islamaumaroc

في دروب الإيمان: المعرفة

  دعوة الحق

العددان 179 و180

«الله نور السموات والأرض»
نوره علمه بذاته وبلوحه وقلمه وبأكوانه التي أبدعها.
«مثل نوره كمشكاة فيها مصباح»
نوره قلب العارف، ومهجة المحب، ونهج الحيران، وسراج الواصل.
«المصباح في زجاجة»
بنوره تتلألأ الأكوان، وتفيض ينابيع المحبة، وتنجلي أسرار اليقين.
«الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية»
من خلالها تشع شموس الحكمة، وتنتشر ظلال الرحمة، وتهب نسائهم السكينة.
«يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار»
لا نار مع نوره، به تسبح النجوم في الأفلاك، وتسطع قوائم العرض فتتفتح البصائر وتنكشف الحجب.
«نور على نور»
هو القدم بضرب في اللابداية، والبقاء يسري في اللانهائية.
«يهدي الله لنوره من يشاء»
والمعرفة نور العقل، وسطعة البرهان، وهي «عين الحق»
والمعرفة محبة السالك، وهي صمت العالم، ونطق العاشق، ولا كراهة مع المحبة.

«فالق الإصباح»
«فالق الحب والنوى»
«يزيد في الخلق ما يشاء»
بعلمه تنفلق نواة العناصر وتتصل ذرات الأشياء، فتتغير العوالم، وتتبدل الأطوار، وتنسجم الأضداد، وتتألف النقائض.
«وما تسقط من ورقة إلا يعلمها»
«ويعلم ما في الأرحام».
«وما من غائبة في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب مبين».
بعلمه كان ما كان، وسطرت الأقلام في لوح الغيب ما سيكون. والكتاب مرآة حقيقته الكونية.
«وترى الجبال تحسبها جامدة، وهي تمر من السحاب».
«ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره».
«وله ما سكن في الليل والنهار»
بالمعرفة ترى ما ترى من ثبوت أو تحول، وتحس ما تحس من سكون أو حركة.
بالمعرفة تكون أو لا تكون.

«لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار»
كل شيء يعلم بعلمه، ويقدر بقدرته، ويبصر بنوره. هو الإدراك كله، والبصر كله، والسمع كله، والعلم منه وإليه، والقدرة به وله، ورحمته وسعت كل شيء.
«هو الأول والآخر والظاهر والباطن»
هو وحده في كل شيء، في الزمان كله، والمكان كله؛ هو في الجهات المعروفة والمجهولة، يتجلى في كل ما خلق وما سيخلق. ولكل شيء سواه حيز من مكان وحدود من زمان، وأجل من وجود.
«الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان».
فجمال الزهور منه، وحياة الدواب به، وتوقد النجوم منه، وجريان الماء بأمره، وانضباط الأفلاك بعلمه، وانتظام العوالم بتقديره.
«إن هذا لهو حق اليقين. فسبح باسم ربك العظيم».

يا شيخ الجبل
في منتصف شعبان من كل سنة يحل موسم تخليد ذكرى القطب الصالح مولاي عبد السلام ابن مشيش فيهب آلاف الناس إلى جبل العلم حيث يوجد ضريحه. وهذه كلمة تحية مستوحاة من ذكرياتي البعيدة أيام كنت أشد الرحال مع القاصدين إلى جبل العلم في موسم الزيارة.
يا ساكن القمم،
كفاك الجبل والعين الباردة والصنوبر العتيق،
كفاك الفجر الندي واخضرار الريحان الموشى به ثراك،
كفاك تسبيحة اللقلاق في الأعالي، وتكبيرة الظلال في الظهيرة،
كفاك الليل وخلوة الدرب وتهجد النجوم في الدياجير،
كفاك من الشموع واحدة، تلك التي أضاءت قلبك الخاشع،
ومن سناها النبوي «انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار»*.
من قمة «العلم»، قمة النفح والفيء والبركات، أطللت على السهل والوادي، وأشرفت على النجد والوهد والمنعرج، ومن ثم أبصرت مطلع الإشراق النبوي الذي «فيه ارتقت الحقائق» فبهر بصرك، واعترتك الرهبة وامتلأ قلبك حبا وصفاء.
وإذ حلت بك السكينة أدركت أن «لا شيء إلا وبه منوط» فقربت «الواسطة» وكرمت «الموسوط»
يا ساكن القمم،
كفاك جدك الحبيب،
كفاك عينه الساهرة، وأياديه البيضاء المنتشلة، وبشاشته المفرجة للكروب.
كفاك جدك وكفاني... أنا القاصد الضعيف، غرقت رجلاي في الوحل فما أفتأ أمد يدي المرتجفتين علني أمسك بغصن الصفصافة الظلية.
لطالما أحببت حمرة الورود، ونضارة الفاكهة، ونداوة الحدود، وشفوف الشفاه.
كلما استطبت في الكروم في لفح النهار، أو برودة النجوم في غلس الليل تعتريني هزة فأبسط راحتين مصبوغتين بالخطيئة المغفورة.
في طريقي إلى الجبل، في شعابه الوعرة، أحلم بالحوش وبالآس المنثور فوق تربته المبلولة يذوب الثلج وعصارة الجذور.
أطرب لعناء الصبابا الرائدات وتنفتح نفسي لزغاريدهن، وأرقص على إيقاع المزامير والدفوف.
وحينما تتملكني الخشية في وجشة الغابات وسكون الأنهار، ويشجيني هديل اليمام في الربوع المهدورة أسهر، وأخشع، وأذكر، وأتوسل...
في قلبي رحاب فسيحة للمحبة المبسوطة، تنبثق منها عيون وتنحفر فيها جداول.
يستهويني الجمال المصطبغ بألوان الحياة الدافقة فأضعف، وأرتعش، وأزيغ...
وقد يحملني الهوى نهارا على ظهر الغواية، وفي الليل أغسل بدني في ضياء القمر فأتطهر وفي نفسي من الصبح خوف مكين.
يا ساكن القمم،
مدت حواليك الظلال فآثرت «الوحدة» فأنت «لا ترى ولا تجد ولا تحس إلا بها».
وقد وجدت في الخلوة سلوة نفسك وطيبة ضميرك، وإذ حملت «محفوفا بنصرة الحق الأعلى، وزج بك في بحار الأحدية جعل الحجاب الأعظم ـ كما رمت ـ حياة روحك وروحه سر حقيقتك، وحقيقته جامع عوالمك» فشدت إليك الرحال على تباعد ربوع قاصديك، وأقيمت حواليك مواسم الجلال.
نعم صباحا يا بن مشيش، يا قطب بلادي، يا فرع الدوحة الخضراء، وعم مساء وقر عينا، ففي بلادك، بلادي، قلوب تندم إذ تأثم، ونفوس تخشع إذ تسقم وأكف تضرع إذ تكلم. وفي بلادك، بلادي، سواعد تمهد الأرض، تشق السواقي، وترفع البناء، وفيها عيون تفرح بالمطر، وتستبشر بالزرع، وتقيم للعشب والزهر والتمر أعيادا وتخضع، في عزة، للخالق، وتحمده في كل حال.
يا بن مشيش،
عطفة لله! فبحبله المتين نعتصم، وبجدك الشفيع نتوسل، وإلى البارئ الكريم نرفع الأكف: في عرفات، في القدس، في زرهون، وفي العيون..

* كل الجمل والعبارات الموضوعية بين علامات التنصيص اقتبسناها من كلام الشيخ في صلاته المشيشية المشهورة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here