islamaumaroc

اجتماع الجامعة االعربية بالدار البيضاء

  محمد الغربي

23 العدد

من الضروري - لكي يدرك المرء ويزن النتائج والأهمية التي تمخض عنهما دور مجلس الجامعة العربية الأخير- أن يلم بملابسات الظروف الدولية والإقليمية التي سبقت اجتماع المجلس أو التي ستعيشها القضايا العربية في الأسابيع القليلة القادمة، وأن يعرف الروح الوثابة المخلصة التي حضرت بها جميع الوفود إلى الدار البيضاء.
لقد اجتمعت وفود تسع دول عربية وهي شاعرة بأن مشاكلها الخاصة وقضاياها الحيوية والقومية قد وضعت في مفترق الطرق؛ وأن مستقبلها كدول وكمجموعة يتوقف على كلمتها في اجتماعها؛ وأن الاستمرار في المباريات الخطابية والتدبيجات اللفظية لم يعد له محل ولم يعد الوقت ولا الظرف يتسعان له.
فقبيل اجتماع الدورالأخير بشهرين ونصف الشهر تقدم السيد داغ همرشلد الأمين العام للأمم المتحدة بتقريره الخطير إلى الدول المضيفة، حاول أن يضع فيه خطوطا لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين تقوم على إدماج مليون عربي فلسطيني في الحياة الاقتصادية للشرق الأوسط أو إعادتهم إلى فلسطين في ظروف قد يكون من المستحيل توافرها.
وحيث رمى التقرير المبني على أسس منطقية ونهج عقلاني إلى (هضم) اللاجئين وتمثيلهم، والنفوذ من كل ذلك إلى الحل النهائي لقضية فلسطين التي يقف اللاجئون عقبة كئودا أمام إنهائها؛ وحيث تطرق التقرير إلى الأحوال النفسية والاقتصادية والسياسية في جميع الدول المضيفة أو الدول العربية المنتجة للنفط والقليلة السكان، تلك الأحوال التي وجدها الأمين العام في وضع المتطورة النامية وبالتالي القابلة لتوطين اللاجئين بها، وحيث لوح التقرير بخطر إنهاء ولاية وكالة الغوث فإن جميع الدول العربية - التي ترى الحل لقضية فلسطين في إعادة اللاجئين إلى ديارهم والرجوع إلى قرارات الأمم المتحدة الصادرة في عام 1947- قد شعرت بخطر تلك الحلول وإشفاقها من أن ينطلي ما حوته من إحصاءات وتجسيم للإمكانيات على الدول الأجنبية عند عرض التقرير على أنظار الهيئة الأممية، سيما وأن تلك الدول لا تعرف إلا بشكل غامض حرص العرب على حقهم القائم في فلسطين، الدائب في وجوب إرجاعهم إلى ديارهم، وأخيرا الأماني القومية للشعب العربي الذي يعتبر خلق إسرائيل في قلب وطنه أعظم مؤامرة عدوانية على كيانه ومقوماته وحقوقه المشروعة في جزء من بلاده.        
 وقد تصورت الدول العربية وخاصة المضيفة منها ما يمكن أن ينتج عن إقرار تقرير الأمين العام، فبادرت باتخاذ الوسائل الضرورية لإبراز إرادتها وفي مقدمتها اجتماع الخبراء العرب في صوفر (بلبنان) الذي تم خلال شهر غشت الأخير، والذي قام بدراسة شاملة، وقدم تقريرا إلى مجلس الجامعة في الدار البيضاء يرد فيه على آراء همرشلد ويفند نظراته بحجج قانونية ومنطقية.
وإلى جانب تقرير همرشلد، كان هناك - عند الدعوة لاجتماع البيضاء- جانبان خطيران في القضية الفلسطينية وهما :
1- قرب نهاية أعمال وكالة الغوث التابعة للأمم المتحدة التي ستنتهي ولايتها في 30 يونيو 1960.
2- اقتراح بعض الدول العربية خلق كيان فلسطيني وتأسيس جيش من أبناء اللاجئين.
ومما لا ريب فيه أن أمورا من هذا النوع تحدث ردود فعل سيئة لدى الدول المضيفة وخاصة لدى المملكة الأردنية الهاشمية.
فالأردن يعتبر أن إنهاء خدمات الوكالة سيخلق أزمة اجتماعية لا قبل له باحتمالها إذ كيف بإمكانه أن يعيل ستمائة وخمسين ألف فلسطيني وهو البلد الفقير الصغير؟ وأما البحث في موضوع الكيان الفلسطيني
-ولا يعني ذلك سوى إحداث دولة فلسطينية تضم القسم الغربي من الأردن وشريط غزة- لا يمكن أن يتم إلا عن طريق تقسيم المملكة الأردنية وهو شيء لا يمكن أن تسمح لأحد بالخوض فيه.
ويجب الانتباه إلى أن الأردن عندما رحبت بإعادة علائقها الجمهورية المتحدة وبادرت بتبوء مقعدها في مجلس الجامعة، فإن السبب هو وضع المشكل الفلسطيني على النحو السابق، الأمر الذي يستوجب التبصر الشديد والتعاون والحزم.
    وبالمقابل فإذا كانت الجمهورية العربية هي التي حرصت منذ شهرين حرصا بالغا على طرح موضوع الكيان الفلسطيني وجيش فلسطين فإنها قد راجعت رأيها بعد التحسن الذي طرأ على علائقها بالأردن، وأصبحت - بالرغم من تمسكها بحق عرب فلسطين في بلادهم، وفي مثول الكيان الفلسطيني –تعتبر أن الأمر الذي يجب أن يولى الاهتمام هو تحديد موقف إيجابي عربي إزاء ما بعد اللاجئين في الأمم المتحدة ومجابهة نتائج إنهاء أعمال وكالة الغوث.
وإلى جانب القضية الفلسطينية وجد العرب أنفسهم أمام تطورات خطيرة في القضية الجزائرية.
من الناحية الدولية وقع اتصال بين دوكول وايدناور، وأشيع بأن فرنسا قبلت أن تمكن ألمانيا من بناء قوتها العسكرية وأن تشركها معها في امتلاك القوة الذرية مقابل أن تمد ألمانيا اليد لفرنسا في الجزائر وتضع أموالها في مشاريع الصحراء.
وكان بعد ذلك اجتماع دوغول ايزنهاور؛ ولم تكتم الجهات الرسمية في فرنسا أن دوغول أبدى استعدادا لإيجاد حلف إفريقي تتزعمه فرنسا يكون ذيلا لحلف الشمال الأطلسي، وذلك كثمن لتوسيع أمريكا نطاق مساعدتها العسكرية ووقوفها إلى جانب فرنسا في حربها وفي المحافل الدولية.
وفيما كان ديغول يوالي اجتماعاته وتخطيط برامجه لمحق الجزائريين ومحاولاته إشراك الدول الغربية بشكل غير مباشر في حرب الجزائر عن طريق مساهمتها المنجمية في الصحراء؛ كانت شعوب العالم توالي مواكبتها لقافلة التحرر الجزائرية، فمن بكين إلى منروفيا ومن الهافانا إلى جاكارتا لا يسمع الإنسان إلا شعارات الحرية للجزائر والتضامن معها تدوي وتتجاوب.
ومن الناحية العسكرية فقد تطورت الحرب الجزائرية بعد تطبيق برنامج الجنرال شال واستعمال الأسلحة المحرمة في الحروب وتوسيع نطاق مراكز التجميع حتى أصبحت تضم مليوني جزائري معرضين للجوع والمرض، وتعميم الخدمة الإجبارية على الطلبة، ونقل العمليات إلى الحدود المغربية الجزائرية..  
ومن الناحية السياسية كان على العرب أن يقدروا الانقسام الذي وقع في صفوف متمردي 12 ماي، ودفع المعمرين إلى التفكير في التعاون مع جبهة التحرير؛ وفشل البرنامج الاقتصادي لعمالة قسنيطنة وخيبة المساعي لإقامة النظام التمثيلي في الجزائر.
هذه النواحي الثلاثة والجديدة حقا في المشكل الجزائري –بالإضافة إلى قرب عرضه على أنظار هيئة الأمم المتحدة- نبهت إلى ضرورة تنازله بطريقة تختلف عما ألفته الجامعة من قبل، وإدخال العناصر المستجدة في الحساب.
ومنذ 25 غشت، وهو اليوم الذي سجلت فيه إسرائيل شكواها ضد ج.ع.م. احتجازها الباخرة الدنماركية (أنجة توفت) التي كانت تحمل شحنة من الصادرات الإسرائيلية، أصبح العرب يواجهون مشكلا دقيقا ربما يقود التهاون فيه أو التقليل من أهميته إلى القضاء على مفعول المقاطعة العربية وتفريج الوضع في إسرائيل.
وبالرغم من أن الجمهورية العربية تتمسك بحالة الحرب التي لا تزال قائمة، وتقوم بناء على ذلك الاعتبار بمنع السفن الإسرائيلية من المرور في القناة حتى لا تفكر تلك السفن يوما ما في أن تقوم بعملية تخريب تهدف من ورائها إلى تضييع واردات المرور على مصر.
بالرغم من ذلك فإن إسرائيل تسعى لدى جميع دول العالم محاولة أن تقنعها بشتى الوسائل بتأييدها في المطالبة بمرور سفنها بالقناة، وهي تهدف على فك الحصار الاقتصادي المحكم حولها من جهة ومن جهة ثانية تأخير المفاوضات الجارية بين مصر والبنك الدولي لتحسين القناة، وثالثا إثارة أزمة بين الولايات المتحدة والجمهورية العربية المتحدة على اعتبار أن الباخرة المتنازع عليها تؤجرها شركة أمريكية.
وبعد ذلك كانت هناك ضرورة ملحة في الاتفاق على وجهة نظر واحدة في المواضيع المسطرة في جدول أعمال الجمعية العمومية وفي مقدمتها قضية التجارب النووية التي سجلها المغرب وقضية إمامة عمان والترشيحات لمناصب الأمم المتحدة والكمرون...   
كما كان على المجلس أن يتخذ قرارات فاصلة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية وشؤون المواصلات.
وكان أول شرط لضمان موقف عربي موحد جدي، هو حضور كافة البلاد العربية بقلوب صافية ورغبة مخلصة في التعاون من أجل نصرة وجهة النظر العربية.
ذاك ما فكر فيه المغرب عندما ركز رئيس وزرائه - منذ أشهر- جهوده لإزالة الشقاق بين الجمهورية العربية المتحدة وتونس؛ وعندما دعا مجلس الجامعة في يونيو للاجتماع في الدار البيضاء. وأخيرا عندما وجهت وزارة خارجيته رسالة أخوية إلى الزعيم عبد الكريم قاسم ووزير خارجية العراق تحثهما فيها على إرسال وفد عربي عراقي إلى المغرب.
فقد كانت بلادنا -عندما وجهت تلك الدعوة وهذه الرسائل- تقدر تمام التقدير الظروف الدولية والمحلية وما تتطلبه من إجماع وجدية، ولم تفعل أكثر من تقديم برهان آخر على رغبتها في مواصلة جهودها المثمرة التي بدأتها في بيروت (أبريل 1959) وفي القاهرة (يونيو1959) والتي هدفت بها إلى تقوية الجامعة وإزالة أسباب الفرقة الجفاء بين دولها الشقيقة. 
وإضافة إلى ذلك فلا شك أن اجتماعا للجامعة يعقد في الدار البيضاء بالقرب من أعظم ملحمة عرفها العرب في تاريخهم، والتي تقدم فيها الأمة العربية مواكب الشهداء كل يوم، ليحمل معنى التنبيه إلى معركة حاسمة في حياة أمتنا ستقرر نتائجها خاتمة الصراع الدائر بين العرب والاستعمار منذ قرون..
وكذلك فمن السهل أن يدرك الإنسان مغزى اجتماع ينعقد في مكان لا يبعد إلا ب 600 كلم عن المنطقة التي تزمع فرنسا على تفجير قنبلتها (الذرية والسياسية) فيها، ولا يبعد كذلك إلا بقليل  عن منروفيا حيث دوت صيحة إفريقيا المتحررة (لا مكان للاستعمار فوق قارتنا، والمستقبل للملونين).
فمن الواجب إذن أن يسجل الارتياح الذي قوبلت به دعوة المغرب للاجتماع في البيضاء من لدن جميع الدول العربية لأن المغرب هو الدولة الوحيدة التي لا يوجد لها مشاكل من أي نوع مع البلدان العربية، الأمر الذي سيجعل تلك الدول عند اجتماعها تهتم بالقرارات أكثر مما تصرف إلى البحث عن ألفاظ المجاملة والتملق.
وسيسجل في تاريخ الجامعة، بأحرف بارزة أيضا حضور وفد الحكومة الجزائرية جميع الجلسات الشيء الذي لم تكن له سابقة، وكذلك استماع المجلس إلى تحية الرئيس توري التي نقلها وزير المالية والتخطيط الغيني، والتي ترمز إلى تعانق العرب والإفريقيين وسيرهم المتوازن لبناء عالم متحرر كريم.
كل تلك الاعتبارات تؤكد الأهمية القصوى لاجتماع الدار البيضاء وتشير بما لا يقبل اللبس إلى خطورة المرحلة التي يعيشها العرب التواقون إلى الوحدة والقوة والتحرر.
ولا شك أنه نتج عن خطورة المواضيع التي درست وعن اجتماع المجلس على مستوى وزراء الخارجية، وعلى تغلب روح الإخاء والرغبة الصادقة في الوصول إلى قرارات حاسمة، اتخاذ مجلس الجامعة أخطر قراراته منذ عرف الوجود في عام 1945.
فإذا ألقي الإنسان نظرة على تلك المقررات طالعته بسهولة الإرادة العربية والتصميم العربي، فما اتخذ في شأن الجزائر وفلسطين وقنبلة فرنسا الذرية، وعمان والكمرون والجنوب اليمني والمواضيع المدرجة في جدول أعمال الأمم المتحدة، تؤكد تماما وتشير إلى ما أزمع عليه العرب من تغيير لأسلوب العمل داخل جامعتهم ورغبتهم الصادقة في التفرغ إلى معالجة قضاياهم بدلا من الإلتهاء في المعارك الكلامية بينهم.
ويقوم مصادقا على ذلك طلب وفد ج.ع.م. في أول جلسة شطب كل ما يتعلق بنزاع حكومته مع الجمهورية التونسية، رغبة في تنقية الجو العربي وأملا في الاتجاه نحو العمل البناء المثمر.
وفي هذا الإطار المشبع بروح المودة والتصميم يقف المغرب ليقول على لسان ملكه العظيم : أنه قد حان الوقت لتغيير وسائل العمل في الجامعة وتبديل هيكلها حتى تصبح أداة صالحة لتنفيذ ما تهفو إليه أمة العرب وما تطمح إليه الأجيال العربية الصاعدة.

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here