islamaumaroc

التعليم في الولايات المتحدة

  محيى الدين المشرقي

23 العدد

أهداف التعليم بأمريكا
لا يستطيع الباحث النزيه أن يصدر حكما عادلا على نظام التعليم القائم في المعاهد الثقافية بالولايات المتحدة ولا أن يقدر قيمة ذلك التعليم إلا إذا وضع في الميزان الفوارق الكبرى التي تمتاز بها هذه القارة الواسعة الأطراف بالنسبة لبعض الدول الأوربية لا من الناحية الجغرافية فحسب، بل من الوجهة السياسية والاقتصادية أيضا.
ومن البديهي أن سعة البلاد الأمريكية التي تضم خمسين ولاية تساوي مساحة كل واحدة منها مساحة المغرب مثلا، فرضت بالطبع على الحكومة الأمريكية التمسك بنظام اللامركزية بحيث أصبح لكل ولاية نظامها الخاص من الوجهة الاقتصادية والإدارية والثقافية، كما أن تغلغل المبادئ الديمقراطية في نفوس الأمريكيين وتمسكهم من الوجهة الاقتصادية بنظام رأسمالي صرف، كل ذلك من العوامل التي حملتهم على إنشاء مؤسسات ثقافية، الغاية منها إعداد أوفر عدد ممكن من المواطنين إعدادا يمكنهم من المساهمة في الحياة الاقتصادية الأمريكية بحظ وافر والزيادة بالتالي في ثروة البلاد.
والذي يبحث في النظام القائم اليوم بالولايات المتحدة يرى أن هذا النظام يختلف اختلافا بينا عن النظم المعمول بها في فرنسا مثلا وإسبانيا وإيطاليا التي استمدت، كما تعلمون، كثيرا من نظم حياتها الإدارية والثقافية من الحضارة اليونانية والرومانية، وإذا كان نظام المؤسسات الثقافية المعمول به في هذه الدول الثلاث يرمي إلى خلق الرجل الكامل من الناحية الفكرية، فالتعليم في أمريكا تعليم عملي قبل كل شيء، يهدف إلى إعطاء الطفل المهارات اليدوية والعقلية التي تجعله قادرا في أسرع ما يمكن من الوقت على الاستفادة من الحياة والانسجام مع المحيط الاجتماعي الذي ينتظره، فالتربية في الولايات المتحدة، على ما نعتقد، تتورع من أن تكسب المعلومات في أذهان الأطفال على حساب هذه الملكات لأن ذلك يتنافى مع رغبتها في الوصول بهم سريعا إلى مرحلة الخلق والابتكار والاشتراك في الحياة العملية التي تتوقف إلى حد بعيد على مقدار الحرية التي تترك للأطفال أثناء عملية التعليم، وعليه فلم تعد التربية بالنسبة للأمريكيين عملية قاسية تحارب نزعات الأطفال الفطرية وتصدها، بل هي عملية تحريرية غايتها تمهيد الطرق أمام قواهم الفكرية حتى تظهر وتقوى رغبة في الوصول بالأحداث إلى حياة مرحة متناسقة طبيعية تتناسب مع المجتمع الذي يعيشون فيه. ومن تم يعتقد المربون الأمريكيون أن قيمة العمليات التربوية تتوقف بالطبع على مقدار الجهود الشخصية التي يجود بها الطفل في سبيل الحصول على المعلومات والخبرات التي تؤهله للانضمام إلى المحيط الاجتماعي الأمريكي بناء على خصائص هذا المحيط ومميزاته بالنسبة للمجتمعات الأخرى.
هذا ونظرا للروح الديمقراطية المهيمنة على هذا المجتمع بصفة لا يتسرب إليها الشك والارتياب، ونظرا للنظام الاقتصادي القائم على الرأسمالية التي تتمثل في شركات لا يحصى عددها، فإن النظم التعليمية والأساليب التربوية التي يعتمدها المربون في الولايات المتحدة تهدف جميعا إلى إعطاء الأطفال الفرصة للتعبير عما يدور في خلدهم بحرية مطلقة، وإكسابهم المهارات الكافية التي تمكنهم من التخصص الباكر، والمساهمة في الإنتاج الوطني، ويرى المربون في الولايات المتحدة أنه لا سبيل للوصول إلى ذلك الهدف غير أن من يعطى الطفل الحرية المطلقة في المدرسة، ويرفع عنه كل ضغط أو تشديد. والواقع أن الحرية متوفرة في المدارس على اختلافها كما أن الطفل يعامل فيها باعتباره كائنا حيا له كرامته وشخصيته، أما الوسائل التي تمكنه من اكتساب المهارات اليدوية والعقلية اللازمة فهي موضوعة تحت تصرفه بكل مكان، تعطيك البرهان على أن الحياة الأمريكية زاخرة بالمهن والصناعات لذلك نستطيع القول بأنه يوجد في الولايات المتحدة انسجام تام بين المحيط المدرسي والمحيط الاجتماعي وأن المدرسة الأمريكية مؤسسة ناجحة بالفعل لأنها متصلة مباشرة بالحياة.
على أن هناك طائفة أصبحت تتخوف من عواقب تلك الحرية المطلقة التي يتمتع بها الأطفال، وراحت تهيب بالمسؤولين أن ذلك قد يؤدي إلى انحلال في الجهاز التربوي وضعف في النتائج النهائية إذا ما ترك التلاميذ وشأنهم، يعملون ما يريدون دون مراقبة صارمة من طرف المعلمين، وهكذا نودي في الأيام الأخيرة بين المعلمين وغير المعلمين بضرورة إقحام الطلبة على العمل الشاق منذ الصغر والإقلاع عن الطريق التحريرية التي سلكها المربون الآن، وحتى لا يشعر الطفل بأن الحياة لهو ولعب، بل هي جهاد عنيف، مليئة بالعقبات والحواجز، لا يستطيع التغلب عليها إلا الذين استعدوا لمجابهتها بقلب ثابت وإرادة قوية. وغني عن التوضيح أن الذي كان سببا في تحويل رأي بعض المفكرين الأمريكيين الذين لهم اهتمام بمشاكل التعليم هي الرجة الكبرى التي أحدثها في الأوساط الأمريكية نجاح القمر الصناعي الروسي خلال السنة الماضية والذي إن دل على شيء فإنما يدل على أن روسيا أصبحت بعد تلك التجربة الناجحة تتبوأ المكانة الأولى بين الأمم في ميدان العلوم والاختراع.
ومع ذلك فإن الرأي السائد في أمريكا هو أن التعليم ناجح عندهم ومفيد ومنظم أحسن تنظيم لا فيما يرجع للبرامج والمناهج بل فيما يتعلق بالقوانين والنظم التي يسير عليها التعليم هناك في سائر أطواره.
نظام التعليم الأمريكي
تختلف النظم القانونية التي يرتكز عليها التعليم في أمريكا اختلافا بينا عما هي عليه في البلاد الأخرى وفي بلادنا بالأخص، فلا وجود لوزارة التربية الوطنية باعتبارها وزارة مستقلة بنفسها، بل تقوم مقامها وزارة تسمى وزارة التربية الوطنية والصحة والترقية لأن الأمريكيين يعتقدون بحق إن الهدف الأساسي من العملية التربوية هو مساعدة الأطفال ماديا وأدبيا حتى تنبثق مواهبهم العقلية واستعداداتهم الشخصية، هذا مع العلم أن نجاحهم في الحياة متوقف إلى حد كبير على صحة أبدانهم. ولما كانت رغبة المشرفين على التعليم هناك ترمي إلى تمهيد سبل النجاح أمام جميع المواطنين وخاصة أولئك الذين فاتتهم فرصة الدراسة المنظمة – إذ لكل واحد الحق في المعرفة وليس هناك سن معينة لتنمية معلومات الشخص وإكمال ثقافته- فرضت الحكومة بأمريكا على الجماعات أن تبقى مفتوحة خلال موسم الصيف حتى يستطيع أولئك الذين لم يتمكنوا من متابعة دراسة عادية إكمال ثقافتهم والالتحاق بركب زملائهم.
هذا وليس يوجد بأمريكا نظام تعليمي واحد يجري على سائر الولايات، بل لكل ولاية نظام إداري يتفق والخصائص التي تمتاز بها الولاية، إنما تشترك الولايات المتحدة كلها في أن القضية تنظيم التعليم تعود إلى الشعب الذي هو مسؤول عن إقرار مصير الولاية في هذا الميدان. وهذا النظام اللامركزي ينطبق على الولاية كلها التي تنقسم هي الأخرى إلى عدة مقاطعات، وكل مقاطعة تؤدي ضرائب يصرف بعضها في  سبيل التعليم، وقد تبلغ أحيانا 80 في المائة من مجموع الجبايات، بينما يحتفظ بالباقي لتسيير المصالح الأخرى كتنظيف الشوارع وإجراء الأسلاك الكهربائية في البيوت والطرقات، ومد أنابيب الماء والمحافظة على الأمن إلى غير ذلك من المصالح التي تتوقف عليها حياة المقاطعة.
ونظام اللامركزية المفروض في كل مقاطعة أو ولاية يعطي الحرية التامة للأهالي في أن يسيروا مؤسساتهم العلمية على الوجهة التي يحبون دون أن يتدخل في شؤونهم مركز الولاية أو المسؤولون في الحكومة بواشنطن، أو يرغمهم أحد على تدريس مادة من المواد مثلا، أو تطبيق نظام خاص لا يرى أهل المقاطعة فائدة في التمسك به، الشعب وحده هو المقرر لمصير تلك المؤسسات الثقافية بواسطة هيئة التعليم التي تتكون من عدة أشخاص منتخبين تشهد لهم مكانتهم الاجتماعية ونشاطهم في سبيل المصلحة العامة بصلاحيتهم لتسيير أمور هذه الهيأة، وينتمي هؤلاء الأشخاص عادة إلى جمعية النساء الأمريكيات التي توجد في كل مكان وجمعية أولياء الطلبة والمعلمين التي تلعب في جميع الولايات المتحدة دورا بنائيا هاما في الميدان الثقافي وتؤدي خدمات جليلة للطلبة على اختلاف طبقاتهم، وقد يشارك أحيانا في هيأة التعليم أعضاء الغرفة التجارية وتتمتع هيأة التعليم بمكانة مرموقة في الأوساط الأمريكية إذ هي التي تبت في نوع الأنظمة التي يجب تطبيقها في كل مرحلة من مراحل التعليم وإقرار الحصص الزمانية المخصصة لكل مادة من مواد التدريس، وهي التي تعطي نظرها كذلك فيما إذا كان من المناسب أن يضاف إلى المناهج لغة أجنبية بالمدارس الابتدائية والثانوية. ونظرا لأن أفراد هذه الهيأة رغم استعدادهم للعمل الصالح لا يتوفرون عادة على الكفاءة الفنية التي يستطيعون بواسطتها الفصل في كثير من شؤون التعليم، فإنهم يفوضون أمرهم إلى مشرف أعلى يكلفونه بوضع البرامج وتحديد الحصص واختيار المناهج فيصبح هذا المشرف مع الأعوان الذين يختارهم بحرية كاملة مسؤولا في الواقع أمام هيأة التعليم عن كل ما يجري داخل المؤسسات الثقافية في ولاية من الولايات، وغالبا ما يكون بجانب هذا المشرف مساعدان أحدهما لإعداد النشرات والتعليمات الموجهة للمؤسسات الثقافية، والثاني للسهر على تطبيق القرارات التي لا يستطيع المشرف الأول أن يتخذها إلا باتفاق مع هيأة التعليم عملا بالمبدأ الشائع هناك من أنه لا ينبغي بحال أن تجتمع السلطة كلها في يد رجل واحد، ويلحق عادة بالمشرف عدة مساعدين آخرين أحدهم للبنايات والثاني لمراقبة التعليم والثالث لتسيير الشؤون الإدارية والرابع لشراء الأثاث والمواد المختلفة والخامس للنظر في أحوال الموظفين عموما، وهناك مساعد سادس متصل رأسا بهيأة التعليم مهمته إعداد الميزانية السنوية. ويجدر بالذكر أن المكلف بمراقبة التعليم له اتصال مباشر بمتعهدي المدارس، وهم ما يسمون عندنا بالمفتشين كما يدخل في نطاق مهمته الإشراف على التربية البدنية وتنظيم المكتبات وتزويدها بكل ما تحتاج إليه، وذلك باتفاق مع هيآت الطلبة والجمعيات التي لها اهتمام بشؤون التربية. فالمسؤوليات، كما ترون، موزعة بين عدة أشخاص أو هيآت تعمل كل واحدة منها في ميدانها الخاص، متضافرة مع الهيئات الأخرى؛ والواقع أنه ليس في هذا النظام المحكم إلا ما يعين على نجاح العملية التربوية، لأن كل من أسندت إليه وظيفة داخل هذا الإطار أو خارجه يعمل على مباشرة مهمته بكيفية واضحة وبصورة تترك له حرية العمل اللازمة، وحرية العمل تؤدي دائما إلى التجديد والخلق والابتكار.  
ومما يلاحظ في هذا المضمار أن المعلمين والآباء ونظار المدارس والمشرفين كلهم يعيشون في جو من الإخاء والمساواة بحيث لا تستطيع أن تفرق بين الرئيس والمرؤوس، بل موجه نشاطه بصورة تضمن نجاح المهمة التي كلف بها في صالح الطلبة والمدرسة التي ينتسب إليها. 
هذا، وتتوفر كل ولاية على عدد وافر من المدارس الابتدائية والثانوية والجامعات، وتفتح هذه المؤسسات في الثامنة صباحا وينتهي عملها في الثالثة والنصف بعد الزوال على أساس أن يأخذ الأطفال ست حصص دراسية يومية لا ينقطعون عن العمل خلالها إلا مدة ساعة بين الثانية عشرة والواحدة زوالا لتناول وجبة الطعام، وتظل المدارس مفتوحة خمسة أيام في الأسبوع وتتوقف الأعمال في المؤسسات العلمية كلها والإدارات وجوبا يومي السبت والأحد.

المدارس الابتدائية
ينص القانون الأمريكي على أن لكل واحد الحق في التعليم، لذلك تجد في كل ولاية عددا وافرا من المدارس الابتدائية، ويستطيع الأطفال أن يذهبوا إلى المدارس التي يريدونها لا فرق بين هذا وذاك إلا ما كان من بعض الولايات الجنوبية كولاية أركانصو ARKANSAS مثلا، التي لا تزال مسرحا - بكل أسف- للعنصرية الجنسية بين البيض والسود والتي أنشئت فيها مدارس خاصة بالزنوج. على أن هناك جمعيات مختلطة تكرس جهودها من أجل تحقيق فكرة الإدماج تطبيقا للقرار الحكومي الأخير القاضي بقبول الأطفال الأمريكيين في مؤسسة تعليمية واحدة بقطع النظر عن لون بشرتهم ومعتقداتهم الدينية، وقد لمسنا بالفعل المجهودات الطيبة التي تقوم بها بعض تلك الجمعيات في مدينة «ليتل راك» على الأخص، والمظنون أن جهود العاملين في سبيل الإدماج ستكلل بالفوز في السنوات القليلة المقبلة.
هذا، وتقع المدارس الابتدائية عادة في أماكن صحية، وهي تحتوي على حجرات جميلة تتوفر على أجهزة الراديو والتلفزيون التي أصبحت، كما هو معلوم، من وسائل الإيضاح المستعملة يوميا في المدارس على اختلافها، وفي كل مدرسة قاعة كبرى يغشاها الطلبة عند الزوال لتناول طعام الغذاء، وقاعات للرياضة البدنية وأخرى للمحاضرات والاجتماعات التي يعقدها آباء التلاميذ وأولياؤهم، كما تحتوي المدارس الابتدائية عل قاعة كبرى للسينما وحجرات عديدة خاصة بدروس الموسيقى والفنون الجميلة، وتشرف على المدرسة مديرة أو مدير يساعده في مهمته معين وسيدة ينحصر عملها في السهر على صحة الأطفال، وأخرى تهتم بإرشاد المعلمات من الوجهة البيداغوجية كما أن هناك سيدة تشرف على تنظيم طعام الأطفال، هذا بغض الطرف عن الموظفات الأخريات كالكاتبات والمحررات.
وتشمل كل مدرسة ابتدائية على قسم أو عدة أقسام أعدت للصغار من الأطفال حتى إذا بلغوا سن السادسة التحقوا بالمدرسة الابتدائية المجاورة، ويظل الطفل عادة في المدرسة الابتدائية ست سنوات إذا ما وجدت المدرسة في المدينة وثمان سنوات، إذا كانت مدرسة قروية، وفي تلك الحال يمكن اعتبار السنتين الزائدتين فصلين تكميليين، ومهما يكن الأمر فالتلميذ الأمريكي يتلقى خلال الدراسة الابتدائية مبادئ متينة في مختلف العلوم والفنون كالجغرافية والتاريخ والتلاوة والمحادثة والخط والحساب ودروسا في المحافظة على الصحة والإسعافات الأولية عند الاقتضاء، كما يتلقى معلومات حول الكهرباء والمغناطيس والجيولوجيا وعلمي النبات والحيوان والموسيقى والتربية الوطنية والرقص بالنسبة للفتيات، وعلوما أخرى تكميلية كالخطابة والتمثيل. وتعطى في المدارس أهمية كبرى للأعمال اليدوية حتى يبقى الانسجام ثابتا بين المجتمع الصغير وهو المدرسة، والمجتمع الكبير أي الحياة العملية التي سيقفز إليها الطالب بعد سنوات، ومن الملاحظ أن هذه الأعمال اليدوية ليست مجرد تدريبات يتلهى بها الأطفال ولكنها حقيقية مفيدة تحملهم على الخلق والابتكار، وتعدهم لاختيار مهنة تناسبهم خلال دراستهم الثانوية.
وجدير بالذكر أن المشرفين على هذه المدارس يهتمون في الأقسام الكبرى بتدريب التلاميذ على العمل الفردي المفيد، وتوسيع ثقافتهم باستغلال الحوادث الطبيعية أو السياسية الطارئة وذلك بجمعهم - في أول فرصة سنحت لهم - أوفر كمية من المعلومات الجغرافية والتاريخية والاجتماعية حول بلد من البلدان يسجلونها في سجلات خاصة، فيراجعها المعلم معهم ليحققها ويضيف إليها ما يراه مناسبا، وهكذا لا يكتفي المعلم بتبليغ مواد البرنامج الرسمي للأطفال،  ولكنه ينتهز كل الفرص الممكنة لتنوير أذهانهم وجعلهم في حالة يمكنهم معها أن يحكموا عقولهم في الأشياء والأشخاص معتمدين في ذلك على تجاربهم الخاصة وحدها.
ومن الملاحظ أن برامج التعليم الابتدائي لا تشتمل على دروس دينية، ولعل ذلك يعود إلى حرص الحكومة على احترام نزاعات المواطنين وعقائدهم التي تختلف باختلاف عناصر السكان.
وأعظم مظهر يتجلى في المدارس الابتدائية التي قدرت لنا زيارتها، هي الحرية المطلقة التي يتمتع بها الأطفال في الأقسام الصغيرة بنوع خاص، فالمعلمة في هذه الفصول لا تقوم بدروس عامة شاملة تقدمها لسائر التلاميذ في وقت واحد غير مراعية لما يبدو عليهم من اختلاف في الأمزجة والطبائع، ولكنها توزعهم في حجرة الدرس إلى عدة حلقات منسجمة متجانسة، تاركة لكل طائفة منها حرية العمل : فهذه طائفة تشتغل بالتلوين، وهؤلاء منكبون على حل عمليات حسابية بواسطة الأرقام الخشبية، وهناك جماعة أخرى لا تتجاوز الثمانية أفراد منهمكة في إتمام تمرين كتابي أو قائمة بتطريز قطعة من القماش بينما المعلمة مهتمة بتدريب جماعة أخرى على القراءة بواسطة السبورة والكتب الملونة، ولا يترك التلاميذ الفصل حتى تأخذ كل طائفة حصتها المقررة في كل مادة من المواد.
وبجانب ذلك توجد في كثير من المدارس عدة أقسام خاصة بالتلاميذ النجباء أعدت من أجلهم برامج مناسبة لميولهم الطبيعية واستعداداتهم الفكرية، تسهر ناظرة المدرسة ومساعدتها على تطبيقها بكيفية تمكن تلك الطبقة النيرة من اجتياز المرحلة الابتدائية بسرعة استعدادا للتخصيص في فن من الفنون أو علم من العلوم، وغني عن البيان أن في ذلك النظام غنما بالنسبة للبلاد التي تتوقف حياتها وازدهارها على سواعد الموطنين كافة بقدر ما تتوقف على نموهم الفكري، كما توجد في بعض المدارس فصول خاصة بالمتأخرين عقليا أو المصابين بعاهات جسمية تشرف عليها معلمات متخصصات في تعليم ضعفاء العقول، يعالجن أولائك المحرومين بمنتهى الرأفة واللين.
هذا، وتعطى في المدارس الابتدائية كلها أهمية كبرى للقراءة لأنها المفتاح الذي يستطيع المتعلم بواسطته من اجتياز مراحل أخرى في سبيل تثقيف نفسه بنفسه، والمبدأ الشائع هناك في ميدان التربية هو ضرورة حمل المتعلم على العمل الفردي متكلا على نفسه قبل الاتكال على المعلم، لأن المعلومات التي يتوصل لمعرفتها بدافع الرغبة والشوق تكون دائما أرسخ في الذهن وأثبت في العقول، ويلاحظ فيما يرجع  لدروس الحساب - وهذه مختصرة بالنسبة لبرامج الحساب المطبقة في مدارسنا بمعنى أن بعض الأبواب كمساحة المربعات والمستطيلات والدوائر وتقدير أحجام بعض الأشياء لا تدرس في أمريكا إلا في مستوى المدارس الثانوية ويلاحظ الباحث باستغراب شبه انخفاض في المستوى بين التلاميذ الأمريكيين وتلامذتنا فيما يرجع لمادة الحساب على الخصوص، لكن الذي يتعقب بالبحث تلامذة المدارس الثانوية الذين سبق لهم أن تلقوا الدروس المختصرة في مادة الحساب حينما كانوا في المدارس الابتدائية يرى أن مستواهم في مادة الرياضيات قد ارتفع سريعا بعد سنوات قليلة حتى صار عاديا لا فرق بينه وبين مستوى تلامذة أية مدرسة ثانوية أخرى، فيخرج بهذه النتيجة المعقولة وهي أن ذلك التطور السريع يعود إلى اهتمام المعلم في المدرسة الابتدائية بتهذيب ملكات الأطفال وتقويتها أكثر من حرصه على جمع المعلومات وحشوها في أذهان التلاميذ.
أما اللغات الأجنبية فتدرس في بعض الولايات حتى في المدارس الابتدائية نزولا عند رغبة العناصر المتساكنة، وهكذا تقرر في كثير من النواحي تدريس بعض اللغات الحية كالاسبانية أو الفرنسية أو الألمانية، وذلك ابتداء من السنة الثالثة الابتدائية على أساس خمس عشرة دقيقة يوميا في كل فصل، وقد تبدو هذه الحصة  قليلة لا تسمن ولا تغني، ولكن الأطفال يستغلونها كل الاستغلال لأنهم لا يدرسونها بالطرق العقيمة التي ألفناها أي بواسطة كتب ضخمة تحمل الغث والسمين في طياتها، بل يتعلمونها بواسطة الوسائل السمعية البصرية التي شاع استعمالها بصورة ناجحة في كل المعاهد الثقافية الأمريكية من المدارس الابتدائية على الجامعات.
وجدير بالذكر في هذا المقام موافقة الكونغريس الأمريكي في اجتماع عقده أخيرا على تقديم إعانة مالية مهمة لكل ولاية تعمل على تشجيع دراسة اللغات الأجنبية والعلوم والحساب بصفة خاصة، وكان هذا القرار، كما ذكرنا، رد فعل للنجاح الذي لاقاه الروسيون أخيرا في ميدان العلوم النووية، وما تركته تلك التجربة من أثر بليغ في نفوس الأمريكيين عموما.
هناك ظاهرة أخرى تمتاز بها المدارس الابتدائية الأمريكية هي توفرها على الكتب اللازمة في كل فن بحيث يأخذك العجب عندما ترى أن لكل قسم مكتبة خاصة ولكل مدرسة مكتبة عامة مشتركة بين سائر الطلبة وأخرى تظل رهن إشارة أولياء التلاميذ، هذا بغض الطرف عن أجهزة الراديو والتلفزيون التي يستعين بها المعلمون على القيام بمهمتهم التربوية بصورة تكفل لهم كل نجاح.  
ويوجد بجانب كل مدرسة ناد يشترك في تكوينه وتسييره معا أولياء التلاميذ ومعلموهم يسمى  (Parents And Teachers Association)  ومهمة جمعية الآباء والمعلمين النظر في مشاكل التعليم بصفة عامة، وتحديد مصاريف المطعم المدرسي، وإعطاء آرائهم في الكتب المستعملة، وكيفية تطبيق القوانين والمراسيم الصادرة عن مركز الولاية، ويشرف على هذه الهيأة رئيس معين غير منتخب حتى لا يكون إشرافه عليها فرصة لتسرب التيارات السياسية إلى المدرسة، والواقع الذي لا مراء فيه أن أولياء الطلبة والمعلمين لا يهتمون داخل هذه الأندية إلا بما يعين المدارس على متابعة سيرها في طريق التقدم والازدهار بقطع النظر عن أية اعتبارات أخرى، أما الأعضاء الآخرون فمنتخبون لمدة سنتين يقع تجديدهم بالنصف بعد كل سنة.

المدارس الخاصة
ومن المسلم به أن الحكومة الأمريكية مهتمة بكافة الأطفال مهما تكن جنسياتهم وأحوال عائلتهم، بل ربما زاد اهتماما بالمعطوبين كالعمي والخرس وضعفاء البصر والمقعدين والمتشردين، من ذلك أن الشبان من طبقة العمي الذين فاتتهم فرصة الدراسة يستطيعون بمجرد طلب يوجهونه لإحدى الهيآت الثقافية الحصول على دروس مسجلة تبعث بها إليهم مراكز مختصة، ونذكر على سبيل المثال أن مدينة دنفر DENVER عاصمة الكلورادو، تتوفر على مؤسسة من هذا النوع وتصدر للطلبة العمي في مختلف الجهات عشرات الأسطوانات التي تم تسجيلها على يد سيدات أمريكيات تبرعن بأوقات فراغهن لفائدة هذا المشروع النبيل. 
 هذا، وفي كثير من الولايات مدارس للعمي وضعفاء البصر منها مؤسسة هائلة تقع بضاحية شيكاغو بولاية ميشيكن، ضمت زيادة على الأطفال العاديين طائفة لا يستهان بها من هؤلاء المحرومين الذين يتابعون دراستهم كالمبصرين سواء بسواء، نظرا لكثرة وسائل العمل الموضوعة تحت أيديهم : فمن كتب ضخمة كتبت بطريقة براي إلى ألواح حسابية تمكنهم من حل أية مشكلة حسابية بمنتهى السرعة إلى حد أنك لا تستطيع أن تدرك أن هناك فرقا بين مستوى هؤلاء المحرومين ومستوى التلاميذ الآخرين، أما الخرس فإن المعلمين يعملون بطريقة التعرف على حركة شفاههم، يضاف إلى ذلك كله أن المدرسة الخاصة تتوفر دائما على مكتبة زاخرة بالكتب الجيدة التي في استطاعة الآباء أن يستعيروا منها ما يشاؤون لقراءتها على مسامع أبنائهم.
وبالجملة فإن لكل مدرسة من الأثاث والأدوات والكتب وفيها من المربيات ما يعين على تحقيق غايتها النبيلة في ميدان التربية البدنية والعقلية والخلقية والوجدانية والجمالية.
وهناك مشكلة تمتاز بها الولايات المتحدة كما تمتاز بها عموما البلاد التي بلغت رقما قياسيا في التقدم الصناعي أو التقني هي مشكلة الأحداث الجانحين والأحداث الجانحون هم أولئك الفتيان والفتيات الذين أثرت فيهم حياة السرعة والميكانيك إلى حد أن تضعضعت أعصابهم واختل توازنهم السيكولوجي، فلم يعودوا قادرين على الحياة بانسجام في عالم اليوم وراحوا، من أجل ذلك يقترفون مختلف الجرائم فرارا من الحياة التي لفظتهم والتي يعتقدون في قرارة أنفسهم أنها غير صالحة، لا تستحق أن يحياها إنسان كريم.
ونظرا لأن الأحداث الجانحين يكونون مشكلة عويصة بالنسبة للأمريكيين فإن المسؤولين هناك يعملون في كل مكان على إنقاذ أولئك البؤساء، ومن أجل ذلك فقد أنشئت بضاحية شيكاغو محكمة مهمتها النظر في الجرائم التي يقترفها الفتيان والفتيات كسرقة السيارات ومداهمة البيوت ليلا ومخالفة قوانين السير والهرب من منازل الآباء وغير ذلك من الجرائم المتعلقة بالأخلاق التي كثيرا ما تحدث للفتيات، وبجانب هذه المحكمة مركز احتياطي مجهز أحسن تجهيز يرحل إليه صغار المجرمين لإجراء البحث اللازم عليهم من الناحية السيكولوجية والعقلية والبدنية قبل إحالتهم على المحكمة، أما المشبوه في أمرهم أو الذين تبين أنهم مرضى من الناحية العقلية فيودعون في حجرات خاصة تحت مراقبة أطباء أخصائيين.
والطريق المتبعة في هذه المحكمة أن يعرض الأطفال الجانحون على القاضي في جلسات سرية لا يحضرها إلا الآباء والأمهات، فإما أن يرى آمالا في إصلاح أمورهم على يد أوليائهم باتفاق مع موظفين من المحكمة يتعهدونهم بالمراقبة في المدرسة والمنزل حتى تستقيم أحوالهم، وإما أن يستنتج القاضي أنه لا سبيل لإصلاحهم على يد الآباء لأسباب منها انحلال أواصر العائلات التي ينتمون إليها، وإذ ذاك يدفع بهم إلى مؤسسات تربوية تسمى «بالإصلاحيات» حيث يتولى الطبيب والمعلم والمشرف من طرف المحكمة تقويم اعوجاجهم بالوسائل اللازمة المشروعة مع احترام شخصياتهم طبعا.
ويلاحظ بهذه المناسبة أن الجرائم المشار إليها سابقا لا تصدر عادة عن الشبان أو الفتيات الذين ينتسبون إلى أوساط شرقية تحظي فيها سلطة الآباء بالقوة والنفوذ المطلق.

المدارس الثانوية
هذا وأما المدارس الثانوية فتقبل بدون امتحان الأطفال الذين انهوا المرحلة الابتدائية على أساس نتائج الاختبارات الدورية التي أجريت عليهم خلال ست السنوات الابتدائية، وتنقسم المدرسة الثانوية إلى قسمين: قسم إعدادي تستغرق الدراسة فيه ثلاث سنوات، وقسم ثانوي مدة الدراسة فيه ثلاث سنوات، وتختلف تلك المدارس عن بعضها بحسب الناحية التي تنتسب إليها، فهي صناعية أو فلاحية أو تجارية كما تختلف برامجها بالنسبة للمميزات التي تمتاز بها كل ولاية. 
وتنحصر برامج المدارس الثانوية في دراسة المواد الأساسية كاللغة الانجليزية والتاريخ والعلوم والرياضيات والتربية الوطنية وبعض اللغات الأجنبية الحية كالفرنسية والإسبانية والألمانية والروسية كما تدرس فيها اللغة اللاتينية.
وتهتم تلك المداس بإعطاء طلبتها تربية جمالية ممتازة بواسطة تمارين في النقش والنحت والتصوير وتكييف المواد الطينية، هذا مع العلم بأن العلوم المشار إليها سابقا لا تدرس كعلوم نظرية فقط يسكبها الأستاذ في عقول الطلبة بل هي دائما موضوع مناقشة بينه وبينهم إلى أن يدركوها إدراكا صحيحا بطريق الاقتناع والممارسة لا بطريق الضغط والإكراه، وللموسيقى حظ وافر في البرامج التعليمية  الأمريكية، لذلك يوجد في كل مدرسة أستاذ خاص بالموسيقى والتلحين تضع المدرسة تحت تصرفه قاعة كبرى للغناء وشققا متعددة أخرى مجهزة كما يجب، يتدرب فيها الطلبة على ممارسة الآلات الموسيقية المختلفة.
وأهم ما تمتاز به المدارس الثانوية على الإطلاق حرص المسؤولين على إعداد الطلبة للحياة العملية وإعطائهم الفرصة في الأوراش المتعددة التي تتوفر عليها كل مدرسة ثانوية بلا استثناء لممارسة مهنة من المهن الرائجة في السوق الأمريكية حتى إذا ترك الطالب المدرسة قبل إتمام دراسته، لم يبق عالة على المجتمع بل استطاع أن يكسب قوت يومه بصفة مشرفة. ومن جملة الحرف التي يتعاطاها طلبة المدارس الثانوية ويمارسونها بمهارة وإتقان بناء المنازل وصنع الأحذية، وفن النجارة والحدادة ومد أنابيب الماء والكهرباء في المنازل والطرقات وإصلاح أجهزة الراديو والتلفزيون وإصلاح السيارات، ومحركات الطائرات إلى ما هناك من الحرف والصنائع الخاصة بالرجال، كما يتدرب الفتيات بصورة عملية ناجحة على حلق شعر السيدات وتجميلهن، وخياطة الفساتين ومسك الدفاتر التجارية والضرب على الآلة الكاتبة، وكذلك فن الاختزال، ومجمل القول، فإن المدارس الأمريكية تهيئ الفرصة للطلبة والطالبات كي يكتسبوا الخبرات اللازمة بواسطة تعليم عملي مفيد يستطيعون بفضله الانخراط توا في الحياة الاجتماعية والمساهمة فيها بحظ وافر.

المدارس المهنية
فلا عجب، والحالة ما ذكر، أن يحظى التعليم المهني في أمريكا سواء كان صناعيا أو فلاحيا بمكانة خاصة في كل ولاية من الولايات، والواقع أن استقرار الحياة الأمريكية متوقف على مقدار ما تنتجه البلاد وما يستهلكه المواطنون، وبقدر ما يزيد الإنتاج يزداد كذلك الاستهلاك والتصدير، وطبيعي أن في وفرة الاستهلاك والتصدير مجلبة للربح والترفيه بالنسبة للمواطنين الأمريكيين عموما. وهذا ما يعلل كثرة المدارس المهنية في أمريكا وإقبال الطلاب عليها إقبالا قد يثير استغراب الأجانب الذين تعودوا تعليما نظريا يؤدي في كثير من الأحيان إلى الحصول على شهادات كاسدة. على أن معظم هذه المداس المهنية تطبق برنامجا مزدوجا يدرس الطلبة بمقتضاه جميع العلوم النظرية العادية في النصف الأول من النهار بينما تخصص حصة العشي للتدريب الصناعي في الأوراش أو الحقول التابعة لتلك المدارس. والغريب أن هذه المدارس تقبل أحيانا في حظيرتها، كما هو الحال في إحدى المؤسسات المهنية الناجحة بسان فرانسيسكو طلبة من الخارج بلغوا سن الثلاثين يرغبون في الاستزادة من العلم والمهارة الصناعية، ولا يرى مدير المدرسة أي بأس في مزاملة هؤلاء الكبار للطلبة الشبان ما دامت الحياة العملية ستجمعهم بعد قليل كمحترفي صناعة واحدة. 
ومعظم طلبة المدارس الصناعية يتدربون على الميكانيك وصنع السيارات وخدمة الجلد، وتكييف الهواء وإصلاح الأجهزة الكهربائية المختلفة، والنحت والتصوير وغيرها من الحرف والصنائع الرائجة. ومما يلاحظ أن الروابط ثابتة والاتصال مستمر بين أصحاب المعامل المنبثة في المقاطعة وأساتذة المدرسة الصناعية بحيث يتفق لصاحب المعمل أن يحضر للاستشارة أساتذة المدرسة في كثير من المسائل النظرية الجديدة، كما أن الأساتذة وطلبة المدرسة الصناعية يضطرون أحيانا إلى الانتقال للمعامل كي يروا بأم أعينهم تطبيق بعض النظريات العلمية على نطاق واسع، وعليه، فهناك ارتباط متين وتعاون وثيق بين المدرسة والمعمل لا يزيدان هذا التعليم الصناعي الممتاز إلا نجاحا وازدهارا. 
ثم إن إقبال الطلبة على هذا التعليم الصناعي من جهة وعدم استطاعة المدارس الصناعية بمفردها تلبية رغائب هذا الجيل العرمرم المتعطش للحياة العملية من جهة أخرى دفع بعض الهيآت الخيرية إلى الاهتمام بالطلبة الذين ينتسبون لبيئة فقيرة وإعدادهم للحياة العملية خارج أوقات الدراسة حتى يتعلموا إحدى المهن التي تعينهم على مساعدة آبائهم من الوجهة المادية، فيصبح الطفل، ولم يغادر المدرسة الابتدائية بعد، قادرا على تركيب بعض الآلات الضرورية وإصلاحها كآلة تكييف الهواء وجهاز التليفون وأجهزة الراديو والتلفزيون في أمد قصير وبأجرة لا بأس بها، مما يسهل العمل على الهيآت المكلفة بالإشراف على هذا التدريب اتصالها الدائم بالشركات والمعامل ومحلات البيع والشراء كي ترشدها إلى استخدام أولئك العملة الناشئين على غيرهم مقابل أجرة مناسبة زهيدة.
أما التعليم الفلاحي فهو مزدهر في كثير من الولايات وبصورة خاصة في ولاية كاليفورنيا الخصبة التي تصدر 85 في المائة من المحصولات الزراعية التي تستهلك في جميع الولايات المتحدة، والواقع أن المدارس الابتدائية لا تعطي تعليما فلاحيا بالمعنى الصحيح، فالتعليم الفلاحي إذن من نصيب المدارس الثانوية، وهناك تعليم زراعي راق هو الذي يباشر في الجامعات التي سنتحدث عنها فيما بعد، كجامعة دافيس مثلا Davis university. ومما تجدر الإشارة إليه أن أساتذة التعليم الفلاحي خاصة متعاقدون مع الأوساط الحكومية على العمل لسنة كاملة بما فيها عطلة الصيف، بحيث لا يسمح لهم بمغادرة مناصبهم خلال الإجازة بل يرافقون الطلبة المتخرجين إلى الحقول والبساتين حتى تتم عملية التدريب الفلاحي على يدهم ولا تبقى البساتين والحقول عرضة للضياع.  
هذا، ويتضمن التعليم الفلاحي في أمريكا ثلاث مراحل :
المرحلة الأولى : التي تهم الطلبة العاديين، وتستغرق دراستهم أربع سنوات في المدرسة الثانوية.
المرحلة الثانية : وتعرف بمرحلة المزارع الصغير Young farmers وينضوي تحت لوائها الطلبة الذين أنهوا دراستهم الثانوية أو الذين لم تتح لهم الفرصة لإتمامها، وتتراوح أعمارهم بين 25 و30 سنة.
المرحلة الثالثة : وتشتمل على طائفة المزارعين الكبار الذين سبق لهم أن شرعوا في مزاولة مهنة الفلاحة دون سابق تعليم، وتضم هذه الطبقة طبعا كافة المزارعين الكبار دون تحديد في السن، وبرنامج المرحلة الأولى يقضي بأن تخصص ساعة ونصف في اليوم على الأقل لتدريب الطلاب على مزاولة الأعمال الفلاحية بإحدى الحقول التابعة للمدرسة الفلاحية، ويسمح لهم أحيانا بالالتحاق ببعض الضيع الأخرى لمشاهدة الأعمال الزراعية التي تجري على أوسع نطاق، والوقوف بأنفسهم على كيفية تطبيق المعلومات النظرية التي قدمت لهم في المدرسة، وتحمل هذه الطائفة من الطلبة اسم جمعية فلاحي المستقبل الأمريكيين، وإذا كانت المدرسة الفلاحية تعد هؤلاء الطلبة إعدادا صالحا من الوجهة النظرية، كما هو الحال في المدارس الصناعية، فإن الاتصالات والتنقلات والتجارب التي يجرونها بأنفسهم في الضيع والحقول المجاورة تعتبر أحسن وسيلة تنمو بها ثقافتهم بناء على الواقع الملموس.
ونتيجة لروح التعاون المتجلية في الأوساط الأمريكية على الإطلاق، فإن المزارعين الكبار يستطيعون هم كذلك الاستفادة من المدارس الفلاحية التي تظل مفتوحة في وجوههم في بعض الأوقات، فتساعدهم على تطبيق طريقة زراعية جديدة أو استعمال وسيلة من وسائل الحرث، ولا يغفل المشرفون في المدارس الفلاحية عن تزويدهم بالنصائح والإرشادات لتربيتهم تربية وطنية صحيحة لافتين نظرهم بالخصوص إلى ضرورة الاحتفاظ بأراضيهم الزراعية. والمضنون أن خير نتيجة أدركتها المدارس الفلاحية في الولايات المتحدة هي إيجاد علاقة وثيقة بين طلبة الزراعة والمزارعين أو بعبارة أخرى تحقيق تجاوب روحي بين المدرسة والجماعة القروية التي أنشئت فيها المدرسة :
فالمدرسة الفلاحية في أمريكا مجموعة حية لا تعيش منكمشة على نفسها شأن المدارس الفلاحية في كثير من البلاد الأجنبية التي لا يتعدى نشاطها نطاق الحق الملحق بها، ولكنها خلية حية تلعب دورا هاما في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بمعنى أنها على اتصال دائم بأفراد الجماعة المتنورين وغير المتنورين من الذين لهم عناية واهتمام بالشؤون الزراعية، فمن الأولين تطلب المساعدة الفنية والمادية وتوحي إليهم بإلقاء المحاضرات وإعطاء التوجيهات الضرورية للطلبة المزارعين كما تطلب منهم حضور الاجتماعات التي يعقدها الفلاحون الصغار أو فلاحو المستقبل الأمريكيون من حين لحين لتنمية وسائل الإنتاج الفلاحي في القرية والحقل، يضاف إلى ذلك أن المدرسة الفلاحية الأمريكية على اتصال دائم من جهة أخرى بأفراد الجماعة غير المتنورين تعينهم بتوجيهاتها وترشدهم لاستخدام الوسائل العصرية المستعملة في الميدان الفلاحي، ولكل هذا وذاك نستطيع القول بأن المدرسة الفلاحية الأمريكية وحدة اجتماعية مفتوحة الأبواب نحو الخارج الذي يستفيد من إشعاعها، قابلة للتطور السريع، منسجمة تماما مع الوسط الذي تستمد منه في الواقع عوامل الازدهار والقوة على متابعة مهمتها التربوية السامية.
 
 
 
    
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here