islamaumaroc

حديث خرافة في ميزان النقد الحديثي

  دعوة الحق

العددان 179 و180

قال الإمام أحمد في مسنده 6 ـ 157: حدثنا أبو النضر، تنا أبو عقيل ـ يعني الثقفي ـ تنا مجالد ابن سعيد عن عامر عن مسروق عن عائشة، قالت: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة نساءه حديثا، فقالت: امرأة منهن: يا رسول الله، كان الحديث حديث خرافة، (أي مستملحا) فقال: أتدرون ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرا طويلا، ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة.
قال عبد الله بن الإمام أحمد: قال أبي: أبو عقيل هذا ثقة، اسمه عبد الله بن عقيل.
وأخرجه الترمذي في الشمائل ـ باب السمر ـ قال: حدثنا الحسن بن صباح البزار، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو عقيل الثقفي، (عبد الله بن عقيل) عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها، قالت: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه.... الحديث.
I ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يقول إلا حقا في جميع أحواله، رضاه وغضبه، قد أخبرنا عن كثير من أحوال الأمم الغابرة والقرون الخالية، بما لم يصلنا في كتاب ولا تاريخ، ولم ينقل عن طريق سوى طريق النبوة الذي قال الله تبارك وتعالى عنه: «وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى» فقد حدث الناس عن بدء الخلق، وعن آدم وحواء، وعن كثير من الأنبياء وأممهم بما هو مخرج في الصحاح والسنن والمسانيد، ولا يتسع المجال لذكره، وهو كثير متواتر.
فإذا صح السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق وصدق بشهادة الله تبارك وتعالى «ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين».
وكما قال عليه الصلاة والسلام: لا أقول إلا حقا، فقال له بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟
قال: إني وإن داعبتكم لا أقول إلا حقا، أخرجه أحمد في مسنده والترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة، وهذا أمر أعتقد أنه محل اتفاق بين علماء المسلمين.
2 ـ فهل حديث خرافة من الباب؟
هناك أمر من الإنصاف العلمي وضعه في حسابنا، ألا وهو أن كثيرا من المفاهيم التي كان لها أصل عند العرب صحيح، ثم شوهت مع مرور الزمان وتوالي الأيام، فتغير فيها وجه الحقيقة قد جاء الإسلام بمصدريه الأساسين (القرآن والسنة) ليكشف الحقيقة مجلوة عن أصل ذلك، ويرد الأمر إلى نصابه وهذا من إيجابية الإسلام في تحرير الإنسان من الأوهام والأساطير.
وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم عن أول من حرف العرب عن الحنيفية السحماء وطريقة إبراهيم الغراء، إذ قال عنه فيما أخرجه أحمد والشيخان: رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه (أمعاءه) في النار، وكان أول من سيب السوائب، وبحر البحيرة وفي رواية أخرى لمسلم، رأيت عمرو بن لحي ابن قمعة بن خندف أخا بني كعب، وهو يجر قصبه في النار، وأمثال هذا كثير، ومنه حديث خرافة الذي بين أيدينا فهل إسناده صحيح لنبني اطمئنانا عن صحة هذا الخبر؟!
3 ـ أما إسناد أحمد فقال: حدثنا أبو النضر، وهو هاشم بن القاسم الليثي، أبو النضر الخراساني، قصير الحافظ أخرج له الستة، أي جاوز القنطرة بإخراج الشيخين له، وقد وثقه العجلي، فقال: ثقة صاحب سنة، وكان أهل بغداد يفتخرون به، ويروى عنه أحمد وإسحق، ويحيى، وابن المديني وهم من أجلة المحدثين.
حدثنا أبو عقيل ـ يعني الثقفي ـ وهو عبد الله بن عقيل الكوفي نزيل بغداد، وثقة أحمد كما رأيت بعد رواية الحديث هذا، ووثقه النسائي وغيرهما، وأخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. حدثنا مجالد بن سعيد: بن عمير الهمذاني الطوفي، أحد الأعيان، روى عن الشعبي وأبي الوداك وطائفة وروى عنه الثوري وابن المبارك وحلق، وقد اختلف متقدمو علما الجرح والتعديل في مجالد وإليك بيانها مع تمحيصها.
قال ابن معين: مجالد ضعيف واهي الحديث، وقال عبد الرحمان بن معدي: حديث مجالد عند الأحداث ليس بشيء ـ يعني أنه تغير باخرة ـ ويحيى بن سعيد القطان يقول في نفسي منه شيء، وأبو حاتم الرازي يقول: ليس بقوى الحديث، وقال أيضا: لا يحتج بحديثه وهو أحب إلى من بشر بن حرب وأبي هارون العبدي، وشهر بن حوشب. وهذه آراء أكثر الذين جرحوا مجالد إن لم نقل كلها.
أما تجريح ابن معين ويحيى بن سعيد القطان وابن معين من المتشددين فقد رده عليه الحافظ الإمام أبو بكر بن أبي خينمة وجاها وأنكر على ابن معين قوله هذا ونقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ذلك ج 4 ـ 1 ـ 360 فقال: أبو بكر بن أبي خيثمة ـ فيما كتب إلى ـ قال: سمعت يحيى بن معين يقول: مجالد ضعيف واهي الحديث، قال أبو بكر: قلت ليحيى بن معين كان يحيى بن سعيد القطان يقول لو أردت أن يرفع لي مجالد حديثه كله رفعه، قال نعم، قلت: ولم يرفع حديثه! قال: لضعفه!!
فابن أبي خيثمة احتج على ابن معين وابن القطان بانه لو كان كما زعمتما لفعل. وقد نقل عن ابن معين ذاته أنه قال مرة صالح، كما أن النسائي قال عنه مرة ليس بالقوي، ومرة قال: ثقة(1)  مما يجعلنا نسلك أقوالهم في التضعيف مسلك النسبية (أي أنه ضعيف بالنسبة لفلان أو إذا قرن بفلان) وهذا مسلك معروف وطريق واضحة عند أهل الجرح والتعديل وتجدها واضحة في كتبهم(2) .
وأبو حاتم الرازي ـ وهو متشدد كذلك في الجرح ـ لم يجعله في الطبقة الأولى في الحجية، ولم ينزله إلى درجة الضعف بل قال: هو أحب إلى من بشر بن حرب، وأبي هارون العبدي، وشهر بن حوشب... وليس مجالد بقوى الحديث(3) .
وهؤلاء الذين قرنهم به وفضله عليهم قد وثقوا واخرج لهم الأئمة، فبشر بن حرب أخرج له النسائي في سنه (وهو صاحب المسالك الدقيقة في انتقاء الرجال) وقد قيل: ان شرطه أشد من شرط الشيخين وروي عنه شعبة والحمادان: وقال ابن عدي: لا أعرف له حديثا منكرا.
وشهر بن حوشب، وإن كان فيه مقال، فقد وثقه ابن معين وأحمد، وأبو زرعة، ويعقوب بن سفيان، وأخرج حديثه مسلم والأربعة، وغيرهم.
فهل قول أبي حاتم لا يحتج بحديثه... ليس بقوى الحديث اتهام وإنكار يوصله إلى درجة الرواة الواهين؟!
وأما قول ابن مهدي: حديثه عند الأحداث ليس بشيء فإن الراوي عنه لهذا الحديث عبد الله بن عقيل الكوفي وأبرز شيوخه مجالد، وهشام بن عروة، وما رأيت أحدا ضعفه في مجالد أو أشار إلى أخذه، عنه حال الكبر والتغير، فقضية الاختلاط متقفية عن عبد الله بن عقيل.
ولنتساءل هل اتهمه أحد بالوضع؟ إننا نقول بكل تأكيد لا، لم يتهمه أحد بذلك، وبعد تعرية هذه المطاعن التي وجهت إليه لننظر الذين عدلوا، فنجد أن البخاري يقول: صدوق (4) وقال عنه النسائي ثقة، وقال أحمد بعد أن أشار إلى ما تقدم: احتمله الناس، وقد روى عنه كبار الأئمة المحدثين أمثال الثوري، وابن المبارك، وشعبة وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، وبعضهم لا يروي إلا عن ثقة!! وناهيك رواية يحيى بن سعيد القطان عنه، كما أن ابن مهدي قد حدث عن رجل عنه (5) فإن كان يحيى القطان يعرف مغمزا فيه لغمزه وفيه يقول شعبة مخاطبا له: ومن يطيق مثل نقدك يا أحول.
وخلق غيرهم، وقد أخرج حديثه في دواوين الإسلام وفي مقدمتها: صحيح مسلم ـ وإن كان مقرونا ـ والسنن الأربعة وغيرها.
وبعد هذا نقول إن الحافظ الذهبي، وهو من أهل الاستقصاء التام، وحجة في علم الرجال، يقول في جزء الدينار من أحاديث المشايخ الكبار أن حديثه حسن، وهو القول الفضل الذي نرتضيه ونعتمد عليه وكما لا يخفى عن أهل هذه الصنعة أن الضعف درجات، كما أن العدالة درجات فليس هو من الدرجة الأولى في العدالة وذلك من ناحية الحفظ والضبط، لا من ناحية الديانة والثقة. وبعد تبيان ما تقدم:
وروى هذا الحديث عن الشعبي: عامر بن شراحيل، الإمام العلم علامة التابعين والذي روى عن عدد من الصحابة، ويقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، وكان يستفتي والصحابة متوافرون، رواه عن:
مسروق بن الأجدع الهمذاني الإمام القدوة صلى خلف أبي بكر وروى عنه وعن عمر وغيرهما من أعيان الصحابة وكما قال ابن معين: لا يسأل عن مثله.
رواه عن عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق. ولا يطعن فيها إلا مبتدع أو ضال أو زنديق
4 ـ أما إسناد الترمذي فرواه عن شيخه الحسن بن الصباح البزار عن أبي النضر.. كأحمد، والحسين بن الصباح هو أبو علي الواسطي، ثم البغدادي أحد أعلام السنة، وثقة أحمد وغيره، وروى عنه البخاري وأبو داوود، و الترمذي والنسائي.
5 ـ وبعد هذا نقول: أن أحدا لم يعد هذا الحديث في الموضوعات حتى أن علي القاري وله كتاب ضخم في الموضوعات بل أكثر من كتاب قد شرحه في الشمائل ولم يعلق على إسناده بأدنى كلمة تضيف الحديث.
ومنهم الفيروز آبادي صاحب القاموس: عندما ذكره في القاموس ذكره بصيغة التقرير فقال: رجل من عذرة استهوته الجن...
وقد تناقل هذا الخبر إلى جانب المحدثين الأدباء القدامى، في مصنفاتهم، وهو معروف مشهور ويحضرني منهم الآن الثعالبي في كتابه (ثمار القلوب في معرفة المضاف والمنسوب).
والميداني المتوفى 518 هجرية (وهو ممن سمع الحديث ورواه) في كتابه مجمع الأمثال رقم المثل (1028) فقال هو رجل من عذرة استهوته الجن ـ كما تزعم العرب ـ مدة، ثم لما رجع أخبر بما رأى منهم فكذبوه حتى قالوا: لما لا يمكن حديث خرافة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خرافة حق. يعني ما يحدث به عن الجن حق هـ.
ومنهم: الأصفهاني في محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء.
ومن المتأخرين كذلك ذكره العلامة المحقق عبد الحي الكتاني، في التراتيب الإدارية ولم يغمزه 2 ـ 352.
6 ـ وإذا نظرنا إلى معناه فليس فيه ما ينكر أو يخالف المعقول أو المنقول أو يناقض الأصول، فلهذا لا يلتفت إلى من طعن في هذا الحديث. لاسيما وأنه لم يأت بحجة معتبرة.
7 ـ وقد أورده السيوطي في الجامع الصغير بلفظ «رحم الله خرافة أنه كان رجلا صالحا، وعزاه للمفضل الضبي في الأمثال من حديث عائشة، وتمامه كما ساقه المناوي: ذكر إسماعيل بن ابن عن زياد البكالي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن عبد الرحمن قال سألت يعني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن حديث خرافة، فقال: بلغني عن عائشة أنها قالت للنبي... الحديث
وأخرجه كذلك ابن أبي الدنيا في ذم البغي من حديث أنس رضي الله عنه، وقال ابن حجر: رجاله ثقات إلا معاوية ابن سخينة فلم أعرفه.
بهذا تبين صحة ما ذهبنا إليه علما بأن الحافظ أبا الفيض الغماري الذي تتبعه الحافظ السيوطي في الأحاديث الموضوعة الموجودة في الجامع الصغير في كتابه المغير فلم يذكره، وهو معروف بالاستقصاء والتدقيق، وبهذا فإن مجالدا لم يتفرد به وتعددت طرقه.
8 ـ وختاما لهذا كله أقول: لو رجع أي طاعن في هذا الحديث وهو في المسند المبجل للإمام أحمد بن حنبل ـ لما كتب حول المسند خصوصا «القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد» لابن حجر وأصله للعراقي وذيله للمحدث محمد صبغة الله المدارسي الذين تعقبوا ابن الجوزي وهو قمة المتشددين ي إدخال الضعيف وحتى الصحيح مع الموضوع لما وجد هذا الحديث لا في موضوعات ابن الجوزي ولا في القول المسدد وذيله مما يدل على بعده عن الوضع أو الضعف الشديد، ثم أنه معلوم لأهل هذه الصنعة أنه «لا يجوز الإقدام على الحكم بالوضع قبل التدبر والتأمل» (6) ونسأل الله أن يلهمنا الصواب والسداد.

  (1)انظر شرح علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي ص 126.
  والدلالة عن صحة ما نذهب إليه استعرض الأقوال خصوصا رأي ابن مهدي في تهذيب(2) التهذيب 10 ـ 40.
  (3)أنظر الجرح والتعديل ص 4 ـ 1 ـ 361.
  (4)أنظر الاعلام: 6 ـ 161.
  (5) كما وثقه يعقوب بن سفيان إذ قال: تكلم فيه الناس هو صدوق، وانظر تهذيب التهذيب 10 ـ 40.
  (6)عبارة الحافظ ابن حجر رحمه الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here