة والسلام في كثير من المواقف، ووجهنا إلى وجوب الأخذ بالمشورة الصالحة والنزول على الرأي الصواب. 
وتزداد أهمية الشورى في مجال القيادة العسكرية، ذلك أن من أخطر الأمور أن تتركز السلطة في يد فرد واحد تكون له وحده حرية التصرف التام في جميع شؤون الجماعة. ففضلا عما ينطوي عليه الانفراد بالسلطة من معنى التحكم الفردي والتسلط، فإن هناك كذلك احتمالا آخر لانحراف القائد عن أهداف الجماعة. ولذلك يأخذ الإسلام بقاعدة الشورى في تنظيم الجيوش وإدارة أعمال القتال.
وفي الباب الخاص بإعداد الدولة للحرب تعرض الكاتب لبعض الموضوعات مثل إعداد الشعب للمعركة، واقتصاديات الحرب، والرعاية الاجتماعية لأسر المقاتلين والشهداء والجرحى والمهاجرين، وكلها ذات أهمية خاصة لمن يريد الإلمام باتجاه العسكرية الإسلامية في تنظيم تلك الأمور.
ولقد سبق للكاتب أن طالعنا كثيرا بمقالاته عن الجهاد والعقيدة العسكرية الإسلامية في مجلة الأزهر وغيرها، كما كانت له إسهاماته الطيبة في تقريب علم الإدارة الحديثة إلى متناول الدارسين العسكريين، هو فوق هذا وذاك واحد من الضباط الرواد الذين جمعوا بين الدراسة المستفيضة لعلوم العسكرية  الحديثة في الشرق والغرب والوعي السليم بتراث العسكرية الإسلامية.
ومن هنا يأتي عتابنا عليه في استعمال ألفاظ غريبة عن لغة العرب والقرآن. فما كان عليه لو أنه عرفنا بالإستراتيجية العليا أو الكبرى على أنها « السياسة العليا للدولة» وبالإستراتيجية على أنها « فن قيادة الحرب» وبالتكتيك على أنه« فن القتال».
وفي هذا الصدد بالذات لا يسعني إلا أن أستعير من كلمات الأستاذ اللواء الركن محمود شيت خطاب – وهو من هو فيما عرف عنه من غيره على الإسلام والعروبة- في تقديمه للمعجم العسكري إذ يقول:
« إن بقاء طائفة من المصطلحات العسكرية التركية أو الانجليزية أو الفرنسية أو الايطالية أو الأمريكية، أثر من آثار الاستعمار الفكري البغيض، لأن الجيوش التي لا تزال تستعمل تلك المصطلحات الأجنبية تتذكر دائما استعمار تلك الدول الأجنبية البلادها، ولا تنسى أنها كانت خاضعة لتلك الدول في يوم من الأيام .
«كما أنها باستعمالها تلك المصطلحات العسكرية الأجنبية تقر بتفوق جيوش الدول الأجنبية عليها حتى في لغاتها. وكل ذلك يؤثر أسوا الأثر في معنويات الجيوش العربية دون مسوغ
« واللغة العربية ليست عاجزة عن وضع المصطلحات العسكرية باللغة العربية الفصحى، مستقاة من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وكتب اللغة والأدب والفقه والتاريخ».
لا شك أنه كان الأحرى باللواء محمد جمال الدين محفوظ أن يؤثر استعمال الألفاظ والمصطلحات العربية الخالصة، لاسيما وأن موضوع الكتاب هو عسكرية الإسلام، دين القرآن العربي المبين.
ومما يلفت النظر كذلك استشهاد المؤلف برجال العسكرية الأجانب حيث لا يكون الموضوع مما يستدعي ذلك، مع إضعاف هالة زائدة من التبجيل لهم. فمن قال  أن الجنرال اندريه بوفر- الاستراتيجي الكبير على حد تعبير الكاتب- هو صاحب القول الفصل فيما يتعلق بمفهوم الردع؟ وأي جديد في مثل قوله: «أن رجل القرن العشرين الذي تلاحقه مآسي الحربين العالميتين، هذا الرجل المسلح بكل وسائل العلم الحديث، ربما وجد أخيرا الوسيلة لمنع وقوع مثل هذه المآسي، وهي إستراتيجية الردع؟
بمثل تلك الأقوال التي لا تنطوي على جديد يستشهد الكاتب ثلاث مرات في ثلاث فقرات متتالية بالجنرال أندريه بوفر- مع أن هناك من قادة العرب من تناول أقوالهم أو كتاباتهم تلك الأفكار بكل عمق واقتدار، هذا إذا كان لا بد من الاستشهاد بآراء الآخرين ولو أن « بوفر»-  بما عرف عنه من عداوة للإسلام والعرب- كان يتحدث عن الإسلام من أي جانب فلربما جاز أن يقال أن الاستشهاد بحديثه له مغزاه ودلالته. ولكن ما كان ينبغي أن نتناسى حقيقته كقائد من قادة الحملة الصليبية الصهيونية على مصر في خريف عام 1956، ثم نستشهد بعد ذلك بكلماته حيث لا يكون هناك داع لمثل هذا الاستشهاد؟
إلا أنه يبقى أن يقال- للحق وللحقيقة- أن الكتاب خطوة محمودة على الطريق، لاسيما وأن كاتبه  المسلم الغيور، قد أخلص فيه النية لله ولصالح الإسلام والمسلمين؟ والكتاب بعد ذلك جدير بأن يقرأه رجال العسكرية من العرب والمسلمين، ليعرفوا – عن علم وعن وعي- أن لهم في مجال العسكرية  والقيادة تاريخيا مجيدا وتراثا كان من دعامات الحضارة الإسلامية، حين عرف العالم فيها أروع صورة للحضارة الإنسانية في كل العصور.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here