islamaumaroc

في الإسلام وقضايا العصر: مفاهيم وحقائق -2-

  دعوة الحق

العددان 179 و180

إن المتحاملين على الإسلام ينظرون إليه نظرة أنانية تنبع من خلال مصالحهم الشخصية ومستقبلهم الفردي أنهم يذكرون على أنه حال بأولئك النفر من قريش الذين حاربوا الإسلام في أول عهده معتقدين أنه يسب آلهتهم ويشتم أصنامهم ويسفه أحلامهم الوردية في التسلط والزعامة والديكتاتورية والطاغوت وحين سئلوا عن سر تمسكهم بتلك المظاهر التافهة والنظم العفنة قالوا:« أنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مقتدون»(1) وحينما يسألون عن سر التمسك بشيء لا يفيد في حين أن جاء به محمد أكثر فائدة واتزانا مع الفطرة الإنسانية والطبيعة البشرية كانت إجابتهم نوعا من المكابرة والحمق الممقوت قال: أو لو جئتكم يأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا أنا أرسلتم به كافرون»(2) .
وقد تعثر على نماذج أكثر سخفا وتفاهة وسطحية حين يسألون عن سر اعتمادهم على الأصنام والأوثان، وهي من حجر وخشب لا يسمع ولا يبصر أو أولياء من لحم ودم لا يملكون لأنفسهم خيرا ولا نفعا، فيقولون: « ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»(3) أما النماذج المعاصرة فهي لا تقل عن هؤلاء سخفا وتفاهة وسطحية بحال من الأحوال وأن تمسحوا في العلم  والإيديولوجيات والنظريات الفلسفية والتربوية الناقصة  وأن السمة المميزة لهؤلاء المعاصرين للفكرة الإسلامية في بلاد الإسلام أنهم تشبعوا بأفكار غريبة عن البيئة التي ولدوا ونشأوا فيها، وهم متعصبون لدرجة الحمق، وسرعان ما نجدهم يفحون في انفصام غريب بين ذواتهم وبين مجتمعاتهم؟ ولا تعليل لهذه الشيزذفرانيا سوى سيادة الروح الأنانية وانغماس أصحابها في نرجسية لا تهتم بسواها، ولا تعبأ بما يقال خارج إطارها الفكري، وأن تصادمت خارج هذا الإطار مع أفكار أخرى كانت محقتها في المكابرة والإصرار الأعمى على ما وعته ذاكرتها من فكر متخلف وسلوك قاصر.
إن الإسلام لم يفرض ذاته على أحد، « لا أكراه في الدين، قد تبين الرشد من ألغى، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع». (4) وانطلاقا من هذه المقولة أتاح الإسلام للعقل البشري داخل الإنسان أن يؤدي واجبة على الوجه الأكمل في حمل الأمانة ومواصلة الطريق نحو الرقي والتطور الحضاري الذي يسعد ويدعم  الجماعة البشرية، ويعطيها الأمل في سلم دائم لا تعكره الشهوات التدميرية ولا الرغبات الشيطانية الجامحة.
وكانت النظرة الإسلامية للعقل في قمة التحضر والتمدين حين طلبت منه أكثر من أن ينظر في ملكوت السموات والأرض، ويفكر، ويتأمل ويأخذ العظة والعبرة ، ويحاول لو استطاع أن يخترق أجواء الفضاء وينفذ من أقطار السموات والأرض. « يا معشر الجن والإنس أن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان»(5)، وقبل ذلك طلب منه أن يحترم ذاته، ويمارس دوره في فهم  ما يجرى حوله« أن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار»(6).
من ثم نرى الإسلام لم يضع أي عقبة من العقبات في سبيل التطور الحضاري والرقي المادي. أنه دعا إلى ذلك بكل مرارة وقوة على أساس من اليقين الذي يصل إلى الإيمان الكامل لا تشوبه شائبة ولا شك من الشكوك. ولكن الناظر إلى واقعنا التعس وتخلفنا المادي ركب التكنولوجية المعاصرة يجب أن يرجع إلى تخلف روحي مقيت، أهمل العقيدة وأندح مع التيارات الفوضوية والكسولة بفعل عوامل مختلفة نشأ عنها تخلف في كل الميادين، وأن كان الواقع يقول إننا الأمة الاستعمارية الوحيد التي ينعقد عليها الأمل في انقاد العالم من الوثنية الغربية والماركسية الشرقية والشوفينية اليهودية وغيرها.
إن الدين الإسلامي لم يكن بحال من الأحوال عقبة في سبيل تطورنا الحضاري حين شرع الطلاق وأباح تعدد الزوجات وقسم المواريث بالقسطاس بين المستحقين. أن مشروعيته للطلاق كانت جانبا مضيئا من جوانب هذا الدين رغم أنه أعلن سلفا أن الطلاق أبغض الحلال إلى الله.  ولن نستطرد طويلا في بيان ذلك، إذ أن الأحداث المعاصرة بوقعها الهائل قد أثبتت أن الإسلام كان على صواب حين شرع الطلاق ولم يحرمه كما فعلت بعض الأديان الأخرى التي تفرض أن يعيش رجل مع أنثى أبد الدهر حتى ولو لم يتوافقا مزاجا وروحا وطبيعة ! أن هذه المحنة « تحريم الطلاق» قد أدت إلى كثير من العنت والتمزق في الأسر الأوربية التي تدين بالكاثوليكية. تصور مثلا: اثنان يعيشان في غرفة واحدة لا تتلافى نظراتهما ولا أجسادهما ولا قلبهما؟ لا بد إذن أن يفكر كل منهما في رفيق آخر «غير مشروع» يقضي معه بعض عمره الباقي مهما كان ذلك عبئا على ضميره وإيمانه، لأنه مقيد ومربوط بحكم قاس لا مبرر له.
ولننظر إلى ما حدث في ايطاليا يوم صوت الشعب الايطالي على قانون إباحة الطلاق ضد رغبة المتزمتين والمختلفين عن الفطرة الإنسانية، وهو القانون الذي هز كل مخيمات الغرب، كتبت مجلة «نيوزويك الأمريكية» تصف انتهاج شباب ايطاليا بانتصار الطلاق « لقد أذهلت نتيجة الاستفتاء السياسيتين كما أطلقت موجة من الانتهاج فعلى درجات السلم الاسباني في روما كان الشبان المبتهجون يوقفون السائحين ويقولون بفرح:
- أننا نستطيع أن نطلق مثلكم
ولقد بلغ التأثر بالأديب الايطالي « البرتو مورافيا» حدا دفعه أن يعبر عن نتيجة الاستفتاء قائلا:
- « أنه نصر لكل شيء حر وسعيد وصحي وعقلي ضد كل شيء جبان ومريض ومجنون وغامض»(7) .
أن بعض الذين عاشوا على فتات الثقافة الغربية يصيحون في مصر والعالم الإسلامي بأن الطلاق شرعه رجعية ومتخلفة ولا تتوافق مع إيقاع العصر، ولا تنسجم مع عجلة التطور، فضلا عن وقوفها عقبة في سبيل تحضرنا ! وإذا كانت إيطاليا قلعة الكاثوليكية في القرن العشرين قد هزت الطلاق وأباحته؟ أما أولى بنا- ونحن أصحاب الدين الذي توافق مع الفطرة منذ نشوئه- أن نتأمل قليل شريعة الإسلام ولا نصدر أحكامنا الجزافية المشرعة عليها؟ أن الإسلام لا يرضى بالطغيان ولا بالطاغوت. ولذا، فإن معيشة ذكر وأنثى معا رغم أنفهما فيه من الطغيان والطاغوت ما لا يقره أحد فضلا عن الإسلام، وقد سن لنا الإسلام الحكيم مبدأ متقدما منذ أربعة عشر قرنا حين قدم لنا هذه الصورة المشرقة العادلة، حين التحكيم بين  الزوجين المتنازعين« وأن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، أن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، أن الله كان عليما خبيرا»(8). ثم، لنر سماحة هذا السلوك الإسلامي الرفيع« وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، ولا تمسكوهن أضرارا لتعتدوا،  ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه»(9)، وعلى إتباع الآيات القرآنية نستطيع أن نلمس هذا النمط الرقي من التفكير الإسلامي في رفع الغبن عن كل الأطراف، وتحقيق العدالة للجميع مستشهدا بالفطرة الإنسانية وإشباعها إشباعا سليما ومتزنا ومستقيما.
بعدئذ نتساءل هل الطلاق في الشريعة الإسلامية عقبة في سبيل تطورنا الحضاري؟ لعلى قد استطعت الإجابة؟
                                                -5-
لنقف قليلا أمام ما يثار حول تعدد الزوجات من كونه علامة على التأخر والتخلف والتدهور. وأورد أن أوضح سلفا أن طبيعة العصر وسيادة النزعة الانتهازية في مجتمعاتنا تجعل من الصعب على المرء- ولو كان غنيا- أن يعدد زوجاته بسهولة. فنحن أمام ظاهرة المغالاة الفاحشة في المهور، وأزمة المساكن، وتأصل العادات والتقاليد السيئة في أذهان الكثيرين يصرون على الاهتمام بالمظاهر والسطحيات، وهذه الظاهرة أصبحت تتسبب في تأخير الزواج بين الشبان إلى سن تكاد تصل ببعضهم إلى الزواج في مرحلة الكهولة ومن يدري فربما تؤخرهم حتى الشيخوخة.
هذا من ناحية، أما الأخرى فإن انتشار الوعي والتعليم وأجهزة الإعلام جعلت من ظاهرة تعدد الزوجات مسألة لا تكاد تذكر بأي اهتمام في جميع لأنها منتشرة بين عدد ضئيل جدا إذا قارناه بنسبة السكان.
إذا فإن اعتبار هذه الظاهرة مظهر للتأخر الحضاري أو عقبة في سبيل التطور يصبح عبثا وجهلا بالوقائع الاجتماعية وظواهر المجتمع.
أما ظاهرة التعدد في ذاتها، فإنها تعبر عن أسلوب الشريعة في معالجة مطالب الإنسان معالجة تتفق مع فطرته، كما أسلفنا في أكثر من موضع، إذ أن الإسلام يجعل لبعض الناس الذين تحتم عليهم الضرورة الإنسانية البناء بزوجة أخرى أو أكثر، الحق في هذا مع  اشتراط العدل بين الزوجات، وإذا تعذر العدل فلا. قال تعالى: « فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا»(10).
 ولنفترض أن رجلا ما تفرض عليه طبيعته الإنسانية أن يسكن إلى زوجة أخرى ثم حرمنا عليه هذا مع استطاعته العدل، ماذا ستكون النتيجة؟ إن النتيجة بالضرورة ستكون بناء بزوجات أخريات، ولكنهن للأسف زوجات غير شرعيات، وحينئذ نكون قد كسرنا رقبة النظام الاجتماعي السليم، واضطررنا للفوضى رغم أنفنا، ويصبح من المحتم علينا أن نقوم بثورة لتصبح هذه الأوضاع المطلوبة التي تتعارض مع الفطرة الإنسانية كما فعل الايطاليون مع مشروع أباحة الطلاق.
وتمة حالات يمر بها المجتمع تفرض عليه أن يتكفل ويتضامن ويضمد جراحه بنفسه، ولو نظرنا مثلا إلى حالة الحرب وما يتخلف عنها من الاستشهاد العديد من الرجالات يتركون وراءهم زوجات في نضارة العمر ! إن الإسلام الحنيف يهيب بنا أن نتقدم لضم هؤلاء الزوجات الحزينات على فقد وعائلهن، ويمرضهن لوعة الخسارة التي لحقت بهن. وهذا بالطبع أفضل كثيرا من تركهن يهددن حياتهن بطرق غير مشروعة تتنافى مع الانضباط الاجتماعي والاتزان الخلقي خاصة وأنهن في ذلك الحين يتمتعون بالكثير من الشباب والحيوية والرغبة الصاخبة.
أليس من الأفضل إتباع ما جاء في شريعتنا ودراسته بعمق وحكمة واتزان؟
                                                  -6 –
ما يقال عن المواريث يجب أن يفهم على أساس أن الشريعة الإسلامية أناطت بالمسلمين إقامة العدل في أرض الله، وأن تسود فيما بينهم شريعة العدل والميراث كما أوضحته الشريعة الإسلامية كفل هذا العدل بين الوارث والموروث، وبين الورثة أنفسهم فأعطى كل وارث ما يستحق بقدر صلته بالموروث وقرابته له، وبقدر تكليفه وواجباته إزاء الآخرين.
فإذا جاء من يقول لنا أن المرأة تتساوى بالرجل في كل شيء حتى الميراث، فننا نقول له، وهل حقا تتساوى المرأة بالرجل تماما؟ أن التساوي لا يكون إلا في الأشياء المتماثلة برجل= رجل، امرأة= امرأة لأن خصائص الرجل وطبيعته تختلف عن خصائص المرأة وطبيعتها والذي نفهمه أن هناك علاقة تكامل بينهما، إذ لا يمكن أعمار الكون بأحد الطرفين دون الآخر، لو افترضنا ضرورة المساواة بينهما فكل منهما له واجبه الذي يؤديه ويشارك به مع الآخر في بناء المجتمع. لأن أيا منهما لا يستطيع أن يستغني عن رفيقه والانفراد وحده حينئذ أي عند الاستغناء والانفراد- ستتغير الطبيعة وتذيل الرغبة الحيوية، وتضحي الحياة غير الحياة، والأحياء غير الأحياء.
وقد اقتضت علاقة التكامل هذه أن ترمي على كاهل الرجل بالعمل المنتج المريح والإنفاق على المرأة ومن ثم فإن حصول المرأة على نصف ما يأخذه الرجل أو أقل منه أو أمثر إنما هو لطبيعة العلاقة الإنسانية بينهما.
« تلك حدود الله، ومن يطع ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها، وله عذاب مهين»(11).
وأود هنا أن أقتبس بعض ما قاله الدكتور على عبد الواحد وافي في هذا الشأن:
« ولا يفرق الإسلام بين الرجل والمرأة إلا حيث ندعو إلى هذه التفرقة كل من الجنسين وما يصلح له أو حيث تدعو إلى هذه التفرقة مراعاة الصالح العام وصالح الأسرة وصالح المرأة نفسها، وإليكم مثلا تفرقة الإسلام بين الرجل والمرأة في الميراث إذ يقرر أن المرأة لها في القرابة،  فقد بنيت هذه التفرقة على أساس اقتصادي سليم، بنيت على أساس التفرقة بين أعباء المرأة وذلك أن مسؤولية الرجل في الحياة أوسع كثيرا من مسؤولية المرأة وأعباؤه فيها أشق وأثقل كثيرا من مسؤولية المرأة وأعباؤه فيها أشق وثقل كثيرا من أعباء المرأة. فالرجل هو رب الأسرة، وهو القوام عليها والمكلف بالإنفاق على جميع أفرادها، على جميع أفرادها، على حين أن المرأة لا يكلفها الإسلام حق الإنفاق على جميع أفرادها، على حين أن المرأة لا يكلفها الإسلام حق الإنفاق على نفسها، فنفقتها واجبة على أبيها أو ولي أمرها مادامت غير متزوجة ونفقتها ونفقة بيتها وأولادها واجبة على زوجها بعد زواجها، لا فرق في ذلك بين أن يكون موسرة أو معسرة فاقتضت العدالة أذن أن يكون نصيب الرجل من الميراث أكبر من نصيب المرأة حتى يكون في ذلك ما يعينه على القيام بهذه  الأعباء الثقيلة التي وضعها الإسلام على كاهله واعفي المرأة رحمة بها وحدبا عليها وحفاظا على سعادة الأسرة بل أن الإسلام قد بالغ في رعايته للمرأة إذ قرر لها نصف نصيب نظيرها من الرجال في الميراث مع إياها من جميع الأعباء ووضعها على كاهل الرجل(12).
إلا أن الإسلام بالقياس إلى غيره من الديانات أو الشرائع أو الفلسفات قد أعطى للمرأة حقوقها كاملة غير منقوصة، ونستطيع أن ندرك الفارق لو سمعناهم في الزمن القديم يتكلمون عن المرأة كأنها نحس أو شيطان ـ ومخلوق لا يستحق التعليم أو الاطلاع على المعرفة أو المشاركة في الرأي والعمل خارج البيت، ولن نستغرب الآن ما ندعو إليه بعضهن في الولايات المتحدة من دعوة للحياة كالمرأة الشرقية( يقصدون المرأة الإسلامية).
إذن فهل يوصم الإسلام بأنه عقبة في سبيل التطور لأنه أعطى المرأة نصف الرجل في الميراث؟ أنى أرجو الباحثين المتأثرين بثقافة أوربا أن يتمهلوا حين يدرسون الإسلام ويفهمون أحكامه، وسوف يتضح لهم سلامة المنهج ووضوحه.
                                                 -7-
لا يمكن للمرء أن يجيب في هذا المجال الضيق عن كل التساؤلات التي يطرحها البعض أمعانا في كراهية الإسلام واسمه ومكابرة في القراءة والفهم لأصوله وأحكامه فضلا عن منهجه ولكننا نود أن نشاركهم الرأي في أننا بحاجة إلى ثورة من أجل نشاركهم الرأي في أننا بحاجة إلى ثورة من أجل الدين وليست ثورة كما يعتقدون، إذ أن البون بينها شاسع، للغاية، فالثورة من أجل الدين تعني أن هذا الدين قد انتهكت حرمانه، واعتدى على حدوده العالية، واحتلت بعض المناطق أو معظم المناطق داخله من قوى خارجة عليه، ومتربصة به، أما الثورة الدينية فتعنى أن الدين ذاته يجب أن يتغير ويستبدل بما يصلح بديلا عنه ليرضى الطبيعة الإنسانية، والظروف الاجتماعية التي تفرض على الثائرين القيام بثورتهم والتضحية في سبيلها، وأعتقد أننا لسنا بحاجة إلى هذه الثورة، لأن طبيعة الإسلام كما أسلفنا قد تواعمت إلى درجة مدهشة مع طبيعة الإنسان وفطرته الحية. لم تتعارض معها قط ولم تغرر بها، إذ أنها أقامت من ذاتها سياجا يحمي الفطرة والطبيعة معا؟ وكل ما يخالف ذلك فليس من الإسلام الأصلي بشيء، ونقول الإسلام الأصلي الذي يعتمد على الكتاب والسنة المطهرة فقد دخلت إلى الإسلام كثير من مظاهر التزيف والتزوير والترخيص في مهمة والغباء في فهمه أيضا والتفسير لصالح الحكام وأغراضهم الشخصية.  الخ كل هذا  يتنافى مع الفكرة الإسلامية في جوهرها الأصيل.
إن الثورة الدينية التي قام بها مارتن لوثر« زعيم البروتستانية المحدثة، كانت نتيجة لقصور شديد في المذهب الكاثوليكي، وقد استطاع أن يقود ثورة للتحرر من مبادئ هذا المذهب وتعقيداته وتفسيراته وراح يقود الجماهير التي تلظت بالمعانات الروحية من أجل الانطلاق والانعتاق من أسر الجمود والخرافات التي  لا تستقيم مع الفطرة والطبيعة البشرية.. وقد تمضى عن ثورته هذه ما عرف بالمذهب « البروتستانتي».. ولكن أيا كانت نتائج هذه الثورة، فإن أحدا لا يستطيع أن يقوم قد حققت طموحات الإنسان الأوربي في الاستقرار النفسي والاطمئنان الروحي، فما زال الانجليز غارقين  في نوع جديد من الوثنية: يستعبدهم رأس المال والقيم المادية، ويفتقدون العلاقات والحمية والاتزان الاجتماعي والسياسي.
فهل يفكر بعضنا في القيام بثورة تشبه هذه الثورة؟
أن أي عاقل لا يفكر في هذا الموضوع إطلاقا، ولكنه يتجه بتفكيره إلى واقع هذا الدين الإسلامي، بالعمق والعرض إلى ما كان وما سيكون فضلا عما هو كائن.
لقد كان مسلمو العصر الأول. أو الطليعة الإسلامية- يملكون دواتهم فقط، وبهذه الذوات المؤمنة المتمكنة استطاعوا أن يذهلوا القوتين العظيمين حينئذ- فارس وروما- وينتشرون إلى الآفاق يجوبونها فاتحين وهادين ومرشدين، مخلصين الشعوب من نير العبودية وأغلال القهر والمهانة والذلة ولكنهم- يا للهول- تراجعوا وانكسروا، ودالت دولتهم وأصبحوا مجموعة من الدول لا حول ولا طول، يطأ أرضها الغريب، ويحتل أوطانها الأجنبي.
فهي على فرقتها مازالت، وعلى تباين اتجاهاتها وسياساتها لم تزل- وعلى تخاذل معظمها وتقاعسها عن نصرة الحق والجهاد لا فريم.
أن أي مسلم يشعر بالفخار والعزة يوم يتحرك المسلمون بإمكانياتهم وقدراتهم ومواهبهم المحتملة، في ركب التطور العالمي والإنساني، بل وقيادة هذا التطور والسيرية قدما إلى الإمام باستمرار.
أن بعض الدول الإسلامية التي تتحرك بمبادرات فردية في ميدان الفكرة الإسلامية دعما وتوجيها وكفاحا لتستحق كل تقدير وإعزاز، ولكن هل نتركها وحدها ونحن نقارب من نصف سكان العالم ونحتل مناطقه الإستراتيجية؟ الإجابة بالطبع لا بل انها تفرض علينا أن نتحرك، وبمزيد من اليقظة والوعي حتى نحقق ما نصبوا إليه، ونعوض ما فاتنا وذهب منا.
ولن يكون إلا بالبحث عن سبب هذا البلاء الذي نعيشه، والمحنة التي نحياها، وفي اعتقادي أن هذا يجب أن يتشكل على صورة حركة تثور من أجل الدين وإجلاء الدخلاء على أرضه، وتطهير ساحته من المعتدين.
                                            -8-
أن الواقع الديني الراهن يثبت ما يلي:
أ‌- تراجع الدين الإسلامي إلى مؤخرة الاهتمامات الحكومية في البلاد الإسلامية باستثناء عدد قليل من هذه الحكومات، يعتمد الدين في كل اهتماماته وسلوكه.
ب‌-   أن الفهم الديني على امتداد الساحة الجماهيرية غير واصل إلى اللباب وأن أغلب ما تفهمه الجماهير المسلمة وأكثرها الأعم هو القشور فقط مختلطة ببعض الخرافات والإسرائيليات والتفسيرات الساذجة للدين.
ج- أن المعظم القائمين على أمر الدعوة الإسلامية والإرشاد الإسلامي غير مؤهلين فكريا وعلميا وسلوكيا لشرف هذا الأمر وخطورته.
د- أن التعليم في كثير من المجتمعات الإسلامية أصبح لا يلقى بالا للتعليم الشرعي باعتباره- في عرفهم- أصبح لانمطا لا يؤهل لحياة معاشية كريمة ولرزق يتساوى أو يتناظر مع ما حققه أي نوع آخر من التعليم، فضلا عن تأثر سياسة بعض الدول الإسلامية بضغوط أجنبية تضع في اهتمامها الأول محو أثر الدين الإسلامي، وترحيله من ذاكرة المسلم حتى يصبح مسلما بالاسم فقط وليس بالوجدان تمهيدا لغزو فكري يطيح بكل ما تبقى من آثار ولو شكلية.
 ومن ثم فإننا نرى كثيرا من وزارات التعليم تهمل تعليم الدين إهمالا شديدا حتى يصل الأمر إلى فرض منهج ما كنوع من ذر الرماد في العيون.
والواقع الراهن للدين الإسلامي بغض بهذه الحقائق وغيرها. إذا ما العمل لكي نغيرها إلى الوضع الأفضل الذي ينجو بالمسلمين إلى حركة الايجابية من أجل مستقبل أكثر إشراقا وبهجة؟ الحق أن هذا الأمر منوط بالحكومات الإسلامية، خاصة بعد أن أصبحت أنفاسها، وبدأت تأخذ زمام البادرة لتقف وقفة واحدة شهد بها الكل أمام يهود القوى الإجرامية العالمية لقد أثبت المقاتل المسلم وهو يهتف باسـم (الله أكبر) أنه يستطيع أن يحرز كثيرا من النجاحات لو توفرت له الوسائل. وأثبتت الثروة الإسلامية دورها في وقف الإجرام العالمي عند حدوده وفرض التفكير عليه في مستقبل هذه القوة الجديدة التي بدأت تثبت وجودها بعد طول سبات عميق، كما أن مؤتمر لاهور(13) الذي اجتمع فيه قادة العالم الإسلامي وتنبيهه إلى خطر تصرفاته الحمقاء إزاء القوة الإسلامية بيد أننا للأسف لا نستطيع أن نتيقن تماما من تجاوب الحكومات المعينة في مثل هذه المسألة، إذ أن بعضها ما زال محكوما بضغوط كثيرة ومتعددة، ومع ذلك فلا مندوحة من القول بأن الجماعات الإسلامية المستنيرة يقع عليها عبء الإلحاح المستمر والتنبيه الدائم، والأذان في كل وقت لدعم الفكرة الإسلامية من قبل الحكومات والهيئات وتنشئة دعاة أكفاء يستطيعون أداء دورهم بافندار، وتعديل مناهج التعليم بما يزرع الناشئة والشبيبة مفاهيم صحيحة وقوية وثرة للإسلام كما أن انعقاد المؤتمرات الإسلامية واللقاءات المستمرة للبحث في الشؤون الإسلامية عامل هام في إثارة القضايا الملحة التي تبلور صورة الفكر الإسلامي الصحيحة وتزيل كثيرا من الشوائب التي علقت بها وترسبت فوقها.

1 - الزخرف الآية 23.
2 – الزخرف الآية 24.
3 – الزمر الآية 3.
4 -  البقرة 256 .
5 – الرحمن الآية 33
6 – آل عمران الآيتان 190- 191
7 – نقلا عن الاعتصام – القاهرة – عدد رمضان 1394 هـ.
8 – النساء الآية 35
9 – البقرة الآية 231
10 -  النساء الآية 3 – وسوف انقل هنا ما ورد في كتاب الأستاذ وحيد الدين خان- الإسلام يتحدى بقول عن كثرة إحصائية للأمم المتحدة عام 1959 أثبتت أن العالم يواجه الآن مشكلة  الحرام أكثر من الحلال، شأن المواليد، وجاء في هذه الإحصائية أن نسبة الأطفال غير الشرعيين قد ارتفعت إلى ستين في المائة.. وأما في بعض البلاد، وعلى سبيل المثال« بتاما» فقد جاءت هذه النسبة الخمسة والسبعين في المائة، أي أن ثلاثة عن طريق الحرام من كل أربعة مواليد ! وارتفع نسبة لهؤلاء الأطفال غير الشرعيين في أمريكا اللاتينية، وتثبت هذه النشرة أيضا أن نسبة الأطفال غير الشرعيين تصل إلى العدم في البلدان الإسلامية، أن نسبة هؤلاء الأطفال أقل من واحد بالمائة في جمهورية مصر العربية مع أنها أكثر البلاد الإسلامية تأثرا بالحضارة الغربية ويقول محرر النشرة أن البلاد الإسلامية محفوظة من هذا الوباء لأنها تتبع نظام تعدد الزوجات راجع ص 148- 149 .
11 – النساء الآيتان 13 ، 14 .

12 – محاضرة الملتقى الرابع للتعرف على الفكر الإسلامي في الجزائر، جمادى الثانية 1390 هـ ص 35.
13
-  انعقد المؤتمر في مدينة لاهور بالباكستان في المحرم 1394 هـ، - فبراير 1974 م.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here