islamaumaroc

مع الشاعر الغزال

  دعوة الحق

العددان 179 و180

في أوج المجد العربي بالأندلس، وفي عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، وأثناء رسوخ قوائم العرش الأموي بالعاصمة قرطبة، نبغ علماء وحكماء وشعراء وكتاب وفنانون مبدعون وصناع متفننون مبتكرون، بشكل عجيب سارت بخبره الركبان وتناقلته الألسن، وبذلك جاء الأقوام من البلدان المجاورة ليتعلموا ويتحضروا ويطلعوا على ما عند الأندلسيين من علوم وفنون وعجائب وطرائف...
كل هذا كان، وعلى مستوى يقصر عن وصفه اللسان، ويعجز عن إدراكه التصور. لكن خصوم هذه الحضارة والحاقدين عليها عملوا ـ بعد انتهاء حكم المسلمين ـ على تحطيم الجانب المادي منها، وتدميره، إلا القليل النادر، وارتكبوا جريمة فظيعة بطمس الجانب المعنوي المتمثل في المؤلفات بالإحراق (1) والتمزيق والمسخ، فلم يسلم منه إلا القليل، القليل الذي كان منسوخا أو منقولا، ورغم أن هذا التراث وقع في يد من يعرف قيمته، وفي يد من لا يعرفها، فإنه على كل حال نجا من الضياع، ومكن الباحثين من الحصول عليه حينا بعد حين.
كثيرون هم هؤلاء الأفذاذ من أهل البحث والدراسة الذين صرفوا هممهم، وواصلوا جهودهم لاكتشاف آثار أهل العلم والحكمة والأدب الأندلسيين، ولم يبلخوا بالجهد والمال والوقت لهذا الغرض الكبير، وبذلك تيسر لنا أن نعرف جانبا من التراث الفكري لديار حضارتنا الأندلسية المجيدة. ويستحق الذكر والتقدير في هذا المجال الأساتذة الكرام: عنان، وإحسان ومكي، ومؤنس، والعبادي، والأبياري، والسحار، وعلى عبد العظيم، وع. ع. سالم، وكنون، وابن تاويت والورياكلي، وأعراب، وزمامة، وبنشريفة، والكتاني، والكعاك، وبروفنتال وبالنثيا، وكوميز، وغيرهم.
فمن العدم، أو شبه العدم أخرجت إلى النور ووضعت بين أيدينا دواوين بعض شعراء الأندلس، وأنهم به شعرا يولد في ديار الفن والرقة والجمال، حتى إنه لدينا منها ـ الآن ـ دواوين: ابن خفاجة، وابن زيدون، والمعتمد ابن عباد،وابن هانئ، وابن الخطيب، والأعمى التطيلي، وابن شهيد، وابن خاتمة الأنصاري، وابن دراج، وحازم القرطاجني وابن الاحمر... هذا بالإضافة إلى الكتب الأدبية الجامعة، مثل (نفح الطيب) و(المطرب من أشعار أهل المغرب) و(جذوة المقتبس) والمقتبس) و(الذخيرة) و(التشبيهات) وغير ذلك... وكل هذا جميل ومفيد،ونتطلع إلى المزيد منه، وإلى تكميل ما هو منه مبتور.
بقي محروما من هذا الحظ السعيد، الذي واتى الآخرين، شاعرنا الرقيق الحاذق أبو زكرياء يحيى الغزال، فهو أحد الذين ماتزال دواوينهم مفقودة، أو محفوظة في أحد الأماكن، ولا يدري أحد هل يكتب لها ظهور في يوم من الأيام، أم أن الاختفاء سيكون نهائيا ـ لا قدر الله ـ بالنسبة إليها. غير أن ديوان الشاعر إن كان قد اختفى، فإن نتفا ومقطوعات منه قد ضمنها بعض الأدباء مجموعاتهم وأماليهم... وهكذا ضاع الديوان وبقيت المقتبسات!
تعترض قارئ الأدب الأندلسي مقطوعات لهذا الشاعر الأريب، ويلفت نظره فيها سهولتها وعمقها وبراعتها في تناول الأحداث، وأطوار الزمن، وتقلبات عواطف الناس... وانه لمما يثير العجب حقا، إن الباحث الإسبلاني (بالتثيا) حين رأى هذه المزايا متوفرة في شعر (الغزال) زعم زعما مضحكا قائلا: إن براعة الشاعر الغزال ترجع إلى أصله الإسباني! وهذا مثل قولهم أن العمران الأندلسي لا يختلف أصله قوطي، وأن الموسيقى الأندلسية نابعة من الألحان الكنائية، إلى غير ذلك من دعاوي التنكر!
إنه عند استعراض هذه الحصيلة من أشعار (الغزال) بالبحث والتحليل والتذوق يتجلى أن المقطوعات تشتمل على المواضيع الآتية:
ـ غزل، وميولات وجدانية.
ـ تعفف عن المغريات، والتزام خطة توقير الكهولة والشيخوخة.
ـ شعور بالاستياء من تصرفات بعض الناس.
ـ التصدي لبعض هؤلاء الناس بالسخرية والتهكم.
ـ تأملات في شؤون الحياة وأطوارها.
ـ الزهد في متاع الحياة، والتطلع إلى النهاية الهادئة.
وهناك فنون معروفة في الأدب العربي ـ شرقا وغربا ـ يفتقدها الباحث في هذه الأشعار ولا يجدها، إما لأن المقتبسين لم يروا فائدة في اقتباسها، وإما لأن الشاعر أصلا لم تكن له ميول نحو هذه الفنون، وذلك مثل:
ـ مدح الأمراء والوزراء والسراة.
ـ الفخر بالحب والنسب والأمجاد الوطنية والقومية.
ـ مشاهد الطبيعة الجميلة.
ـ المشاعر الودية نحو الأهل والولد والأصدقاء والعشراء...
والواقع أنه مادام الديوان برمته مفقودا فالحكم الصحيح لا يمكن إصداره، فنحن لم نتعرف على الشاعر وشعره، إلا من خلال ما اختاره المختارون (2). وعلى هذا قد يكون هذا الذي اختير أحسن ما في الديوان، وقد لا يكون أفضل ما فيه، وقد يكون نموذجا فقط لما في الديوان، وممثلا لإقامة كما هي في الحقيقة... والاحتمالات الثلاثة معقولة، وغير بعيدة.
وعلى ذكر الاختيار لاحظت شيئا عجيبا، ذلك أن قصيدة غزلية متركبة من ستة عشر بيتا، تختلف اختلافا كبيرا ـ في ثلاثة عشر بيتا منها ـ بين راويين فاضلين هما: (ابن دحية) و(المقري)، فالمطلع للقصيدة عند الأول:
لم أنس إذ برزت إلي لعوب
طربا، وحيث قميصها مقلوب

بينما هي عند المقري كما يلي:
خرجت إليك، وثوبها مقلوب
وقلبها، طربا إليك، وجيب

القصيدة عند الأول يبدأها الشاعر بضمير المتكلم، بينما الثاني يوردها بضمير المخاطب، وإن كانت روح الشاعر الغزال أظهر في رواية ابن دحية، وابن دحية أقرب إلى عصر الشاعر، لأنه من العصر الأموي بينما راويتنا التلمساني من العهود الأخيرة للعرب بالأندلس، إنما يلاحظ كذلك أن المقري كتب مجموعته الأدبية (نفح الطيب) مستندا على حافظته ومراجعه، بينما كتب ابن دحية كتابه من حافظته فقط، فعند من يكون النص الحقيقي؟
إن الاهتمام بهذه القصيدة يأتي من عدة نواح:
ـ إنها أطول قصيدة من القصائد التي رويت للشاعر..
ـ إنها ذات موضوع غزالي طريف، ذاك الذي يتمثل في إغراء غانية للشاعر، بينما يجد المغري نفسه عاجزا عن الاستجابة!
ـ إن الوصف فيها دقيق للموقف الذي حدثت فيه (المشكلة)، بجميع الحركات والسكنات والأقوال والأفعال...
وليس في الإمكان إيراد القصيدة بأحد نصيها. خصوصا نص ابن دحية لأن فيها ما يخدش الحياء، ولو أن ابن دحية قال عنها أنها ذات (شعر حسن في الهزل، جزل في معانيه، دون فحش فيه(3)) .
هذا، وقد نال الشاعر الثناء من جميع الرواة القدماء والمحدثين، أثنوا على حذقه ورقته وبراعته الشعرية، وكادوا يجمعون على ذلك، إلا الرواية (ابن حيان) الذي وجه إليه تهمة (هتك الأعراض) في كتابه المقتبس، غير أن محققي هذا الكتاب ذكروا عن هذا المؤرخ أنه كان شديدا في أحكامه، وعلى هذا فقد يكون شاعرنا ممن أصابهم شور من تلك الأحكام. وقي أشعار صاحبنا ما يبرئه من هذه التهمة، فلنقرأ متمهلين هذه القطعة القصيرة:
وسليمي ذات زهد
في زهيد من وصال
كما قلت: صليني
حاسبتني بالخيال
والكرى، قد منعته
مقلتي أخرى الليالي
وهي أدرى، فلماذا
دافعتني بمحال؟
أترى أنا اقتضينا
بعد شيئا من نوال؟

الحقيقة أن هاتك الاعراض لا يتبب، ولا يتمنى تمنيات أقرب إلى اليأس، وإنما يسير إلى غاياته بوسائل غير الأشعار، بل هو يسخر من أسلوب يسمى الشعر والعواطف، لأنه يأنس من نفسه أنه عملي أكثر مما هو نظري.. اللهم إلا إذا كان يقصد بهتك الأعراض هتما معنويا؟
وليس معنى هذا أن شاعرنا كان ذا أحلام مجردة، بل إنه كان يرى مقاييس معينة في الجمال الأنثوي:
فارعة الجسم، هضيم الحشا
كالمهرة الضامر لم تركب
أو درة ساعة استخرجت
لم تمتهن بعد، ولم تثقب
مشربة اللون، متنوع الضحى
صفراء بالآصال كالمذهب

إن شاعرنا من المحظوظين الأقلاء الذين أنعم الله عليهم بعدة مزايا قد لا تجتمع لغيره، فهو وسيم في رجولة متماسكة، وهو حاذق أريب لا تمل معاشرته، وهو جليس الأمراء والكبراء، وهو محل الثقة للقيام بالمهام السامية لدى الدول الأجنبية، التي تتطلب السفارة إليها مؤهلات خاصة. وهكذا أوفد إلى بلاد الدنمارك سفيرا، فنال ثقة الملك، ونال إعجاب الأميرة (نود)، وعندئذ أبى إلا معابثتها شعرا، وإن كنا لسنا متأكدين بأنه عابثها بغير الشعر!:
كلفت يا قلبي هوى متعبا
غالبت منه الضيم الأغلبا
إني تعلقت مجوسية
تأبى لشمس الحسن أن تغربا
أقصى بلاد الله، من حيث لا
يلقى إليه ذاهب مذهبا
يا (نود) يا رود الشباب التي
تطلع من أزهارها الكوكبا
يا يأبى، الشخص الذي لا أرى
أحلى على قلبي، ولا أعذبا
إن قلت يوما: إن عيني رأت
مشبهه، لم أعد ان أكذبا
قالت: أرى فوديه قد نورا
دعابة، توجب أن أدعبا

قلت لها: يا بأبى انه
قد ينتج المهر كذا أشهبا
فاستضحكت عجبا بقولي لها
وإنما قلت، لكي تعجبا!

مضى الشاعر في مهمته عشرين شهرا، أنجز رغبة الأمير الأموي في كف هجومات الدنماركيين على الحواضر الأندلسية، وكسب عطف الملك الدنماركي (هوريك)، كما أحيط بإعجاب زائد من الأميرة (نود)، ولعل ذلك الانحراف من هذه المرأة هو الذي جعله يكون هذه الفكرة السوداء عن المرأة، وما عهدناه إلا معجبا محبا متولها:
يا راجيا ود الغواني ضلة
وفؤاده كلف بهن موكل
إن النساء لكالروج حقيقة
فالسرج سرجك، ريثما لا تنزل
فإذا نزلت فإن غيرك نازل
ذاك المكان وفاعل ما تفعل
أو منزل المجتاز أصبح غاديا
عنه، وينزل بعده من ينزل
أو كالثمار مباحة أغصانها
تدنو لأول من يمر فيأكل
اعط الشبيبة، لا أبالك حقها
منها، فإن نعيمها متحول
وإذا سلبت ثيابها لم تنتفع
عند السناء، بكل ما يستبدل

ورغم تقلبه في رعاية رب القصر الدانمركي، وانغماره في رعاية حاملة التاج فإن الذكرى ـ مع ذلك ـ حركت نفسه، وأهاجت خاطره نحو ديار الأهل والأحباب فأنشد:
ريع قلبي لما ذكرت الديارا
وتنورت بالنخيلات نارا
وازدهتني ذات السنا ببروق
من لظاها، فما أطيق اصطبارا
والقريح الفؤاد يزداد للنا
ر، وميض السعير منها استعارا

وعاد الشاعر ناجحا موفقا، فاستقبل أحسن استقبال، ونال الحظوة في كل مكان، ووصلت أخباره إلى أسماع الغيد الحسان، المعجبات عادة بالرجولة الموفقة، الحائزة على الشهرة والمجد، ويظهر أن إحداهم صرحت له بإعجابها، فتقل ذلك منها بتحفظ وعدم مبالاة:
قالت: أحبك. قلت كاذبة
غرى بذا، من ليس ينتقد
هذا كلام لست أقبله
الشيخ ليس يحبه أحد
سيان، قولك ذا وقوله أن
الريح نعقدها، فتنعقد
أو أن تقولي النار باردة
أو أن تقولي: الماء يتقد!

حقق الشاعر النجاح الباهر في سفارته، وصان مقامه من الابتذال، ونال رضى الخليفة وجعل ألسنة الدانماركيين تلهج بحذقه وبراعته... وكل هذا ليس هينا على ذوي القلوب المريضة، التي يضنيها الحسد ويحرقها الحقد، فأخذوا يتضايقون منه، ويهوتون من شأنه فارتجت لذلك عواطفه الرقيقة.. فكتب:
الناس خلق واحد متشابه
لكنما تتخالف الأعمال
ويقال حق في الرجال وباطل
أي امرئ إلا وفي مقال!
ولكل إنسان بما في نفسه
عن عيبه عن غيره أشغال
يستثقل اللمم الخفيف لغيره
وعليه من أمثال ذلك جبال!
وينام عن دنياه نومة قانع
بنعيم دنياه، وذلك خيال
ورأيت ألسنة الرجال أفاعيا
طورا تثور وتارة تغتال
فإذا سلمت من المقال غير ما
تجني، فأنت الأسعد المفضال!

لم يستكن الخصوم ـ من غير خصومة ـ إلى المسالمة، وإنما مضوا ينقصون ويعيبون ويختلقون الأكاذيب، بدون هوادة، فاكتفى بأن أطلق في وجوههم هذا النقد الساخر:
لا، ومن أعمل المطايا إليه
كل من يرتجي إليه نصيبا
ما أرى ههنا من الناس إلا
ثعلبا يطلب الدجاج وذيبا
أو شبيها بالقط ألقى بعينيـ
ـه إلى قارة، يريد الوثوبا!

وظنوا أن ألسنتهم أصابت مكانا حساسا في مكانة الشاعر، وأن الأمير التي لا تخفى عليه إشاعة أو خبر، قد بلغته إشاعاتهم وأكاذيبهم، ولذلك سكت عنه وتناساه، ولكنه عاد ـ كما بلغهم ـ فاستدعاه وجامله بشكل زائد عن الحد، فلم يسع الشاعر العنيد إلا أن يسجل وينشر ذلك في قصيد جميل، بين الأصدقاء والأعداء على السواء، وهكذا تسامرت الأندية بهذه القصيدة:
قال الأمير مداعبا بمقاله
جاء الغزال بحسنه وجماله
أين الجمال من أربى على
متعدد السبعين من أحواله؟
أين الجمال هل، الجمال من امرئ
ألقاه ريب الدهر في أغلاله
وأعاره من بعد جدته بلى
وأحال رونق وجهه عن حاله

لقد افتخر في المقدمة، افتخر بالوسامة وطول العمر، وحلول أن يطفئ من غل وأحقاد خصومه، فأتى بكلام عن ذهاب أيام الشباب، وأتعاب الدهر... لعلهم يكفون من غوائهم لكنهم أصروا على موقفهم، ومضوا يشنعون وينقصون، وهنا جاهرهم بأنه، وهم، على مستوى واحد من الضعف البشري:
إذا أخبرت عن رجل بريء
من الآفات ظاهرة صحيح
فسلهم عنه هل هو آدمي
فإن قالوا: نعم، فالقول ريح!
ولكن بعضنا أهل استتار
وعند الله أجمعنا جريح
ومن أنعام خالقنا علينا
بأن ذنوبنا ليست تفوح
فلو فاحت لأصبحنا هروبا
فرادى بالفلا، ما نستريح
وضاف بكل منتحل صلاحا
لنتن ذنوبه البلد الفسيح

ويا ليت المضايقات جاءت فقط من الأفذاذ الأكفاء، فحتى الخصي (نصر) المقرب جدا من الأمير بل المتطاول عليه في بعض الأحيان، فهل يتردد صاحبنا في مجابهته، لا:
أيا لا هيا في القصر، قرب المقابر
يرى كل يوم واردا غير صادر
كأنك قد أيقنت أن لست سائرا
غدا بينهم في بعض تلك الحفائر
تراهم، فنلهو بالشراب وبعض ما
تلذ به من نقر تلك المزاهر
وما أنت بالمغبون عقلا ولا حجى
ولا بقليل العلم عند التخابر
وفي ذاك ما أغناك عن كل واعظ
شفيق، وما أغناك عن كل زاجر
وكم من نعمة يعصى بها العبد ربه
ويلوي عدته عن ركوب الكبائر
سترحل عن هذا، وإنك قادم
وما أنت في شك، على غير عاذر

ولم يكل الأمر بهذا الخصي، فقد انكشف أمره الخطير للأمير (عبد الرحمن بن الحكم) الذي كان يخصه بمعاملة فريدة، لقد حاول هذا الخصي أن يسمم هذا الخليفة في كأس الدواء فما كان من الخليفة ـ وقد علم بالأمر ـ إلا أن ألزم الغادر بالشرب من نفس الكأس، فانتهى بذلك أمره. وعندئذ شيعه بهذه القطعة:
أغنى أبا الفتح ـ ما قد كان يأمله
من التصانع، والتشريف للدور
وكل فرض وعرض كان يجمعه
ـ حفيرة، حفرت بين المقابير
ولم يألها القوم تضييقا، ولا وقعت
فيها الكرارزين إلا بعد تقدير
فصار فيها كأشقى العالمين وان
لفوه بالنفح في مسك وكافور
ما العرف؟ لو أخبرونا بعد ثالثة
إلا كعرف سواه في المناخير
وكان أزمع شيئا لم تكن سبقت
به من الله أحكام المقادير
إذا أراد الله شيئا كونه
فلن يضرك فيه سوء تدبير

وتأبى الحوادث إلا أن تتوالى، فقد فاجأه خبر انعام الأمير على الفنان (زرياب) بقصر الخصي المتوفى، وذلك تقدير منه لهذا الرجل الغريب، الذي جاء من الشرق فاستولى على الألباب، واحتل مكانة كبرى،ـ وكاد يقضي على المقامات الأخرى، ولذلك كتب هذه القصيدة تحت تأثير الانفعال من هذا الإنعام الكبير، وليس في وسعه إلا أن يكتب قصيدة من هذا النوع، فلقد كتب ـ ذات يوم ـ قصيدة هزلية في حق زرياب فكان جزاؤه الطرد من الأندلس، وهو الآن ليس مستعدا لارتكاب مثل هذه الحماقة، فلكتف بهذه القصيدة، التي يتداخل فيها التشفي مع الموعظة والتعجب مع التحذير:
ذكر الناس: دار (نصر) لزريا
ب، وأهل لنيلها زرياب!
هكذا قدر الإله وقد تجـ
ـري بما لا تظنه الأسباب
أخرجوه منها إلى مسكن ليـ
ـس عليه إلا التراب حجاب
لا يجيب الداعية فيه ولا ير
جع إليه منه جواب
وتغالت تلك المراكب عنه
وأمليت إلى سواه الركاب
ليس معه من كل ما كان قد جمـ
ـع إلا ثلاثة أثواب
وتلاشى جميع ذاك، فلما
يبق إلا ثوابه أو العقاب
عسكر جندوا فليس مأذو
ن لهم عنه أن يكون حساب
فرأيت الرقاب من أهله ذلـ
ـت وعزت من آخرين رقاب
وكذلك الزمان يحدث في تصـ
ـريفه الذل والبلا والخراب
لتعجبت والذي منه أعجبـ
ـت إذا ما نظرت شيء عجاب
لكان الذي تولى الذي كا
ن عليه مخلد لا يرأب
فعله بعده كفعل امرئ ليـ
ـس عليه بعد الممات حساب
ولعقل الفتى صحيح، ولكن
حيرته الأوراق والأذهاب

وضاقت نفسه من مجريات الأمور في هذه الحياة، وخروج الأمور عن سيرها الطبيعي وارتفاع شأن الأوباش وخمول ذكر الأماجد.. فلم يجد أمامه من حل ومخرج سوى أن يسخر، وكانت سخريات فنية لاذعة:
فقال في عجوز خبيثة الحرفة:
جرداء صلعاء لم يبق الزمان لها
إلا لسانا ملحا بالملامات
لطمتها لطمة طارت عمامتها
عن صلعة ليس فيها خمس شعرات
كأنها بيضة الشاري إذا برقت
بالمأزق الضنك بين المشرفيا
لها حروف نوات في جوانبها
كقسمة أرض ميزت بالتخومات
وكاهل كسنام العيش جرده
طول السفاع وإلحاح التقودات

وقال في قاض ذي مستوى فظيع من الجهالة يسمى (يخامر):
لقد سمعت عجيبا
من آبدات (يخامر)
قرأ عليه غلام
(طه) و(سورة غافر)
فقال: من قال هذا؟
هذا لعمري شاعر!
أردت صقع قفاه
فخفت صولة جائر
أتيت يوما بتيس
مستعبر متحاسر
فقلت قوموا اذبحوه
فقال: (إني يخامر)!

وقال في عدلين لا يتورعان عن التلاعب بمهمتهما المقدسة:
أتاك أبو حفص، ويحيى بن مالك
فأهلا وسهلا بالوغى والمعامع!
رجال أذا صبوا عليك شهادة
حكت فيك وقع المرفهات القواطع
أقول لديكي إذ رأيت وجوههم:
تعز، فقد جاءتك إحدى الفجائع
رنا، واستهلت عند ذاك دموعه
وقال: كثيرا ما أفاضوا مدامعي

وليس عاديا أن تبدل الحياة سنتها، ولا أن يبدل أهل الدنيا سنتهم هم أيضا، فما على شاعر فنان رقيق الشعور سوى أن يركن إلى ظل ظليل، بين خميلة وارفة ومياه متدفقة صحبة دواوين أشعار، أو في صحبة أفراد الأسرة، الذين يبقون وحدهم على العهد مهما تقلب المتقلبون وتلون المتلونون، وطال العهد به في هذه الحياة أيضا، فأخذ الكلل والملل يسري:
ألست ترى الزمان طواني
وبدل خلقه كله وبراني
تحيفني عضوا فعضوا فلم يدع
سوى أسمى صحيحا ـ وحده ـ ولساني
ولو كانت الأسماء يدخلها البلى
لقد بلي اسمي لامتداد زماني
ومالي لا أبلى لتسعين حجة
وسبع أتت بعدها سنتان!
إذا عن لي شخص تخيل دونه
شبيه ضباب أو شبيه دخان!
فيا راغبا في العيش إن كنت عاقلا
فلا وعظ إلا دون لحظ عيان

المصير محتوم، والنهاية الأبدية تتراءى على هيئة شبح أسود، أسود فاحم، يلوح بذراعيه العاتيتين عبر القضاء الواسع، فيحجب النور البهي والنسيم المنعش وهما أحسن ما تتميز به الحياة الدنيا، ولذلك همس مودعا:
أصبحت والله محسودا على أمد
من الحياة قصير غير ممتد
حتى بقيت ـ بحمد الله ـ في خلق
كأنني بينهم ـ من خشية ـ وحدي
وما أفارق يوما من أفارقه
إلا حسبت فراقي آخر العهد
انظر إليـ إذا أدرجت في اللحد
واقعد قليلا، وعاين من يقيم معي
ممن يشيع نعشي من ذوي ودي

هذه حياة شاعر لبيب أريب، مر بدنيا الأندلس الزاهرة الراقية الفاتنة السعيدة فترك بصماته النورانية في الأوساط، الأوساط الفكرية والفنية والديبلوماسية ـ بلغة العصر ـ والاجتماعية، أثر فيها وأثرت فيه نال منها ونالت منه، وما غادر الحياة بعد نحو قرن ـ من الزمان، حتى كان قد ارتوى من كأسها حتى الثمالة.

  (1)ذكر المؤرخون أن المتعصبين أحرقوا من كتب المسلمين ألف ألف كتاب، أي والله مليون كتاب. فيا للجريمة النكراء!
  (2)مجموع المقطوعات الشعرية للشاعر الغزال 37 مقطوعة، عدد أبياتها نحو 230 بيتا، وهي مبثوثة في أهم المراجع القديمة مثل: نفح الطيب للمقرب، والمطرب من أشعار أهل المغرب لابن دحية، والمقتبس لابن حيان، والتشبيهات لمحمد بن الكناني.
  (3)يراجع الجزء الثالث من كتاب (نفح الطيب) ص 22 والمطرب من أشعار أهل المغرب ص 149.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here