islamaumaroc

أهمية الإيمان للحياة وللجهاد من أجلها

  دعوة الحق

العددان 179 و180

الحياة نعمة كبرى من نعم الله على الإنسان الذي يعرف بفضلها الوجود وعظمته وقيمته.
والحياة إيمان وجهاد لأن مبتداها ومنتهاها وغايتها الإيمان، ولأن وسيلتها لتحقيق الفوز بالسعادة والهناء والأمان الجهاد.
ولا ينبغي أن نستغرب من كلمة «الجهاد» أو نفزع منها، فالعمل اليومي جهاد والاجتهاد في الدرس أو في الإنتاج جهاد، التفاني في أداء الواجب جهاد، والإخلاص للعقيدة جهاد والرغبة في التقدم والارتقاء جهاد، وإرادة النصر جهاد، والتضحية جهاد.. وغيرها وبمعنى آخر أن الإنسان يجاهد دائما ويوميا عرف أم لم يعرف، وعى أم لم يع هذه الحقيقة.
أجل، إن الحياة إيمان لأن خالقها هو الله الحي المطلق الحياة، والذي لولاه ولولا حياته الدائمة لما كان لها أي وجود، ولظل العدم سائدا لانعدام وجود الاحياء وبخاصة أبناء الإنسان العاقلين الواعين القادرين على التمييز بين الوجود والعدم (أي اللاوجود) وبين الحياة والممات (الحياة الروحية الغيبية) وبين الخير والشر. وبين التطلعات العليا والنزوات الدنيا.
والله الخلق الحي المطلق الحياة مؤمن مطلق الإيمان بنفسه. وبقدرته. وبخالقيته وبما أوجده من موجودات. ولذلك كان لابد أن يكون الإيمان هو السبيل الواجب على الحياة نفلسها سلوكه في مسيرتها اللانهائية من الأزل نحو الأبد.
نعم. بوجود الله الخالق وإيجاده الوجود والحياة انتهى العدم انتهاء كليا، ولم يعد بالنسبة للإنسان الواعي إلا جانبا لامرئيا من الوجود يصعب عليه إدراكه حتى يشاء الله.
وهكذا يظل العدم في الواقع الحياتي مجرد وهم يفهمه كل إنسان حسب مبلغه من فهمه الوجود والحياة أو مجرد معنى مرادف مجازا للموت أو للاوجود الأرضي، أو للاموجود المدرك بالحواس، أو مجرد معنى يقصد به تلقين اليأس والملل والفشل والعجز للضعفاء والستكينيين.
لهذا فهو يعتبر بالنسبة لنا نحن أبناء الإنسان امتحان نختبر به استطاعتنا مد رؤيتنا العقلية حينما تقف رؤيتنا البصرية وتعجز حركتنا الجسمية عن الامتداد الذاتي أو الآلي لتدرك نشاطات جميع الكائنات الحية والإحاطة بكافة أسرار الحياة على ضوء ما وصلت إليه معرفتنا.
وحسب هذا يعتبر كل ما لم نتوصل إلى معرفته بأعيننا أو بعقولنا عدما أو كالعدم نقيس به الحياة بأعيننا أو بعقولنا عدما أو كالعدم وإن كان موجودا.
إن معرفتنا الإنسانية بوسائلها البصرية والعقلية هي «معيارنا» الذي نقيس به الحياة وأسرارها، ونحاول أن نفهم على ضوئه كل شيء خارج أرضنا.
ولذلك فهي «معيار» خاص صغير محدود نهائي إذا ما قيس بالمعايير العامة الشاملة العظمى اللامحدودة اللانهائية التي تخضع، أو يمكن أن تخضع لها الحياة اللانهائية اللامحدودة في الوجود اللانهائي اللامحدود.
ويعني هذا أنه يتعين علينا نحن أبناء الإنسان أن نقيس، أو نحاول أن نقيس، الحياة بالمعايير العامة الشاملة العظمى اللانهائية اللامحدودة بمعيارنا الخاص الصغير النهائي المحدود.
ولن نجد معايير أشمل وأعم وأصدق وأدق وأعدل من معايير الله الخالق الحي الدائم الباقي.
وعليه، أن ما نظن أن الحياة ولكن بشكل لم تصل بعد عقولنا إلى إدراكه وفهمه، ولذلك يكون ظننا خاطئا لأنه ظن قسناه على معيارنا الخاص للحياة على ضوء فهمنا الإنساني الأرضي على الأرض، وحسب مبلغنا من العلم في آخر مراحل تقدمه.
والعلم يتقدم باستمرار، أو بعبارة أكثر دقة وأن عقولنا هي التي تتقدم باكتشاف تتقدم باكتشاف العلم والمعارف، وما لم تدركه اليوم ستدركه غدا مثلما أدركت اليوم ما لم تستطع إدراكه بالأمس.
ويعني هذا أن ظننا الخاطئ اليوم بسبب قصور عقولنا عن إدراك الحياة وأسرارها بمفهومها العام الشامل يصبح غدا غير ذي موضوع.
إن فهمنا الحياة، إذن، يجب أن يندرج في فهمنا لها لا نهائية لا محدودة متاطرة في وجود لا نهائي لا محدود تحكمه قوانين علم مطلق لانهائي لا محدود أوجده الله الخالق منذ وجوده، وأخذ يظهر معارفه وتفرعاته التقنية والتطبيقية بالتدريج تبعا لتقدم الإمكانات والاستعدادات العقلية لأبناء الإنسان، وتبعا لاجتهاداتهم وطموحاتهم النازعة إلى التجاوب مع المطلق بنشداتهم التوصل الغائي إلى إدراك ما هو مطلق لا نهائي لا محدود.
هكذا يقودنا التجاوب مع المطلق إلى أن نفهم أن الحياة ......، والحياة الإنسانية الأرضية بخاصة بدأت غيبية لا مرئية لا يمكن أن تعرف عن مبدئها شيئا معرفة عينية طبيعية تجريبية تطبيقية، وإنما كل ما تستطيع أنتعرف عنها هو معرفة نظرية تأملية (ميتافيزيقية) نسبية تقريبية تخمينية، وكذلك الِشأن بالنسبة لاستمرارها في ديمومتها الأبدية مجالات اللانهاية إلى ما شاء الله.
أما الفترة الوجيزة القصيرة التي تعرفها من المولد إلى الوفاة على الأرض على ضوء ما توصلت إليه عقولنا من اكتشاف المعارف فإنها ليست شيئا مهما بالنسبة للمعايير العامة الشاملة التي يجب أن نفكر فيها ونقدرها حق قدرها ونقيمها قيمتها الحقيقية إذا أردنا أن نقيس الحياة قياسا عادلا وصائبا.
وان الاكتشافات العلمية الحديثة، وبخاصة الاختراعات التقنية، تؤكد لنا أهمية التأملات النظرية (الفكرية) التي تمتاز بنزعتها الميتافيزيقية رغم تجسيداتها الطبيعية المادية.
ولا ريب في هذا، فالعلم جملة وتفصيلا ميتافيزيقي (غيبي) نظري يدرك بالتأمل والاجتهاد العقلي، ولا يمكن أن يتوصل إلى الإحاطة بأسراره إلا الذين يقومون بتأملات نظرية مثابرة في مجالات الميتافيزيقية متجاوزين الزمان والمكان متسلخين، في حدود الممكن عما هو طبيعي مادي رغم تقيدهم القسري به، ولا يمكن أن يتم هذان التجاوز والانسلاخ إلا عقليا فكريا بإرادة عازمة حازمة في إطار اجتهادات روحية معنوية جريئة غايتها نشدان التجاوب مع المطلق.
وهذه خاصة يمتاز بها العلماء والمفكرون الكبار الذين يكرسون أوقاتا ثمينة من حياتهم للتأملات النظرية متوخين اكتشاف معارف جديدة يستفيدون منها في تأكيد وجهات أنظارهم في مقاصد شتى من مقاصد الحياة.
إن ما هو ميتافيزيقي ما ينفك يجذب العقل الإنساني جذبا ساحرا لاكتشاف المجاهيل الكبرى في مجالات المعارف التي لم يتوصل إليها الإنسان.
وإذن يجب أن تحرر عقولنا من القصور العقلي لكي نتمكن من ممارسة الحياة ممارسة واعية في إطار علمي حقيقي مندرج في سبيل الحق الذي أراده الله الخالق للإنسان.
وتحريرنا عقولنا من القصور العقلي إنما يعني تحريرها من الجمود، ومن التبعية، وتخليصها من تأثيرات الدعوات الضالة إلى سيطرة ما هو مادي وحده في الواقع المجتمعي الذي يتيح الفرصة لاستمرار «الجاهلية» الملحدة، وتجديدها عبر الزمان إبقاء على غريزة استبعاد القوى للضعيف وهيمنة من يملك الإمكانيات على من لا يملكها.
وإن إيماننا بالحياة يجب أن يعني إيماننا اليقيني بالعلم.
العلم وحده هو الذي يستطيع أن يحقق السعادة للإنسان في حياته على الأرض وفي حياته الروحية خارج أجوائه.
والعلم هو التقدم ولا يمكن أن تتحقق أية تطورات أو تنميات تقدمية بدونه.
وإذا أردنا أن نحقق المساواة الممكنة في ظروف الحياة الاجتماعية فيبنغي أن ننشدها في تحقيق المساواة في الحصول على العلم.
إن كل تفاوت في الحصول على العلم يعني حدوث تفاوت المساواة في ظروف الحياة الاجتماعية. ومن المسؤول على هذا؟
لاشك أن الذي يتيح له المجتمع جميع الظروف والوسائل الممكنة للحصول على المستوى اللائق من العلم ولا يحصل عليه لأسباب كثيرة كالغياب عن حضور الدروس، أو الكسل، أو السقوط في الامتحانات أو السلوك السيء مع الأساتذة.. الخ هو المسؤول عن كل ما يمكن أن يحدث له من تأخر عن مواكبة الركب الاجتماعي ومسايرته، ولا يحق له أن يلقي باللوم على المجتمع، أو على غيره أو على الأوضاع المجتمعية وإنما يجب أن يلوم نفسه أولا وأخيرا إن كان يتحلى بالإنصاف.
ويعني هذا أن التقدم والتقدمية لا يجب أن ينظر إليهما نظرات «مريبة غريبة» باعتبارهما خارج نطاق الإيمان بالله، أو باعتبارهما من اختصاصات ايديولوجيات خاصة وحدها فقط ولا غير وانهما تفرضان على كل من يريد أن يكون «متقدما» أو «تقدميا» أن يترك إيمانه جانبا ويصبح ملحدا كافرا!
كلا !
ولذلك فإن مجتمعنا مدعو لأن يستمر في أن يظل دائما متقدما وتقدميا في إطار الإيمان بالله الذي يستطيع أن يحقق في مجالاته ارتقاءات حضارية واجتماعية واقتصادية متوازنة روحيا وماديا.
وإذا اعتبرنا التقدم الناتج عن العلم هدفا ساميا من الأهداف التي يسعى إليها الإنسان ليفوز بالسعادة والهناء والأمان والرفاه فإن الاجتهاد هو الوسيلة الغانية للحصول عليه.
وليس الاجتهاد في حقيقة أمره إلا الجهاد الباطني والظاهري الذي يجلى بصدق الإرادة والنشاطات المركزية والمنظمة والموجهة لتحقيق الغاية المرسومة.
نعم، إنه جهاد من أجل تحقيق الغاية أو الهدف.
وكل جهاد يتطلب توجيه الإرادة توجيها غانيا خاصا وضبطها والسيطرة عليها وتنظيمها وتركيزها توخيا للاستفادة منها في الفوز والنجاح والنصر.
وإن أي جهاد لا تكون الإرادة العازمة الحازمة المركزة والمضبوطة والموجهة والمنظمة له الحافز الأصلي فيه سيبوء دوما بالفشل.
ومثلما يتطلب كل جهاد تركيز الإرادة وتوجيهها يستوجب أيضا التحلي بالشجاعة للتمكن من مواجهة جميع أنواع الصعوبات ومعالجة كل المشاكل الكبيرة والصغيرة التي تخص بها الحياة.
والحياة اليومية التي نحياها غاصة بالمشاكل من كل الأنواع ولذلك يجب أن يتحلى كل إنسان بالشجاعة تحليا أصليا ثابتا ودائما ليتمكن من حلها.
لقد آن للإنسان أن يدرج عمله اليومي الخاص إلى الإطار المفهومي للجهاد الوطني الذي يستهدف تحقيق ارتقاءات حضارية واجتماعية واقتصادية متوازنة روحيا وماديا في أرض الوطن، وعليه أن يعي هذه الحقيقة لئلا يظل يحيا معزولا غائيا وهدفيا عنا الحياة الوطنية.
إن المطر يتكون من قطرة واحدة من الماء تصاحبها ملايين الملايين من القطرات الأخرى، وكذلك الشأن بالنسبة للحضارة الوطنية، إنها هي الأخرى تتكون من جهود إنسان واحد تصاحبها جهود الملايين من أبناء الإنسان الآخرين.
وإن الكثيرين من أبناء الإنسان في مجتمعنا الوطني يعملون، ويبذلون جهودا محمودة لتحقيق ارتقاءات حضارية واجتماعية واقتصادية خاصة وعامة ولكنهم لا يعرفون أنهم يجتهدون أو أنهم يساهمون في جهاد وطني دائم، وهذا نقص كبير جدا وخطير في توجيههم ووعيهم، وهو نقص قد يؤثر في على المجهود الوطني العام الذي يحتاج إليه الوطن في الظروف المصيرية الحرجة الصعبة.
وتقضى إرادة التقدم أن يتعلم الإنسان منذ نعومة أظفاره الأمل والنجاح والفوز والنصر.
ويعني هذا أنه يجب أن يتعلم وجوب طلب العلم، ووجوب الاجتهاد، أي العمل وبذل الجهد، ووجود التحلي بالشجاعة والصبر والمثابرة أثناء اجتهاده وعمله.
ومادام الإنسان المسلم يمارس مسؤوليات الجهاد الأكبر ممارسة يومية فيجب أن يعرفها ويعيها ويفهمها فهما حقيقيا في إطار فهمه للحياة اللانهائية اللامحدودة.
وتبعا لهذا ينبغي ألا تقتصر إرادة النجاح والفوز والنصر على الحياة الدنيا وحدها فقط وإنما يجب أن تتطلع إلى أمل إحراز النجاح والفوز والنصر في حياة ما بعد الموت، وهذا لا يتم ولن يمكن أن يتم، إلا بالإيمان بالله، وفي إطار تعاليم دينه الحنيف.
إن الإيمان بالله وبدينه الحنيف هو العقيدة الحقيقية الكفيلة بتأمين الارتقاء الحضارية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الكفيلة بتأمين الارتقاءات الحضارية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الإنساني شرط أن يفهمها كل إنسان الفهم الصحيح، وهي عقيدة ستظل دائما قوية ثابتة أمتن من صخور الجبال تكسر محاولات الذين يريدون الاعتداء عليها أو النيل منها.
وحياة بلا إيمان تعني حياة فارغة من جوهرها ومن أصالتها، ومن غائيتها الحقيقية اللانهائية اللامحدودة وإن كانت ظاهريا وشكليا حياة بكل «معطيات الحياة ومفاهيمها» وإن كان الإنسان يبدو فيها سعيدا!
وما ذلك إلا لأن الإنسان إذا فقد الإيمان فقد بفقدانه الاتصال بالله الخالق وبالتالي بالوجود اللانهائي اللامحدود وأصبح تائها في بيداء «الجاهلية» والجهالة رغم ما يمكن أن يحرزه من علم.
لهذا كان الجانب الروحي (الباطني) الاعتقادي (الديني) في الحضارة والارتقاءات الاجتماعية والاقتصادية دعامة أساسية لابد منها لإقامة صرح مظاهرها وتجسيداتها التنظيمية والإنجازية تأمينا لإدامة التوازن بين الروح وما هو روجي وبين المادة وما هو مادي في حياة الإنسان والمحافظة على اتصاله الغيبي بالله الخالق واندماجه في الحياة اللانهائية اللامحدودة في الدنيا على الأرض وفي الآخرة بعد الوفاة.
ومن الإنصاف أن نعزو كل تقصير في تحقيق الارتقاءات الاجتماعية والاقتصادية إلى قصور اجتهادنا (عملنا العقلي بصفة خاصة) عن فهم دورنا الحاضر كهمزة وصل بين ماضينا الحافل بالإشعاعات الحضارية والثقافية المنبثقة من إشراقاتنا الروحية عصرية حديثة إليها تجعلنا في مقدمة المجتمعات الإنسانية التي تساير التقدم العلمي المتقدم في كل آن.
إن غايتنا الارتقائية الهادة إلى تحقيق ارتقاءات حضارية واجتماعية واقتصادية تفرض علينا أن نجتهد دائما وندرجه في جهادنا الوطني اليومي وفي جهادنا الأكبر الدائم.
ولن نكون شيئا مذكورا بدون إيماننا بالله!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here