islamaumaroc

أبعاد الحضارة المغربية في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي -1-

  دعوة الحق

العددان 179 و180

يندرج المغرب جغرافيا في الكتلة الأفريقية ويشغل مركزا استراتيجيا يعتبر المفتاح المشرف على منطقتين حيويتين تتسمان بحساسية متناهية وهما البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلنطيكي.
وقد ظل المغرب الأقصى طوال ألف سنة ونيف في طليعة الركب العربي يحمل مشعل الحضارة الإسلامية ولايزال يشكل إلى الآن صلة وصل بين عالمين كما يعتبر «هندسيا» ملتقى النقاط الجوهري في العلاقات الدولية.
فطنجة التي كانت عاصمته الديبلوماسية المغربية خلال حقبة طويلة من العصور الحديثة هي واجهة هامة في منافذ البحر المتوسط تعززها مدينة سبتة التي ما فتئت في العدوة الجنوبية نقطة ارتباط بين الأندلس والمغرب ومنطلق الفكر الحضاري المغربي إلى أوروبا في تضامين الربوع الإسبانية وجبال البرانس، فالحاضرتان المغربيتان تشكلان مع جبل طارق بالنسبة للحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط ما شكلته قناة السويس في الحوض الشرقي لهذا البحر الأخير الذي ظل طوال القرون الوسطى بحرا عربيا بعد أن كان رومانيا ولايزال حتى في عصرنا الحاضر المجال الحساس لتجاذب الكتلتين فهذان الطرفان المشرفان على مركز يعتبر عصب الاستراتيجية العالمية هما إذن معقلان عربيان يتواكيان على طول الساحل الجنوبي لهذا البحر في ظل خمس دول عربية ـ هي مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب ـ ويشهد العالم الآن مجاذبات بين الدول المتوسطية وغيرها من الدول الأطلنطيكية أو القارية ممن تمخر أساطيله عباب هذه المياه المحصورة بين مضيق جبل طارق وقناة السويس، وإذا اعتبرنا أن ثلاثة أخماس هذه الشواطئ تمتد من دمشق إلى طنجة لمسنا خطورة الموقع وانعكاسات هذه المجاذبات وضرورة حفاز العروبة على كلمة الفصل في خضم الصراع الذي يكاد يستعر، رغم بروده بين كتل باعد بينها تنافي المصالح وتضافر المطامح، فالدور الطلائعي الذي تقوم به كتلة العالم الثالث وفي ضمنها العالم الإفريقي العربي ـ تدعمه امتلاك الذهب الأسود والمواد الأولية بقدر ما يسنده هذا الوضع الاستراتيجي الحساس الذي يشغل المغرب الأقصى الفقرة الحيوية في جهازه العصبي فللمغرب إذن رسالة افريقية، وهذه الرسالة تقوم بها المملكة المغربية في إطار تعادلية وتكاملية بين شعوب القارة السمراء التي تحررت من نير الاستعمار أو كادت إلا أن إشعاع المغرب الحضاري وخاصة منه الثقافي انعكس خلال فترة غير قليلة من التاريخ المشترك إلى حدود النيجر جنوبا والنيل شرقا، ففي عهد المرابطين امتدت أبعاد هذا الإشعاع فشملت جزائر بني مزغانة والصحراء إلى ما كان يسمى بالسودان بينما دعم الموحدون جهازا قويا تواصلت حدوده بين قشتالة وطرابلس إلى تخوم الصحراء في وحدة حضارية وفكرية ومازالت معالمها شاهدة بفعالية الرباط ووثوق الصلة بين أقاليم لم تعرف «حدودا» وضمن مجموعات لم تكن تشعر قط بالانصرامية ـ قبل تسريب الاستعمار لهذه الوطنية الضيقة ولتلك النعرة الانفصالية التي تنافرت معطياتها بين أمم جمعت متناثرا وحدة الفكر والدين واللغة والتاريخ حتى كنت تشهد رجلا مثل ابن خلدون التونسي يستكتب في فاس وبجاية ويستقضي في القاهرة ويجول طليقا بين أمهات الحواضر العربية في حرية لم تعرف جمركا ولا تأشيرا انمحى فيها افتعال السلالات وتمحل الألوان ولم يكن إشعاع المغرب الأقصى عارضا عابرا بل استمر نوره الوضاء متلألئا في عهود لاحقة من بني مرين إلى عصر الحسن الأول عام 1893 حيث ظلت قبائل الصحراء الجنوبية والشرقية تتهاطل كالسيل للالتفاف حول العرش المغربي كما التفت قبائل البربر الافريقية عن بكرة أبيها تلقائيا حول المولى إدريس الأول عندما انتفض في طفرة صوفية لم يعرف التاريخ لها مثيلا ـ كما قال ابن خلدون ـ وهي صورة تحدد أبعاد الصلة الجذرية التي وثقها الإسلام بين الشرق والغرب والتي يحاول المؤرخون الغربيون ـ حتى غير المغرضين منهم ـ أن يحللوها ويعللوها من خلال نظرتهم الضيقة لمقتضيات القانون الدولي الحديث.
وكان المغرب الأقصى هو «النواة والقوة الحية» للوحدات العميقة في الربوع الافريقية وعندما وقعت الدول الإسلامية تحت سيطرة الأتراك واندمجت مصر نفسها حوالي 648هـ /1250م في هذه البحبوحة لم يعد في العالم قطر عربي مسلم مستقل غير المغرب الأقصى فكان المغرب ـ بفضل مميزاته الخاصة ـ هو البلد الافريقي الوحيد الذي واجه هزات الحدثان ورجات النمو والتطور الطبيعي بحكمة وسداد فاحتفظ بكيانه وذاتيته واستقلاله وظلت هذه الظاهرة فريدة في حوليات الأمم وهي ظاهرة احتفاظ المغرب بقدرته ـ كما يقول ليفي بروفنصال ـ على توطيد وحدته السياسية حتى في فترات الفوضى.
وقد وجد البربر أنفسهم بعد الفتح العربي الإسلامي إزاء شعب من بني عمومتهم يشاطرهم مثلهم السامية وتقاليدهم الحرة فامتزج العنصران ولم يزد توالي القرون هذا التمازج إلا قوة وعمقا فتكونت مع الزمان مدينة مغربية مزدوجة القوام انصهر في بوتقتها تراثان كلاهما شرقي الأصل طبعه الإسلام ووسمته العروبة بميسمها الخاص.
وهنا تظهر حيوية الإسلام في أفريقيا الشمالية بالخصوص تلك الحيوية التي أقر بها الفريد بيل كما أقر بها قبله وبعده مستشرقون متصفون، فالإسلام هو الذي استطاع وحده أن يخلق في هذه البلاد حضارة حقا دائمة مكتملة العناصر بعدما عجزت عن ذلك الحضارتان القرطاجنية والرومانية رغم سموهما وأعني بالحضارة الحق حضارة ترتكز على مقتضيات اجتماعية كوجود الأمة واكتمال مقوماها وتوفر العناصر الروحية والمادية الضرورية لقيام كيانها واستمرار وجودها وصيانة ترابها وتراثها وهذا الشيء قد أوجده الإسلام الذي انضوى المغرب تحت رايته طوال أربعة عشر قرنا.
وقد تطورت تلك الحضارة المغربية ضمن دائرة العروبة والإسلام محتفظة على ممر العصور بروحها الشرقية الخالصة وتطورت بجانبها حضارة أخرى ـ هي حضارة الأندلس ـ استمدت روحها من تراث الشرق الذي نقله الفاتحون والمهاجرون وأفضت العوامل والتفاعلات المحلية على تلك الروح جلبابا لم تكن لحمته ولا سداه ليمتدا إلى الأعماق حيث ظلت السيطرة للروح الشرقية وحدها.
إن للوضعية الجغرافية بعض الأثر في تكييف العقلية نوعا ما ثم الإنتاج الفكري ثم مظاهر الحضارة ومع ذلك فقد ظلت الحضارتان الأندلسية والمغربية شرقيتين بعد أن تفاعلتا نحوا من ثلاثة قرون أي منذ عهد المرابطين إلى عهد المرينيين تحت إشراف عاصمتي مراكش وفاس.
والثقافة الشرقية هي المنوال الذي حاك عليه رجال الفكر المغاربة منذ صدر الإسلام، ومن تتبع جزئيات التراثين الشرقي والمغاربي أسلوبا ونزعة وروحا لاحظ وحدة الجوهر أدبا وفلسفة واجتماعا مع فروق سطحية مرجعها إلى مقتضيات اللون المحلي.
فالحضارة المغربية شرقية بدءا ونهاية ليس فيها أي أثر يذكر للحضارة اللاتينية التي قدر لها أن تمر مر السحاب في هذه البلاد.
والحضارة الأندلسية حضارة مغربية صميمة أي شرقية المبنى عربية المعنى وقد تناولت عواصم العدوتين وبالأخص فاسا وقرطبة مع عواصم الشرق في حمل راية الحضارة العربية الإسلامية في العالم أيام كان الجهل مخيما بكلكله الثقيل على أروبا فكانت فاس مركزا للإشعاع الفكري والروحي يستمد من نبراسه المشارقة والأروبيون كما هو معلوم عند من له أدنى إلمام بتاريخ الحضارات. وقد قامت جامعة القرويين التي أسست عام 245هـ بدور قيادي في القارة الافريقية فكانت مهبط رواد الفكر من العالم الإسلامي ومن أروبا.
وترجع تقاليد المغرب وطابعه الشرقي إلى عهود عريقة في القدم فقد انهالت على المغرب منذ نحو ألفين من السنين موجة من المهاجرين العرب انحدرت إليه من فلسطين فكانت نواة هامة في مجتمعهم ثم جاء الفنيقيون العرب من غربي سواحل سوريا القديمة فعززوا وشائج العربة بالعالم أمازيغ الذي وجد حتى في اللغة البونيقية ذكريات لهجته العربية العتيقة ولعل هذا هو سبب نجاح البونيقية التي تغلغلت في أنحاء افريقيا الشمالية نحوا من سبعة قرون غب انهيار المراكز الفنيقية الساحلية ولم يزد الفتح الروماني هذه الرابطة إلا قوة لأن أمراء البربر تقبلوا بصدر رحب الفلول القرطاجنية وما حملت معها من حضارة وكتب وأساليب فنية (مالية وفلاحية).
إن لدخول اللغة العربية قصة طريفة بدأت أدوارها تتشكل منذ أوائل العصور الوسطى حيث انطلق التأثير الشرقي من جبال لبنان إلى قرطاجنة ومنها إلى الربع المحاذية للمحيط الأطلنطيقي، وإذا اعتبرنا أن دخول الحميريين إلى المغرب هو مجرد أسطورة وضربنا صفحا عن لوازمها القاضية بأن يكون قسم مهم من سكان الأطلس البربري قحطانيين ربما كانوا أعرق في العروبة من سواهم ـ فإن الوجود القرطاجني قد فسح للغة البونية في أرباض تونس ثم في باقي أقطار المغرب الكبير آفاقا شاسعة تبلورت في وحدة مصطلحاتها مع العامة الدارجة في الشمال الافريقي. ويتجلى ذلك بصورة واضحة من الرخامة التي كشفها الدكتور البرازيلي السيد الاديزلو نيتو وضمنها الجزء الأول من كتابه الانطروبولوجية وهي تحمل تاريخ 125 ق.م. (أي بعد أن استولى الرومان على قرطاجنة بنحو العشرين سنة) حيث توجد عشرات الألفاظ والتراكيب مفرغة في قالب عربي مع تحريف لا يخفى حتى على غير الاختصاصيين في فقه اللغة وعلم الاشتقاق.
فلغة قرطاجنة عربية كنعانية ولفظة قرطاجنة نفسها معناها القربة الحديثة (قرية حداش) ولكنها استحالت ـ على طريقة التعطيش اللاتينية ـ كما قال توفيق المدني ـ إلى قرطاش وقد ذهب بعض المؤرخين إلى حد القول بأن اللغة البونيقية مهدت السبيل للغة العربية ومهما يكن فقد أنبت البحث الدقيق أن اللهجات البربرية تتضمن في قاموسها التقليدي بضعة آلاف من الكلمات العربية القحة التي تمثل الجانب الحيوي فيها مما يدل على عراقتها وتغلغل أثرها في شتى مناحي الحياة.
ولسنا في حاجة إلى أن نرجع للعهد الجاهلي لإبراز الطابع الشرقي في المغرب إذ يكفي أن نلاحظ مع ميشوبيلير أنه (عندما حمل عقبة بن نافع الإسلام إلى المغرب للمرة الأولى تقبل السكان الدين الجديد كعنصر خلاص) وتحمسوا للفاتحين العرب فاعتبروهم محررين ذلك أن القادة العرب كانوا متأهلين لتفهم عالم أمازيغ الذي لم تكن شكليته الاجتماعية وجهازه الاقتصادي يتنافيان مع حياة أعراب البادية على أن البرابرة وجدوا في الإسلام المرن السمح البسيد حوافز الوحدة التي حالت دونها فيما قبل عنصرية جهوية وعصبية قبلية، هناك انبثق تيار جديد فأعاد الماء إلى مجراه بين عالمين توأمين ولم يكد المغرب يتلقى العناصر الأولى للحضارة الشرقية التي نفتحها العبقرية العربية بروح جديدة حتى انصهر المغرب والشرق انصهارا نهائيا مازالت رواسبه حية في القلوب منذ ثلاثة عشر قرنا بل لا تزيد مع توالي السنين إلا رسوخا وتغلغلا، فالمغرب الذي حرفت به حضارات شتى قد وجد أخيرا في مدينة العرب ولغتهم أمثولته الخالدة وقد تجلت فاس منذ ألف سنة خلت بمثابة صورة حية لعواصم اٌلإسلام فكانت ـ كما يقول كوتيي ـ معجزة في الاقتباس من الشرق وما لبث الموحدون (البرابرة) أن طبعوا الحياة المغربية بخاتم شرقي نهائي رغم احتواء حضارتهم على ألوان محلية خاصة.
وهكذا اصطبغت معظم كبريات المدن المغربية بالميسم الشرقي حتى شبه المؤرخون فاسا بدمشق والرباط بالإسكندرية ومراكش ببغداد، واقتبس المغاربة أسماء بعض مدنهم ـ كالبصرة وحمص والقاهرة في الأطلس ـ من التراث العمراني الشرقي.
وقد استوثقت روابط موصولة بين بغداد واناى تحوم الصحراء المغربية فكانت سجلماسة مهبط القوافل العربية المنحدرة من البصرة والكوفة ومأوى التجار المشارقة الذين يتواردون للاستقرار في أكنافها، ويكفي أن تتصفح بعض مصنفات القرن الخامس والسادس «التشوف مثلا» لتلمس حيوية الرابطة بين الشرق العربي والبادية المغربية وقد ظل المغرب متجها نحو تقاليده الشرقية إلى أن تبلورت أيام المرينيين في شكل مؤسسات وطنية، وبذلك أمكن للمغاربة أن يحملوا طوال ثلاثة قرون مشعل الحضارة العربية في المتوسط.

ان الانتماء للشرق هو الميزة الجوهرية في حضارتنا بل هو عنصر ذاتي في كياننا ولم تفت مجاورة أروبا الجغرافية في وجهتنا المتمحضة نحو الشرق إذ هنالك وشائج قارة لا يقلص منها تنائي الديار وهي جزء من الروح لا تحدها التخوم الاصطناعية.
وقد تجلت مظاهر رسالة المغرب في البحر المتوسط من خلال ذلك التأثير الذي تركته حضارتنا في الغرب والذي لم يكن لينصرم ـ ضمن تبادل موصول ـ لولا تلك الآفة الاستعمارية التي حولت من جراء مطامعها التوسعية مجرى تاريخنا، فلو أن المغرب والغرب ظلا مستقلين سياسيا الواحد عن الآخر لأمكنهما أن يعززا تقاربهما في نطاق روابط حرة وتناسق قار لأن التعاون لا يمكن أن يثمر إلا إذا جرى على أساس من المساواة وتبادل احترام السيادة والكيان، فحتى إذا سلمنا بما يزعمه بعض المؤرخين من وجود رواسب عاطفية ضد الأجنبي في نفوس المغاربة فإن ذلك لم يكن ذاتيا وإنما هو شيء عارض تمخض عن طغيان المطامع والدسائس الأوروبية في البلاد.
إن النفسية العربية التي تجمع بين النيل والأريحية لا تنفعل انفعالا سيئا إلا إزاء ما يمس بكبريائها الوطني ويهددها في حريتها ورمز وجودها ففكرة الحرية عند الرجل العربي ليست معناها الفردية الأنانية وإنما هي توقان طبيعي نزيه لتحقيق الذاتية وحفظها.
فلهذا تبلورت رسالة المغرب في إشعاع ثقافي ممتاز أكثر منها في نفوذ مادي ومع ذلك فإن قوة المغرب المادية مافتئت سائدة في البحر المتوسط الذي كان رومانيا فأصبح طوال العصور الوسطي (بحرا عربيا) ـ كما يقول ماكس فنتيجو ـ بجزره وسواحله وأساطيله ونهضة تجارته وأضحت لغة القرآن هي اللغة الدولية للتجارة والعلم.
وقد أكد الكاتب الفرنسي المقتدر أندري أندري سيكفريد عضو أكاديمية باريس أن العرب غرسوا في البحر المتوسط حضارة يانعة فطوروا الري وادخلوا غراسات جديدة كالقطن والأرز وقصب السكر والحوامض (وبسببهم فقد البحر المتوسط طابعه المسيحي).
إن الإشعاع المادي للقوة المغربية في المتوسط هو آخر ما نفكر فيه لإبراز الرسالة التي اضطعلنا بها في هذا البحر ومع ذلك فإن الأسطول الموحدي الذي كان يضم أربعمائة قطعة مافتئ أن أصبح أول أسطول في المتوسط (أندري جوليان) على أن المغرب قد تزعم العالم الإسلامي والعربي في هذا العصر مما حذا بصلاح الدين بكل الحروب الصليبية إلى الاستنجاد بالأساطيل المغربية لإيقاف تقدم المسيحيين في طريق الشام، وما لبث هذا الأسطول أن ضم أزيد من ستمائة قطعة حربية أيام أبي الحسن المريني. وسيادة العرب في البحر المتوسط ظهرت بوادرها ولما تمر على انبثاق الإسلام بضعة عقود فقد غزا معاوية بعض جزر المتوسط بألف وسبعمائة سفينة ثم قامت الأوراش التونسية تعزز بإنتاجها الجديد قوة الشرق العربي البحرية حيث صنع في بعض أيام ابن نصير وحده نحو مائة قطعة وقد برهن المغاربة منذ القرن السادس الهجري عن حاسة استراتيجية مبكرة حيث أدرك عبد المؤمن بن علي أهمية جبل طارق الذي هو أحد مفاتيح المتوسط فعمد إلى تحصينه وإحالته إلى قاعدة أمامية للدفاع عن المغرب والأندلس. إن رسالة الحضارة المغربية الحق في البحر المتوسط تنجلي في مظهرين اثنين هما التأثير الاقتصادي والإشعاع الثقافي على أن الدور الاقتصادي نفسه لم يكن في الواقع سوى نتيجة للنفوذ الأدبي، فسياسة التسامح التي نهجها المغرب في أغلب عصوره قد ساهمت في توثيق الروابط بين المسلمين والمسيحيين حتى أصبحت المراسي المغربي في سواحل المتوسط مصادر نشاط فياض فهي التي كانت الينبوع الأول للمبادلات مع بيزا وجنوة والبندقية ومرسيليا وغيرها من موانئ أوربا، وكانت هذه المبادلات تجري طبقا لنظام منسق لأن المسلمين كانوا ـ حسب اعتراف أندوي جوليان صاحب تاريخ افريقية الشمالية ـ أول من نظم المبادلات حسب مقتضيات التجارة الدولية وحسنوا أساليبها التي استمدها منهم المسيحيون فيما بعد.
وقد اتسمت إذ ذاك الحضارة الأندلسية ـ التي أضحت مصدر إلهام أوربا في العصور الوسطى
ـ بمظهر ناصع زاده تلألأ عودة الأمن والطمأنينة في ظلال الموحدين.
وقد أكد مؤلف المعجزة العربية Le Miracle Arabe أن الحكومة الموحدية كانت من أشد الحكومات احتراما للحرية وأن الأندلس عرفت في عهدها عصرا ماجدا تألق فيه نجم المعارف والعلوم العربية التي سرى تيارها المنعش في جنبات أوربا، نعم، ان من مظاهر تلك المعجزة العربية تحقيق شعوب أوربا الغربية من إيطاليين وفرنسيين وألمانيين وإنجليزيين لذلك الانقلاب الفكري العظيم الدي تفتق عن عصر النهضة وقد سبق لكوستاف لوبون أن قال نقلا عن العالم الإيطالي ليبري (لولا العرب لتأخر انبعاث الآداب في أوروبا بعدة قرون).
وقد عاشت الأندلس نحوا من ثلاثة قرون تحت ظل ملوك مراكش وفاس فكانت هذه الفترة من أزهر عصور تاريخها ولم يتصل الأوربيون بالعلوم العربية إلا عن طريق اسبانيا المسلمة التي برهن فيها تنافس العناصر العربية والمسيحية (عما للثقافة العربية من تفوق غير متنازع على الثقافة اللاتينية) وما لبث هذا الإشعاع العربي أن غمر شعوب الغرب فأثار كبرياتالعواصم ونشل مدن بيز وبولوني ومونبيليي وسلامانك وافينيون وباريس من وحشتها اللاتينية حيث فتح أمامها مجال الفكر والحياة الثقافية ورغم انهزام الموحدين السياسي وعودة الأندلس على حظيرة المسيحية ظل نفوذ الحضارة العربية يتزايد في نظر الغربيين حتى صارت باريس نفسها التي أسس جامعتها الملك فيليب أوجست على إثر عودته من الشرق ـ تستمد من المغرب والشرق كثيرا من كشوفها.
أليس إذن من الغريب أن لا يتجلى أثر الحضارة العربي في ذهن الأوربي المتوسط إلا في فتوح أوقف تيارها شارل مارتيل في بلاط الشهداء؟
والذي يزيد هذه الظاهرة غرابة أن الفتوح العربية لم تكن حركة توسعية ولا حربا صليبية ضد المسيحية وإنما كانت رسالة تمدينية لا تهدف إلى أي لون من ألوان الإدماج، ومن مظاهر تسامح ملوك العرب ونزاهة وجهتهم أن جوهن ملك انجلترا عرض عام 1199 على آخر ملوك الطوائف وهو محمد الناصر أن يحميه ضد البابا في مقابل جزية سنوية واعتناق الإسلام من طرف إنجلترا ملكا وشعبا، ولكن الملك العربي رفض هذا العرض لأن أريحيته أبت عليه استغلال الضائقة السياسية التي كان الإنجليز يتخبطون فيها لحملهم على اعتناق الإسلام.
إن المغرب ـ كما قلنا ـ هو القطر العربي الوحيد الذي يملك منفذا مزدوجا يطل على محيطين عالميين فحدوده تمتد في نحو من ألف وخمسمائة كيلومتر على طول سواحل بحر الظلمات وقد تعزز هذا الوضع الاستراتيجي في مفترق بحرين دوليين من أشد بحار العالم نشاطا يوم أصبح مضيق جبل طارق ممرا حيويا بين أقطار المتوسط والعالم الجديد.
وما لبث المغرب أن اضطلع ـ بفضل هذا الوضع الممتاز ـ بمهمة الوساطة بين عالمين، ذلك أن ميزة المغرب كقطر أفريقي شرقي يطل على أوربا ومياه العالم الجديد قد جعلت منه نقطة اتصال وازدواج بين حضارتين مافتئتا تتفالاعن منذ قرون من أجل إمداد الإنسانية بلبابهما المختار ولعل هذه الميزة هي التي ساعدت على إشعاع حضارتنا فيما وراء البحار حيث تجاوبت أصداؤها في العالم الجديد منذ القرن السادس عشر بعد أن اخترقت مجاهل بحر الظلمات.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here