islamaumaroc

النظام الخلقي في الإسلام

  أبو الاعلى المودودي

23 العدد

الشعور الخلقي في الإنسان شعور فطري فطره عليه الخالق تعالى، فيحمله على حب بعض صفات الإنسان وكراهة أخرى. وهو، وإن كان متفاوتا وعلى أقدار متنوعة في مختلف أفراد البشر، إلا أن الشعور العام، بقطع النظر عن الأفراد، لا يزال يحكم على بعض السجايا الخلقية بالحسن وعلى بعضها بالقبح في كل زمان. فالصدق والأمانة والعدالة والوفاء بالعهد مثلا، كل ذلك مما عدته الإنسانية من الصفات الخلقية الجديرة بالثناء والمدح في كل دور من الأدوار، ولم يأت على الإنسانية حين من الدهر استحسنت فيه الكذب والظلم والغدر والخيانة. وهكذا أمر المواساة والتراحم والسخاء وسعة الصدر والتسامح، فإن كل ذلك مما لم تنظر إليه الإنسانية إلا بنظر التقدير والإجلال في كل زمن من الأزمان، بخلاف الأثرة وقساوة القلب والبخل وضيق النظر، فإن الإنسانية ما عدتها قط في شيء مما يستحق التوقير والإكرام. ثم إن الإنسانية ما زالت تكرم الصبر والأناة والثبات والحلم وعلو الهمة والبسالة وتنظر إليها بعين الإجلال، كما لم تزل تحتقر وتزدري الجزع وقلة الأناة والتلون وخور العزيمة والجبن. وكذلك لم تبرح الإنسانية تعد ضبط النفس والأنفة وحسن الخلق والمؤانسة من مكارم الأخلاق ومحاسنها. أما إتباع الهوى والنزالة وقلة الأدب وسوء الخلق، فلم يكن لها مكان في ما تعده الإنسانية من مكارم الأخلاق. وكذلك لم تزل الإنسانية تجل قدر أداء الواجب وحفظ العهد والنشاط في العمل والشعور بالتبعة، كما أنها لم تنظر بعين الاستحسان إلى الذين لا يقومون بواجباتهم ولا يوفون بعهودهم ومواعيدهم ولا ينشطون للعمل والجد ولا يأبهون لما يترتب عليه من التبعات.
هذه الصفات كلها شخصية فردية، أما الشؤون الاجتماعية وحسناتها وسيئاتها وصفاتها الحميدة والذميمة، فما فتئت تنظر إليها الإنسانية بعين واحدة وتزنها بميزان واحد، فما عرفت من بين المجتمعات البشرية مستحقا للإجلال والتوقير إلا المجتمع الذي يتمتع بحسن الإدارة وجودة النظام ويرفرف عليه لواء التعاون والتكافل والتحاب والمناصحة والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس، ولم تنظر قط بعين الإعجاب والتوقير إلى مجتمع خيمت عليه عناكب التشتت والتفرق والفوضى واضطراب الأحوال وأحاط به من كل جانب التباغض والتنافر والتحاسد والجور والتفاضل بين أفراد البشر.
وكذلك أمر السجايا والطباع، خيرها وشرها، لا يزال على ما كان عليه في كل الأزمان السالفة. فما نظرت الإنسانية إلى أعمال السرقة والزنا والقتل والتلصص والتزوير والارتشاء والبذاءة وإيذاء الناس والغيبة والنميمة والحسد والقذف والإفساد في الأرض ينظر التقديس والتمجيد، كما نظرت إلى بر الوالدين والإحسان إلى ذوي القربى وإكرام الجيران ومناصرة الأصدقاء على الحق والإشراف على حاجات اليتامى والمساكين وعيادة المرضى ومساعدة الـبؤساء وإعانة المنكوبين. وكذلك ما أنزلت الختال والأشر والمرائي والمنافق واللجوج والشره منزلة الإجلال والاحترام، كما أنزلت عفيف المئزر فكه القول لين العريكة الناصح الأمين.
وجملة القول أن الإنسانية ما اعتبرت قوامها وما عدت خير أهل الأرض وأكرمهم إلا الصادقين في أقوالهم الذين يوثق بهم ويعتمد عليهم في كل شأن، والذين ظاهرهم وباطنهم سواء وأعمالهم تطابق أقوالهم، والذين يقنعون بحظوظهم وحقوقهم ويتسابقون إلى أداء ما عليهم من الحقوق والواجبات لغيرهم، والذين يعيشون عيشة المن والدعة ويأمن غيرهم شرهم ولا يرجى منهم إلا الرشد والخير.
فتبين من ذلك أن القواعد الخلقية هي حقائق ثابتة عالمية مازال جميع أبناء البشر على معرفة بها. فليس الخير والشر مما يخفى على أحد حتى يكون بالحاجة إلى البحث عنه إذا أراد معرفته والوقوف عليه، بل أنهما مما عهده ابن آدم منذ أول أمره ؛ وقد وهب الله له الشعور بهما وأودعه جبلته التي فطره عليها. ومن ثم ترى أن القرآن يسمي الخير «بالمعروف» والشر «بالمنكر» ومراده بذلك أن المعروف ما عرفه الناس ورغبوا فيه واستأنسوا به، وأن المنكر ما نكره الناس واشمأزوا منه واستنكروا عنه. وفي هذا المعنى نفسه ورد في التنزيل: ألهمها فجورها وتقواها» أي النفس الإنسانية.
وربما يساءل القارئ في هذا المقام فيقول: إذا لم تزل محاسن الأخلاق ومساوئها معروفة معهودة في العالم ولم يزل أهل هذه المعمورة منذ عمروها على رأي واحد في حسن بعض الصفات وقبح بعضها، فلم هذه النظم الخلقية المختلفة المنبثة في العالم ؟ وأي شيء سبب الفرق بينهما وميز بعضهما من بعض؟ وما الذي نستند إليه في قولنا أن الإسلام له نظام خلقي خاص ؟ ثم ما هي المزايا والخصائص التي يمتاز بها نظام الإسلام الخلقي من بين النظم الأخرى والتي كانت، ولا تزال غرة في تاريخ المناهج الخلقية ودرة في تاجها ؟
فإذا تعرضنا للنظم الخلقية المختلفة في العالم لإدراك هذه المسألة، يتراءى لنا في أول وهلة أنها تفترق في ما بينها في إدماج مختلف الصفات الخلقية في نظامها الشامل وتعيين حدودها ومكانتها ومواضع استعمالها والتوفيق بينهما. ثم إذا دققنا النظر فيها وسبرنا غورها تبين لنا سبب هذا الفرق، وهو أن هذه النظم تختلف في تحديد معيار للحسن والقبح في الأخلاق ووسيلة للعلم يعرف بها الخير من الشر، كما لا تتفق في تقرير القوة المنفذة (Sanction) التي تعمل عملها وراء القانون وتجعله نافذا في الناس وتعيين الوازع الذي يحمل المرء على إتباع القانون والمواظبة عليه، ثم إذا بحثنا عن أسباب هذا الاختلاف وأعملنا فيها الفكر والروية، ظهرت لنا الحقيقة واضحة، وهي أن الذي بدد طرق هذه النظم الخلقية جمعاء وأبعد بعضها عن بعض، أنها تختلف في التصور لهذا الكون ومنزلتها في نظامه الواسع وغاية الحياة الإنسانية فيه. وهذا الاختلاف هو الذي أثر فيها أثره وتولد عنه الاختلاف الأساسي حتى في حقيقتها وطباعها وأوضاعها.
إن المسائل التي تقوم عليها أساس الحياة البشرية وتعيين اتجاههما في هذه الدنيا. هي أنه : هل هناك إله لهذا الكون أم لا؟ فإذا كان، فهل هو إله واحد أم معه آلهة أخرى ؟ ومن هو الإله الذي نؤمن به من بينهما؟ وما هي صفاته التي يتصف بها؟ وما هي العلاقة  بيننا وبينه ؟ وهل تفضل بإرشادنا ودبر أمر هدايتنا أم لا ؟ وهل نحن مسؤولون بين يديه ؟ فإن كنا كذلك، فما الذي نحاسب عليه ؟ ثم ما هي غاية حياتنا ومآل أمرها الذي نجعله نصب أعييننا ونعمل وفق مقتضياته في هذه الحياة الدنيا ؟
فهذه مسائل أساسية خطيرة يتوقف على جوابها نشأة نظام الحياة الإنسانية. فلا ينشأ إذن نظام الأخلاق إلا ما يناسب حقيقة هذا الجواب.
ويتعذر علي في هذه المحاضرة الضيقة النطاق أن أفضل القول في نظم الحياة المختلفة في العالم، فأخبركم بما اختاره كل واحد منها جوابا عن هذه المسائل الأساسية، ثم ماذا أحدث هذا الجواب من الأثر والسمة في أشكالها وتعيين الطرق لسيرها. بيد أني أقتصر على الإسلام من بينها وأتصدى لما اختاره جوابا عن هذه المسائل وإيضاح ما جاء به من نظام مخصوص للأخلاق على أساس هذا الجواب وطبق مقتضياته.
فهو يقول جوابا عن هذه المسائل : أن لهذا الكون إلها وأنه ما من إله إلا الله. فهو الذي خلق هذا الكون وأوجد كل مل فيه، وهو المتصرف في أمره لا شريك له في ذلك. وله الأمر والنهي وهو رب السماوات والأرض ومن فيهن. وهذا النظام الكوني الذي نراه سائر بانتظام.
وثبات لا يسير إلا مذعنا لأمره ومشيئته وهو الحكيم القدير عالم الغيب والشهادة الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، الكلم القدوس الذي يجري أمره في هذا الكون بقدر معلوم لا يتطرق إليه وهن ولا خلل. فالإنسان عبد لله بخليقته وجبلته ولا وظيفة له في الدنيا إلا أن يعبده وينقاد لأمره، ولا معنى لحياته إلا لأن تكون بأجمعها عبودية لله خالصة. وليس من وظيفة الإنسان أن يعين من تلقاء نفسه منهاجا لعبوديته، بل إنما ذلك على الله الذي خلقه وجعله عبدا من عباده. فقد أرسل الله تبارك وتعالى إليه الرسل وأنزل معهم الكتاب لهدايته وإرشاده إلى طريق الخير والسعادة. فواجب عليه أن لا يقتبس نظام حياته إلا من تلك المشاكاة المضيئة النيرة. ثم إن الإنسان مسؤول أمام ربه عما كسب واكتسب في حياته الدنيا، وما حسب بين يديه في الدار الآخرة، لا في هذه الدنيا. وما هذه الحياة الدنيا إلا بلاء له من ربه ليختبره. فالإنسان ينبغي له أن لا يضع لحياته غاية يطمح لها ببصره ويسعى وراء تحقيقها إلا أن يكون من الفائزين في الدار الآخرة عند ربه. والإنسان داخل في هذا الامتحان بجميع قواه، فإن فيه ابتلاءا لجميع قواه ومواهبه وامتحانا لحياته من جميع نواحيها. فهو يختبر في جميع ما يحاوله ويزاوله من الأشياء في هذه الدنيا اختبارا خالصا لا يشوبه شيء من أدران هذا العالم. 
أضف إلى ذلك أن هذا الاختبار يقوم به الذي عنده علم الكتاب والذي لا يقف علمه ومعرفته عندما سجله عن أعمال الإنسان وحركاته على جميع أجزاء هذا الكون من الأرض والهواء والماء وأجواء الفضاء وفي قلب الإنسان وذهنه ويده ورجله، بل يحيط علمه بكل ما يخطر في نفس الإنسان من الهواجس والإرادات ولا يعزب عنه منها شيء.
هذا هو جواب  الإسلام عن مسائل الحياة الأساسية، وهذا هو تصوره للكون ومنزلة الإنسان فيه. وهو يعين الغاية الحقيقية السامية التي ينبغي أن تكون الغاية القصوى من مجهودات الإنسان ومساعيه في هذه الدنيا - ألا وهي «ابتغاء وجه الرب تعالى ونيل رضاه». فهذا هو المقياس الذي يقاس به في نظام الإسلام الخلقي كل عمل من أعمال الإنسان ويحكم عليه بالخير أو الشر. ثم إن هذا التعيين يزود الأخلاق الإنسانية بمحور تدور حوله حياة البشر بحذافيرها، فلا تبقى بعد كسفينة في البحر تتقاذفها الرياح وتقلبها الأمواج يمينا وشمالا. وكذلك يضع هذا التعيين بين يدي الإنسان غاية حقيقية يمكنه بعدها أن يعين لجميع الصفات الخلقية في الحياة حدودا ومنازل وصورا عملية ملائمة لكل واحدة منها، كما يظفر من أجلها بالقيم الخلقية (Ethical Values) المستقلة التي لا تزال قائمة متأصلة في مكانها على تقلبات الأحوال والشؤون. وفوق كل ذلك إذا تعين ابتغاء وجه الرب ونيل رضاه غاية منشودة للإنسان ومرمى لمساعيه وجهوده، فقد ظفرت الأخلاق البشرية بغاية سامية تمكنها من الارتقاء الخلقي إلى ما لا نهاية له من معارج النمو والرقي ولا يشوبها أبدا أدناس عبودية الأغراض والمآرب النفسية في مرحلة من مراحل سيرها الحثيث.
فكما أن الإسلام ينعم علينا بفضل تصوره للكون والإنسان بهذا المقياس، يزودنا في الوقت نفسه بوسيلة دائمة لمعرفة الحسن أو القبح الخلقي. والإسلام لم يحصر علمنا بالأخلاق على العقل أو المشيئة أو التجارب أو العلوم الإنسانية فقط، حتى تتغير أحكامنا الخلقية بتغير هذه الوسائل الأربع ولا يقر لها قرار أبدا. بل الإسلام يمنحنا مرجعا ثابت الأركان يزودنا بالتعاليم الخلقية في كل حال وزمان؛ إن ذلك المرجع هو كتاب الله وسنة رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم)؛ وهذه التعاليم ترشدنا إلى الطريق الأقوم وتضيء لنا الخطة المستقيمة في كل شأن من شؤون الحياة من أتفه المسائل البيتية إلى مسائل السياسة الدولية العظيمة ومشاكلها الخطيرة. ونجد فيها انطباقا متسعا لأصول الأخلاق على شؤون الحياة المختلفة لا نحتاج بعده في مرحلة من مراحل الحياة إلى وسيلة للعلم أخرى.
ثم نجد في تصور الإسلام هذا - للكون والإنسان- تلك القوة الوازعة التي لابد لقانون الأخلاق أن يكون مستندا إليها، وهذه القوة قوة خشية الرب تعالى والإشفاق من المسؤولية الأخروية والخوف من سوء العاقبة في المستقبل السرمدي. ولا ريب أن الإسلام يريد أن يوجد ويهيئ من الهيئة الاجتماعية والرأي العام ما يحمل الأفراد والطبقات ويجبرهم على القيام بالقواعد الخلقية والدأب عليها، كما يريد أن يقيم نظاما سياسيا يتمكن بسلطانه من تنفيذ القانون الخلقي في الناس بالقسر، إلا أن الحقيقة، مع ذلك، أنه لا يعول على هذا الوازع الخارجي مثل ما يعول على الوازع النفسي الذي تنطوي عليه عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر. ومن ثم يريد الإسلام - قبل أن يأمرالإنسان بالتقليد بالأحكام الخلقية - أن يلقي في روعه ويلقنه :
«إنما أمرك إلى الله البصير الخبير الذي لا يعزب عنه من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو يراك أين ما كنت وكيف ما كنت. يمكنك أن تتوارى من غيره ولا يمكنك أن تتوارى منه، وتقدر أن تخدع جميع أفراد البشر ولا تقدر أن تخدعه هو. وتستطيع أن تعجز كل من في الأرض. ولا تستطيع أن تعجز من خلق السموات والأرض. إنما ينظر العالم إلى ما يظهره لهم من أعمالك وأخلاقك، ولكنه عالم الغيب والشهادة يعرف أسرار النفس ونجوى القلب. فمهما أتيت من الأعمال في حياتك الفانية هذه فلا مندوحة لك عن ارتشاف كأس الموت والرجوع إلى المحكمة التي لا تنفعك فيها محاماة ولا ارتشاء ولا شفاعة ولا شهادة زور ولا خديعة ولا غش، يوم يضع ربك الموازين بالقسط ويجزي عباده على أعمالهم جزاءا وفاقا.
فالإسلام يثبت هذه العقيدة - عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر- في قلب الإنسان فكـأنه بذلك يلقي في روعه حارسا من الشرطة الخلقية يدفعه إلى العمل ويحثه على الائتمار بأوامر الله - جل وعلا- سواء عليه أكان في الخارج من الشرطة والمحكمة والسجن ما يحمله على القيام بها أم لا. وهذا الحارس الداخلي وهذا الوازع النفسي هو لذي يشد عضد قانون الإسلام الخلقي ويجعله نافذا بين الناس في حقيقة الأمر، وإن كان مع ذلك من تأييد الحكم والرأي العام ما يسهل تنفيذه فذلك أجدى وأزكى، وإلا فالحقيقة أن هذا الإيمان وحده يضمن هداية الفرد المسلم والأمة المسلمة إلى سواء الطريق إذا كانت خالطت بشاشته قلوبهم وتغلغلت هذه العقيدة في نفوسهم تغلغلا.
زد على ذلك أن تصور الإسلام هذا، للكون والإنسان يهيئ عوامل تستحث المرء وتحضه على العمل وفق ما يقتضيه القانون الخلقي، وكفى المرء دافعا إلى الإذعان لمراضاة الله وامتثال أوامره أن يرضى بالله ربا وبعبادته منهجا في الحياة وبرضاه غاية لها. والعامل الآخر الذي يزيد هذا العامل قوة إلى قوته هو الإيمان باليوم الآخر واعتقاده أن من أطاع الله وائتمر بأوامره فطوبى له في الدار الآخرة السرمدية، فإنه يفوز بحياة طيبة ومستقبل زاهر ونعيم مقيم، وان تحمل في هذه الدار الفانية من صنوف الأذى والآلام والمصائب والشدائد، وأن من قضى حياته في هذه الدنيا عاصيا لله عاتيا أوامره، فلا جرم أن مصيره في الآخرة إلى العقاب الصارم والعذاب الدائم، وإن تقلب في الدنيا في صنوف النعم وأنواع الرغد من متاع الحياة الدنيا. فدانكما الرجاء والخوف إذا اجتمعا في رجل واحد وتمكنا من سويداء قلبه فكأنه نشأ في أعماق فؤاده عامل قوي يقدر أن يحثه على الخير ويبعثه على الاستمساك بعروة الحق في أوقات وأحوال ربما يظهر له فيها أن الاستمساك بالحق يضر بمصالحه في هذه الحياة الدنيا أيما ضرر. وكذلك يقدر هذا العامل النفسي على أن يقيه منازع السوء ويبعده عن مواضع الفساد والشر في أحوال يتراءى له فيها أن الشر فيه متعة للنفس ومنفعة في هذه الحياة الدنيا.
فالذي يتضح بهذا التفصيل أن الإسلام له تصور خاص للكون ومقياس للشر والخير ومرجع لعلم الأخلاق وقوة منفذة خاصة به وعامل يدفع إلى العمل، وهو يختار في هذا الباب طريقا غير طرق سائر النظم الخلقية في العالم. فيرتب بمساعدة هذه العوامل نفسها مواد الأخلاق المعروفة وفق مقاديره الخاصة وينفذها في جميع شعب الحياة ونواحيها. فلهذا يسوغ لنا القول بأن الإسلام له نظام خلقي جامع ملائم لطبيعته وتعاليمه.
ولهذا النظام الخلقي خصائص ومميزات لا يمكن استيفاؤها في هذا المقام. إلا أنني أريد أن أذكر ثلاث خصائص بارزة هي زبدها ولبابها، بل الحق أنها من أوليات الإسلام في باب النظام الخلقي.
فالميزة الأولى أنه يجعل «ابتغاء وجه الرب ونيل رضاه» غاية منشودة في الحياة الإنسانية ويجعل بذلك مقياسا ساميا للأخلاق لا يقوم معه في وجه الارتقاء الخلقي شيء يعوقه عن الارتقاء والتقدم. وكذلك يقر مرجعا للعلم، فهو ينعم بذلك على الأخلاق الإنسانية من الثبات والرصانة بما يمكن معه الرقي والازدهار ولا يمكن التلون والتقلب حينا بعد حين. وكذلك يهيئ للأخلاق من خشية الله تعالى قوة منفذة تحث الإنسان على القيام والاضطلاع بمقتضياتها من غير أن تكون فيها يد لعامل من العوامل الخارجية. وكذلك يلقى في روع الإنسان ويكون فيه بفضل عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر قوة حثيثة ترغب المرء وتشوقه إلى العمل بقانون الأخلاق من تلقاء نفسه.
والثانية منها أنه لا يشكل ولا يوجد بهذا التحريض والترغيب المحض أخلاقا وآدابا مبتكرة غير معهودة، ولا يحاول حط بعض الأخلاق الإنسانية المعروفة ورفع بعضها. فهو لا يتناول من الأخلاق إلا ما كان معروفا عند جميع الناس، حتى لا يغادر من الأخلاق المعروفة صغيرة ولا كبيرة إلا اقتناها وأخذها كلها. ثم يضع كل واحدة منها موضعها من الحياة الإنسانية ويحلها محلها اللائق بها من مسالك الحياة البشرية ويوسع في تطبيقها على الحياة الإنسانية توسيعا عظيما، إلى أن لا تبقى ناحية من نواحي الحياة ولا شعبة من شعبها كالأعمال الفردية والشؤون البيتية والعشرة المدنية والشؤون السياسية والاقتصادية والسوق والمدرسة والمحكمة والشرطة والمعسكر وساحة الحرب ومؤتمرات الصلح وما إلى ذلك من نواحي الحياة الإنسانية الأخرى - فلا تبقى ناحية من نواحي الحياة ولا شعبة من شعبها إلى وترى فيها للأخلاق أثرا جامعا متغلغلا في أعماقها. فالإسلام يجعل الأخلاق مسيطرة في جميع نواحي الحياة ومهيمنة عليها. وهو يريد بذلك أن ينتزع زمام شؤون الحياة من أيدي الشهوات والأغراض والمصالح ويضعه بيد الأخلاق الزكية والآداب الحسنة.   
والميزة الثالثة لنظام الإسلام الخلقي أنه يطالب الناس ويلتمس منهم إقامة نظام للحياة ينهض بنيانه على المعروف ولا يشوبه شيء من المنكر. فيدعوهم قاطبة إلى أن يقيموا الخيرات ويعمموا الحسنات التي نظرت إليها الإنسانية في كل زمان ومكان بنظر الإكبار والإجلال وأن يرفضوا ويقضوا على المنكرات التي طالما نظرت إليها الإنسانية بعين الازدراء والاحتقار. فهذه الدعوة هي التي دعا إليها الإسلام جميع أبناء البشر، فالذين استجابوا له ولبوا دعوته جمعهم على كلمته الجامعة واتخذ منهم أمة مسلمة، وما كان غرضه بجعلهم أمة واحدة إلا أن يجمعوا ما في مستطاعهم من الجهود ويسعوا سعيا اجتماعيا في إقامة المعروف وتدعيمه وتعميميه وكبح جماح المنكر والقضاء عليه واجتثاث شجرته من جذورها فإن كانت هذه الأمة قد عادت إلى اقتراف المنكر واجتراح السيئات تسير سيرة من يقاومون المعروف ويسعون وراء إطفاء نوره، فعلى الدنيا وعلى هذه الأمة السلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.   

  

 

 

 

 

 

      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here