islamaumaroc

همسات ولمزات

  دعوة الحق

العددان 179 و180

أذكر، ونحن طلبة بالسنة الرابعة من كلية الآداب بالقاهرة، أن أحدهم نبه أستاذنا أحمد أمين، رحمه اللهن، وهو يحاضرنا في الأدب العربي بالعهد الفاطمي، ويتعرض للشيعة وفرقهم وعقائدهم، نبهه، منفردا به ـ إلى أن فينا طلبة شيعة من العراق...
فما كان من أستاذنا، وقد عاد بعد ذلك إلى المحاضرة، إلا أن ذكر لما هذا التنبيه، بكثير من الاستغراب له، قائلا في مبالغة، لم تسرني آنذاك: «يجب أن تخلعوا عنكم مسوح العقيدة عند باب الكلية».
والحق أن هذا ما يجب للعلم وعلى المنتمين إليه، فهو حق، والله لا يستحيي من الحق، وهو سلطان طاغ، ولهذا قيل، «إن للعلم طغيانا» فالكلمة الأولى له والأخيرة كذلك، وما أحرى رجاله أن يفصحوا عنه وبه، فلا تأخذهم في حقه لومة لائم لقول هذا، وقد أسر إلي بعض الفضلاء من الأصدقاء، بأن فلانا ـ وهو منهم ـ نشر بعض الكتب، متخذا في كل كلمة تنتهي بالألف، الألف المستطيل، من غير تفريق بينها وبين الممالة.
فقلت له، لعله لم يراع مبدأ الإمالة التي رعاه السابقون، أو أنه فاته كذلك، فقال كلا، إنه ابن القرويين، وكأني كنت ساهيا، فرجعت بي هذه الكلمة، إلى ذكرى مرت عليها أربعون سنة بل يزيد وأنا أقتفي كتابا مقررا بإحدى سنوات الثانوية للقرويين، وهو «دروس في التاريخ الإسلامي» للخياط، رحمه الله.
فقد اشتريت هذا الكتاب، من المزاد الذي كان يقام إثر كل صلاة جمعة، على الكتب بمطي الجنائز مع جامع القرويين، وكان هذا الكتاب، في ملك صديقنا التلميذ عبد الوهاب بن منصور، الذي لاشك أنه قد استغنى عن كتابه باجتيازه لامتحان هذه السنة (وتسلم فيه خمسة وعشرين فرنكا مني).
وعادت بي ذاكرتي أيضا، إلى سبع عشرة سنة، حيث التقيت بصديقي على باب كلية الأدب بالرباط، فقلت له: ماذا تصنع هنا؟ فأجاب بالمثل المغرب «حتى شاب عاد علقولو الحجاب» مفسرا ذلك، بقوله «جئت لأمتحن»،،،
أعتقد أن الامتحان، كان لنيل شهادة الإجازة العالمية، وأن الممتحنين، كان فيهم المرحوم الحسين ابن البشير، ومحمد ابن عبد الله، مد الله في عمره.
وأقول «أعتقد» بمعنى «أظن» لأني ما سألت، فيم تمتحن، ولا استعملت، من الممتحنون، بل اكتفيت، بقبول هدية «سيجار فاخر»، قدمه إلي الصديق، بعدما سألني: أتدخن السيجار؟ لأنه لم يكن يدخنه، وقدم إليه كما قال، فاحتفظ به....
هذه ذكريات، وقد صارت الذكريات تأخذني، وأميل إليها وأأنس بها، وهي على كل حال، لها حيزها، الذي نأمل أن لا يضاق به ومنه صديقنا، وإلا كنا له معتذرين.
ومضت أيام استطعت أن أحصل على جل منشورات الأستاذ عبد الوهاب ابن منصور، فكان فيها «الأنيس المطرب» وابتهجت بالحصول عليها وما فتحت هذا الكتاب، حتى علت ابتهاجي قترة من الغم والهم. وهمما بإعادة الكتاب إلى صاحب المكتبة ولكن الفهارس، التي أصبحت مفاتيح الكتب، جعلتني أتريث، على مضض مني...
فقد دهمني هذا الكتاب بألفاته الطويلة التي نزلت على رأسي وكأنها عصى قوية تنثر دماغي، وكأني ما تصورتها يوما قيل لي عنها، حتى داهمتني وجها لوجه، فكانت مداهمة الصواعق والفواجع الكبار، كما صورنا وما أدينا حق التصوير...
وزادنا هما وغما، تكراره في منشورات أخرى مثل أخبار المهدي للبيدق، وجذوة الاقتباس لابن القاضي، والذخيرة السنية وان الأستاذ، اعتبر التفريق «لأخطاب لا موجب للاستمساك بها وإن مضا (كذا) على العمل بها زمن طويل».
فقد اعتبر هذه التفرقة بين الألفين من قبيل «الأخطاء» التي وقعت الكتابة العربية فيها قديما، كما قال، بمعناه... وليس الأمر كذلك، فالكتابة العربية، ما وقعت في خطأ بهذا، بل إنها كانت دقيقة في التفرقة بين الألفين، حيث سمت إحداهما. بما لم ننس تلقينه لنا في «المسيد» بأنها ألف «الإمالة»
فالإمالة إذن هي التي فرضت وجود هذه الألف في نحو «رمى» و«موسى» و«بلى» و«أولى» وأبعدتها أو ابتعدت عنها في نحو «رفا» و«عما» و«بلا» من البلاء، و«أولا» اسم غشارة.
ولا أكتم القارئ الكريم، أن إدراكي عجز، عن فهم الشكاوي التي تقدم بما من يتظلمون من الكتابة العربية، للغة العربية نفسها بينما لا يشكوها، من يكتبون بها لغات غير عربية، كالفارسة والأفغانية والأردية وغيرها.
وغير الكاتبين بها ساكتون على بلواهم، كما نرى، سعداء بكتابتهم، على الرغم مما تتعرض له من اختلال بين مختلف شعوبها وأممها لنأخذ مثلا، كلمة Singer التي تعيش معنا، وتماسينا بها التلفزة، فالكتابة واحدة، ولكن الإسباني ينطقها «سنخير» والفرنسي، ينطقها «سانجي» بإمالة الألف، حسب قاعدته المتبعة في كتابته، أما الإنجليزي هذا هو صاحب الكلمة التي سمي بها هذه الآلة، يعني بمعناها «المغني أو المغنية» مشبها صوت الآلة بالغناء.
فالكلمة في كتابتها متحدة، ولكنها في نطقها مختلفة تمام الاختلاف، خضوعا للقاعدة المختلفة بدون مراعاة لمعناها الأصلي. كما حصل في نحو Gasoil Mobiloil الإنجليزيتين اللتين ينطقهما الفرنسي، نطقا مختلفا عن أصله مراعاة للكتابة وإهدارا للمعنى.. أما الكلمات التي أصلها واحد وتصرفت في نطقها والكتابة لها كل أمة حسب ما رأت، فهي كثير في هذه الشعوب، ونكتفي بكلمة «أبريل» فالإسبانية تكتبها Abtil والفرنسية Avril والإنجليزية April وكذلك الألمانية مع أن الكلمة في أصلها اللاتيني واحد Aprilis
هذا ما يقع منه كثير في الكلمات فتختلف الكتابة ويختلف النطق تبعا لها، أو تتحد الكتابة ويختلف النطق تبعا لكل قانون يختلف في أمة عنه في غيرها وقد يكون لغير هذا كله، مثل الكلمتين Mesure Tréasure تنطق السين جيما عند الإنجليز لأنها نطقت زايا عند أصحابها الفرنس والزاي قريب من الجيم في النطف وكذلك حصل في غير هاتين الكلمتين بالإنجليزية.
أما النطق بالحرف الواحد المتحد والاختلاف فيه فكثير كذلك، مثلا الحرف V يختلف نطقا في الألمانية عما هو به في باقي اللغات المذكورة فهو بالألمانية ينطق فا. والحرف W ينطق به فيها، كما ينطق الحرف السابق في باقي اللغات كذلك، والحرف Z ينطق في الألمانية تاء ملصقة بالسين، بينما ينطق في الإسبانية ثاء، وفي غيرها زايا، والحرف J ينطق في الإسبانية خاء وفي الألمانية يا، وفي غيرهما جيما وهكذا نجد S لها نطق خاص في الكلمة الفرنسية، بحسب وضعها فيها وما يجاورها من حركات أو سكنات.
يضاف إلى هذا الاختلاف فيما نسميه بالحركات إذ نجد «A» في الإنجليزية، تنطق كسرة في نحو «MADE» فهذه الكلمة تنطقها الإسبانية «مادي» وينطقها غيرها «ماد» بينما هي في أصلها الإنجليزي «ميد».
ولنقف هنا عند ذكرنا للإنجليزية، فلا نفتح قاموسها، وإلا فإننا سنجد أنفسنا أمام طوفان من الفوضى في كتابتها التي لا تخضع لقانون، مما جعل أصحابها ينصون على النطق في كل كلمة منها، وركب في الإنجليزي نقصا وعدم ثقة بنفسه في كتابة كل اسم يعرض عليه فلا يحتشم من أن يسألك «كيف يتهجى» هذا الاسم، فإذا اتضحت في النطق به ليتمكن من كتابته، أعاد عليك السؤال: كيف يتهجى؟
ومع هذه الفوضى العارمة، فإنهم يحمدون الله على نعمة كتابتهم، ولا يشكون ولا يشتكون، ويعتبرون، من يتدخل في إصلاح طفيف فيها، متنطعا، لا يوثق بكتابته ثقة تامة، بل لا يوثق حتى بلغته أساا، وهي لغتهم، لم يقع فيها إلا طفيف انحراف كما قلنا عند الأمريكان فهل سمعتم بجامعة في العالم، عهدت بتدريس الإنجليزية إلى أمريكاني؟
كلا، إننا لم نسمع بهذا، ولم نعرفه إلا عند من لا يعرفون من المسؤولين...
وبعد فإن صنيع صديقنا أضر على كتابتنا، مما صنعه «أتاتورك» بها، فها تركها وطردها من «حيزة» لغته، ولم يعبث بها في شيء فكان منه ذلك تسريحا لها بإحسان...
أما نحن، فقد أسكناها ثم حرفناها، وعبثنا بنظامها المحكم مطلقين لأنفسنا الحرية التي ليست لنا فلم يكن تمسكنا بها إمساكا بمعروف. وهكذا فهم الأستاذ صديقنا أن له من الحرية ما يكتب للنشر وكأنه مذكراته الخاصة، التي يحتفظ بها في درجه مع أنه ليست له حرية، أن ينشر كتابه لعموم القارئين بالعربية، في غير نظامها المتبع عندهم وهم مئات الملايين من البشر وعشرات الأمم من العرب والعجم، وخصوصا ما كان من ذلك في الكتب التي لها قداستها الزمنية وممارستها الفكرية عند أصحابها..
فتصوروا، لو تجرأ فرنسي مثلا، على نشر كتاب بالفرنسية، متتبعا في نظام كتابته، نظاما غير متبع لقرائها فماذا يكون موقف الفرنسيين منه حكومة وشعبا؟ أظن أنه أقل ما يتخذ في هذا الكتاب، هو الإعدام. وإن كنا لا نريد للكتب التي نشرها الأستاذ ابن منصور صديقنا إعداما، علم الله منا ذلك، فإننا حريصون على اقتنانها والاستفادة منها، خصوصا منها ما كان بعيدا عن المتناول والأستاذ ابن منصور أقدم على هذا تحقيقا للمشروع الذي كان قد تقدم به منذ سنوات لضبط الكتابة وتسهيل قواعدها للناس ولكن الإنسان مهما حسنت نيته، ومهما كان لا يريد إلا الإصلاح ما استطاع، فإنه لا يستطيع أن يغير من خلقة الله التي فطر الناس عليها، ومنها هذه الكتابة التي هي حق لشعوب يملأون نصف الدنيا. وحتى المجامع العلمية واللغوية، فإنها ما تجرأت حتى الآن لاتخاذ هذه الخطوة الجريئة التي خطاها صديقنا، في صمت وسلام، وهمس الناس بها في خوف لا معنى له، ولا يحبه صاحبنا يقع للناس منه. فهذه الهمس أشبه ما يكون بالهمز، بل إنه الهمز نفسه. وويل لكل همزة لمزة...
المجتمع له حرمة لا تنتهك، ونظامه يجب اتباعه بما هو معهود. فكما لا يباح للإنسان أن يخرج لشارع لابسا القميص فوق «الجاكط» والتبان فوق «البنطلون» والجورب فوق، «السباط» فيعتبر بذلك مختلا يحمل إلى مستشفى الأمراض العقلية، كذلك هذه الكتابة المعدلة، ان يستعملها كما قلنا في مذكراته التي يحتفظ بها. كما أن للإنسان أن يصنع ما يشاء في بيته الخاص، فيلبس، فوق ما يلبس تحت، أو يضع على رأسه ما يجعل فيه قدميه. فهو حرفي بيته يصنع ما يشاء وليس حرا خارجه يصنع في مجتمعه ما يشاء...
وإلا كانت الفوضى والبلية، التي أردتها «بلبلة» فكتبت بلية. وهي حقا بلية، وصدقوني أني سرعان ما ابتليت بها، فقد فتحت أحد هذه الكتب، لأواجه بما جاء في نشرها من هذا القبيل، قراءنا الكرام، حتى يدركوا ما أدركني من الذعر، فصار الأمر يختلط علي وصرت في أمري كناقة المتنبي التي شككتها الليالي. فأية بلية إذن، هذه التي أصابتنا، ولم يرد ذلك صاحبها، عفا الله عنه وأرشده لما فيه الخير الذي يريده ونريده جميعا، ولا نريد غيره. علم الله إخلاص نيتنا وغيرتنا على صديقنا وعلى كتابتنا معا وقديما قيل «أحب الحق وأحب أفلاطون، ما اتفقا، فإن اختلفا فالحق أولى لي منه» والسلام على صديقنا الذي نحبه ولا نريد منه أن يظن فينا غير الإخلاص.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here