islamaumaroc

بعض بيوتات وآثار الحرمين الشريفين من خلال الوثائق الدبلوماسية وحجج الوقف المغربية

  دعوة الحق

العددان 179 و180

لعلني بحاجة أن أذكر في العرض المقتضب بكلمة قلتها في مناسبة لي سابقة، وهي أن (تاريخ الجزيرة العربية) يجب أن ينشده الباحثون في خارج الجزيرة؟» لأن هذه الأرض الطاهرة منذ أن شرفها الله بظهور نبيه أمست كعبة لسائر الزوار الذين قصدوها من شتى الجهات وغدت نتيجة لذلك مصدر إلهامهم وموضوع حديثهم بالطول والعرض؟
وإذا كان كناه من اهتم حقيقة بأمر هذه الديار فهم أبناء المغرب على بعد ممالكهم وصعوبة مسالكهم ولعل العشرات من الرحلات الحجازية المغربية كافية لإثبات هذه الحقيقة الناصعة وكافية أيضا للتدابل على تفوق عدد الرحالة المغاربة على زمائهم في المشرق؟ ومع ذلك فسوف لا يكون حديثي اليوم عن رحلة سابقة ولا عن زيارة لاحقة ولكني سأقصر عرضي هذا على ذكر البعض من الوثائق الوقفية والمراسلات الدبلوماسية المغربية من التي تشف عن مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية أو عن أثر من الآثار التي كانت تتواتر عليها خزائن الحرمين الشريفين؟
والواقع أن المكتبات المغربية سواء منها مكتبات نظارات الأوقاف والمساجد الكبرى أو المكتبات العمومية وخاصة منها المكتبة الملكية والخزائن العامة وخزائن جامعة القرويين، كلها تزخر بمثل تلك الوثائق التي تحتاج حقيقة إلى الجرد والتصنيف، على أن هناك مصدرا آخر كان له أثره الكبير ع على مساعدتي لتجلية المستور وكشف الغامض، وهذا المصدر هو الارشيفات التابعة لرئاسة الحكومة في إسطامبول وقد وجدت فيها منجما ثريا يساعد جيدا على معرفة تاريخ الجزيرة العربي في تلك العصور؟
لقد كانت المملكة المغربية الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي لم يشملها حكم العثمانيين الذين كانوا يهيمنون على سائر الأقطار بما فيها الجزيرة.. وبما أن المغرب، بحكم ارتباطه بالحرمين الشريفين، كان على أن لا يصل إلى الجزيرة بصفة عملية إلا عبر اسطامبول، فقد كان يتبادل مع السلاطين العثمانيين عددا من الرسائل التي لا تخلو من أخبار مفيدة وممتعة حول بعض أوضاع الجزيرة العربية..
وحتى لا نذهب بعيدا.. فأقتصر على ذلك بعض السفارات المغربية التي ترددت على الجزيرة أواخر القرن الثاني عشر الهجري، كما أتحدث عن سفارة أخرى وردت على بلاط المغرب من أرض العثمانيين، في نفس التاريخ، وكلاهما يكشف النقاب عن بعض الجوانب الخفية..
لقد وصلتنا سنة 1182 ـ 1269 أنباء عن زفاف أميرتين مغربيتين هما ابنتا السلطان سيدي محمد بن عبد الله أو (محمد الثالث) كما تسميه المصادر الحديثة زفافهما إلى قصور مكة حيث تزوج الأمير الشريف سرور الأميرة لالة لبابة، بينما تزوج ابنه الأميرة حبيبة، إنه حدث يستوقفنا في حد ذاته، فإن مصاهرة تتم على ذلك العهد بين المغرب والمشرق، على نحو ما كان يتم بين ملوك أوربا آنذاك. كل ذلك يحتاج للكثير من التعليق..
ومهما يكن فسوف نتجاوز ذلك الحدث السعيد لنذكر بأنه دعم إلى حد كبير صلات الجزيرة بالمغرب، بل إنه ربط جسرا بينهما على الدوام، وهكذا كنا نشاهد الوفادات المتبادلة بين الجهتين حتى ليصعب على المؤرخ أن يتتبع حركات القاصدين من هنا وهناك.
لقد أصبح القصر الملكي بالعاصمة المغربية يتوفر على لائحة دقيقة بالجهات التي كان على العاهل المغرب أن يصلها سنويا عن طريق ركب الحجاج.

ونرى من المفيد في هذا الصدد أن نركز على السفارة التي راح على رأسها الأمير المولى عبد السلام ابن سلطان المغرب على ذلك العهد وكانت بتاريخ 1197 = 1783.
ولقد صاحبه هذه المرة وفد من رجالات الدولة إلى عدد من الفقهاء والأمناء.
وقد كان العاهل المغرب قرر إيفاد هذه البعثة التي راحت عن طريق اسطامبول على هي العادة، قرر أن يحدد مبالغ مالية يرسلها سنويا لبعض بيوتات الحرمين والحجاز وذلك حسبما تفيده وثيقة تحمل تاريخ خامس رجب سنة ستة وتسعين ومائة وألف.
وهذه الوثيقة تتضمن كشفا بالعدد من الدنانير والريالات المخصصة لأهل الينبوع وأهل بدر وأشراف الحجاز والأشراف السجلماسيين بمكة والأشراف المغاربة بمكة من علميين وغيرهم والأشراف السجلماسيين بالمدينة والأشراف المغاربة بالمدينة والأشراف الذين بمكة والوادي والطائف وجدة. والأشراف الذين بالمدينة هذا إلى إضافات مخصصة لبيوت معينة وطوائف خاصة، ولأهل البطائق وأهل الرسائل.. وعلى رأس كل هؤلاء السلطان سرور.
ولقد تعمدت تصوير هذه الوثيقة التاريخية لنأخذ فكرة مدققة عن الأسر والبيوت والأشخاص والهيئات والرجالات التي كانت تعيش في هذه الحقبة من التاريخ سواء في الحرمين أو في اليمن أيضا.. ولابد أن تستفيد من خلال المبالغ المخصصة لكل جهة مدى المركز الاجتماعي لكل فرد وكل هيئة.
هنا من الينبوع: عيايشة الظيارة والدهنة، والكرون والمحاميد، وذوو ابراهيم بن دريد وبيت الواسطي وذوو جبريل والبكيشات وذوو هجر ذوو عقيل وذوو زارع والكريشات هنشل وذوو سليمان.
وهنا من أهل بدر: بيت الرديني وذوو عبيد والمهادلة وذوو ثمى وأهل عين العاجة.
وهنا من أهل بدر: بيت الرديني وذوو عبيد والمهادلة وذوو مسيب وذوو الفضل وأهل رابغ وأهل خليص وذوو ثمة وأهل عين العاجة.
وهنا من أشراف مكة: والوادي والطائف ووجدة ذوو زيد وعبد المنعم والحارث والشنابره، وآل بركات وبيت المرغيثي والسقاف والمهادلة والحطاب.
وهنا من أشراف المدينة: بيت عبدروس والسماهدة وبنو الجودي والبرزنجيون والنجاريون أصحاب الجبة.. إلى آخر اللائحة الطويلة التي تحتضنها وثيقة الوقف المغربية.

(1) صورة الوثيقة الوقفية
إنها المبالغ التي كانت تأخذ طريقها إلى الجزيرة باستمرار وإنها لم تتعثر إلا في الفترات التي كان الباب العالي يرى الاحتفاظ بها للخزينة ليستعين بها على مواجهة التحديات الروسية على ما تكشف عنه بعض الجوابات التي كانت ترفع إلى ديار المغرب من بلاط القسطنطينية.
إن الحديث عن سفارة الأمير مولاي عبد السلام وعن انشغاله بتوزيع تلك «المبالغ» على أهلها لا ينسينا الحديث عن الرسالة الهامة التي حملتها السفارة المغربية إلى إسطامبول حول موضوع تعتبر إثارته من الطرافة بمكان بل إن إثارته تدل على بعد نظر وعمق تفكير في جانب العاهل المغربي، لقد كان والده السلطان المولى عبد الله بن إسماعيل اعتاد أن يبعث كذلك بتكريماته إلى الحرمين الشريفين، وهكذا فبعد الهدايا الضخمة التي صحبت ركب والدته الأميرة خناثة بعث سنة 1155 ـ 1742 بعطايا ثمينة كان فيها عشرات المصاحف الكبيرة والصغيرة المحلاة بالذهب والمرصعة بالدر والياقوت إلى جانب المصحف العقباني الذي صحبه بألفين وسبعمائة حصاة من الياقوت المختلف الألوان.
تلك كانت هدايا الوالد ولكن الولد أدرك أن الغرض من تلك المصاحف المحلاة بالذهب والأحجار الكريمة لا يتأنى فإن الخوف من ضياع تلك الأموال يفرض أن تبقى تلك المصاحف حبيسة الرفوف والخزائن الحديدية، ومعنى هذا أن التلاوة ستظل معطلة..
ومن هنا وردت فكرة على العاهل المغرب محمد الثالث: أن يقترح على السلطان عبد الحميد الأول أن يقوم بعملين اثنين:
أولهما أن ينزع تلك الأحجار الكريمة من غلافات المصاحف ويقوم ببيعها وتوزيعها على الفقراء والمساكين والمحتاجين.
ثانيهما أن بجلد المصاحف من جديد لتصبح في متناول الذاكرين والتالين. وهكذا يحصل غرض الواقف من جهة وتستغل تلك الأموال المجمدة من جهة أخرى.. لكن أفق السلطان عبد الحميد لم يتسع لفهم السلطان محمد بن عبد الله.. فقد أجابه بواسطة القائد الطاهر فنيش برسالة حررت باللسان العربي ضمنها بعض الشعر الذي يطري فيه بلاغة رسالة العاهل المغربي، ويقول في موضوع المصاحف:
«..وما رأينا إخراج المصاحف المطهرة من خزينة المدينة المنورة وانتزاع الجواهر منها وابتياعها خليقا بكم.. فإنها هدية لسلطان الأنبياء.. إن خزينة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشحونة بتحف السلاطين والأمراء الماضية وهدايا الخواقين والخلفاء المنقضية من الجواهر وسائر الطرائف، ولم يقع من أسلافنا إخراج شيء من خزينة سيد الأنام ولم يسمع من آبائكم الفخام مثل هذا المرام..
إنه جواب كما نرى علاوة على أنه ميزان يعبر عن العقليتين المتباعدتين، فإنه يعطي وصفا لما كانت تحتوي الروضة النبوية من فاخر التحف ونفيس الطرف مما أتت عليه الأحداث اللاحقة التي تفرسها العاهل المغربي إلهاما من الله..
2 ـ صورة لجواب السلطان عبد الحميد
وإن مما له صلة بتلك السفارة وهذه.. أن نذكر أن العثمانيين كانوا لا ينظرون بعين الرضى للصلات الوثيقة التي كانت تربط المغرب الأقصى بالمشرق وبخاصة أمراء الجزيرة العربية بل إنه كان أن مساعدة العاهل المغربي للسلطان سرور ومصاهرته له كانت تهدف إلى مضايقة الوجود العثماني في تلك البتاع ومن هنا نجد أن اسطامبول كانت في كثير من الأحيان لا تخفي امتعاضها من تلك الصلات..
وقد عكس تقرير سري رفعه سفير عثماني إلى السلطان عبد الحميد عكس فيه التخوفات التي كانت تهيمن على الباب العالي من المركز الذي كان ينعم به ملك المغرب في سائر بلاد المشرق العربي.
ويتعلق الأمر بالسفير العالم إسماعيل أفندي الذي أرسلته القسطنطينية صحبة السفير المغربي عبد الكريم العوني الذي كان قدم على اسطمبول ليبلغ للباب العالي أن العثمانيين في الجزائر خذلوا العاهل المغرب، وهو يقاوم تسلط إسبانيا على مدينة مليلية، وأنهم سلطوا جام نقمتهم على العرب الذين شاركوا ملك المغرب في مسيرته ضد الإسبان.
لقد جاء في تقرير السفير المذكور عند عودته، وهو التقرير الذي يحتفظ به كذلك أرشيف رئاسة الحكومة في اسطامبول ويحمل تاريخ 15 ربيع الأول 1201.
استهل السفير تقريره بالحديث عن المقابلة التي خصه بها العاهل المغربي وقال: إنه خلع عليه رداءه بعد أن قدم إليه رسالة السلطان عبد الحميد وقدم إليه الرمح الذي أهداه إليه القبودان باشا.. وإنه أي العاهل المغربي لا يوجد ما يميزه في اللباس عن وزرائه وأفراد رعيته إلا المظل الذي يرفع فوق رأسه.
ونرى السفير عبد كل هذا يذكر أنه نظرا لاتفاق الرأي على تجني الحامية العثمانية في الجزائر على عرب المغرب ونظرا لأن القبائل المجاورة للجزائر ما تنفك تتطارح شاكية لحاكم المغرب من هتك الأعراض والسطو على رقاب الناس من طرف أهل الوجاقات، ونظرا لأن ظلم العثمانيين لمن يقع تحت نفوذهم أمر يمجه العقل وينهى عنه الشرع، فإنه أي إسماعيل أفندي يحذر اسطامبول من مغبة التغاضي عن هذه التصرفات، وهنا يحذر بأن مركز السلطان سيدي محمد قوي جدا لدى عرب الجزائر وأن باستطاعته أن ينسف وجودنا هناك إذا نحن لم نقم بإرجاع مواطنينا إلى رشدهم ورفع الظلم عن العرب، والمهم في هذا التقرير بالنسبة لموضوع الجزيرة أن السفير إسماعيل أفندي، بعد أن يقول: إن الأمراء سواء في تونس وطرابلس يضمرون الكثير من التقدير لملك المغرب يختم تقريره بأن العاهل المغربي يتمتع بسمعة طيبة وذكر جميل في الحرمين الشريفين وفي الحجاز ونجد بصفة عامة، فلقد أرسل مع صهره عبد الملك مبالغ طائلة من المال لهم واقتفى أثره ابن السلطان كذلك الذي راح يحمل مقادير كبيرة من الذهب.. ان سلطان المغرب هو صهر للأمير سرور شريف مكة، كما أن إمام اليمن من أقاربه. ومصر موالية له.. لذلك فإن من الحكمة ـ يقول إسماعيل أفندي ـ أن نتدارك الأمر تجنبا، لا يعار قبول المغاربة، وهو أي السفير أفندي يقترح أن تبعث لداي الجزائر جنود في شكل حمايته من الأعداء، ولكن تتولى من جهة الوقوف دون تهوره ومن جهة أخرى أن تكون على يقظة من رد فعل العرب.

3 ـ صورة جانب من التقرير السري
تلكم ومضات قصيرة قصدت بها فقط إثارة الانتباه إلى ما يوجد خارج الجزيرة من معلومات جد مفيدة عن تاريخها، نأمل أن تساعدنا الظروف على التعاون على استجلابها سواء أكانت بالمشرق والمغرب.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here