islamaumaroc

أهو سلطان الشعراء؟

  دعوة الحق

العددان 179 و180

قرأنا وسمعنا الكثير عن مهرجانات سلطان الطلبة، وهي مهرجانات تشغل حيزا بارزا في تاريخ المغرب وفي تاريخ مدينة فاس بوجه خاص، التي ظلت قاعدة لسلطنة الطلبة، كما أنها أصبحت تشكل تراثا تاريخيا تطبعه الطرافة، ويندرج بحكم نوعيته فيما يمكن تسميته ترفيها بلغة اليوم، وتتحدث المصادر التاريخية، وفي غير قليل من الإسهاب، عن حفلات سلطان الطلبة باستفاضة في الكثير من الأحيان، بالإصرار على ذكر حتى أصغر الجزئيات في أحايين أخرى، بينما تختزن صفحات تلك المصادر أوصافا، «وريبورتاجات» بلغة اليوم لـ«بلاطات» سلاطين الطلبة وما كان يجري فيها من «أصول الحكم» وكيفية إنزال العقوبات «وقانونها الدمغي» الذي يحدد تلك العقوبات، ويوجد من بين سلاطين الطلبة عدد من الأسماء اللامعة أو التي لمعت من خلال «حكمها السلطاني» الذي ما فتئت مدده تتقلص وتختزل حتى لم تتجاوز أياما معدودات.
كل ذلك وما شابهه أو ما أضيف إليه قرأناه في الكتب وأمهات المصادر، وسمعنا بالبعض عنه من رواة، منهم من عاصر سلطنة الطلبة في عهد من عهودها القريبة، ومنهم من سمع بدوره من رواة آخرين بأسانيد متصلة أو منفصلة بلغة الحديث، إلا أننا لم نقرأ ولم نسمع عن مهرجانات سلاطين الشعراء، فهل حقا كانت هنالك في عهد من العهود لقاءات وحفلات شعرية ذات طابع عكاظى يتبارى فيها الشعراء بقصائدهم، والزجالون بأزجالهم، لينتهي التباري بانتقاء سلطان للشعراء، أو أمير للشعراء، تعقد له البيعة بنفس الطريقة التي كانت تعقد بها لأحمد شوقي؟؟ وهل صحيح أن مدينة فاس التي اعتبرت عاصمة سلطنة الطلبة كانت أيضا مهدا ومسرحا لسلطنة الشعراء؟
إنه إذا كانت المصادر المغربية التي بين أيدينا، أو التي بين يدي على الأقل، لا تمكن من الإجابة على هذين السؤالين بكيفية واضحة أو قريبة من الوضوح، فإن رحالة إنجليزيا يجيب عليهما وبتفصيل، وهذا الرحالة اسمه «وليام ليف غو» عاش في  القرن الحادي عشر وكانت وجهته في رحلته على ما يروي اكتشاف مجاهل الصحراء؟
وقد سجل مذكراته في كتاب له بعنوان: « المغامرات النادرة»، وفي هذه المذكرات يقول «وليام ليف غو» إنه عرج على المغرب وعلى مدينة فاس(1)، وفي وصفه لمدينة فاس في ذلك العهد ما يؤكد أنه كان شخصا دقيق الملاحظة ذا هيام بتشخيص الجزئيات التي من شأنها أن تؤلف صورة ذات حجم يمكن من التعرف على ملامحها وقسماتها.
والواقع أن مغامرات الرحالة الانجليزي «وليام» كانت بحق نادرة، فهي نادرة بمخططها الجغرافي، وبالعزيمة الفريدة التي جعلت هذا الرجل يقتحم الصعوبات اقتحاما، وهي صعوبات ذات مدلول مادي أكثر  منه معنوي، فالرجل كان يعلم أنه في اتجاهه إلى عالم مجهول هو عالم الصحراء، ومع ذلك فإنه تسلح بالنوع الجيد من الصبر والنفس الطويل مصرا على اكتشاف ذلك العالم المجهول.
ولا يعنيني من أمر مغامراته النادرة «إلا ما يتصل بأمر عبوره المغرب ومدينة فاس، ولقد وجدت أنه من المتعذر علي أن أساير خطط رحلته من الوجهة الجغرافية، ذلك أنه ينتقل بسرعة من طرابلس إلى تونس فمدينة فاس، على أنني لا أستطيع الجزم بكون هذا الوصف من رحلته من صنيعه هو، أم هو صنيع أولئك الذين تحدثوا عن رحلته ملخصين لها أو معلقين عليها، حيث أنها في نصها الأصلي الانجليزي ظلت احتكارا لذوي الاختصاص من الباحثين الذين يوجد من بينهم شخص يدعى صموئيل، صموئيل هذا هو الذي نقل عنه باحث فرنسي يسمى جاك ليمان (2) وعنه أنقل بدوري ما يهمنا من أمر وصفه لمدينة فاس ولمهرجانها الشعري الذي كان يشبه- حسب الأوصاف والنعوت التي ساقها الرحالة الانجليزي فيها- مهرجان سلطان الشعراء، كما أحببت أن أسميه، بمهرجان سلطان الطلبة، وذلك على حسب المواصفات التي أضفاها عليه الرحالة الانجليزي وليام .
يقول وليام وهو يصف المهرجان الشعري الذي ذكر أن موعد انعقاده كان يم جمعة  وأن السكان أخبروه بواسطة مترجمه بأن هذا اللقاء يتم في أول يوم جمعة من شهر مارس في كل عام، في هذه الساحة  الفسيحة الأرجاء حيث يأخذ المشاركون والمشاهدون يردون على ميدان التباري فرادى وجماعات، ويتميز المشاركون عن المشاهدين بثوب يستنتج من السمات والعلامات التي يصفه بها الرحالة وليام أنه أشبه ما يكون بالطيلسان أو القفطان، ثم يتجمع المشاركون في شكل حلقة مستديرة وهم يجلسون القرفصاء في حين أن حلقة مستديرة أخرى من المشاهدين تحيط بهم.
أما الحاضرات من الجنس الآخر فيأخذن أمكنتهن في زاوية منعزلة وهن في أزياء يغلب عليها اللون الأبيض، بينما يضعن فوق رؤوسهن أخمرة يجيز وليام لنفسه أن يؤكد بأنها من الحرير الخالص، ويزين  البعض منهن آذانهن بأقراص بيضاء مختلفة في أحجامها وأشكالها الهندسية.
ويقول وليام إن النسوة المغربيات في ذلك الوقت كن سافرات الوجوه، وتبتدئ المباراة الشعرية بوقوف كل شاعر من الحلقة لإنشاد ما جادت بها قريحته، حتى إذا انتهى من إنشاده تعالت الهتافات علامة على الاستحسان، وهي هتافات تختلف من حيث حجم الصخب والضوضاء، إذ كلما تعالت الهتافات إلا ويكون الشاعر قد انتزع إعجاب الحاضرين، أما في حالة انخفاض مستوى الهتافات فإن معنى ذلك أن بضاعة الشاعر من الشعر مزجاة.
ويستفاد من وصف وليام لهذا المهرجان أن التباري كان يجري بمقتضى أسلوب التصفية «مثلما هو الحال في المباريات الرياضية»، حتى إذا حل موعد المباراة النهائية تعالت الهتافات وتقدم الغريمان الأخيران يتبع أحدهما الآخر لإنشاد شعرهما، ولا يذكر وليام أن الشعراء المتبارين في هذا المهرجان كانوا يقرؤون من أوراق مكتوبة أم أنهم كانوا يرتجلون، إلا أنه لم تفته الإشارة إلى الإشارات التي كانت تصدر عن أيديهم ومن رؤوسهم.
ثم يذكر الرحالة الانجليزي أن الحفل ينتهي في جو منشرح تنفرد فيه ألسنة النسوة بتحركات مقرونة بزعيق رنات يكاد يصم الآذان، ولعلها الزغاريد من خلال ما يبدو من وصف المستر وليام، وشيء آخر  يثير الانتباه في الأوصاف والنعوت التي أبى الرحالة الانجليزي إلا أن يبرز فيها موهبة الملاحظة والدقة في الوصف، وهو أنه يفيض القول في وصف سوق لبيع الخضروات بتفاصيل وجزئيات تجعل العارف لمدينة فاس ولكأنه أمام ساحة الرصيف، كما كانت في أوائل هذا القرن، ولا نملك من المعلومات ما يمكننا من الجزم بأن وصف وليام لمدينة فاس اقتصر على هذا الجانب من نشاطها الثقافي أم أنه تجاوز ذلك ما دمنا لم نطلع على النص الأصلي لرحلته النادرة، وتشاء الصدفة وأنا بصدد كتابه هذا المقال أن استمع إلى حديث إذاعي من القسم العربي لمحطة الإذاعة البريطانية ب.ب.س، يتناول سيرة الرحالة وليام ليف، كما تناول مروره بمدينة فاس، إلا أن المعلومات التي تضمنها هذا الحديث كانت أقل مما أورده الباحث الفرنسي جاك ليمان، وهناك لا بد من أن ينتصب سؤال طويل القامة عريض الهامة، وهو: ما قول المصادر التاريخية المغربية في هذا الأمر، وهل وردت فيها إشارات إلى هذا المهرجان؟
نفس السؤال العريض اعترضني وأنا أقرأ ما قرأته. ولم يكن لي بد من الرجوع إلى ما تحت يدي منها وإن مضيت وقتا غير قصير في البحث والاستقصاء، إلا إنني لم أظفر بسوى إشارة عابرة تتألف من سطور معدودات وجدتها في كتاب فقه، بينما افتقدتها في مصادر تاريخية، وهي عبارة عن استطراد في كتاب الديباج لابن فرحون، يقول: «إن أهل فاس كانوا يقيمون حفلا في آخر موسم الربيع «بحي الزاهية»، وهو حي أسمع اسمه لأول مرة، يتقارضون فيها الأشعار على عادة السمار، ولكن في النهار»
ومن ثم فإن الموضوع ما يزال يتطلب المزيد من البحث والاستقصاء، لأنه إذا كانت هذه المهرجانات الشعرية تقام في آخر الربيع من كل عام، فإن هذا يعني أننا نملك رصيدا من الشعر كيفما كان وزنه وقيمته من الوجهة الشعرية فسيكون على كل حال تراثا يستطيع دعم رصيدنا من الشعر المغربي الذي طالما وصف بأنه ضعيف على توالى العصور وتعاقب الملوك، وتلك مهمة أوكل أمرها إلى ذوي الاختصاص من الباحثين والمنقبين وهواة المخطوطات ورواد الخزائن العامة والخاصة.
وأردد التساؤل مرة أخرى فأقول: هل أن ما أورده الرحالة الانجليزي، وهو صدق لا ريب فيه، من وصف لمدينة فاس ولمهرجانها الشعري، يعتبر مجرد مناسبة من المناسبات، أم أنه مهرجان موسمي كما يذكر الرحالة الانجليزي وليام؟، وفي هذه الحالة لا بد من أن يتفرع عن هذا السؤال سؤال آخر وهو: هل أن مدينة فاس كانت تحتضن سلطنتين اثنتين، سلطنة الطلبة، وسلطنة الشعراء؟، وهو السؤال الذي ما يزال ينتظر الجواب، وبما أن الجواب عليه ليس من اختصاصي فإنني أترك أمره إلى أصحاب الذكر، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

   

(1) كانت مدينة فاس عبارة عن مدينتين هما عدوة الأندلس وعدوة القرويين إلى أن توحدتا«اداريا » في عهد يوسف بن تاشفين. وتشير القرائن إلى أن زيارة الرحالة الانجليزي لمدينة فاس وقعت فيما بين 1078 و 1081،  وهي الفترة التي كانت العدوتان فيها تخطبان باسم أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حسبما يرويه المؤرخون.
  (2) مجلة اسبري

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here