islamaumaroc

موالاة الأعداء

  دعوة الحق

182 العدد

عقدت معاهدة الحديبية بين المسلمين وقريش في السنة السادسة للهجرة، وكانت تقضي بتهادن الطرفين عشر سنين.
وفي السنة الثامنة للهجرة نقضت قريش عهدها مع المسلمين، حين حرضت حلفاءها من بني بكر على أخد ثارات قديمة لهم من بني خزاعة حلفاء المسلمين. ولم تكتف قريش فقط بتحريض حلفائها من بني بكر على القتال بل أمدوهم سرا بالرجال والسلاح. فقامت بنو بكر بهجوم مباغت على خزاعة وأوقعوا فيهم بعض الخسائر في الأرواح والأموال. ولما التجأت خزاعة إلى البيت الحرام طاردتهم بنو بكر مصممين على القضاء عليهم غير مكثرتين بعهد الحديبية.
عن ذلك رأى النبي –صلى الله عليه وسلم- أن ما قامت به قريش من نقض العهد لا مقابل له إلا فتح مكة. فأمر المسلمين بالاستعداد للحركة، وأرسل من يخبر قبائل المسلمين خارج المدينة بالاستعداد أيضا، كما أمر أهله أن يجهزوه. ولكنه لم يخبر أحدا بنواياه الحقيقية ولا باتجاه حركته، بل أخفى هذه النوايا حتى عن أقرب المقربين إليه، لقد كان صلى الله عليه وسلم يريد أن لا يترك لقريش الفرصة حتى يتجهزوا للقائه. ولئن كان واثقا من قوته ومن نصر الله له، إلا أنه كان حريصا أشد الحرص على كتمان أمره، حتى يتمكن من مباغتة قريش في غرة منهم فلا يجدوا له دفعا، فيسلموا من غير أن تراق الدماء، ولذلك أصدر أوامره إلى المسلمين بالتجهز دون أن يخبر أحدا بنواياه الحقيقية.
دخل أبو بكر على ابنته عائشة زوج النبي وهي تهيئ جهاز الرسول فقال لها : "أي بنية، أأمركم رسول الله (ص) أن تجهزوه ؟ " قالت : نعم. فسألها أبو بكر : "فأين ترينه يريد؟" فقالت : "والله لا أدري".
وهكذا ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفي نواياه حتى استكمل المسلمون استعداداتهم وتجهزوا للحركة، وعندئذ صرح بأنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والصبر، ودعا الله أن يأخذ العيون والأخبار عن قريش حتى لا تقف على أنباء سير المسلمين إلى مكة.
في الوقت الذي كان فيه المسلمون يستكملون تجهيزاتهم للحركة، قدمت إلى المدينة امرأة من أهل مكة كانت مغنية معروفة عند كل الشباب هناك. وهذه المرأة هي "سارة" مولاة أبي عمرو بن صيفي من بني عبد المطلب، جاءت إلى المدينة تلتمس العطاء والكساء، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دار بينهما حديث على النحو التالي :
 -أمهاجرة جئت يا سارة ؟
- لا.
- أمسلمة جئت ؟
- لا.
- فما جاء بك ؟
- كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة. وقد ذهب الموالي وقتلوا يوم بدر، وقد احتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني .
- فأين أنت عن شباب أهل مكة ؟
- ما طلب مني شيء من الغناء بعد وقعة بدر.
فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب على إعطائها، فكسوها وأعطوها، فخرجت في هودجها بما قدر لها من العطاء تقصد مكة عائدة من حيث جاءت.
وبنما كانت سارة تتهيأ للخروج من المدينة عائدة إلى مكة، أتاها حاطب ابن بلتعة وقال لها : "أعطيك عشرة دنانير وبردا على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل مكة". وأعطاها رسالة موجهة إلى قريش يقول لهم فيها : "أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم يجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم، فإن الله وليه ونصيره".
فخرجت سارة ومعها كتاب حاطب بعد أن أخفته في ثنايا ملابسها. ونزل جبريل فأخبر النبي (ص) بذلك، فاستدعى بعض الفرسان وعلى رأسهم علي ابن أبي طالب وأمرهم بأن ينطلقوا حتى يلحقوا بالمرأة على مسافة اثنتي عشر ميلا من المدينة. وفي ذلك قال لهم : "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ضغينة (أي امرأة هودج) ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلها، فإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها".
فانطلق الفرسان وأدركوا المرأة عند المكان الذي حدده لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا له : "أين الكتاب الذي معك؟" فحلفت ما معها كتاب. ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع إلى المدينة. ولكن عليا –رضي الله عنه وكرم الله وجهه- قال لهم : "والله ما كذبنا ولا كذبنا- يعني بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ليقول لهم إلا الصدق، وقد أخبرهم بأن مع المرأة كتابا، ومع ذلك فإنهم حتى تلك اللحظة لم يقدموا على تكذيب المرأة فيما قالته لهم من أن ليس معها كتاب.
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليعطي أصحابه الذين أرسلهم إلا كل معلومات صادقة ودقيقة. فوجل إذن أن تكون هذه المرأة هي الكاذبة. وهنا استل علي سيفه وقال للمرأة : "أخرجي الكتاب، وإلا فوالله لأجردنك ولأضربن عنقك". فلما رأت منه الجد والحسم أخرجت الكتاب ودفعته إليه. فخلوا سبيلها، وعادوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان حاطب بن أبي بلتعة من أهل اليمن. وقد هاجر إلى المدينة فرارا بدينه مع المسلمين، ولم تكن له قرابات من النسب مع قريش الذين ترك فيهم أولاده وأرحامه. وكان لبعض المهاجرين قرابات من النسب مع قريش، فكانت تلك القرابات بمثابة نوع من الحماية النسبية لذويهم وأهليهم الذين خلفوهم وراءهم في مكة. أما حاطب بن أبي بلتعة وأمثاله فمن أين لهم أن يوفروا شيئا من الحماية لأولادهم وأهليهم ؟
صحيح أن الدين الجديد أتى بمفاهيم مختلفة فيما يتصل بالأخوة وعلاقات الأهل والموالاة والمصادقة وكل الروابط الاجتماعية، فيما بين الأب وابنه، والابن وأمه، والأخ وأخيه، والزوج وزوجته، فكانت أخوة الإيمان مقدمة على أخوة النسب، وموالاة المسلمين مقدمة على موالاة الأهل والأقرباء، والقرآن الكريم يؤكد : "إنما المؤمنون إخوة" وأيضا لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم أو عشيرتهم"، ويقول : "يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون. قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسدها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين".
وصحيح أن المسلمين المهاجرين كانوا على علم وقناعة بذلك كله، وصحيح أيضا أن حاطب بن أبي بلتعة كان من الصحابة البارزين وكان ممن أخرجوا مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، إلا أنهم رغم ذلك وقع في ذلك الموقف الشاذ، وتعرض لتلك اللحظة التي لا يقاس عليها.
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى حاطب، فلما جاء سأله عن الكتاب، فاعترف بما اقترف، فطلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم تفسيرا لما فقع، فقال حاطب : "لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرؤ ملصقا في قريش (أي حليفا لهم وليس منهم)، وكان ممن معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذا فاتني ذلك فيهم من النسب أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام".
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "صدق".
لحظة ضعف، ربما، والضعف في الإنسان، تذكر فيها حاطب أولاده وأهله. ومن أجدر بتوليد مثل تلك اللحظة من الأرحام وفلذات الأكباد ؟ 
ولكن رغم كل الاعتبارات المخففة فقد أخطأ حاطب خطأ كبيرا لا شك في ذلك. وعظم الخطأ أنه يأتي من ناحية الموالاة مع الأعداء. فهذا من أكبر الأخطاء، بل لعله من أفدح الخطايا، مهما كانت الدوافع والمسببات. وربما كان ذلك هو ما دفع عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- لأن يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : "دعني يا رسول الله أضرب عنف هذا المنافق". فهنا كان عمر رضي الله عنه لا يرى غير حجم الخطأ، بله الخطيئة، وإنه لكبير حقا.
ولكن الرسول صلوات الله وسلامه عليه يرى أكثر مما يراه عمر. إنه يرى الخطأ، ويرى ضعف الإنسان، ويرى سبق الإسلام وفضل الهجرة، ويرى غير هذا وذاك مما غاب عن حسبان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طلب منه الإذن بضرب عنق حاطب أن قال له: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك، لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".
وفي هذه المناسبة نزل قوله تعالى : "يا أيها الناس آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم، إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي، تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل. إن يثقفونكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون. لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم، يوم القيامة يفصل بينكم، والله بما تعملون بصير".
وهكذا نزلت تلك الآيات لتحيط بالقضية من مختلف جوانبها المتعددة. لقد جاءت مؤيدة لموقف الرسول صلى الله عليه وسلم من حاطب حين نزل الخطاب بقوله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا". ويروي أن حاطبا خر مغشيا عليه من الفرح حين سمع الخطاب بالإيمان.
ولكن هذه الآيات جاءت أيضا مؤكدة نهي الله تعالى عن موالاة الأعداء أيا كانت الدوافع والمسببات. فالموالاة معهم محرمة، بل هي خيانة عظمى للدين وللأمة، وتعريض بهما للخطر. ليس ذلك فقط، بل إنها مخاطرة بالنفس، لأنه لا يعقل حين يتمكن الأعداء أن يقدروا بعين الاعتبار ما قدمه لهم عملاؤهم أو ينظروا إليهم نظرة فيها أقل قدر من الاحترام. وأنى لنار العدو أن تميز بيم خصم لدود وعميل ودود؟
وصدق الله العظيم: "إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون".
حق علينا جميعا –عربا ومسلمين- أن نتوقف مع أنفسنا في زحمة الحياة وسرعة إيقاعها لنسلط الضوء على علاقاتنا بكل ما حولنا ومن حولنا :
هل كل ما نأتي وما ندع متسق في دوافعه وغاياته ونتائجه مع مصلحة الإسلام والعروبة ؟
هل كل ما نأتي وما ندع متسق في دوافعه وغاياته ونتائجه مع مصلحة الإسلام والعروبة ؟
ومع القرآن الكريم، لغة، وعقيدة، وتشريعا، ومثلا عليا؟
ومع السنة النبوية المطهرة، أدبا، ونورا، ورحمة، وجهادا، وقدوة حسنة؟
أم أننا في ضعف نفوسنا، وفي هواننا على الناس وعلى أنفسنا، لا نبالي أن يكون في مواقفنا وفي تصرفاتنا وفي أعمالنا شيء –لعله الكثير- من ممالاة أعدائنا وموالاتهم ؟
ندعوا الله أن نكون على الجادة فيما نسر وما نعلن.
"ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين".

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here