islamaumaroc

بحث في معنى الإله

  دعوة الحق

العددان 179 و180

لفت نظري ـ حين تدريسي للطلبة شرح البناني على السلم بزاويتنا الصديقية ـ انه مثل بلفظ الإله، لنوع من الكلى فلم يعجبني هذا التمثيل، وكتبت عليه ثمان ملاحظات، أحببت أن أنقلها إلى القراء الكرام
قال صاحب السلم:
فمنهم اشتراك الكلى
كأسد وعكسه الجزئي

قال العلامة البناني في شرحه:
يعني أن الكلى، هو الذي يفهم الشركة في معناه: أي لا يمنع نفس تصور معناه، من صدقه على متعدد، كإنسان وأسد. فدخل في تعريف الكلي أنواع، فذكر النوع الأول، ثم قال:
وثانيها: ما وجد منه فرد واحد، أما مع استحالة وجود غيره، بدليل خارج عن تصوره، كالإله أي المعبود بحق، فإن مجرد تصور معناه، لا يمنع من صدقه على متعدد. لكن قام الدليل القاطع على وجوب انفراد الله تبارك وتعالى بالألوهية، واستحالة ثبوتها لغيره.
وتفسير الإله بالمستغنى عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، لا يمنع كونه كليا. إذ لا يوجب تشخصه، لأنه بهذا المعنى يحتمل أن يصدق على كثير، على سبيل البدلية اهـ.
وقال محشيه العلامة على قصارة:
كان ينبغي إسقاط هذا القسم من أقسام الكلى، لأنه موهم في مقام الألوهية ما لا يصح في حقه تعالى من التعدد والجسمية والتركيب. فلا ينبغي إطلاقه، كما صرح به القرافي في شرح التنقيح، ونصه: إطلاق لفظ الكلى على واجب الوجود، فيه إيهام، تمنع من إطلاقه الشريعة، فلذلك تركته أدبا اهـ.
قال سيدي عيسى السكتاني: وكذا الجزئي، يوهم النسبة إلى جزء الشيء الموضوع للمجموع، فذلك مستحيل في حقه تعالى اهـ. علم من هذا أن إطلاق لفظ الكلي على الإله، لا يجوز شرعا، للإيهام المذكور(1) ،  وهذا أول خطأ من البناني رحمه الله.
الثاني: ـ ويشاركه فيه القرافي وأهل المنطق ـ أن الإله ليس بكلى، بل هو خاص بالله تعالى كالرحمن. وفي الناس كثيرون، اسمهم عبد الإله.
قال الفيومي في المصباح المنير: الإله المعبود، وهو الله سبحانه وتعالى. ثم استعاره المشركون لما عبدوه من دون الله تعالى اهـ.
وقال الراغب في مفردات القرآن: واله حقه إلا يجمع، إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أن ههنا معبودات جمعوه، فقالوا: الآلهة اهـ.
وفي القرآن الكريم (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان). وهذه الآية، من أدلة القائلين بأن اللغة توفيقية.
تبين من هذا أن الإله علم خاص، كما قلنا.
وأنه لتضمنه معنى العبادة، أطلقه العرب على معبوداتهم على سبيل الاستعارة.
وتوهم أهل المنطق أن هذا إطلاق حقيقي، فزعموه كليا، مع أنه علم خاص.
ونظير هذا: إطلاقهم لفظ حاتم على الكريم، اشتقاقا من معنى الكرم الذي اشتهر به حاتم الطائي المعروف، ولم يخرجه ذلك الإطلاق، عن علميته الشخصية.
كذلك لفظ الإله، لا يخرجه إطلاقه على المعبودات، اشتقاقا من معنى العبادة، عن علميته الخاصة بالله تعالى.
الثالث: أن الكلى إنما يتأتى في الممكنات، كالنبي والملك والعرش والكرسي واللوح والقلم والسماء والشمس والقمر والفلك والكواكب والروح والنفس والإنسان والحيوان والنبات وما إلى ذلك، مما يتركب من أجناس وفصول، ويدخل في دائرة المقولات(2)  العشر المجموعة في قول القائل:
زيد الطويل الأبيض ابن مالك
ببيته بالأمس كان متكى
بيده غصن لواه فالتوى
فهذه عشر مقولات سوا

أما واجب الوجود سبحانه، فهو منزه عن ذلك.
ليس شيء من أسمائه وصفاته كليا يتركب من جنس يشترك به مع غيره، ولا من فصل يميزه عنه.
بل أسماؤه وصفاته خاصة به، لخصوص العلم الشخصي بمسماه.
الرابع: أن الكلى، لا يتصور كونه محالا، إذ هو ما له جزئيات موجودة كالحيوان، أو ممكنة الوجود، كجبل ياقوت.
والمحال، عدم محض، ليست له صورة في الذهن، ولا يمكن أن تكون له صورة، بل لا يدرك ألا بطريق التشبيه، كان يعقل اجتماع السواد والحلاوة في العنب مثلا، ثم يقال: مثل هذا الاجتماع لا يكون بين السواد والبياض. وأحيانا لا يمكن تقريبه بطريق التشبيه، ككون الشيء موجودا معدوما في آن واحد.
فكيف يتصور كونه كليا له جزئيات؟!!
والذين اعتبروا الإله وشريك الباري، كليين مخطؤون واهمون، لم يعرفوا معنى المحال على حقيقته أو اشتبه عليهم الأمر، حين وجدوا كليا جزئياته معدومة، كجبل ياقوت وبحر زئبق، فاعتبروا المحال كليا مثله. لكن بينهما بون شاسع، لأن الممكن المعدوم قابل للوجود. وقد أخبر الله أن في اللجنة أنهارا من لبن لم يتغير طعمه، وأنهارا من خمرة لذة للشاربين، وأنهارا من عسل مصفى.
وهذه أمور ممكنة غير موجودة في الدنيا، وهي موجودة في الآخرة.
أما لمحال، فإنه مغرق في العدم، لا يقبل الوجود بحال، لا في الخارج، ولا في الذهن. ووجود جزئيات الكلى، مترتب على وجود صورة له في الذهن. والمحال لا صورة له، ولا يذكر إلا منفيا. والخلاصة: أن الكلى لا يكون إلا في الممكنات فقط، دون الواجب والمحال.
الخامس: قول البناني في بيان كلية الإله: مجرد تصور معناه، لا يمنع من تعدد مصدوقه. لكن قام الدليل القاطع على وجوب انفراد الله تبارك وتعالى بالألوهية، يشتمل على تناقض.
إذ حاصله: أن الإله مصدوقه جائز التعدد عقلا.
والإله واجب الانفراد في واحد عقلا.
وهذا تناقض واضح، لإخفاء فيه.
السادس: وهو مبني على ما قبله ـ: أن جواز تعدد الإله، ثابت. وقيام الدليل القاطع على وجوب تفرد الله بالألوهية لا يمنع منه، لأن جواز التعدد مفهوم الإله، فهو ذاتي، وما بالذات لا يتخلف، وفي هذا من الخطر ما لا يخفى، بل هو هدم التوحيد.
السابع: أن زيادة لفظ «بحق» في معنى الإله، لا أصل لها في اللغة، ولا علاقة للعقل بها، فالإله هو المعبود، وكونه معبودا بحق، حكم شرعي. والحكم لا يدخل في الحد، قال صاحب السلم:
وعندهم من جملة المردود
أن تدخل الأحكام في الحدود

الثامن: قوله أيضا: تفسير الإله بالمستغنى عن كل ما سواه المفتر إليه كل ما عداه، لا يمنع كونه كليا، إذ لا يوجب تشخيصه، لأنه بهذا المعنى يحتمل أن يصدق على كثير على سبيل البدلية اهـ.
إغراق في الخطأ، وتشبث به إلى حد التزمت، حتى أنه لم يفرق بين ما يعين المسمى ويخصصه، وبين ما ليس كذلك.
ومن البدهيات في علم المنطق أن التشخص في الجزئي، يمنع الاشتراك فيه. فإنسان كلي، يقبل الاشتراك. وزيد جزئه لا يقبل الشركة، لتشخصه وتعينه.
فلو فرضنا أن الإله بمعنى المعبود كلي كما قال، فإن تفسيره بالمستغنى عن كل ما سواه المفتقر إليه كل ما عداه، تخصيص له بما لا يشاركه فيه غيره من المعبودات، فهو بمنزلة التشخيص في زيد.
ذلك أن المعبودات يجمع أنواعها من ملائكة وإنس وجن وحيوان وأصنام، لا يجيز العقل في شيء منها أن يكون مستغنيا عن كل ما سواه، مفتقرا إليه كل ما عداه.
لأنها ممكنة، والممكن لا يستغني عن المحل والمخصص.
التاسع: قوله: إذ لا يوجب تشخصه، والصواب: أن يقول: إذ لا يوجب تعينه. لأن التشخص لا يجوز أن يضاف إلى الله سبحانه وتعالى(3) .
يرد في هذا المقام ثلاثة إيرادات، نذكرها مع الجواب عنها.
1 ـ دعوى أن المحال ليس بكلى، يحالف ما أطبق عليه أهل المنطق من اعتبار شريك الباري كليا، وكذا الإله، وأن يذكره بعضهم تأدبا كما مر، وتعريف المحال يقتضي كليته أيضا.
والجواب: مسائل المنطق، يعمل فيها بما يقضي به العقل والفكر السليم، لا بالإجماع أو قول الأكثر.
والمنطق الحديث، أبطل نظريات أطبق عليها القدماء في المنطق القديم.
ومما لا يخفى على دارس: أن الكليات مبادى التصورات التي هي حدود ورسوم، لماهيات الموجودات الممكنة.
فالحدود والرسوم، تتركب من أجناس وفصول وخواص، كما هو معلوم.
والموجودات نوعان:
موجودات بالفعل، كالإنسان والشمس.
موجودا  بالقوة، كنهر لبن وبحر زئبق وجبل ياقوت. فإن هذه الأشياء، ممكنة الوجود، وإمكان الشيء كوقوعه، فهي موجودة بالقوة.
والكليات التي تدخل في التعريف، تقع على أشياء موجودة في الذهن أو الخارج أو فيهما.
والمحال لا يتصور في العقل وجوده، ويسميه الحكماء منفيا.
وحكى شارح العقيدة الطحاوية إجماع العقلاء على أن المحال ليس بشيء.
والخلاف الذي حكان صاحب جمع الجوامع بقوله: فعلى الأصح المعدوم ليس بشيء ولا ذات ولا ثابت، إنما هو في المعدوم الممكن، كما قيده به شارحه الجلال المحلى، فثبت أن المحال، لا يكون كليا.
والعقل لا يمكنه أن يتصور شخصا قائما قاعدا، ولا ثوبا أبيض أسود.
وبالضرورة: لا يمكن تصور أفراد لما لا يمكن تصوره في نفسه.
2 ـ قال الشيخ سعيد قدورة، في بيان أفراد الكلى الممتنع:
فإن الجمع بين البياض والسواد، جمع بين الضدين، والجمع بين القيام والقعود، جمع بين الضدين. والجمع بين الترقي والتدلي، جمع بين الضدين. فتبين أن الجمع بين الضدين، واقع على كثير، وأفراده كلها ممتنعة الوجود في الخارج اهـ.
وهذا الكلام، يشتمل على أوهام:
1 ـ أن الجمع بين الضدين، مثال لمحاولة فعل المحال الذي هو اجتماع الضدين.
2 ـ أن أفراد الكلى، ما يتحقق فيها مفهومه كالإنسان، يتحقق في جزئياته مفهومه الذي هو حيوان ناطق.
وهذا إنما يتأتى في الماهيات الممكنة التي يتمايز أفرادها بالتشخيص وغيره، في الوجود الذهني أو الخارجي.
وماهية المحال، عدم بحت. لا تقبل الوجود في الخارج ولا في الذهن والعدم ولا تمايز فيه بين المعدمات.
3 ـ أن الكلى، إنما يطلق على شيء موجود بالفعل أو بالقوة، والمحال ليس بشيء، كما مر بيانه.
4 ـ أن تعدد الأفراد في الأمثلة التي ذكرها الشيخ سعيد، إنما هي أمثلة لمتعلق المحال أعني الضدين، فإنه لفظ هام، يشمل الأبيض والأسود، والقيام والقعود وغير ذلك من الأضداد الموجودة. فالتعدد واقع فيها، والترقي والتدلي، والليل والنهار، والحياة والموت، لا في المحال الذي هو اجتماعها، وهو المحكوم بنفيه.
وقد اشتبه الأمر على الشيخ سعيد، رحمه الله تعالى.
يوضح ذلك أن المحال الذي لا يتعلق بضدين مثلا، كشريك الباري، لا يتصور له أفراد أبدا.

3 ـ من الإيرادات ـ: دخول النفي العام، على إله، في قولنا: لا إله إلا الله، يؤيد القول بكليته، لأنه لا يجوز أن يقال: لا زيد في الدار، وإنما يقال: لا إنسان في الدار.
والجواب: أن النفي توجه باعتبار الإطلاق المجازي أي لا معبود إلا الله.
وهذا كما يقال: لا حاتم إلا فلان، أي لا كريم، أو لا قبس إلا فلان، أي لا فصيح، وهكذا.
فاله في الكلمة المشرفة، كلى في المعنى المجازي، كما أن لفظ حاتم كلى، لاستعماله في الكريم مجازا، مع أنه في الحقيقة علم شخصي.
وكذلك قيس، كلى لاستعماله في الفصيح مجازا، وهو في الحقيقة علم شخصي، لقيس بن ساعدة.
4 ـ اختار السنوسي أن معنى إله، في كلمة التوحيد:
لا مستغنيا عن كل ما سواه، ومفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله، فهو على هذا كلى.
والجواب: أن اختيار السنوسي لهذا المعنى، هو الذي غر البناني، وأوقعه في ذلك الخطأ الذي مر بيانه.
والسنوسي إنما اختاره، ليدعى أن كلمة التوحيد شاملة لصفات الواجبة لله تعالى.
لكن اختياره غير صحيح لأمور:
أحدها: أنه تكلف في إدخال تلك الصفات، بما لا دليل عليه، ولا حاجة تدعو إليه.
ثانيها: أن الإله لم يستعمله العرب إلا بمعنى المعبود. وكذلك جاء في القرآن الكريم (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون.. وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله.. اجعل الآلهة إلها واحدا ان هذا لشي عجاب.. أإله مع الله.. وقال الله لا تتخذوا إلهيم اثنين إنما هو إله واحد).
فالإله في هذه الآيات وغيرها، مفردا ومثنى ومجموعا، معناه المعبود. ونفي المعبودات، في الكلمة المشرفة، يكفي في إثبات التوحيد، ونبذ الشرك ولذلك جعلها الشارع دليلا على الإسلام، وعنوانا له. لأنه يلزم بالضرورة من نفس المعبودات، نفي الخصائص الألوهية عنها، وهي متنفية بضرورة العقل والمشاهدة، كما قال الله تعالى «واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ونفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ونشورا».
فلا حاجة إلى ما تكلفه السنوسي وغيره، في شرح الكلمة المشرفة.

   (1) صرح العلماء أيضا بأنه لا يجوز وصف علم الله بأنه ضروري، وإن كان له معنى صحيح، لإيهامه معنى لا يليق بالله تعالى.
  (2)أخذت هذا العلم عن شيخنا العلامة المحقق الشيخ العباس بناني بجامعة القرويين أعاد الله لها مجدها. وهو أحد أربعة علماء عرفوا بالتحقيق، وثانيهم: العلامة مولاي عبد الله الفضيلي، أخذت عنه رسالة الوضع، ومقدمات الجمع الجوامع. وثالثهم: العلامة الشيخ الراضي السناني صاحب الشذرات، أخذت عنه بعض جمع الجوامع. ورابعهم: العلامة مولاي أحمد القادري، أخذت عنه باب الجنايات من المختصر بشرح الخرشي، وأجازني أولهم بما يرويه عن سيدي أحمد بن الخياط رحمهم الله جميعا، وأثابهم رضاه.
  (3)وحديث: لا شخص أغير من الله، من تصرف بعض الرواة، ولفظه الثابت في أغلب الطرق: لا أحد أغير من الله، وفي رواية: لا شيء أغير من الله على أن النووي قي شرح مسلم أول: لا شخص بلا أحد، وقال: عبر بشخص عن أحد استعارة. وقيل: لا يدل الحديث على إطلاق لفظ شخص على الله، وإنما يدل على وصفه بالغيرة، لأن «افعل من» يدل على المشاركة في الصفة فقط، يقال: لا خيل أسرع من فلان. وكان يقال في سلمة بن الأكرع: أسرع من الخيل. يوضحه: أنك لو قلت: لا إنسان أغير من الله، لم يفد أن الله يسمى إنسانا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here