islamaumaroc

تأملات في الفقه الإسلامي

  دعوة الحق

العددان 179 و180

تقديم:
تعتمد كل أمة على أصالتها لتؤكد ذاتها بدلا من أن تكون على هامش شخصيتها باعتمادها على القوانين الأجنبية عنها، ولهذا يجب أن نظل باحثين ومنقبين في إنتاج علمائنا وأحكامهم وفتاويهم، لنستمد منهم ما يساعدنا على التطور والنماء في إطار بناء حضاري محكم، وليس معنى هذا أننا نقفل النوافذ ونتزمت، ولكننا سنظل نعتمد على صلابة أرضية حضارتنا وثقافتنا، ونعطي، ونحافظ ونبني، ونميز الغث من السمين، ونفسح المجال لكل التنظيمات الجديدة التي لا تصطدم مع أصول شريعتنا وحضارتنا، لا تعصبا لهذه الشريعة وهذه الحضارة، ولكن صيانة  للشريعة الإسلامية من أن تمس، وحفظا لحضارتنا من أن تقوض. وتؤكد التجربة التاريخية أن الشريعة الإسلامية لم تكن قط حاجزا دون التطور، وأنه لا يضرها أن تأخذ وتغترف، وتنفي عنها ما رث من الآراء والنظريات، كما أن حضارتنا بطبيعتها مرنة سمحة، غير متعصبة ولا جامدة بل متفتحة دائما، ذات قابلية لكل ما لا يصادم أصولها، وإننا في حاجة إلى إنتاج بحث موضوعي لنستوعب إنتاجهم ونقرأ تراثهم قراءة جديدة تعتمد المصطلحات الحديثة، وفي أسلوب متجدد مقبول لا يتخلى عن الأسس ولا يترك الحاجة إلى التطور معطلة ...
وأول ما يجب أن نبدأ به، هو عرض الموضوعات وفهمها وشرحها بوضوح ثم فرزها وأخيرا صياغتها في أسلوب واضح مع مقارنتها بموضوعات القانون المدني في مختلف المدنيات المعاصرة، لنعيش عصرنا بكل أبعاده، ونجدد مؤسساتنا الاجتماعية والثقافية تجديدا واقعيا متكاملا... وقد أخذنا نشعر بعد أن حققنا الاستقلال السياسي، والعمل على الاستقلال الاقتصادي، بضرورة التركيز على أصالتنا التشريعية بدل أن نتلقف قوانين الأمم الأجنبية عنا، لأن اختلاف التشريعات بين الأمم هو نتيجة اختلاف الحياة الاجتماعية والاقتصادية بينها، وأيضا لاختلاف المثل والقيم التي تستلهمها كل أمة وتسير وراءها لتحقق سعادتها وأمنها ورخاءها وازدهارها، وذلك هو هدف كل تشريع... والمغرب بلاد إسلامية عريقة، أشعري العقيدة، مالكي المذهب سلوكا وأخلاقا ... ولم يصل إلى تحقيق هذا النمط الإسلامي إلا بعد قرون من التجربة والاختيارات المتوالية، فقد تأرجح عبر ماضيه الثقافي بين تشريعات عديدة من الدول التي تعرفت به وتعرف بها، سواء في أيام حروبه وتحدياته، أو في أيام سلامه وتآخيه، حتى حقق لذاته شخصية كاملة طبعت قوانينه وأنظمته وأخلاقه، ولذلك فكل أعماله تصدر عن وعي ذاتي أخلاقي، ووعي اجتماعي إنساني مميز لشخصيته. وأهم هذه الميزة أن الإسلام زواج بين الأخلاق والقانون ولذلك لم يعن المسلمون قط بالقانون المجرد من الأخلاق، وتبعا لذلك لم يهضموا حقا للدولة أو للغير دون حاجة إلى رقابة القضاء، وذلك لأن الشريعة الإسلامية بطبيعتها قادرة على خلق وعي قوي، ولأن الشريعة الإسلامية تجمع بين التربية الخلقية والحقوق الاجتماعية، وتصوغ ذلك في عمل الفرد الذي يصبح في سلوكه نزيها مستقيما يؤجر على عمله، فهذه النزاهة والاستقامة  تتجاوز الاعتدال، وجاء الثواب على إخلاصه للمجتمع كله ووفائه للإنسانية جمعاء، لأن العمل عبادة والإسلام قول وعمل.. ولا تتحقق القيم الأخلاقية في البلاد الإسلامية إلا بدعم ديني يبني على أساس الإيمان بالله وبرسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى عدالة الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ولكل بيئة، تلك الشريعة المرنة التي تقر الاجتهاد والاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذريعة والعرف والعادة، وكل ما يخدم الإنسان ويطوره، ويحقق سعادته، بل إن الإسلام لا يمكن أن يعوق أي تطور للمصالح الإنسانية... وتلك إحدى خصائصه .. وقد جاء الإسلام ليحرر العقل الإنساني ويقضي على رواسب الكهانة والخرافة والاستغلال، ويصلح الفرد والمجتمع، ولذلك فإن ركائزه التي بني عليها نظامه هي العقيدة الصافية والخلق القويم، والتنظيم المحكم، والعدل الاجتماعي في المعاملات الاقتصادية، وهذه المعاملات تضمن الحقوق المدينة وحسن المعاشرة والتآزر الاجتماعي، والحقوق والالتزامات، فالحقوق المدنية يضطلع القانون والفقه بمسؤولية تطبيقها على أساس الشريعة الإسلامية، والمعاشرة  الطيبة المتآزرة يسهر عليها المجتمع كله. وهذا ما يجعل المجتمع الإسلامي يعيش حياة موفورة العدالة والكرامة والسعادة لخدمة الصالح العام، وتطبيقا لذلك فالشريعة الإسلامية أعطت للائمة والعلماء كل الصلاحيات للعمل على إصلاح المجتمع، فالإمام له صلاحيات تشريعية وتنفيذية غير محدودة، وله إصدار الأوامر الزمنية التي تعتبر الآن في الدول المعاصرة (السلطة التشريعية)، وأعماله كلها تقوم على رعاية الإصلاح. وإذا كان من الواضح أن القانون إنما هو لخدمة المواطنين فإن من الاستيلاب أن يظن بعض فقهاء القانون المعاصرين أن الشريعة الإسلامية لا تستطيع مواجهة المشاكل المعاصرة، وليس بخاف أن جانب المعاملات في الشريعة الإسلامية إذا كان يرتكز على الثوابت كحسن النية والرضائية والمسؤولية فإنه في نفس الوقت يعتمد على( المتحرك) في ميدان القانون مستوحيا ذلك من المصلحة العامة والتيسير والضرورات، زيادة على مرونة الفقه الإسلامي وما  نجد فيه من قابلية للأخذ من تجربة المؤسسات المعاصرة والاصطلاحات الجديدة. ويهمنا أن نلاحظ أن الأحكام الفقهية تنقسم إلى عدة أقسام من جملتها الأحكام المتعلقة بأفعال الناس ومعاملاتهم في الأموال والحقوق، وكذلك الأحكام المتعلقة بسلطة  الحاكم، والحقوق الواجبة على الرعية، والأحكام المتعلقة بالآداب الاجتماعية وما يدخل في ميدان الأخلاقيات من استقامة في السلوك. وكما أكدنا من قبل فإن الإسلام يعتمد العبادة والحضور الإلاهي ومراقبة الخالق جل علاه في السر والعلن، لأنه دين روحي ومدني معا، يؤلف بين الأخلاق والمعاملات، ويحرص على عمل الحلال وترك الحرام، في تشريعات واضحة. والقيم الإنسانية شيء موجود، موجود غير وهمي، والمثل الأعلى بين واضح في الكتاب والسنة، فلا مجال للعبث والتلاعب والغش والخداع، ولذلك فالمسلم قادر على حفظ مجتمعه لأنه طوع أوامر خالقه الهادفة لخيره، وهو وحده المسؤول عنها. ومهما تصدر السلطة من المراسيم والقوانين لمكافحة  التلاعب والانحراف فإن الإنسان قادر على التلاعب بالنصوص والتحايل عليها، لأن العقل البشري له قدرة على الابتكار والحيل لا يكبح جماحها إلا رقابة الخالق في السر والعلن، ولذلك إذا أضفنا هذه الرقابة الدينية لمرونة الفقه الإسلامي وقدرته على التكيف والتطور لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وسد الذرائع ومراعاة تغيير الأزمنة والبيئات، ظهر واضحا إلى أي حد يضمن الإسلام للمجتمع الإنساني السعادة والاطمئنان.
إن رجال القانون سوف لا يجدون في التنظيمات الإسلامية الشرعية ما يخيف، بل على العكس سوف يجدون في الشريعة الإسلامية هدفهم الإنساني لتحقيق العدل والمساواة، فالفقه الإسلامي متطور لأنه اعتمد على الثوابت وهي الكتاب والسنة والإجماع ثم فتح باب الاجتهاد الذي لم يسد أبدا رغم زعم كثير من الفقهاء أنه  سد بعد عصر الأئمة المجتهدين المعروفين ... والاجتهاد في الفقه الإسلامي هو أكبر دليل على حيوية الفكر الفقهي وتطوره... وسوف يجد رجال القانون فيما كتبه الفقهاء المسلمون في ميدان التنظيمات المدنية والإصلاحات الاجتماعية والسهر على حقوق المواطنين بمختلف الأساليب مجالا خصبا لحركية الفكر القانوني وحيويته لخدمة  المجتمع المغربي الحديث الذي كما تحرر من الرواسب السياسية والاقتصادية، سيتحرر حتما من الرواسب القانونية، نبعث هذه الدراسات الأصلية التي سيستفيد منها المجتمع بدلا من الإغراق في الدراسات والنظريات الاجتماعية، سواء من الجانب الستاتيكي أو من الجانب الحركي بفصلهما أو بعدم فصلهما ... أو في النظرية الاجتماعية الغربية لتنظيم العلاقات المتجاورة للجانب الاقتصادي... كل ذلك نقل حرفي لنظريات غربية لا يستفيد مجتمعنا منها، إن لم يكن يزداد ارتباكا، وتأرجحا وابتعادا عن  عدسة المكبرة. أما العودة إلى الأصول السليمة لتنظيم العلاقات الاجتماعية في إطارها الفطري التلقائي، وتطورها على أساس قاعدتها الأصيلة المتينة، فذلك ما يضمن لنا التطور والعدالة الاجتماعية الحقة.
إن المجتمع المغربي يتسم بشخصية قوية ملتزمة متماسكة ولهذا فقد توفرت عوامل الوحدة الوجدانية والفكرية في الحفاظ على قوة شخصيته.. وتظهر هذه العوامل واضحة عندما يرد عنه غارات المعتدين على شخصيته، لذلك استطاع بسهولة أن يحطم إمبراطوية روما التي لم تعجز عن الاستيلاء على أوروبا .. وأن يثور في وجه الخلافات المذهبية  المسيحية ويجد في الإسلام عامل الوحدة لأنه وجد فيه شخصيته. ومسايرة لهذه النزعة كان سنيا مالكيا متضامنا في مذهب فقهي واحد، وأشعري العقيدة  دون  الخوض في الخلافات العقائدية، ثم صوفيا على طريقة التصوف الجنيدي السني، ورغم ظهور بعض النزاعات المذهبية فإنها ظلت ضعيفة محدودة لم تنل من وحدته، وكانت هي نفسها في صميم الوحدة وعاملا في خلق حوار إيديولوجي.. ولم يعرف إلا بعض الفرق الضالة كالعكاكزة التي تكلم عنها اليوسي وقاوم ضلالاتها ... كما لم يعرف الانعزالات طائفية أو شخصية كانت.
وكم حاول المستعمرون تفويت الأصالة الإسلامية والحضارة المغربية، ولكن لم ينجحوا في تقليم أظفار المغاربة،  سعوا الجهد لتقوية الحضارة الغربية عن طريق تفويت اللغة العربية سواء على يد المستعمرين والمستشرقين وتفويت العقيدة الإسلامية على يد المبشرين.
وللمغرب شخصيته الحضارية التي تعتمد على تقدير الإنسان والإيمان به، فهي تقدر كرامته وتوصي باحترامه وتعتبره عضو بناء وتشييد، يراه القانون بريئا إلى أن يظهر اتهامه، صادقا إلى أن يظهر كذبه، ونزيها إلى أن تظهر سرقته، عكس الثقافة الغربية التي يرى الإنسان فيها أقرب إلى عدم الاستقامة، يؤخذ بعين  الحذر والشك سواء في أقواله أو في تصرفاته ... ومن هنا كان الفقه الإسلامي أنسب لعقلية المغربي ونظامه الاجتماعي والشخصي.
        
مصادر معتمدة وللتوسع:
 
 
- المــوافقـــات  ............ الشاطبي
 - المدخل الفقهي العام  ...........  مصطفى الزرقاء
 - أصـول الفقـــه ............  للحضري
 - المـلل والنحــل   ............   الشهرستاني

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here