islamaumaroc

نماذج من الدعاة: أبو حامد الغرناطي

  دعوة الحق

العددان 179 و180

إنك لتعجب بعد ما تقرأ رحلة أبي حامد الغرناطي وتطلع على ما قام به هذا الرجل- كيف أنه ظل إلى الآن غير معروف إلا عند الباحثين والمختصين وجمهور محدود من القراء بينما هو لا يقل عن غيره من الرحالة المغربة من حيث الاطلاع وسعة الرحلة بل هو يزيد عليهم، إذ لم يكتف بالفرجة والسياحة بل كان قبل ذلك داعية إسلاميا من طرز فريد.
ورحالتنا هو محمد بن عبد الرحيم بن سليمان ربيع القيسي الغرناطي، ولد بها سنة 473 هـ وبها نشأ  ودرس على مشايخ عصره وبلده وقد عرف بالذكاء والتدقيق في الملاحظة، ولم يصل إلى سن السابعة والعشرين حتى غادر بلاده في رحلته الطويلة في المشرق الإسلامي والذي لم يعد منه حتى وافاه الأجل.
رحل حوالي سنة 500 هـ واتجه نحو المغرب الأقصى ودخل سجلماسة ثم انتقل إلى تونس وركب البحر منها إلى الإسكندرية، وبها أخذ عن أبي عبد الله الرازي وأبي بكر الطرطوشي، ومنها رحل بعد عام إلى  القاهرة وظل بها حتى عام 515 ثم اتجه إلى دمشق وأسمع بها الحديث، ثم رحل إلى بغداد التي سمع بها من أبي صادق مرشد بن يحيي المديني وأبي عبد الله  محمد بن أحمد الرازي.
وبعد إقامة استمرت أربع سنوات ببغداد انطلق في رحلاته إلى هضبة إيران وبلاد التركستان وجنوب روسيا وحوض الفلجا وشرقي أروبا. في رحلة طويلة كان له فيها دور كبير في التعريف بالمغرب والأندلس، وقد كان يشعر- كشعورنا اليوم- بمدى الجهل بالمغرب الإسلامي من طرف إخواننا في المشرق، وعبارته( ومولدي بالمغرب الأقصى بجريرة تعرف بأندلس فيها أربعون  مدينة ومولدي في مدينة تسمى غرناطة) فيها يتجلى بوضوح مدى ما يشعر به من أن المغرب غريب عن المشارقة لا يعلمون عن حضارته إلا القليل.
ولعل هذا الشعور كان من الدوافع التي دفعته إلى تأليف كتابه( المغرب عن بعض عجائب المغرب) وما أورد فيه من ذكر أعاجيب تتنزل منزل ألف ليلة وليلة.
وربما كانت لغة التهويل هي الوسيلة لجذب القارئ وتعريفه، وهو نفسه بعد رواية تلك المغريات يقول« والعاقل يعرف الجائز والمستحيل» على كل حال، فقد ألف أبو حامد كتابه في المشرق ليعرف أهله ببلاده المغرب لكنه لا يتحدث عن المغرب فقط بل يستطرد لينتقل إلى مواضيع مختلفة منها الفلك ووصف بلاد أخرى.
وأهم ما في الكتاب وصفه للبلاد التي أقام بها أكثر عمره التي بآسيا وأوربا الممتدة من خوارزم إلى سهل المجر« وهو كلام دقيق يعتبر من الأسانيد العلمية التي يمكن الاعتماد عليها في التاريخ لهذه النواحي ووصف خصائصها الجغرافية سواء كانت طبيعية أو بشرية».
ذاك كتابه الأول، أما الثاني فهو « تحفة الأحباب ونخبة الإعجاب » وقد ألفه نزولا عند رغبة صديقه عمر ابن محمد الخضر الاردبيلى وقسمه إلى مقدمة وأربعة أبواب:
الباب الأول: في وصف الدنيا وسكانها من أنسها وحفها.
الباب الثاني: في وصف عجائب البلدان وغرائب البنيان.
الباب الثالث في وصف البحار وعجائبها.
الباب الرابع: في وصف الحفائر والقبور.
ومن خلال هذا الكتاب والكتاب الأول سنتعرف على ناحية من نواحي أبي حامد هي ناحية الدعوة الإسلامية وهي موضوع هذه العجالة:
لقد كانت الناحية الدينية تستحوذ على اهتمامه فهو في أول الكتاب يتحدث عن أمم السودان فيصف من أحوالهم فيقول« فاوة وقوقو وملى وتكرور وغدامس فقوم  لهم  يأس وليس في أرضهم بركة ولاخير زلا دين لهم ولا عقول» وعندما يتحدث عن بلاد الصين يذكر احترام أهلها للتجار المسلمين وأنهم لا يأخذون منهم المكوس ثم يقول « فيا ليت ملوك المسلمين اقتدوا بمثل هذه السياسية الحسنة فهم كانوا أحق بها».
وبطول مقامه بأرض روسيا صار أهلها المسلمين يسألونه في أمورهم، ويحكي في كتابه ( التحفة 166 – 117) ما وقع له في (سجستين) وهي مدينة على مصب نهر الفولجا من أن فقيرا عثر على سوار من ذهب وبحث عن صاحبه فلم يجده فسأل أبا حامد فأفتاه بأنه حلال له، فأمتنع الرجل فقال له أبو حامد« أفد به الأسرى من أيدي الترك ففرح وقال: بارك الله عليك فرجت عني كربة فقلت: أو ليس هنا من أهل العلم من يأمرك بمثل هذا فقال: ها هنا من أهل العلم من يقول: أعطنا إياه نحن نعرف ما نصنع به وإنما يريدون أكله»
وأستقر أبو حامد بهذه البلاد طويلا حتى اتخذ فيها دارا وأولادا، ويتكلم عن سكانها ومنهم مغاربة فيقول: « وفي المدينة«أي سجستين » من أهم التجار والغرباء وأولاد العرب من المغرب آلاف لا يحصى عددهم».
وهذه إشارة لها قيمتها لمن يريد أن ينطلق منها  نحو دراسة هجرات المغاربة إلى بلاد أوربا الشرقية والوسطى وآسيا الغربية والشمالية.
وقد ذكر أثناء حديثه عن « أنقورية»وهي هنغاريا أن بها الآفا من أولاد المغاربة وأنهم يعلنون الإسلام ولا يخدمون النصارى إلا في الحروب عكس الخوارزميين الدين يكتمون الإسلام ويخدمون الملوك.
ويقول: « ولما دخلت بين أولاد المغربة أكرموني وعلمتهم شيئا من العلم وأطلقت السنة بعضهم بالعربية وكنت أجتهد معهم في الإعادة والتكرار في فرائض الصلاة وسائر العبادات واختصرت لهم الحج وعلم المواريث حتى صاروا يقسمون المواريث».
لا شك أن هذا العمل استغراق منه زمنا ليس بالقصير وأن عمله هذا كان انقاذا- إلى فترة – لهؤلاء المغاربة من ضياع شخصيتهم وذهاب كيانهم وقد كانوا عندما اتصل بهم أبو حامد بدأوا ينسلخون عن كيانهم بنسيانهم للغتهم وأحكام دينهم.
ونلاحظ العزة والأنفة التي كانوا يتمتعون بها من عدم خدمتهم إلا في الحروب التي يظهرون فيها بسالتهم وإقدامهم.
ويذهب حسين مؤسس إلى أن هؤلاء المغربة من الجماعات التي كانت تقوم بالغزوات على شواطئ أوربا الجنوبية وتستقر في مراكز توالي غزواتها منها لتنطلق بعد ذلك أوربا تعمل لحسابها الخاص أو تدخل في خدمة الدول القائمة.
هذه وجهة نظر، ولها نصيب كبير من الصواب ويبقى على الباحثين واجب البحث عن هؤلاء حتى يتم التعرف عليهم.
ولاشك أن المهمة الكبرى التي اضطلع بها أبو حامد هي إنقاذه لهؤلاء الآلاف من المغاربة ونشره للإسلام بينهم من جديد، وكان من نتيجة ذلك كما يقول: « فعددهم اليوم أكثر من عشرة آلاف وكان يخطب فيه يوم الجمعة ظاهرا وباطنا لأن ولا يتهم عظيمه».
وقد ارتفعت مكانته هناك« فكان بمثابة الرئيس الروحي للمسلمين» يدافع عنهم ويتوسط بينهم وبين ملك باشعرد. ومن ذلك أن حامد لما رأى بعض المسلمين يشربون الخمر دعاهم إلى تركه وأباح لهم الجواري وأربعة من الحرائر، وقد استجابوا لدعوته.
مما جعل الملك ينكر عليه دعوته ويقول له: ليس هذا من العقل لأن الخمر يقوي الجسد وكثرة النساء تضعف الجسد والبصر ودين الإسلام لايكون على وقف العقل.
فكان من جواب أبي حامد أن النصراني يشرب الخمر على الطعام بمنزله الماء فلا يسكر والمسلم إذا شربه فهو يطلب السكر فيذهب عقله فيزنى ويقتل ويكفر ويبيع سلاحه وفرسه فإن أمر بالغزو فلا يجد سلاحا وأما الجواري والنساء فإن أولاد الجنود جنودك والخير في  كثرتهم.
وهكذا- بحيلة- استطاع أبو حامد أن يمنع المسلمين من شرب الخمر وذاك أسلوب في الدعوة نهجه في بلاد بعيدة عن المراكز الإسلامية وتحت حكم غير المسلمين.
وبعد عمر طويل توفى أبو حامد سنة 565 بدمشق وهو في الثانية والتسعين من عمره.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here