islamaumaroc

منهجية تدريس اللغة العربية -4-

  دعوة الحق

العددان 179 و180

إن تعلم اللغة إنما يجيء عن طريق معالجة اللغة نفسها، ويتأتى بمزاولة عباراتها، ويظهر أن تعلم اللغة العربية للشعب العلمية إنما تكمن غايته في مساعدة التلميذ على اكتساب اللغة، وإنماء رصيده منها، وتفهم أسرارها لتكون له أداة طيعة تمكنه من نقل أفكاره، والتعبير عن مكنونات نفسه ومحصوله العلمي، وبث ذلك في غيره بلغة سليمة قويمة. تضمن لما تلقاه ويلقنه البقاء والانتشار والذيوع في الناس، فيستفيدون من تجاربه، ويفيد مما قد يعارضونه فيه. إن الغربيين يدرسون اللغة لمطلق اللغة وتعلمها واستعمالها. ويطعمون العلوم باللغة، ولا ينظرون إلى كل منها نظرة جزئية انفصالية لأن كل شيء في الدنيا يتقوى بقوة الروافد التي تصب فيه. والثقافة الصحيحة هي التي تسعى إلى التكامل في جميع مناحي الحياة. والغرض من تدريس اللغة العربية للشعب العلمية هو نشر الذوق والمتعة بالنصوص التي تخفف من ثقل وجفاف العلوم.
ويبدو أن النص العلمي يمكن أن يؤدي دوره علما ولغة لو توفرت له شروط يتلخص بعضها فيما يلي:
1- ـ ألا يكون طويلا، فكلما طال النص مله العقل ومجته الأسماع «وأحسن الكلام ما كان قلبه يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكان الله عز وجل قد ألبسه من الجلالة، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه، وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع، بعيدا من الاستكراه، ومنزها عن الاختلال مصونا عن التكلف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد، ما لا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها عقول الجهلة». وقد قال عامر بن قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان(1)» .
2- ـ ألا يكون حديثا مرتجلا ثم يكتب كما ارتجل، لأن الارتجال شيء والكتابة شيء آخر. ففي الارتجال تكرار ومعاودة للمعاني والألفاظ. وهذا ما يأباه السلوك العام للعلم ومناهجه، والحديث المرتجل يفقد كثيرا من مقوماته بعد نشره مكتوبا، فهو يفقد النبر والتنغيم، والحالة العاطفية للمرتجل وهو يلقى كلامه، كالزفرات والحركات الإشارية. «وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل، يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة  أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كان أنفع وأنجع. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله عز وجل يمدحه، ويدعو إليه ويحث عليه. بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم.. فأما الإشارة فالبيد، وبالرأس وبالعين والحاجب والمنكب، إذا تباعد الشخصان، وبالثوب والسيف، وقد يتهدد رافع السيف والسوط، فيكون ذلك زاجرا، ومانعا رادعا، ويكون وعيدا وتحذيرا، والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط. وبعد فهل تعدو الإشارة أن تكون ذات صورة معروفة وحيلة موصومة، على اختلافها في طبقاتها ودلالاتها. وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح مرفق كبير ومعونة حاضرة، في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس. ولولا الإشارة لم يتفاهم معنى خاص الخاص، ولجهلوا هذا الباب البتة. وقد قال الشاعر في دلالات الإشارة:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها
إشارة مذعورة ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قال مرحبا
وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم

وقال الآخر:
وللقلب على القلب
دليل حين يلقاه
وفي الناس من الناس
مقاييس وأشباه
وفي العين غنى للمر
ء أن تنطق أفواه

وقال الآخر:
العين تبدي في نفس صاحبها
من المحبة أو بغض إذا كانا
والعين تنطق والأفواه صامتة
حتى ترى من ضمير القلب تبيانا

هذا ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت. والصوت هو آلة اللفظ، والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف، ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موزونا ولا منثورا إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع والتأليف»(2)  إذن، فالأحاديث المرتجلة غالبا ما تكون في التثقيف العام، ولا تفيد كثيرا في غرس الأساليب اللغوية وتعليمها، ولعل الجاحظ قد رصد هذه الظاهرة إذ يقول: «وكان أبو شمر إذا نازع لم يحرك يديه ولا منكبيه، ولم يقلب عينيه، ولم يحرك رأسه، حتى كان كلامه إنما يخرج من صدع صخرة، وكان يقضي بلوغ إراداته، وكان يقول: ليس من حق المنطق أن تسعين عليه بغيره، حتى كلمه إبراهيم بن سيار النظام عند أيوب بن جعفر فاضطره بالحجة، وبالزيادة في المسألة، حتى حرك يديه وحل حبوته، وحبا إليه حتى أخذ بيديه، وفي ذلك اليوم انتقل أيوب من قول أبي شمر إلى قول إبراهيم، وكان الذي غر أبا شمر وموه له هذا الرأي، أن أصحابه كانوا يستمعون منه، ويسلمون له ويميلون إليه، ويقبلون ما يورده عليهم، ويثبته عندهم، فلما طال عليه توقيرهم له، وترك مجاذبتهم إياه، وخفت مؤونة الكلام عليه، نسى حال منازعة الأكفاء ومجاذبة الخصوم، وكان شيخا وقورا، وزميتا ركينا، وكان ذا تصرف في العلم، ومذكورا بالفهم والحلم(3) .
3- ـ في حالة ترجمة النص، يستحسن أن لا يقوم بها إلا شخص ضليع في العربية، ومتشرب لروح اللغة العربية، ومدرك لأسرارها ومفاهيمها وبيئة أصواتها وألفاظها، لما في ذلك من تحد هائل يفرضه فهم المقامات وألفاظها، لما في ذلك من تحد هائل يفرضه وذوقية، وعاطفية دقيقة متشبعة، لا يبتليها، ولا يفهم مراميها، ولا يحيط بها خبرا، ولا ينفعل بها إلا أبناء البيئة ذاتها. ويظهر أنه من تضييع الوقت «البحث عن الألفاظ بدلا من الترجمة رأسا من قبل اختصاصيين في الموضوع ممن عرفوا لغتهم جيدا، ولو أن سلفنا في العهد العباسي عمل ما عملنا ترك لنا تراثا شامخا أدرك العالم المتحدث اليوم أهميته وقيمته» (4). وتعلم مفردات اللغة يتم وفق قانون معين لا عن طريق وضعها وضعا ناشزا لا يخضع لقانون أو عرف. ان تعلم مفردات اللغة «ليس عملية مستمرة فحسب خلال أيام الطفولة، بل خلال الحياة كلها. فاللغة تتسع باستمرار ويقير الاستعمال مدلول الكلمات، ويضيف العلم باستمرار في اكتشافاته حقائق جديدة عن عالمنا، كلمات جديدة في اللغة»(5)  والمعركة الجديدة معناها كلمات جديدة، والملاحظة الدقيقة تستلزم ما هو أكبر من ملاحظة التفاصيل، إنها تعني أيضا إدراك الصورة الكلية والقدرة على ربط التفاصيل بعضها ببعض لإيجاد مدلول لها وتفهم ما بينها من علاقات. إن الترجمة علم تصب فيه كثير من العلوم، وقد يحدث أقل خطأ في الترجمة أعظم خطر في تأويل اِلأشياء وفهمها، «وقبل تسعين سنة فقط، اكتشف العالم الفلكي الإيطالي «جيوفاني فيرجينيو سكيا برلى»، رئيس مرصد ميلان، وجود خطوط على سطح المريخ سماها «كنالى» وترجم هذا الاسم إلى اللغات الأوروبية الأخرى خطأ بمعنى «قنوات» بدلا من «خطوط»، وقد تسبب هذا الخطأ في إثارة اهتمام العالم فجأة بالمريخ، فطلع البعض من الناس بنظريات تقول بأن المريخ مأهول بمخلوقات ذكية شقت تلك «القنوات» لري الكوكب الجاف، وأدت الإثارة برجل أمريكي إلى إقدامه على بناء مرصد في ولاية «أريزونا» خصوصا لدراسة تلك «القنوات» المزعومة، وبالفعل تم تخليط لـ 400 «قناة» منها، بلغ طول بعضها 5000 كيلومتر. ورغم ذلك فشل بعض الراصدين في مشاهدة «القنوات»، وتوقف الأمر عند هذا الحد، وظل متوقفا إلى أن أطلق الأمريكيون في شهر نوفمبر عام 1964أول سفينة لهم لسبر أغوار المريخ وهتك أسراره، هي السفينة «مارينر 4» فمرت في شهر يوليو عام 1965 على بعد يقرب من عشرة آلاف كيلو متر منه، وفي أثناء ذلك أرسلت إلى الأرض 22 صورة سطحية غيرت الكثير من النظريات القديمة التي وضعت حوله، ولم تظهر الصور الأولى أية دلائل أو إثباتات توحي بوجود تلك «القنوات» التي اكتشفها العالم الفلكي الإيطالي «جيوفاني فيرجيونيو سكيا برلى» ولكنها أظهرت فوهات براكين وقمما وأخاديد» (6) يقول ماريان بسير: إن العلماء لا يحصلون غالبا «على تعليم كاف في المهارات اللغوية، ولذلك فهم يفشلون أحيانا في التعبير لغيرهم عن اكتشافاتهم وملاحظاتهم بوضوح وجلاء.
وهدف التعبير العلمي هو الكشف عن المعاني وإيضاحها، وعرضها في ألفاظ واضحة الدلالة، بتفصيل الأفكار الأساسية للموضوع، وعرض جزئياتها، وإلمام بالعناصر التي تتألف منها، ثم بلورة هذه العناصر بعد ذلك في صورة كلية عامة تتجلى فيها وحدة العلوم لا تعيش وحدها بدون لغة، بل إن للعلوم فضلا كبيرا وأثرا ظاهرا في تنمية اللغة وتطويرها مادة وأسلوبا لما تكسبها العلوم من دقة وجلاء وقوة ووضوح، والعلم يضيف باستمرار كلمات جديدة لتعبر عن الحقائق العلمية المستحدثة، واللغة تقوى بقوة ووضوح، والعلم يضيف باستمرار كلمات جديدة لتعبر عن الحقائق العلمية المستحدثة، واللغة تقوى بقوة علوم أصحابها وحسب مدى سيرهم في معارج الحضارة، والعلم والأدب يتفاعلان ويحبلان ويلدان، شأن كثير من ظواهر الكون ومظاهر الطبيعة، وبقدر تفاعلهما وتآزرهما تكون قوتهما وقوة أصحابهما، فقد امتاز الإغريق بالأدب والفلسفة والعلم والرياضيات في آن معا، وعرق ذلك عند العرب في أيام ازدهارهم وعزهم، ونرى مثل ذلك عند أمم الغرب المتقدمة اليوم، وليس ذلك مجرد صدفة، بل لعدم استطاعة الإنسان الجاد الاستغناء عما ينتجه غيره في شتى وجوه الحياة، فالنجار يصنع بيتا، والمخترع آلة، والطبيب قد يكشف دواء لمرض عضال أعيا غيره من الأطباء، والمنطقي يضع مقياسا منطقيا والشاعر ينظم قصيدة، فالإفادة والاستفادة موجودتان إلا أن أوجه الشبع لا تدرك إذا لم تدرك الفروق.
وعليه فللثقافة الأدبية أثر ملموس، وللمعرفة اللغوية ميزاتها في الأسلوب العلمي، ويظهر بعض ذلك فيما يلي:
1 ـ الثقافة الأدبية واللغوية تيسر التعبير عن الحقائق العلمية الدقيقة.
2 ـ تتجلى الحاجة إليها حين يتصدى الكاتب للترجمة أو العالم للحديث، فإنها تعينهما على اختيار أنسب المصطلحات، ونقل المعارف في دقة وجلاء.

3 ـ تساعد على سلامة الأسلوب وخلوه من الأخطاء النحوية واللغوية التي تشينه وتحط من قدره.
4 ـ تمكن الكاتب في المسائل العلمية والنفسية والفلسفية والاجتماعية ونحوها من توضيح المعاني، وتيسير التعبير عن الأفكار العويصة المعقدة.
5 ـ لاشك أن ازدهار الحياة الأدبية يؤثر في التعبير العلمي، فالأساليب جافة عديمة النسخ والمائية في عصور الانحطاط والتقلص الفكري، رقيقة جيدة في عصور الازدهار، وفي تاريخنا ـ نحن العرب والمسلمين ـ عبرة وذكرى للذاكرين! فالعلم والأدب متكاملان ولا يجوز الفصل بينهما. وكل دعوة إلى هجران الأدب وإهماله والعكوف على العلم المادي وحده، إن هي إلا حجة داحضة، وقتل للقوة الروحية في الإنسان التي تدفعه إلى كشف السر في نفسه وفي الكون، بل هي واد للفكر وما يحوطه من تصور، أو يصنعه من تخيل أو هي قذف بالإنسان في مهامه التحجر العقلي والانقباض الذهني كالرأس لا صحة فيه، بل كلوم وحبط وجراحة طريئة لم تعصر ولم تعصب ولم تلين بدهن، فالأدب حلاوة الأذواق الرفيعة، وباسم القلوب الكليمة والعلم لا يعوقه الأدب، بل يلطف جوه ويقويه. ومن منا يجهل أسرة بني زهر في الأندلس ـ مثلا ـ وقد لمعت في الطب، والعلوم، والكمياء، والطبيعة؟! وكانت إلى ذلك بارعة في الحديث، والأدب، واللغة، وقالت الشعر، ولماذا نذهب بعيدا ونحن نعلم أن إبراهيم ناجي كان شاعرا وطبيبا، وأن أحمد زكي أبا شادي كان شاعرا ومربي نحل، وأن علي محمود طه كان شاعرا ومهندس مبان. ونجد عند الغرب أعلاما عرفوا بالعلم والأدب على السواء، منهم براتراند راسل الذي كان رياضيا وفيلسوفا، وعالم اجتماع، وألبرت شفايتزر الذي كان قسيسا، وعالم لاهوت، وباحثا موسيقيا، وعازف أرغن، وطبيبا، ويظهر أن بليزباسكال لا يغيب عن الأذهان عند كل من يتحدث عن تفاعل العلم والأدب.
فالعبرة ليست بالعلوم وحدها، ولا باللغة وحدها منفصلة منزوية، ولا بأي فرع من فروع المعرفة معزولا بعيدا عن الحياة، وإنما العبرة بتآخي نتاج العقل البشري في هذا الحقل أو ذاك وبالجد وحسن الاختيار لطرق الأداء والإيصال، لأن حسن الاختيار دليل على لبابة العقول، وقد يتم لنا التوفيق بين العلم والأدب عن طريق النصوص التي نقدمها للناشئة، ويحسن أن تكون مثل هذه النصوص مزيجا مما كتبه قدماء علماء العرب ومحدثوهم، ولا عبرة بالكثرة، فالقليل الجيد المحكم، خير من الكثير المفكوك العري والقديم لا يضيره قدمه إذا كان معبرا موحيا؟ والكشف عن القديم وتقديمه للنشىء في معرض بهى يرضي عنه نفوسهم يجعل أبناءنا يقبلون على علوم أسلافهم ولغة أجدادهم، وينتفعون بها ليرتبط حاضرهم بماضيهم، وليدركوا أن قومهم لم يقصروا وأن رماهم الناس بالتقصير، ولا يتم ذلك إلا بمعاملة التراث والتوجه نحو المستقبل في شجاعة وعدم تردد. ولا ننسى أن التقدم في الحضارات التي يعنو لها وجه التاريخ كان أنسانيا وماديا في آن واحد معا في شتى العهود والأحقاب، قديمها والحديث. 
إن الحضارة كل لا يتجزأ، هي تربة واحدة تنتج زهورا مختلفة لكنها متسقة متكاملة، فالفكر يفلسفها. والعلوم الاجتماعية تحفظ لها طابعها، والتكنولوجية ترعاها، ولا يتصور قيام حضارة عرجاء، أو مدنية هتماء تدور في المرعى ولا ترعى فتعتمد عنصرا واحدا دون سائر العناصر التي تعطي للحضارة مظهرها الاجتماعي الإنساني الشمولي؟ يقول العقاد: «إنني أنظر إلى الدنيا نظرة فيها من الشمول أكثر مما فيها من التفصيل. وأن الحياة والزمان والعالم كلها عندي جملة واحدة متماسكة، ليست المظاهر الفردية فيها إلا أجزاء عارضة  تنال قيمتها بقدر ما تحتويه من ذلك الكل العظيم، وكان الأشخاص والشخوص الفردية في هذه الصقة عملة الورق التي لا قيمة لها بذاتها، ولا بالذهب الذي تمثله، ولكنها قيمتها الصحيحة بالجهد الحي الذي تساويه والثروة العينية التي تدل عليها».  
 إن جهود العلماء ورجال الفكر متساوية إلى حد ما، بل إن إطار الفكر الإنساني هو أكثر شمولا واتساعا،وربما كانت سرعة التغير في العلوم التطبيقية هي التي طمست على هذه الحقيقة، لأن مثل هذه العلوم السريعة للتغير مستعدة لها أكثر من غيرها مما ينتجه العقل البشري. فقد ينسخ بعضها البعض الآخر، وقد يحل محله، وقد يلغيه فيستغنى عنه، كما وقع في الانتقال من السفينة الشراعية إلى السفينة البخارية ثم إلى السفينة التي تسيرها الطاقة الذرية.
لذلك يجب الاحتفاء بالفكر الإنساني ورعايته حتى لا يظل كالبذرة البعيدة عن تربتها، عطشى لا يلقى إليها اهتمام. والتعامل مع الفكر من أهم الخطى الحضارية ولذلك نجد الغربيين يعتنون حتى بالأفكار الساذجة البسيطة العفوية التي تصدر عن أطفالهم، على حين أننا لا نفعل ذلك نحن، بل نسخر من ذلك ناسين أو متناسين أن تراثنا يقول: «خذ الحكمة ولو من أفواه الصبيان» أو «تعلموا الحكمة ولو من أفواه المجانين» أو «الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها». فالفكرة أيا كانت، ومهما كان مصدرها، تعتبر صورة لتجربة أو تعبيرا عن خبرة أو جزءا من المعرفة، موضعها من العلم كموضع القطرة من النبع، أو الماء البكئ من النهر.
إن كثيرا من المصطلحات العلمية وارد في كتب أسلافنا توفر علينا كثيرا من عناء البحث لإيجادها من جديد، وأن ما كتب أو قيل عن العلماء العرب القدماء لا يكفي، فإنه لم يزل في البحر من السمك أكثر مما أخرج منه، والاكتفاء باللقمة الجاهزة تزيد من ضراوة الجوع، والمحمود أن ننهل من معين قدمائنا، ونقرأ ما كتبوه بأقلامهم وخطوة ........، فكتاب الحيوان مثلا للجاحظ، وحياة الحيوان .........، وعجائب المخلوقات للقزويني، وغير ذلك من الكتب العربية القديمة، تجمع إلى جمال العبارة حسن الوصف، وروعة السرد، وبها عبارات تعبيرية بديعة ومصطلحات تعوزنا الحاجة إليها اليوم في عصرنا الحاضر المتسم بالنهضة الشاملة في شتى حقول المعرفة زيادة على ما في ذلك من إحياء للتراث وبعث له، وانه ما من أمة رغبت في الخير، وحرصت على أن تنال حظها من الحياة ثم سلكت لذلك مسلكا يقطع صلة ما بينها وبين ماضيها إلا ضاع سعيها وتقطعت بها الأسباب.
ومما لا شك في أهميته ورجحانه أن تجمع النصوص المقررة مما كتبه علماء العرب وخصوصا المتأدبون منهم، في القديم والحديث، ومما ترجمه الذين اتفق الناس على فضلهم وعلمهم، للقدوة والاقتداء، وتفجير مكامن الإبداع، لأن في مثل هذا العمل ما يجعل النشء يستشعرون الأمجاد، ويطعمون الأساليب ويتفاعلون بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، ويتعرفون على أرومتهم وأصولهم فيدركوا إدراكا عميقا أن الإنسان كلما زاد معرفة بتاريخه زاد معرفة بنفسه، وكلما زاد فهمه لماضيه زادت قدرته على تصور مستقبله، وليدركوا أيضا أننا لا نخرج من أبنائنا أحجارا متحجرة لا تستطيع التعبير عما تلقته من علوم، أو تنظر إلى اللغة على أنها وزر ينقض الظهر أو إلى الأدب على أنه ترفيه ثقافي.

 (1) البيان والتبيين للجاحظ ج 1 ص 83 بتحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون ط 3 ـ 1388 ـ 1968. مكتبة الخانجي بالقاهرة.
  (2) المصدر السابق ج 1 ص 77.
  (3)المصدر السابق ج 1 ص 91.
  (4)مجلة اللسان العربي ج 7 ص 60.
  التنشئة العلمية ص 93، تأليف ماريان بيسر، ترجمة أحمد محمود سليمان، الدار(5) المصرية للتأليف والترجمة.
  (6)هنا لندن، عدد 256 ص 23، فبراير 1970.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here