islamaumaroc

الإسلام والنصر: -7- التدين من مزايا القائد المنتصر

  دعوة الحق

العددان 179 و180

عزمت على إخراج كتاب للناس عن: (قيادة النبي) صلى الله عليه وسلم، أتحدث فيه عن صفات القائد المثالي، ثم أطبق تلك الصفات على مزايا النبي صلى الله عليه وسلم القيادية، فهو القدوة الحسنة للمسلمين في كل زمان ومكان، وهو المثال الرائع للمشرعين والإداريين والسياسيين وللقادة أيضا.
وكان منهاجي في البحث بعد كتابة المقدمة، دراسة صفات القائد في التراث العربي الإسلامي أولا، ودراسة صفاته في الكتب العسكرية الأجنبية الحديثة ثانيا، ومقارنة ما جاء في تراثنا بما جاء في المصادر العسكرية الجديدة التي كتبها أشهر قادة الحرب من عهد نابليون حتى اليوم.
وبغير مباهاة بتراثنا العربي الإسلامي واعتزاز، وإقرارا للحق وحده، وبدون انفعال ولا عاطفة، فقد وجدت أن ما جاء في تراثنا أغزر مادة وأكثر تفصيلا وأشمل دراسة وأعمق فكرا مما جاء في المصادر العسكرية الحديثة، ابتداء بما قاله نابليون وانتهاء بما سطره مونتكومري في كتابه: (السبيل إلى القيادة) الذي صدر باللغة الإنجليزية قبل أعوام.
والواقع أن في تراثنا العربي الإسلامي كنوزا من العلم والمعرفة يندر وجودها في تراث آخر لأية أمة من الأمم، ولكن المناهج التعليمية التي حرص المستعمر على وضعها، وحرص أيتامه على إقرارها من بعده، عملت عملها الهدام في التقليل من شأن تراثنا العريق، وصورته بصورة المتخلف عن ركب الدراسات العلمية والأدبية والفنية، وجعلت التلاميذ والطلاب يشيحون بوجودهم عنه، مبهورين بكل ما جاء به الأجنبي.
ومن المؤسف حقا أن تراثنا الشامخ، أصبح مجهولا حتى من أساتذة الجامعات، فهم يرددون ما قاله الأجنبي فلان والمستشرق فلان.
لقد قرأت مؤخرا بحثا مستفيضا عن مؤرخ عربي قديم، كتبه أستاذ جامعي كبير، فكانت كل مصادره أجنبية، ولم (يتواضع) حتى في الاعتماد على مصدر عربي واحد... كان أولئك الأجانب ابتكروا المعلومات التي أوردوها عن ذلك المؤرخ العربي، بينما الحقيقة هي أن الأجانب نقلوا معلوماتهم عن تراثنا مستهدفين إظهار العيوب وإخفاء المزايا.
وإذا كان للمستشرقين والأجانب من غير العرب عذرهم الواضح في التقليل من شأن تراثنا العربي الإسلامي، فما عذر المستغربين العرب في اقتفاء آثار الأجانب والمستشرقين؟
لقد توخى المستعمر قلع صلة تلاميذ العرب وطلابهم من جذورها بتراثهم الحضاري العظيم والأمة التي ليس ماض تعتز به لا يكون لها حاضر ولا مستقبل، لأن معرفة الماضي هي وحدها تطوع لنا تصوير المستقبل، فالماضي والحاضر والمستقبل وحدة لا سبيل إلى انفصامها، ومعرفة الماضي هي الوسيلة لتشخيص الحاضر وتنظيم المستقبل.
في هذه الدراسة سأركز على ما جاء عن (العقيدة) كمزية من مزايا القائد المنتصر في تراثنا العربي الإسلامي أولا وفي المصادر الأجنبية ثانيا(1) .
والتراث العربي الإسلامي في الناحية العسكرية ضخم جدا، يملأ مكاتب أوروبا ومتاحفها وتزخر به مكاتب المخطوطات العربية في شتى اصقاع الدنيا، ويكفي أن نذكر كتاب فهرست ابن النديم الذي عدد فيه: (الكتب المؤلفة في الفروسية وحما السلاح، وآلات الحرب والتدبير والعمل بذلك لجميع الأمم (2) لنرى أي تراث عسكري أصيل كان للعرب والمسلمين منذ أقدم العصور.
وإذا كان الزمن قد أبقى عددا كبيرا من المخطوطات العسكرية العربية، فكم هو عدد المخطوطات العسكرية التي عفى عليها الزمن؟
ومن مقارنة ما جاء في كتاب الفهرست لابن النديم عن الكتب العسكرية العربية التي علم بها. بالكتب العسكرية العربية التي وصلت إلينا في الوقت الحاضر، يتبين لنا أن كثيرا من تراث العرب العسكري لا يزال مفقودا.
ولكن ما بقي من المخطوطات العسكرية العربية، يدل على أن العرب والمسلمين بلغوا شأوا بعيدا في العلوم العسكرية النظرية.
وسأقتصر على إيراد ما جاء في ثلاثة كتب من تراثنا العربي الإسلامي عن (العقيدة) وعلاقتها بصفات القائد المنتصر: كتابان منها مطبوعان والثالث لا يزال مخطوطا.
جاء في كتاب (مختصر سياسة الحروب) (3) للهرثمي الذي عاش إلى ما بعد سنة (243) الهجرية في باب: (في أن نظام الأمر تقوى الله والعمل بطاعته) مانصه:
«فينبغي لصاحب الحرب أن يجعل رأس سلاحه في حربه تقوى الله وحده وكثرة ذكره والاستعانة به والتوكل عليه، ومسألته التأييد والنصر والسلامة والظفر، وأن يعلم أن ذلك إنما هو من الله جل ثناؤه لمن شاء من خلقه كيف شاء، لا بالإرب منه والحيلة والاقتدار والكثرة، وأن يبرأ إليه جل وعز من الحول والقوة في كل أنر ونهي ووقت وحال، والا بدع الاستخارة لله في كل ما يعمل به، وأن يترك البغي والحقد وينوي العفو ويترك الانتقام عند الظفر إلا بما كان فيه لله رضى، وأن يستعمل العدل وحسن السيرة والتفقد للصغير والكبير بما فيه مصلحة رعيته، وأن يعتمد في كل ما يعمل به في حربه طلب ما عند ربه  عز وجل ليجتمع به خير الدنيا والآخرة(4)» .
وداء في كتاب: (الأحكام السلطانية) (5) لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي المتوفى سنة (450) الهجرية عن (العقيدة) في صفات القائد المنتصر: (أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله من حقوقه وأمر به من حدوده، حتى لا يكون بينهم تجور في دين الله ولا تحيف في حق، فإن من جاهد عن الدين كان أحق الناس بالتزام أحكامه، والفصل بين حلاله وحرامه(6)) .
وجاء في كتاب: (الأدلة الرسمية في التعابي الحرية) (7) لمحمد بن منكلي نقيب الجيش في سلطنة الإشراف شعبان (764هـ ـ 778هـ) وقد ألف هذا الكتاب سنة (770) الهجرية: (أن تقوى الله هي العمدة العظمى، والفوز الأكبر الأعلى ثم قال:
ويلزم أمير الجيش أن يؤلف بين قلوب رفقائه، وأن يراعي في جيشه ما أوجبه الله من حقوقه...).

تلك لمحات مما جاء في التراث العربي الإسلامي عن صفة (العقيدة) في القائد المنتصر.
وأكاد ألمح قسما من القراءة يطالبون بإيراد ما جاء في المصادر الأجنبية الحديثة عن ميزة (العقيدة) في القائد المنتصر.
وأستطيع إيراد أمثلة لا تعد ولا تحصى من المصادر الأجنبية، ولكنني سأقتصر على إيراد ما جاء في آخر كتاب صدر عن القيادة هو كتاب: (السبيل إلى القيادة) الذي ألفه المشير اللورد مونتكومري أبرز قادة الحلفاء في الحراب العالمية الثانية، وهو قائد معروف أشهر من أن يعرف.
يتساءل مونتكومري: (هل من علاقة للدين بالقيادة)؟ وهو يجيب على هذا التساؤل جوابا جازما فيقول: «إن القائد لابد من أن يكون متمسكا بمثل عليا وبالفضائل الدينية».
ومجمل الفضائل الدينية التي يراها مونتكومري هي:
أ) الهدي:
«وهي عادة إرجاع جميع الأمور إلى الإرشاد الإلهي، وإلى هذه الفضيلة تستند الحكمة والإنصاف وحسن التصرف».

ب) العدالة:
وهي إعطاء كل فرد حقه: حق الله وحق الإنسان نفسه، وإلى هذه الفضيلة تستند الواجبات الدينية والطاعة والشكران، وكذلك النزاهة والاستقامة وحسن النية نحو الآخرين».

ج) الانضباط:
«وهو السيطرة على النفس لغرض تطوير الطبيعة البشرية إلى أرفع المستويات للأغراض الاجتماعية والشخصية أيضا، وإلى هاتين يستند الطهر والتواضع والصبر».

د) الجلادة:
«ومي الروح التي تقاوم وتتحمل وتتغلب على محن الحياة وإغراءاتها، وإلى هذه الفضيلة تستند الشجاعة الأدبية والمثابرة وضبط النفس».

ثم يتساءل مونتكومري: «من هم أعظم القادة في كل الأزمان»؟ ثم يجيب: «أنهم ولاشك مؤسسة الديانات العظمى: المسيح ومحمد وبوذا».
ثم يقول: «هل كانت الحياة الخاصة لهؤلاء الثلاثة أحد الأسباب لنفوذهم ونجاحهم؟ وهل يجب أن تكون حياة القائد الخاصة فوق الشبهات»؟
ويجيب مونتكومري على ذلك فيقول: «في رأيي الخاص في هذه القضية بالذات بل وجميع القضايا الأخرى أن العامل الأكبر هو إخلاص المرء ونفوذه وكونه (قدوة) وخاصة فيما يتعلق بالفضائل الدينية...
«إنني لا أدري كيف يستطيع امرؤ أن يكون قائدا، إن لم تكن حياته الخاصة فوق الشبهات، فإن لم تكن حياته الخاصة فوق الشبهات، فلا يحترمه الذين يقودهم، وسيسحبون ثقتهم منه، وإذا ما حدث ذلك، فستفقد قيادته تأثيرها.. إنني أعتقد أن (الاستقامة) في القضايا المعنوية وفي الفضائل الدينية أمر ضروري لنجاح القائد».
ومونتكومري يعتقد: أن الميزة الأولى للقائد هي أن يكون مخلصا إخلاص عميقا  وعظيما وحقيقيا، ينبعث من القائد من غير أن يشعر به فهو فيه بالطبيعة، وهو لا يملك ألا يكون مخلصا. ويضاف إلى الإخلاص نكران الذات، وأعني بذلك الولاء التام للقضية التي يخدمها، من غير أن يفكر ي جزاء أو تعظيم».
ويقول: «يجب أن يكون القائد (مستقيما) كل الاستقامة» ثم يقول: «وإني أعتقد أنه يجب أن يكون لدى القائد (يقين) باطني مبني على العقل، ولكنه يعلو مع ذلك فوق العقل».
وشاء مونتكومري أن يختم كتابه القيم: (الطريق إلى القيادة) بخاتمة هي في الحق تهويمة صوفية بكل ما في هذا التعبير من معان، فهي عبارة عن رؤيا لاقى فيا أباه المتوفى فحدثه حديثا قال له فيه أبوه: «يا بني لا أود أن أبقى طويلا، وأود أن أقول لك: يتحدث الناس في الدنيا كلها عن (الحرية)، ولكن هناك حرية إيجابية واحدة هي حرية الاختيار بين الخير والشر، وان أفضل تعريف لهذه الكلمة التي قلما فهمها الناس هي: أن الحرية التامة هي خدمة الرب».
ويضيف مونتكومري الأب مخاطبا ابنه المشير مونتكومري في المنام: «عندما أعاين عالمكم اليوم، ينتابني القلق أحيانا علىا الجيل الجديد. عدهم مغريات لم نحصل عليها أنا وأنت، ويبدو أنهم ينضجون مبكرا، ولكن ذلك يجري في عالم غير مأمون، وهم يميلون إلى أن يجعلوا للأمور (المادية) قيمة كبيرة وأن يهملوا القيم (الروحية)... على الشباب أن يتسلح جيدا بالشعور الروحي، إذا أراد ألا ينحرف أو أراد ألا يجرفه التيار».
ومن الواضح أن مونتكومري في كتاب هذا: (السبيل إلى القيادة) ردد مرات كثيرة، أهمية تحلي القائد بالدين، وقد عزا نجاحه قائدا منتصرا أكثر من مرة في كتابه هذا إلى تمسكه بأهداب الدين.

وربما يتبادر إلى الأذهان السؤال التالي: (كيف أنتصر الاتحاد السوفياتي وهم لا يؤمنون بالدين)؟
والواقع أن الاتحاد السوفياتي قد تساهل مع أفراد جيشه في القضايا الدينية أيام الحرب العالمية الثانية، فأقبل الناس على الكنائس وظهرت الأيقونات والصلبان وحملها العسكريون على صدورهم.
إن المرء حين يكون في خطر محدق يرجع عادة إلى الله، ويدعوه أن ينجيه من الخطر.
ولكن السوفييت إذا تخلوا رسميا عن دين الله، فهم قد تمسكوا رسميا أيضا بدين البشر.
وتعصبهم لعقيدتهم البشرية المادية معروف، وهذه العقيدة مهما يكن أمرها أدت إلى إشاعة الانسجام الفكري الذي أدى بدوره إلى التعاون في الحرب.
إن العقيدة ضرورية للغاية للقائد وللجنود أيضا، والتمسك بعقيدة فاسدة خير من التخلي عن كل عقيدة، وقديما قالوا: «لو اعتقد المرء بحجر لنفعه».
وقد كان من جملة أسباب اندحار العرب في حرب حزيران (يونيو) 1967 هو تخليهم عن عقيدتهم السماوية العظيمة.
لذلك انتصرت العقيدة الفاسدة التي يتمسك بها يهود على من لا عقيدة لهم.
إن العرب إذا عادوا إلى الله، فإنهم يستطيعون حشد عشرة ملايين مقاتل لمحاربة إسرائيل، لأن نفوس العرب مائة مليون نسمة.
وإن المسلمين إذا عادوا إلى الله فإنهم يستطيعون حشد سبعين مليون محارب لمقاتلة إسرائيل، لأن نفوس المسلمين اليوم سبعمائة مليون نسمة.
فأين تكون إسرائيل لو صدق العرب والمسلمون ما عاهدوا الله عليه؟
مرة ثانية:
لو كتب عسكري عربي ما كتبه مونتكومري عن علاقة (الدين) بالقيادة، فماذا كان يقول عنه الناس هنا وهناك؟؟؟!!
إن القائد بدون (عقيدة) كالجسد بدون روح، وإن يفلح قائد تخلى عن عقيدته أو كان بدون عقيدة.
وتاريخ الحروب في كل العصور لكل الأمم، خير دليل على ما أقول.

  (1)انظر التفاصيل في كتابنا: بين العقيدة والقيادة.
  (2)أنظر التفاصيل في الفهرست، ابن النديم ص 314 ـ 315، بيروت، 1964م.
  (3)تحقيق المرحوم عبد الرؤوف عون، مراجعة الدكتور محمد مصطفى زيادة، القاهرة.
  (4)مختصر سباسة الحروب ص 15.
  (5)الأحكام السلطانية، المارودي، القاهرة، الطبعة الثانية 1376هـ.
  (6) الأحكام السلطانية 44 ـ 49 وفيها تفصيل ذلك.
  (7)كتاب مخطوط منه نسخة في مكتبة آيا صوفيا (في تركيا) برقم (3839) وأخرى برقم(2875)، وأعمل الآن في تحقيقه وإخراجه للناس نظرا لفائدته العظيمة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here