islamaumaroc

الشكوى في شعر ابن زيدون

  دعوة الحق

العددان 179 و180

الحديث عن شاعر عظيم، كابن زيدون بحتري الغرب، وشاعره المغلق، وبلبله المغرد، ليس بالأمر الهين الذي يستوعبه مقال واحد، أو حديث عابر.. ذلك أنه شاعر فحل صاحب مذهب شعري يتميز بسماته وخصائصه، يحتل به مكانة مرموقة بين شعراء العربية، وله إطاره بين باقي المذاهب، أو المدارس الأدبية الأخرى.. فإذا أضيف إلى ذلك ما لعبه ابن زيدون من أدوار مهمة على مسرح السياسة بالفردوس المفقود، وما طفحت به حياته من أحداث جسام.. وما شغل قلبه الكبير من قيام عارم بولادة ..ازداد الموضوع تشعبا، وأمسى من العسير على المتحدث عن هذه الشخصية الفذة، أن يدعى الإلمام بكل جوانبها في صفحات أو يوفيها حقها من الدرس والتحليلي في ساعات معدودة، بل أن ذلك يتطلب الدراسة المستأنية، والتفرغ الكامل لدراسة الموضوع ولذا فقد آثرت حصر الموضوع في جانب واحد من شعره، وهو الجانب الوجداني، الذي عنونته بالشكوى لأن الشكوى  في شعر ابن زيدون تمثل – في نظري- أروع وأصدق ما جادت به قريحة شاعرنا العبقري، من رائع القول وصادق البيان.. ومع هذا فلا أجرؤ على القول، أو الادعاء بأنني قد استوفيت الموضوع حقه من دراسة، أو ألمعت به من كل جوانبه، وإنما هي صورة خاطفة، أو سميها- أن أحببت – جولة عابرة في رياض ابن زيدون المتمثل في ديوانه، سوف ننعم خلالها بشذى آسها وياسمينها، وننسق من مختلف مشموماتها باقة عطرة الأريج، فواحة الشذى تنعش منا الأفئدة، وتذكى الوجدان. ! وقبل القيام بجولتنا، عبر ديوان ابن زيدون، لا بأس من إلقاء نظرة خاطفة على حياته، نتخذ منها مدخلا يساعدنا في موضوعنا، وينير أمامنا السبيل. 
فشاعرنا ابن زيدون ينتمي إلى قبيلة بني مخزوم العربية الأصيلة، التي أنجبت سيف الله المسلول: خالد بن الوليد، فهو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن غالب المخزومي، الأندلسي، القرطبي مولدا، الاشبيلي وفاة، عاش تسعا وستعين سنة، كانت كلها حافلة بالأحداث الجسام تلقى المعارف على كبار علماء عصره، وظهر نبوغه مبكرا في العلوم الأدبية والتاريخية، كما تفصح عن ذلك رسلتاه: الجدية والهزلية، اللتان أودعهما خلاصة معارفة في التاريخ والأدب، مما لفت إليه الأنظار، وجعل اسمه يتردد على كل لسان..
عاش ابن زيدون في عصر انحسار الوحدة الأندلسية، وعاصر انهيار صرح الخلافة الأموية -422 – وتقسيم الأندلس إلى إمارات ودويلات صغيرة، اصطلح على تسميتها بدول الطوائف، حيث أصبح على كل قرية أمير، وبكل مدينة ملك، كلهم يتهافتون على الرئاسة، ولو لم يتوفروا على مؤهلاتها ! وجميعهم يستهويهم الحكم ولو وصلوا إليه عن طريق الدس والاحتيال، وهمهم جميعا الكيد لجيرانهم، والدرس لحلفائهم، والوقيعة بالقريب والبعيد من شركائهم في اختلاس كراسي الامارة من أصحابها الشرعيين.. مما أضعف قواهم، وأطمع فيهم عدوهم الذي لم يجد أدنى صعوبة في ضرب بعضهم ببعض.. 
تمهيدا لابتلاعهم على ممالكهم.. وقد وفق الوزير الخطير ابن الخطيب السلماني، حيث رسم لهم في منظومته التاريخية:« رقم الحلل» هذه الصورة الكاريكاتورية  الساخرة:
حتى إذا سلك الخلافـــة انتثــر
   وذهب العيــن جميعــا، والأثــر
قــام بكـــــل بقعـــة مليك
  وصــــاح فــــوق كل غصــن ديك !
بل، وأبلغ من قول ابن الخطيب هذا، وأروع
  منــه تمويرا قـــول ابن رشيــــق:
مما يزهــدني في أرض أنـــدلس
  أسمــــــاء معتمـــد فيها، ومعتضد !
ألقاب مملكة في غير موضعــها
  كالهر يحكي- انتفاخا- صولة الأســـــد !
نعم، في هذا العصر عاش شاعرنا ابن زيدون ووسط هذا الخضم من التطاحن والتكالب، استعجالا لتقويض أركان البلاد، القضاء على ما تبقى بأيدي المسلمين منها، نجده يدلي بدلوه بين الدلاء، ويضلع بسهمه في زرع بذور البلاء، فقد ساهم- عمليا- في تفويض أركان الخلافة الأموية، واضطلع بعبء  الوزارة بقرطبة، في دولة أبي الحزم بن جهور، الذي عهد إليه – لكفاءته- في السفارة بينه وبين جيرانه من ملوك الطوائف، فينجح في مساعيه، ونزداد حظوته عند سيد البلاط الجهوري وعميده، مما يؤلب عليه خصومه- وما أكثرهم- وعلى رأسهم الوزير ابن عبدوس، منافسه الخطير في حب«ولادة» وتؤتى السعاية- ولو بعد حين- أكلها، وتعطي نتيجتها، فإذا بابن زيدون الوزير اللامع، لا في قرطبة وحدها، وإنما في الأندلس جميعها، يتحول من الرفعة إلى الضفة ومن العز إلى الهوان.. يتحول من أبهة البلاط إلى غياهب السجن، الذي قضى بين جدرانه قرابة السنتين كما يفصح عن ذلك قوله:
مئــــون من الأيام خمــس قطعتها
  أسيرا، وأن لم يبـــــد شـــد ولا قمط
ولقد صدر علة غي محبسه هذا من حر الكلام، يلين الفولاذ، ويذيب الأكباد، دون أن يشفع له شيء من ذلك عند سيده، الذي قسا- والحق يقال- كثيرا في معاملته، الشيء الذي جعل ابن زيدون يدبر للفرار من محبسه.. ثم ظل مستخفيا بقرطبة مدة، عاد بعدها إلى الظهور بعد وفاة أبي الحزم بن جهور -433 – وأسناد الأمر لابنه أبي الوليد، الذي كان يقدر ابن زيدون ويكبر مواهبه، حيث أفسح له في البلاط، وأوسعه برا وتكريما، غير أن ابن زيدون لم يستنم لشيء من هذا، ولم تطب نفسه بالعودة إلى حياة ذاق مرارتها، وخبر بلواها، فعاد حياة البلاط التي لم تجلب عليه إلا الشرور، وضاق بهذا الجو المفعم مكايد ودسائس، وآثر النجاة بحياته، ولذلك فقد دفعته الخشية على نفسه إلى الالتجاء إلى اشبيلية، مملكة بني عباد، حيث فسح له أميرها المعتضد عباد في البلاطه مكانة تليق بأمثاله من النابهين وذوي المواهب، وظل في خدمة الدولة العبادية تسعة عشر عاما كاملة، لم ينج خلالها من عنت الحاسدين، ولم يسلم من كيد الكائدين، وعلى رأسهم الوزير الداهية ابن عمار.
وما أن انتصف شهر رجب من سنة: 463 حتى انظفات شعلة حياة شاعرنا العظيم، حيث شيع إلى مرقده الأخير باشبيلية، في محفل رهيب، تاركا وراءه  سجلا حافلا بالأمجاد لعشاق البيان الرفيع..
وهكذا قدر لشاعرنا العظيم أن يتجرع الغصص ويعاني الآلام، وهو لم يطو برد شبابه بعد، لكن كم من نقمة في طيها نعمة،- كما يقال- فقد فجرت الآلام ينابيع وجدانه، حيث وجد من أحزانه وأهواله مصدرا ثرأ لشاعريته الخصبة، وبيانه الرفيع، مخلدا لنا مأساته المخزنة، وانفعالاته الحزينة في قصائد ومقطعات ممتعة، يندر أن تعثر على الكثير من أمثالهما في ديوان شعرنا العربي، على امتداد عصوره، ولا عجب في هذا، فإن المصائب والشدائد كثيرا ما تأتي بأروع النتائج، وخاصة إذا صادفت نفسا مرهقة حساسة كنفس  ابن زيدون، الذي اعتصرت المحن قلبه، وصقلت الشدائد شاعريته، لكن.. لم يكن السجن هو المصدر الوحيد الذي استقى منه أبو الواليد مادة فنه، بل لقد تعاون السجن والحرمان على صهره في بوتقة الألم، وإمداده بكل رائع وجميل من القول.. وأي حرمان هو..؟ إنه حرمان من الخطوة بمجالسة مالكة رقه، والمستحوذة على لبه، ولادة، وما أدراك ما ولادة؟. تلكم الفتاة اللعوب، التي كان بيتها صالونا كبيرا، يضم نخبة الأدباء، وعلية الوزراء، وكانت ـ هي ـ مصدر إلهام وينبوع وحي لكثير من الشعراء من رواد صالونها، وعلى رأسهم شاعرنا الذي كانت ـ بالنسبة إليه ـ متار ما تحمله من كوارث ومصائب.
ألم يكن على حق حينما وصفها بهذه الأبيات الرقيقة(1) :
ربيب ملك، كان الله أنشأه
مسكا، وقدر إنشاء الوري طينا
أوصافه ورقا محضا، وتوجه
من ناصع التبر إبداعا وتحسينا
إذا تأود آدته ـ رفاهية ـ
توم العقود، وأدمته البرى لينا!
كانت له الشمس طئرا في أكلته
بل، ما تجلى لها إلا أحايينا
كأنما أثبتت في صحن وجنته
زهر الكواكب، تعوينا وتزيينا
ما ضر إن لم نكن أكفاءه شرفا،
وفي المودة كاف من تكفينا!

أفلا يحق لمتيم فارق حبا تلك بعض أوصافه أن يظل موصول الأنين، دائم الشكوى والحنين..؟ ناقما على الدهر الذي تجهم له؟ حانقا على شانئيه وحاسديه..؟ معللا النفس بعودة أيام الوصال والمرور؟ فإن كنا في ريب من هذا، فلنستمع إلى شاعرنا في هذه الزفرات الملتهبة:
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم
حزنا مع الدهر، لا يبلى ويبلينا:
ان الزمان الذي مازال يضحكنا
أنسأ بقربهم ـ قد عاد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا
بأن نغص.! فقال الدهر: آميناَ!
وقد نكون، وما يخشى تفرقنا،
فاليوم نحن، وما يرجى تلاقينا
يا ليت شعري، ولم نعتب أعاديكم،
هل نال حظا من العتبى أعادينا!
ما حقنا أن تقروا عين ذي حسد
بنا، ولا أن تسروا كاشحا فينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا،
إن طالما غير الناي المحبينا
والله ما طلبت أهواأنا بدلا
منكم، ولا انصرفت عنكم أمانينا.!

فأي نفس كبيرة هذه؟ وأي وفاء عظيم، هذا الذي جعل ابن زيدون يبعث بهذه التحية العبقة، بل بهذه الأنات المضطرمة إلى حبيبه النازح، رغم ما يكدر صفو سمائه من غيوم، ورغم ما يلقاه من تجهم الدهر وعبوسه..؟ والعراقيل، ويجعل المرء يستهل في سبيله كل ما يلقاه من عنت الدهر وإرهاقه..! لقد كان ابن زيدون وفيا في حبه إلى أبعد غايات الوفاء، مخلصا في غرامه إلى أقصى درجات الإخلاص..، فكم كان يطرق سمعه أن «ربيبة الملك» قد سلت عنه وأطرحت هواه.. ونبذت حبه من قلبها نبذ النواة.. لكنه مع كل ذلك لم يكن لييأس، وما كان ليتسرب إليه القنوط، وماله ولليأس، وهو مايزال يعلل النفس بالآمال، ويأمل أن يجود عليه الدهر الضنين بلذيذ الوصال..؟ (258).
يا نازحا، وضمير القلب مشواه
انستك دنياك عبدا أنت مولاه!
الهتك عنه فكاهات تلذ بها
فليس يجري ـ ببال منك ـ ذكراه!
عل الليالي تبقيني إلى أمل،
الله يعلم والأيام معناه!
ثم ماذا؟ ثم، لقد يبرح الجوى بشاعرنا، ويشتد عليه الهيام، فيعيل صبره، وتذهب به الظنون في حبه مذاهب شتى، فإذا به يتنفس الصعداء، فيرسلها صيحة مدوية، ممزوجة بأنفاسه المحترقة، مشوبة برقيق الاستعطاف.. وهذه نفحات من تلك الأنفاس: ـ 271
أغائبة عني، وحاضرة معي،
أناديك ـ لماعيل صبري فاسمعي!
أفي الحق أن أشقى بحبك، أو أرى
حريقا بأنفاسي، غريقا بأدمعي؟
ألا عطفة تحيا بها نفس عاشق
جعلت الردى منه بمراي ومسمع؟
صليني بعض الوصل، حتى تبينى
حقيقة حالي، ثم ما شئت فاصنع

وهكذا اتخذ ابن زيدون من الهجران والحرمان مادة خصبة، وينبوعا ثرا للتعبير عن آلامه وأشجانه، مخلفا لنا تلك الصور العشبية الساحرة التي استمتعنا بقراءتها، وانتشينا بشذي، والي لم أتعمد ـ شهد الله ـ اختيارها، لأن يدوان ابن زيدون كله غرر، وكل صفحاته تطفح بمثل هذه الأخذ والروائع.. ولئن صم لنا أن نجاري ابن زيدون في تواضعه حين استحذى تجاهها، فاعلن، في غير ما مواربة، إنه لا يضره أن يكون غير كفء لها، مادام يضمر لها بين جانحتيه حبا عارما، ويحلها من جنانه السويداء! وهذا ما تضمنه هذا البيت:
ما ضر ان لم نكن أكفاء شرفا،
وفي المودة كاف من تكافينا

إذا جاريناه في هذا، أفلا يحق لنا القول بأنه بز حبيبته في الشرف، وتفوق عليها في المجد والجاه.؟ والا.. أفما كان من الممكن أن يعفى التاريخ على ذكر ولادة، كما عفى على ذكر الكثيرات غيرها، فلا تنفرج بذكرها شفتان، ولا يجري اسمها على لسان.؟ لكن ارتباطها ـ لحسن حظها ـ بابن زيدون، خلدها أبد الدهر، وأضفى على اسمها حلة زاهية من المجد، ما كانت لتطمع فيها، لولا ما سيره فيها من بدائع وروائع..؟ أفلا يكفي هذا لأن يجعله ـ على الأقل ندا لها، وكفئا لمخالطتها..؟
تلك ناحية من فن ابن زيدون في الشكوى، كان الحرمان الوجداني مصدرها كما رأينا، وقد اقتضت فيها القول اقتضابا، لأن روائع ابن زيدون في ولادة كثيرة، وكلها غرر ودرر ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى الديوان.
والآن أنتقل إلى الجزء الثاني من الموضوع، والذي سيكون مصدر الشكوى فيه ـ هذه المرة ـ هو الاضطهاد والبؤس والشقاء، فقد صهرت الآلام شاعرنا العظيم في بوثقتها، فأذاقته من القصص والأوصاب أشكالا وألوانا، وجرعته من لاوائها أنواعا وفنونا، تجهمت له الأيام، ونفس عليه خصومه العبقرية والسيادة، فصوبوا سهام كيدهم نحوه، واختلقوا عليه الأباطيل والأراجيف، وأعانهم هو على نفسه بما كان عليه من حب الشفوف والظهور، وبما كان يقابل به دسائسهم من لا مبالاة مفرطة، فلم يهنأ لهم بال، ولم يغمض لهم جفن، ولم يرتح لهم خاطر، حتى أودعوه غياهب السجن كما رأينا! ومن الناس يسلم من كيد الحاسدين، ودسائس الحاقدين؟ ولاسيما من كان ذا مكانة اجتماعية ملحوظة كابن زيدون..؟ بل، من من الناس يستطيع إرضاء أعدائه جميعا؟ أو يقدر على الإعراض عنهم جملة؟ أو يحاول استلال ما يغلي في صدورهم من سخائه وحزازات..؟ هذا ما يجيبنا عنه ببيته السائر: ـ 112 ـ:
ولو أنني أستطيع كي أرضى العداء،
شريت ببعض العلم حظا من الجهل!

وأجل، لقد ندب شاعرنا حظه، واستدر العبرات الحرار مستعطفا سيده تارة، متنصلا مما رمى به ـ زعم ـ من افك وزور تارة، معرضا بخصومه وحساده حينا، ناقما على دهره حينا آخر.. لكن هيهات هيهات.! فأني له أن يسعفه الدهر الجائر الضنين، فتجد أناته وتوسلاته سبيلها إلى قلب مولاي..؟ أليس: (179).
هو الدهر، مهما أحسل الفعل مرة
فعن خطأ، لكن إساءته عمد.!

أليس هو الذي قال معاتبا ابن جهور، بعد أن أدرك أن سعاية خصومه على  وشط أن تؤتي أكلها، رويدا رويدا، ومكانته لها مخدومة تسير باستمرار نحو الحضيض.. فكلما ازداد منه قربا، ازداد هو منه نفورا، وكلما ازداد إخلاصا له، كلما ازداد منه حيطة وحذرا، وأمعن في جفائه والإعراض عنه، وهاذا ما يعرب عنه قوله: (60)
لا تله عني، فلم أسألك، معتسفا،
رد الصبا بعد إيفاء على الكبر!
واستوفر الحظ من نصح وصاغية،
كلاهما العلق لم يوهب، ولم يعر
هبني جهلت، فكان العلق سنيئة
لا عذر منها، سوى أني من البشر!
وكذلك قوله، ويلاحظ أنه قد تنازل بعض الشيء عن كبريائه: (115..)
أبا الحزم..! إني في عتابك مائل
على جانب تأوي إليه العلا سهل
أفي العدل ان وافتك تترى رسائلي،
فلم تتركن وضعا لها في يدي عدل؟
أعدك للجلى، وآمل أن أرى
بنعماك موسوما، وما أنا بالغفل.!
وماذاك وعد النفس لي منك بالمنى،
كأني به قد سمت بأرقة المحل
أئن زعم الواشون ما ليس مزعما
تعذر في نصري، وتعذر في خذلي.؟
ولو أنني واقعت ـ عمدا ـ خطيئة
لما كان بدعا ـ من سجاياك ـ أن تملي
فلم أستثر حرب الفجار، ولم أطع
مسيلمة إذ قال: إني من الرسل..
ومثلي قد تهفو به نشوة الصبا
ومثلك قد يعفو، ومالك من مثل..!
وإني لتنهاني نهاي عن التي
أشاد بها الواشي، ويعقلني عقلي
هي النعل زلت بي، فهل أنت مكذب
لقيل الأعادي: إنها زلة الحسل؟

وأرق من هذا قوله في بائيته الرائعة مطلعها: (40)
أما علمت أن الشفيع شباب؟
فيقصر عن لوم المحب عتاب

وهي قصيدة طويلة في مدح ابن جهور، ولست أشك في أنه عارض بها الشاعر القائد: أبا فراس الحمداني في رائعته البائية التي مطلعها:
أما لجميل عندكن ثواب،
ولا لمسيء عندكن متاب؟
والتي منها هذه الأبيات المرقصة التي تفيض حكما وعبرا، وتصور في نفس الوقت نفيسة ذلك البطل المغوار، الذي فلت النائبات من غربه، وأشاح الخلان والصحاب عنه وجوههم، بعدما تنكر له الدهر، وتجهمت له الأيام، ولم الإطالة في التحليل؟ فلنترك فارس بني حمدان يتحفنا برائع ألحانه:
إذا الخل لم يهجرك إلا ملالة فعندي لأخرى عزمة وركاب!
إذا لم أجد في بلدة ما أريده
فعندي لأخرى عزمة وركاب!
إذا لم أجد في بلدة ما أريده
فعندي لأخرى عزمة وركاب
..بمن يثق الإنسان فيما ينوبه؟
ومن أين للحر الكريم صحاب؟
وقد صار هذا الناس ـ الا أقلهم ـ
ذئابا على أجسادهن ثياب!
تغابيت عن قومي، فظنوا غباوتي
بمفرق أغبانا حصى وتراب!
ولو عرفوني حق معرفتي بهم،
إذن علموا أني شهدت، وغابوا
وما كل فعال يجازي بفعله،
ولا كل قوال لدى يجاب!
ورب كلام مرفوق مسامعي
كما طن في لوح الهجير ذباب.!
فكلاهما قد صهرته الأحداث، فذاق ألم السجن، وعانى من زمانه الأمرين، وتجرع الصاب والعلقم م كيد الخصوم، وشماته الحساد.. وقد استمعنا إلى نفثات أبي فراس، فلننظر ـ الآن ـ إلى أي حد جاراه ابن زيدون حين قال: (47..)
فديتك.! كم ألقى الفواغر من عدى،
قراهم لنيران الفساد ثقاب!
عفا عنهم قدري الرفيع، فاهجروا،
وباينهم خلقي الجميل، فعابوا
وقد تسمع الليث الجحاش نهيقها،
وتعلى إلى البدر النباح كلاب!
إذا راق حسن الروض، أو فاح طيبه
فما ضره أن طن فيه ذباب
فلا برحت تلك الضغائن.. أنها
أفاع لها بين الضلوع لصاب.
يقولون: شرق، أو فغرب صريمة،
إلى حيث آمال النفوس نهاب
فأنت الحسام العضب أصديء متنه
وعطل منه مضرب وذباب
وما السيف مما يستبان مضاؤه
إذا حاز جفن حده، وقراب
وإن الذي أملت كدر صفوه
فأضحى الرضى بالسخط منه يشاب
وقد أخلفت، مما ظنفت، مخايل،
وقد صفرت، مما رجوت، وطاب
فمن لي لسلطان مبين عليهم،
إذا لج بالخصم الألد شغاب؟
ليخزهم إن لم تردني نبوة
يساء الفتى من مثلها، ويرأب.!

وإن ابن زيدون ليبلغ قمة البلاغة، ويبدع كل الإبداع، عندما يتخلص إلى مقطع «الاعتذار» من قصيدته العصماء هذه، فلنعش ـ إذن ـ معه هذه اللحظات: (48).
سأبكي على حظي لديك، كما بكى
ربيعة، لما ضل عنه ذؤاب
وأشكو نبو الجنب عن كل مضجع،
كما يتجافى بالأسير ظراب
فثق بهزيز الشعر، واصفح عن الوري،
فإنهم ـ إلا الأقل ـ ذئاب
ولا تعذل المثنين بي، فأنا الذي
إذا حضر العقم الشوارد غابوا
وردت معين الطبع إذ ذيذ دونه
أناس لهم في حجريته لواب
فعد بيد بيضاء يصدع صدقها
فإن أراجيف العداة كذاب
وحاشاك من أن تستمر مريرة
لعهدك، أو يخفى عليك صواب

وحقا، فإن ابن زيدون قد نصح لمولاه، فأخلص له النصح، وأفنى شبابه في خدمة الدولة الجهورية بصدق وأمانة، وانه كان النجم اللامح بين خدام البلاد والبلبل المغرد، المشيد بمحاسن الدولة، الراصد لأحداثها، ومع كل هذا، فأنى لشكاته المريرة تلك أن تنفذ إلى سمع سيده.؟ وإني لزفراته الملتهبة، وتحسراته الموجعة، أن تخترق شغاف قلبه، أو تحظى بلفته من عطفه؟ خصوصا وقد لعبت الدسائس دورها في تشويه صورة ابن زيدون لدى سيد البلاط حيث جعلته يتصوره في هيأة المجرم الجاحد للنعمة المنكر للجميل..؟
ولذا، فقد كانت تعتري ابن زيدون نوبات حادة من الألم، تجعله يستسلم لليأس، ويفقد كل أمل في النجاة، فتضيق جدران السجن عن إيوائه، ويكفهر الوجود في ناظريه.. ولم لا يتبرم من هاته الحياة التعسة، وهي ما برحت تعاكسه وتناوئه، غير مدخرة جهدا ولا وسعا في مناهضته ومحاربته..؟ وقد أجاد التعبير عن هذا الجانب المؤلم من حياته حيث قال: (94..)
لا يهنئ الشامت المرتاح خاطرة،
انى معنى الأماني، ضائع الخطر
هل الرياح بنجم الأرض عاصفة؟
أم الكسوف لغير الشمس والقمر؟
إن طال في السجن إبداعي فلا عجب
قد يودع الجفن حد الصارم الذكر..!
.. ما للذنوب التي جاني كبائرها
غيري، يحملني أوزارها وزري؟
..قد كنت أحسبني والنجم في قرن،
ففيم أصبحت منحطا إلى العفو؟
أحين رف على الآفاق من أدبي
غرس له من جناه يانع الثمر؟
 وسيلة سببا، ـ ألا تكن نسبا ـ
فهي الوداد صفا من غير ما كدر

وهذه نفحات أخرى من نفس المعين: (134..)
.. ان الالى كنت من قبل افتضاحهم
مثل الشجي في لهاهم ليسر ينتزع
لم أحظ ـ إذ هم عدى باد نفاقهم ـ
ألا كما كنت أحظى إذ هم شيع
ما غاظهم غير ما سيرت من مدح،
في صائك المسك من أنفاسها فنع
كم غرة تلقتها قلوبهم
كما تلقى شهاب الموقد الشمع
إذا تأملت حبى غب غشهم
لم يخف من فلق الإصباح منصدع

ومن هذه البابة أيضا هذه النفثات المشجية التي تعتبر من أرق ما قيل في الشكوى: (122..)
ألم يان أن يبكي الحمام على مثلي؟
ويندب ثأري البرق منصلت النصل؟
وهلا أقامت أنجم الليل مأتما
لتندب في الآفاق ما ضاع من نثلي؟
ولو أنصفتني، وهي أشكال همتي
لاقت بأيدي الذل، لما رأت ذلي
ولا فترقت سبع الشر، وغاضها
بمطلعها، ما فرق الدهر من شملي!
لعمر الليالي!، إن يكن طال نزعها،
لقد قرطست بالنيل في موضع النبل
تحلت بآدابي، وإن مآربي
لسانحة في عرض أمنية عطل!
أخص لفهمي بالقلى، وكأنما
يبيت لذي الفهم الزمان على دخل
وأجفى على نظمي لكل قلادة
مفصلة السمطين بالمنطق الفصل
ولو أنني أستطيع كي أرضي العدا،
شريت ببعض الحلم حظا من الجهل
وهكذا يسترسل ابن زيدون يعزف على أوتار مخيلته هاته الأنغام الشجية، لكنه سرعان ما يثوب إليه رشده، فإذا هو وجها لوجه أمام القدر الذي لا تطيش سهامه، فهل هو أول من نكب..؟ وهل في استطاعته تحويل دفة المقادير..؟ وإذن، فلنستمع إليه وهو يسلي نفسه، ويقدم لها العزاء بما وقع لأمثاله، ومن هم أسمى منه مكانة وأرفع جاها.. (113):
أمقتولة الأجفان، مالك والها؟
ألم ترك الأيام نجما هوى قبلي؟
أقلى بكاء، لست أول حرة
طوت بالأسى كشحا، على مضض الثكل
وفي «أن موسى» عبرة أن رمت به
إلى اليم في التابوت، فاعتبري واسلى!!
ولله فينا علم غيب، وحسبنا
به، عند جور الدهر، من حكم عدل!

على أن شاعرنا كثيرا ما كان يقلع عن البكاء، ويتجلد للنائبات، كما ينبئ عن ذلك قوله: (80)
من مبلغ عني البلاد إذا نبت،
أن لست للنفس الألوف بباخع؟
أما الهوان فصنت عنه صفحة
أغشى بها حد الزمان الشارع
فليرغم الحظ المولى، انه
ولى، فلم أتبعه خطوة تابع!!
إن الغنى لهو القناعة، لا الذي
يشنف نطفة ماء وجه القانع
..مالي وللدنيا؟ غررت من المنة
فيها ببارقة السراب الخادع

وقمين بنا، ونحن ندرس الشكوى في شعر ابن زيدون، ألا نغفل الوقوف عمد طائيته الرائعة، التي احتفل في نظمها أيما احتفال، حيث سكب فيها عصارة فنه، وأودعها نفثات قلبه الجريح، وصمخ كلماتها وأبياتها بوثبات بيانية هي السحر الحلال، والعذب النمير الزلال.. وقد قالها وهو مختف بقرطبة عقب فراره من السجن، وهذه مقتطفات منها: (14)
أأحبابنا، الوت بحادث عهدنا
حوادث، لا عقد عليا ولا شرط
فلعمركم، ان الزمان الذي قضى
بشت جميع الشمل منا لمنحط
..كان فؤادي، يوم أهوى مودعا،
هوى خافقا منه، بحيث هوى القرط
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره،
فمن زفرتي شكل، ومن عبرتي نقط
ألا هل أتى الفتيان أن فتاهم
قريسة من يعدو، ونهزة من بسطو
وان الحسام العضب ثاو بجفنه،
وما ذم من غربيه قد، ولا قط
هرمت.! وما للشيب وخط بمفرتي،
وكائن لشيب الهم في كبدي وخط!
وطاول سوء الحال نفسي، فأذكرت
من الروضة الغناء، طاولها القحط
مثون من الأيام خمس قطعتها
أسيرا، وإن لم يبد شد، ولا قمط
أتت بي كما ميص الإناء من الأذى،
واذهب ما بالثوب من درن مسط
أتدنو قطوف الجنتين لمعشر؟
وغايتي السدر القليل، أو الخمط؟
وما كان ظني أن تغرني المنى وللالغر في العشواء من ظنه خبط

ولم يفت ابن زيدون أن يعرض في قصيدته هذه خصومه، وينتحل المعاذير لفراره من السجن، وذلك حين يقول: (17)
عدا سمعه عني، وأصغى الذي عدى،
لهم في أديمي ـ كلما استكنوا ـ عط
بلغت المدى إذ قصروا، فقلوبهم
مكامن أضغان، أساودها رقط
يولونني عرض الكراهة والقلى
وما دهرهم إلا النفاسة والغمط
وقد وسموني بالتي لست أهلها
ولم يمن أمثالي بأمثالها قط
فررت، فإن قالوا الفرار ارابة
فقد فر «موسى» حين هم به القبط

ولنجعل مسك ختام هذا الفصل قول ابن زيدون في موشح رائع، له مسيس علاقة بالشكوى التي مدار كلامنا، وهو في ذكرى قرطبة وأيام وصاله بها:
خليلي، إن أجزع فقد وضح العذر،
وإن أستطع صبرا فمن شيمتي الصبر
وإن يك رزءا ما أصاب به الدهر
ففي يومنا خمر، وفي غدنا أمر،
ولا عجب، أن الكريم مرزا
رمتني الليالي عن قسى النوائب
فما أخطأتني مرسلات المصائب
أفضى نهاري بالأماني الكواذب
وآوي إلى ليل بطيء الكواكب
وأبطأ سار كوكب بات يكلأ

وأما بعد، فهذا هو ابن زيدون في شكواه وبلواه في شوقه وحنينه، في آلامه وأشجانه، أرجو أن أكون ألممت ببعض جوانب الموضوع، أما الإحاطة والدراسة المستوعبة، فلها مجال غير هذا، وحسبي الله ونعم الوكيل.

  (1)الديوان ص: 6 و7 وسوف أكتفي فيما بعد الإحالة إلى أرقام صفحات الديوان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here