islamaumaroc

كتاب الزواجر والعظات، للوزير اللسان الدين بن الخطيب -2-

  دعوة الحق

العددان 179 و180

نتابع في هذا العدد نشر الوثيقة الثانية من رسائل ابن الخطيب إلى أصدقائه من معاصريه، والتي أفرد لها بابا خاصا في نهاية مؤلفه الأدبي التاريخي «ريحانة الكتاب، ونجعة المنتاب» حيث أدرج هذه الرسائل تحت باب «الزواجر والعظات» وقد قدمنا لها في العدد السابق بموجز عما تضمنته...»
ومن ذلك...
إخواني، صمت الآذان والنداء جهير، وكذب العيان والمشار إليه شهير، أين الملك وأين الظهيرـ ابن الخاصة وأين الجماهير، أين القبيل وأين العشير، أين كسرى (1) أين ازدشير(2)  (148. أ) صدق التداعي وكذب البشير، وعز المستشار، وسئل عن الكل فأشار إلى التراب المشير.

خذ من حياتك للممات الآتي
وبدار ما دام الزمان موات
لا تغتر، فهو السراب بقيعة
قد خدع الماضي به والآتي
يا من يؤمل واعظا ومذكرا
يوما لينقذه من الغفلات
هلا اعتبرت وبالها من عبرة
بمداخن الآباء والأمهات
قف بالبقيع وناد في ........
فلكم بها من جيرة ولدات
درجوا ولست بخالد من بعدهم
متميز عنهم بوصف حياة
والله ما استهالت حيا صارخا
إلا وأنت تعد في الأموات
لا فوت من درك الحمام لهارب
والناس مرعى معرك الآفات
كيف الحياة لدارج متكلف
سنة الكرى بمدافن الحيات
آسفا عاينا معشر الأموات، لا
ننفك عن شغل بهاك وهات
ويغرنا لمع السراب فنتغتدى
في غفلة عن هادم اللذات
والله ما نصح امرءا من غيه
والحق ليس بخافت المشكاة

يامن غدا وراح، والف المراح، يا من شرب الراح(148.ب) ممزوجة بالعذب القراح،وقعد لقيان صروف الزمان، مقعد الإقتراح، كأنك والله ـ باختلاف الرياح، وسماع الصياح، وهجوم غادة الاجتياح، فأديل الخفوت من الارتياح، ونسيت أصوات الغناء برنات الرياح، وعوضت غرر النوب القباح، من غرر الوجوه الصباح، وتناولت الجسوم الناعمة أيدي الأطراح، وتنوسبت العهود الوثيقة بكر المساء عليها والصباح، أصبحت كماة النطاح من تحت البطاح، وحملة المهندة والرماح، ذليلة من بعد الجماح، ولو كان هذا الموت لا شيء بعده لهان علينا الأمر، واحتقر الهول، ولكنه حشر ونشر وجنة ونار، وما لا يستقل به القول.
يا مشتغلا بداره، ورم جداره، عن أنزاعه إلى النجاة وبداره. يا من صاح بنذاره شيب عذاره. يا من صرف عن اعتذاره بأقذائه وأقداره.يا من قطعه بعد مزاره وثقل أوزاره. يا معتلفا ينتظر هجوم جزاره. يا مختلسا للأمانة يرتقب مفتش ما تحت ازاره. يا من أمعن في خمر (149.أ) الهوى خف من اسكاره. يا من ........... رقه توق من أنكاره. يا كلفا بعارية ترد. يا مفتونا بأنفاسه تعد يا معولا على الإقامة والرحال تشد، كأنني بل وقد أوثق الشد، والصق بالوسادة الخد، والرجل تقبض والأخرى تمد، واللسان يقول: يل ليتنا نرد.
أنا لله وأنا له ما أشغـ
ـل الإنسان عن شأنه
يرتاح للأثواب يزهى بها
والخيط مغزول لأكفانه
ويخزن الغلس لوراثه
مستنفدا مبلغ إمكانه
قوض عن الفاني رحال أمـ
ــرى، مد إليه كف عرفانه
ما ثم إلا موقف راهن
قد وكل العدل بميزانه
مفرط يشقى بتفريطه ومحسن يجزي بإحسانه
يا هذا، خفى عليك فرض اعتقادك، فالتبس الشحم بالورم، جهلت فيم المعادن فبعت الشبه بالذهب فد حس ذوقك فتهكهت بحنظلة. أين حرصك من أجلك، أين قولك من عملك. يدركك الحياء (149.ب)، من الطفل فتتحامى حمى الفاحشة في البيت لسببه، ثم تواقعها بعين خالق العين، ومقدر الكيف والابن. تالله ما فعل فعلك من قطع بوجوده «ما يكون من نجوى ثلاثة.. الآية» (3) تعود عليك مساعي الجوارح التي سخرها لك بالقناطر المقنطرة بالذهب والفضة، فتبخل منها في سبيله بفلس، واحد الأمرين لازم، اما التكذيب واما الحماقة، وجمعك بين الحالتين عجيب! يرزق السنين العديدة من غير حق وجب لك، وتسيء الظن به في يوم يوجب الحق وتعتذر بالغفلة، فما بال التمادي؟ تعترف بالذنب، فما الحجة مع الإصرار؟ «والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا»(4) . يا مدعي النسيان، ماذا فعلت من بعد التذكير؟ يا معتذر بالغفلة، أين نضرة التنبيه؟ يا من قطع بالرحيل، أين الزاد؟ يا ذنابة الحرص، إلى كم تلجلج في ورطة الشهد؟ يا نائما ملأ عينه جدر الأجل يريد أن ينقص. يا ثمل الاغترار قرب خمار الندم، تدعى الحقوق الصنائع (150.ا)ـ، وتجهل هذا القدر. تبذل النصح لغيرك، وتفش نفسك هذا الغش!
اندمل جرح توبتك على عظم قام بناء عزيتمك على رمل بثث خضراء دعوتك عقدت كفك من الحق على نبضة ماء.
«أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا... الآية »(5) إذا غام جو المجلس وابتداء رسم غمام الدموع، قالت النفس الأمارة: حوالينا لا علينا، فذللت رياح الغفلة وسحاب الصيف تصفان، كلما شد طفل العزيمة كفه على درة التوبة ما نعته طير الشهوة على ذلك بعصفور. إذا ضيق الخوف فسحة المهمل سرق الأمل حدود الجار، قال بعض الفضلاء: «كانوا إذا فقدوا مطلوبهم تفقدوا قلوبهم» ولو صدق للواعظ الأثر اللهم لا أكثر، طبيب يداوي الناس وهو عليل! والمتفطن قليل، فهل إلى الخلاص سبيل، انظرنا بعين رحمتك التي وسعت الأشياء، وشملت الأموات والأحياء، يا دليل الحائرين دلنا، يا عزيز ارحم ذلنا، (150.ب) يا ولي من لا ولي له كن لنا ان أعرضت عنا، فمن لنا نحن المذنبون وأنت غفار الذنوب، فقلب قلوبنا يا مقلب القلوب، واستر عيوبنا يا ستار العيوب، يا أمل الطالب ويا غاية المطلوب. أنت حسبنا ونعم الوكيل.

 (1) هناك في التاريخ «كسرى انو شروان» ثم «كسرى ابرويز» فالأول ملك ساساني (531 ـ 579م) ابن قباذ. حارب في عدة مواقع، واحتل أنطاكية، ثم أجبر على عقد هدنة مع البيزنطيين (555م) كما استولى على اليمن (570م) ومن أهم إصلاحاته الداخلية تعديله لنظام الضرائب في البلاد بما حقق مصلحة الناس والدولة، كما قام بمسح شامل للأراضي.
أما الثاني: فهو «كسرى الرويز» وهو ملك ساساني أيضا (590 ـ 628م) ابن هرمز الرابع، ارتقى العرش بمساعدة الأمبراطورموريق البيزنطي (591م) وقد احتل القدس عام 614م، وقد اغتيل في السجن بعد أن كان هرقل قد انتصر عليه.
 (2) يطلق هذا الاسم على ثلاثة ملوك ساسانيين من الفرس، أهمهم «ازدرشير الأول) مؤسس الدولة الساسانية (نحو 226 ـ 241م) وقد أعاد بناء وحدة بلاده، ثم «ازدشير الثاني» (370 ـ 383م).
وتجدر الإشارة إلى أن «ازدشير شابور» وزير بهاء الدولة البويهي قد أسس في بغداد دارا للكتب، كان قوام محتوياتها ما يقرب من 10.000 كتاب، وذلك عام 990م.
 (3) سورة المجادلة، الآية: 7.
 (4) سورة الأعراف، آية: 58.
 (5) سورة فاطر، آية: 8.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here