islamaumaroc

بمناسبة ذكرى عشرين غشت: الزبرقان

  دعوة الحق

العددان 179 و180

لا أعرف من سماه بهذا الاسم أو لقبه بهذا اللقب العجيب والظريف، ولا أدري أين هي الصلة الوثيقة أو غير الوثيقة التي تربط بين شخصية الزبرفان التاريخية وبين صاحبنا الذي كنا نحن جماعة من المناضلين نسميه« ببولحية» أكثر مما كنا نطلق عليه اسم الزبرقان، أما اسمه الأصلي أو العائلي« على » فلم يكن يناديه به أحد، لأنه لم يكن لبدل عليه ولعله هو نفسه أخذ ينسي أن اسمه على. ولئن كنا اصطلحنا على تسميته« ببولحية» فإن هذا الاصطلاح ظل فيما بيننا نحن الأقلية، ولم يكن لنا بد من أن نناديه شخصيا ومع الآخرين باسم الزبرفان تمشيا مع الأغلبية.
كان طويل القامة في هزال طبيعي، ذا عينين نافذتين وأن كانتا ضيقتين، ينبئان عن ذكاء في شكل دهاء، أغراب السيمات في تقاسيم وجهة الذي كان في حجم كرة بيضاوية الهيئة، أنك لا تستطيع أن تميز بين حالتي العبوس والطلاقة في معالمها، كما أنه كان من الحرج أن تسأله عن حل هذا اللغز المحير في شخصيته أضف إلى ذلك أنه كان قليل الكلام وقليله جدا.
حتى أنه لم يكن يتكلم إلا إذا كان مضطرا اضطرارا ولشدة رغبته في الإيجار والاختصار وهيامه بحكمة الصمت الذهبية فإن الزبرقان كان يفضل أحيانا إشارة برأسه أو بيده سلبيا أو ايجابيا على تحريك لسانه ولو « بلا»أو « نعم» وبدون شك فإن صاحبنا لم يكن عييا ولا مندرجا في « حزب باقل» العربي الذي كان العرب القدماء يضربون بفهاهته المثل الذي أصبح سائرا فيما بعد، وإنما كان اقتصاده الكلامي يكون صورة من صورة ذكائه ودهائه، ولكن ماهو المستوى الفكري لهذه الشخصية التي يظهر أنني حريص على أن أعمق صورتها في ذهن القارئ تعميقا؟
أنه لا يعدو مستوى مدرر القرية وهي « وظيفة » كان ما يزال الزبافان- بلغة  الأغلبية وبولحية بلغة  الأقلية- يشغلها في أول مناسبة تعرفت عليه فيها، وفاتني أن أبرز صفة أخرى من صفاته وهي الكتمان ذلك أنه كان بحق وحقيق بئرا عميقا بأسراره وبأسرار غيره، ولهذه المميزات كلها فإن بعض الإخوان من ذوي الفراسة التي لا تخطئ رشحوه للقيام بمهمة خطيرة وجسيمة وحساسة، وهي مهمة يمكن نعتها ووصفها بالاستخبارية، التي تعني بلغة العصر الجاسوسية وضدها، ومع أن هذا الاسم يبدو كبير الحجم بالنسبة لصاحبنا، فإنه استطاع أن يضطلع بالمهمة، وذلك بالرغم عن الظروف الصعبة التي كان يعيشها المغرب وخصوصا من بداية سنة 1950 ، وهي السنة التي احتدم فيها الصراع بين السلطات الاستعمارية والقوات الحية في البلد، وفي طليعتها محمد الخامس قدس الله  روحه لتبليغ ذورته سنة  1953 ففي تلك الظروف التي نشطت فيها أجهزة التجسس الاستعمارية وأصبحت تحصى الأنفاس على كافة المناضلين عبر كافة أنحاء المغرب كان ولا بد للحركة الوطنية من أن تأخذ حذرها وتبذل ما في وسعها لامتلاك المعلومات تفاديا لمفاجآت.
واحترازا من الوقوع في فخاخ الدسائس والألغام إلى جانب الحصول على  ما يساعد على كشف خيوط المؤامرة الكبرى التي كانت تدبر يومئذ وتعرينها في الخارج أمام الرأي العام العالمي، وهي معززة بالوثائق والمستندات والوقائع المضبوطة؟
وحين قدم لي الزبرقان شخصيا وتأملت ملامح وجهه ثم حادثته بشيء من التطويل، ليحييني بجمل وكلمات برقية مختزلة، آمنت  بفراسة صديقي الذي كان قد بادر إلى ترشيحه للمهمة وبقدر متزايد من الحماس.
إلا أنه كان على المسؤولين في جهاز« المخابرات الوطنية» في تلك  الفترة أن يحددوا الرقعة الجغرافية التي يمكن لصاحبنا أن يمارس نشاطه فيها بحيث تكون مضبوطة ضبطا دقيقا ومناسبة وملائمة لشخصية صاحبها وسرعان ما ندهش المسؤولون وهم بصدد  افتتاح النقاش في هذا الموضوع حينما ورد من صاحبنا طلب الكلمة عن عجل، وسرعان ما كانت دهشتي أكبر  وأعظم حينما قال الزبرفان أنه رهن الإشارة ليقوم بأية مهمة تسند إليه، إلا أنه يحبذ أن يكون ميدانها معروفا لديه أو قريبا من الميادين والجهات التي يعرفها جغرافيا ويلم الماما كافيا أو مناسبا بعاداتها وتقاليدها وياحبذا أن تتاح له الفرصة ليظهر مواهبة في منطقة الجنوب، ولم يكن بد من الاستجابة لرغبته هذه وعلى الفوز وللتو، بدأ الزبرفان يمارس مهمته التي كان يعتبرها بعض المسؤولين الوطنيين مجرد تجربة قابلة للنجاح مثلما أنها قابلة للفشل، في حين أن الزبرفان كان يعتقد في قراره نفسه وطبقا لما كانت توحى به ملامحه البليغة في الإعراب والتعبير عما يجول بخاطره، أنه يضطلع بهذه المهمة.
وبما أن الوضعية السياسية في تلك الفترة وبداية من سنة 1950 كانت في الأشهر الأولى من حملها للازمة الخطيرة التي تمخضت عن مولد سفاح في سنة 1953 فقد كانت تتطلب الكثير من الحذر والأكثر من التحري والاستعداد لجميع الطوارئ التي كان الطقس السياسي ينذر بوقوعها، وينبىء بأن  ساعتها آتية لا ريب فيها، وإنما هي ساعة الصفر لا غير.
وأخذ شريط الأحداث يتوالى وهو يحمل في كل أسبوع وفي كل شهر من جميع أنحاء المغرب المشاهد الأولى من تلك المسرحية التي كان يلوح من خلال مناظرها أنها ستكون من النوع الدرامي الكوميدي؟
وسرعان ما أنغمر الزبرفان، « وغطس» في خضم الأحداث و «تخصص» في ناحية الجنوب ليفجر فيها عنصر عبقرية، ويشاء المخطط الاستعماري فيما بعد  ذلك وخلال عمليات القمع وعواصفها الهوج التي اجتاحت البلد وهي غاضبة حانقة سنة 1953، أن تكون منطقة قواعد لمعتقلات سياسية رتبت سلالمها سلطات بونيفاس ترتيبا كان ولا شك حصيلة فتاوى فقهاء السياسة الأهلية، فكان نصيب بعض المناضلين في هذا المعتقل، ولم يكن في ذلك بينما كان مصير آخرين هذا السجن دون ذلك، فلم يكن بد والحالة هذه من أن يعاني المناضلون عزلة خانقة خصوصا وأن الخطة اعتمدت تصدير المعتقلين الذين ينتمون بحكم مساقط رؤوسهم إلى شمال، « وتوريد» الشماليين إلى نواحي الجنوب، وكان الزبرفان في هذه الظروف قد« أرنا حنة يديه» وتحدى في صمت بعض الإخوان الذين كانت سيماهم في وجوههم، تعبر عن شيء برأسها وعواصفها الهوج في شهر دجنبر من تلك السنة حتى كان الزبرقان يتوفر على « مصالح استخبارية» في العديد من جهات الجنوب بداية من مراكش إلى أقصى نقطة في أكادير، وما أن صدرت إليه التعليمات بمحاولة الاتصال بالمعتقلات ومعرفة ما يجري بداخلها وأسماء من هم محتجزون فيها، حتى  بادر إلى تحريك أجهزته وشبكاته في كل اتجاه، ودارت الأيام لتظهر أنها أجهزة وشبكات ذكية ونشيطة، فبالرغم عن الحصار الذي كان مضروبا عن المعتقلين فرادى وجماعات، وبالرغم عن نوعية العزلة الفريدة من نوعها، فإن أعوان صاحبنا الزبرفان وعيونه الراصدة وأطره ذات الكفاءة قد استطاعت أن تكتسب لها عيونا وأعوانا داخل المعتقلات نفسها من حراسها في أغلب الأحايين، وسرعان ما أخذت حصيلة محترمة من البريد تصل إلى المركز العام أما عن حالة المعتقلين وظروف معاشهم وانتمائهم الجهوي مع أسمائهم طبعا، وأما في شكل تقارير عن الوضع في تلك الجهات.
وبمرور الأيام لوحظ أن هيمنة جهاز مخابرات الزبرفان تزداد على جميع « القنوات» التي ترتبط بقواعد المعتقلات على اختلاف مواقعها في الجنوب، بل أن هذه الهيمنة قد تجاوزت ما لم يكن يتصوره أحد حتى أولئك الذين لم تساورهم الشكوك أول الأمر في قدرة الزبرقان وكفاءته وموهبته، ذلك أن أجهزة تلك «المخابرات» كانت تتسبب في وقوع« انقلابات» داخل المعتقلات تنتهي بإبعاد تشكيلة الحراس أو البعـض منهم كلما توجست خيفة من سلوكها، وهي« انقلابات» كان بعض المراقبين المدنيين من حكام الدوائر والملحقات يساهمون فيها تارة« شاعرين»، وأخرى مساقين؟
وهكذا فقد نشطت حركة الصادرة والوارد من المعتقلات ولم يكن من انتهاج أسلوب« الرقاصين» الذين كانت تناط بهم مهمة تبليغ الرسائل في المغرب قبل بزوغ عهد المواصلات الحديثة.
ولم يكن نبحث في التفاصيل وكيف يصل« الوارد» و« الصادر» من الرسائل المتبادلة فيما بين الوطنيين المعتقلين والقلة القليلة ممن أخطاتهم مناجل الحصاد في عملية قمع حصادي، إلا أنه كان شتويا على غير قياس في مواسم الحصاد الصيفي.
لم نكن نبحث ولم نكن نستفسر لا « الرقاصين» ولا رئيس الجهاز الاستخبارية وعميده الزبرقان، لأننا كنا نعتبر أن ذلك من«أسرار المهنة».
ولمدة تقرب من السنتين استمر نشاط ذلك الجهاز وكان يظهر من خلال قرائن الأحوال وارتفاع « الوارد» إلى درجة أصبح معها ميزان مدفوعات « الصادر» من طرفنا  تعاني عجزا، بل أننا أصبحنا  مدينين في بعض الأحيان للمعتقلين الذين عادوا يلحون على تسديد الديوان بإخبارهم بأي شيء، خصوصا حينما اقترب موعد وقوع الواقعة في أشهر من سنة 1953 وأخذ الأفق السياسي يزداد تجهما واكفهرارا، وكل سيمة من سيماته تذر بقرب انفجار الصاعقة التي كانت أحوال الطقس السياسي تتنبأ بها.
وظروف خاصة كهذه كانت تقتضي الزيادة في الاحتراز والتحري، وهذا ما أشعر به الزبرفان وهو في رحلة من رحلاته الباطوطية  عبر نواحي الجنوب، ومع ذلك فإنه أبي إلا أن  يقطع رحلة من رحلاته بعد أن تلقى التعليمات التي تفيد الرفع من حالة الطوارئ حتى القمة، ويقدم بنفسه إلى المركز العام، ليتعرف بالضبط على ما يمكن عمله في حالة ما إذا « وقعت الواقعة»وانفجرت العاصفة.
ولأول مرة سنحت لي الفرصة أن انفرد بالزبرفان وأسهر معه في ليلة بأكملها في منزلي فتح لي قلبه فيها وحدثني أحاديث ذات شجون عن مغامراته وأساليبه في العمل، ولأول مرة  اكتشف في الزبرفان خصلة سماها المرحوم على عبد الرازق  » بالعبقرية العملية  «ولأول مرة رأيت الزباقان وهو يتحدث أكثر مما يسمع على خلاف عادته، ولأول مرة رأيته يحلل الوضع السياسي في المغرب تحليلا علميا يربط بين المعطيات في الحاضر. ونتائجها في المستقبل على المدى المنظور، ويصنف العناصر التي يتألف منها الهيكل السياسي تصنيفا دقيقا، ويحفر لكل منها مجراه في ساحات الأحداث ومساربها ودوريها، ويترصدها من المنبع إلى  المصب ، الأمر الذي جعلني أصاب باندهاش كان ينقلني هنيهة بعد أخرى إلى حالة من الذهول، ثم أخذ يقص على بعض الوقائع من مغامراته وأساليبه في التبشير الوطني  والتوعية السياسية وتعميق مشاعر النضال في المواطنين.
ولئن غابت عن الذاكرة أو أمحت بعض تلك الوقائع فإن واحدة منها ما تزال تتراقص في مخيلتي ولم تستطيع السنوات التي مرت عليها أن تحجبها، وأن كانت العناكب الزمنية قد نسجت خيوطا شفافة حولها.
حدثني الزبرقان فقال:
كان من بين المعتقلين صديق عزيز على، وكنت على أحر من الشوق لرؤيته بل أن رؤيته أصبحت أمنية عزيزة هي الأخرى.
ومع أن الرسل كانت تسير بيني وبينه ذهابا وإيابا وفي منتهى السهولة إلا أن هذه الحالة لم تكن لتشفى غليلي، وتحت الحاج من شعور باطني أخذت أضع المخطط وأفكر في الترتيب لزيارته في معتقله.
ولما فاتحت صحابي في هذا الأمر لم يخفوا تحفظهم، وأن من خلال ملامح وجوههم، وبما أنني كنت مصرا على تحقيق تلك الأمنية فقد طلبت منهم وبشيء من الاستجداء، الذي لم يكن من طبعى، والذي  اصطنعته اصطناعا مسايرة لمشاعري، ويظهر أن صحابي قد اقتنعوا، بعضهم على أمل، وبعضهم على مضض، ولم يكن المعتقل بوضعه الجغرافي ليجعل من تحقيق الأمنية أمرا سهلا، ذلك أنه كان منعزلا وعاريا ولا تفصله عن مركز الحاكم الفرنسي سوى ساحة صحراوية الشكل بينما لم يكن حراسه كلهم سابحين في الفلك الزبرفاني »وجهازه الاستخباري « بالرغم عن سعة هيمنته على العدد من رجال الحرس على اختلاف انتماءاتهم الإقليمية ولهجاتهم التخاطبية.
ونظرا لأهمية المغامرة وخطورتها فقد التأم  »مجلس حربي « بعيدا عن الأعين حيث جرى أخذ ورد ونقاش ومقابلها من الأجوبة الايجابية، وأخير حصل الاتفاق على خطة كانت هي وحدها الكفيلة بتحقيق أمنية صاحبنا وكانت خطيرة ورهيبة في إعدادها، وأكثر خطورة  ورهبة في تنفيذها، وتتخلص في أن يتولى الزبافان نفسه دورة الحراسة في المعتقل في ليلية الأحد ويقوم  مقام الحارس الرسمي الذي كان لحسن الصدف يشبهه في عينيه الضيقتين ولحيته المسدولة ولونه القمحي وقده في الطول كما في العرض على السواء.
إلا أنه كان ولا بد من أن تجري عملية تمرين على دور الحارس قبل القيام به فجرب صاحبنا« اللبسة الرسمية»للحارس بسترتها وبنطلونها الفضفاض وحزامها الجلدي ذي اللون البني، وعمامتها الصفراء وحمل البندقية وأخذ يجربها بناء على تعليمات من « الحارس الأصلي» رفعا وخفضا مع ترديد ما يلزم من كلمات السر الأخرى، حتى إذا اجتاز هذا الامتحان بنجاح، وضعت عليه أسئلة كان يجيب عليها ويزيدها من أفكاره وتحاليله التي كانت تفترض المآزق لتجد لها الحلول اللازمة.
وحل اليوم الموعود الليلة واختبرت ليلة الأحد لأن الحاكم الفرنسي وخليفته غالبا ما يقضيان « اللويكاند» والعطلة، أما في عاصمة الملحقة أو في عاصمة الناحية، ومنذ الصباح الباكر والأعين الراصدة ساهرة على كل حركة للحاكم وخليفته وطباخيهما وحراسهما وانصرام النهار بأكمله وأقبل الليل ليحط بكلكله فوق ذلك الموقع الصحراوي، إلا أنه لا الحاكم ولا الخليفة لم يغادر منزله، الأمر الذي يدل على أنها آثرا  قضاء العطلة في عين المكان، وهو احتمال كان واردا ووقعت دراسته خلال انعقاد « المجلس الحربي» إلا أنه كان مستبعدا أكثر مما كان محتملا، والآن وقد أصبح واقعا وبما أن الواقع لا يرتفع فما العمل؟ وبدأت الاتصالات الاستعجالية تجري فيما بين الأطراف المعينة، في موضوع هذه الحالة، وهل يحسن تأجيل العملية،  في موضوع هذه الحالة، وهل يحسن تأجيل العملية، أم لا بد من السير فيها قدما إلى النهاية، ولكي لا يفاجأ صاحبنا بموقف« رجعى » من طرف جماعته فإنه بادر إلى استخدام جميع وسائل الإقناع، وكان أسلوبه في إقناع أولئك الناس عجيبا وغريبا وساحرا على ما حكي لنا، حتى أن تجاوبهم الروحي معه كان أعجب وأغراب، ومن ضمن ما استخدمه واستدل به: مطاردة كفارة قريش للنبي صلوات الله عليه وسلم وأبي وهما في طريقهما من مكة إلى المدينة، وكيف اختبئا في الغار وما كان من أمر وقوف المطاردين على حافة الغار نفسه، وكيف أن الله سبحانه أعمى أبصارهم.
وبما أن الناس في ذلك الوقت وحتى الموظفين وصغارهم كانوا يستجيبون لمثل هذا الإغراء الروحي بنفس القدر الذي أصبح فيه الناس اليوم يستجيبون للإغراء المادي فإنهم قد اقتنعوا، وتقرر السير قدما في تنفيذ الخطة.
وهنا توقف صاحبي ليلتقط أنفاسه باحتساء جرعة أو جرعتين من كأس الشاي الذي كانت درجة السخونة فيه في انخفاض، أما أنا فلم أشعر إلا ووجدت نفسي استعجل الزبرفان في مواصلة حديثه، لأنني كنت أشعر وكأنني أتتبع قصة من مغامرات أرسين لوبين، وبعد ما رد على بابتسامه مشرقه يشع منها نور الإيمان الذي طالما لاحظته في ملامحه، واصل حديثه.
وما أن حلت الساعة الموقوتة حتى كنت بداخل المعتقل متأبطا بندقيتي متحليا ببزتي معمما بعمامتي،  ومنفعلا نعلتي ومتمنطقا بحزامي الجلدي النبي، وإلى جانبي مساعدي في الحراسة وكان اسمه ويا لعجب الأقدار، «أمان الله»، حتى إذا لف السكون الموقع وما جاوره وأن كانت الأنوار ما تزال تنير في مسكن الحاكم دالة على أنه يقضي سهرة ساهرة، اقتحمت الباب على صديقي العزيز، فظن أنى حارسه الليلي، وبكل يقين فإنه كان ما يزال يراود نومه على نفسه فوقف مرعوبا وهو يردد ماذا حدث؟ ذلك لأن الجميع  وحتى المحتجزين في السجون والمعتقلات كانوا يتوقعون الحدث المخيف ويترقبون العاصفة بعد ما كانوا يعيشون رياحها الهوج.
وهدأت من روعه وحرصا على الوقت الثمين فلم أتأخر عن التعريف بحقيقة هويتي، وتداخلنا في عناق طويل ثم فجرنا همومنا وأحزاننا وشجوننا في أحاديث طويلة كانت تنتهي في مجموعة بعلامة استفهام حول الواقعة المنتظرة وما بعدها، وما هو العمل فيما إذا وقعت الواقعة وانشقت الأزمة ليجرع الاستعمار الشعب كأسا حتى الثمالة، وبعد دراسة مستفيضة  للمشاكل والحلول ودعت صاحبي، بعد أن رتبت معه «أمورا» كانت تستحق الترتيب، إلا أن الطمع البشرية الراسب في النفسية الإنسانية والذي شخصه الحديث الشريف في أنه لا يملأ بطن بني آدم سوى  التراب، استطاع أن يدفع بي دفعا إلى زيارة وطني آخر كان يقيم في نفس المعتقل، وأن كانت معرفتي  الشخصية به غير راسخة ولا شبيهة بها، وبالطبع فإن سروره كان عظيما بهذه الزيارة وسر أكثر من ذلك  حينما وجدني أتوفر على معلومات عن الوضع في قريته وأفراد عائلته وفي هذا الوقت الذي بدأت أشعر فيه بلذة الانتصار في نجاح الخطة  إذا بالحارس« أمان الله» يقرع علينا قرعا ولكأنه في حالة مطاردة، وما أن فتحت عليه حتى أخذ يردد: الحاكم، الحاكم، فأسرعت خارجا أنه في باب المنزل يودع خليفته وفهمت من إشارته أنه سيعرج على المعتقل، وهو يقوم بمثل هذه الزيارة المفاجأة من حين لآخر، فلم يسعني إلا أن أطلب منه الوقوف في محله خارج الباب على أن أرابط بدوري في داخل المعتقل، وبما أن الحاكم يجيد اللهجة المحلية فكان لزاما على أن أتذكر معلوماتي منها حتى لا ينفضح أمري وذلك فيما إذا أثر أن يخاطبني بتلك اللهجة.
وتسلحت بالطمأنينة الروحية التي تعتبر من أروع الأسلحة في مثل هذا الموقف، إلا أن قلبي كان يدق دقات تحت تأثير الوضع والمشهد على السواء وبعد حين ترامي إلى صوت الحاكم وهو يخاطب رفيقي وصاحبي كل شيء مزيان، « صحيت» بفتح الصاد وتشديد الحاء مع كسرها وسكون التاء؟
فأخذت أتأهب للامتحان، ويا له من امتحان، وقفت وقفة عسكرية كتلك التي تمرنت عليها فيما قبل، ومسكت بالبندقية، وعدلت من العمامة وتفقدت  الحزام تأملت مرة أخرى الوضع غي رجلي، وهل هو كما يجب أن يكون، وفيما أنا بصدد المرور بهذا الصراط، إذ بأمان الله يطل على من الباب الخارجي بوجهه المستدير وعينيه الواسعتين وهو يجر بندقيته ويرسل الضحكات ثم طوقني بذارعيه وهو يمزج الكلام بالضحك مزجا ليخبرني بأن الحاكم اكتفى بسؤال بعبارته التقليدية ولم يزد عليها: «كل شيء مزيان»صحيت، وتأملته جيدا ولم أشعر إلا وأنا أقبله وأقول له: أنك بحق وحقيق: أمان الله واسم لمسمى، وبذلك انتهت مدة دوري في الحراسة لتنتهي معها مغامرة من مغامراتي، فقلت راجعا، وقبل أن أودع رفاقي من الحراس قال لي أحدهم يا لعجب يأسي « الفقيه».
وهكذا كانوا يسمونني في تلك الأنحاء، أو لم تكن وقفة الحاكم على عتبة المعتقل وأنت بداخله شبيهة بوقفه كفار قريش على الغار الذي حدثنا عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فيه؟
فحركت رأسي وقلت أن العبد يدبر والقضاء ينفذ يا صحابي. وطوال المدة التي كان فيها الزبرقان يقص على هذه المغامرة كنت أنصت إليه بإمعان وتطلع وبذهول في بعض الأحيان، وبمحاولة استكشاف العوامل التي صنعت هذه العبقرية في شخص لا يتعدى مستواه الطور الابتدائي، وهي عبقرية يميزها الإلمام والشمول بمشاكل البلاد والعمق في تحليلها والنظرة العلمية والعملية لإبعادها، حتى إذا وقعت واقعة 20 غشت من سنة 1953 وأرغمتنا على الفراق وسار كل في سبيل، أخذت الأنباء تحمل إلى في الشهور الأولى التي أعقبت الواقعة أن الزبرفان قد ظهر بخلايا مقاومة منظمة ومؤطرة وهي خلايا كان يقوم على إعدادها خلال جولاته« وسفاراته»ثم توالت الأنباء بضروب من بلائه وقدرته النضالية، كما علمت فيما بعد أن حرصه الشديد على زيارة صديقه العزيز لم يكن بدافع عاطفي صرف، وإنما كانت بغية إطلاعه على  مسدسات كان يختزنها صديقه العزيز ويظهر أنه علم بمكانها في ليلة مغامراته التاريخية، ودارت الأيام وبزغ عهد الاستقلال وكان طبيعيا أن اذكر صاحبنا الزبرقان وأبحث عنه وأستفسر عن مصيره، إذا لم أعثر له على أثر فيما تبقى من القلة القليلة من المقاومين الحقيقيين التاريخيين، فإن كان حيا وحيثما كان فله منى هذه التحية التي تخلد اسمه ونضاله المستميت وجهاده في الله حق جهاده، وأن كان غير ذلك فسلام عليه مع المجاهدين الخالدين؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here