islamaumaroc

دفاع لكن

  دعوة الحق

182 العدد

لم تتعرض لغة من لغات الأمم والشعوب إلى الطعنات مثلما تعرضت لها اللغة العربية، واشتدت هذه الطعنات وازدادت حدتها وضراوتها في العصر الحديث ومنذ القرن الثامن عشر، أي منذ الفترة التاريخية التي يطلقون عليها اسم فترة النهضة أو عصر العبث. وكان التهجم على اللغة العربية والنيل منها والانتقاص من قيمتها جزءا من حملة وخطة استعمارية شرسة كانت في الأساس تستهدف القضاء على كافة مقومات الأمة العربية وكيانها بواسطة الحروب تارة وبواسطة التذرع بالحجة العلمية.
وقد وجد هؤلاء الذين آلوا على أنفسهم ألا يتركوا اللغة العربية موقعا أو موضوعا في الأرض تنتشر فيه وتشيع، أن من الطرق والسبل اليسيرة التي تمهد العامية في الأدب ووسائل التعبير الأخرى، فهذا وليم ورل يقول في كتاب له : أن اللغة الحقيقية هي اللغة العامية، وأن استخدام هذه اللغة –في رأيه- هو السبيل الوحيد أمام العرب إذا أرادوا اللحاق بركب الحضارة العصرية! وظهرت ترجمات لأمهات الكتب العامية باللغة الدارجة خاصة في مصر ومنطقة الشام، أما نحن في المغرب فلم نسلم من رشاش هذه الموجة، ولكن جميع المحاولات باءت بالفشل والإخفاق سواء في المشرق أو في المغرب، لأن الناس –وحتى اللذين حرمهم الاستعمار أو الظروف الاجتماعية والاقتصادية من التعليم لم يستسيغوا هذه الدعوة فنبذوها، ويمكن القول أن هذه الدعوة الخبيثة كانت من العوامل التي أوحت وأوعزت إلى العرب باكرا بنوايا الاستعمار وخططه، فازدادا العرب تشبثا بلغتهم الفصيحة وحضوا أبناءهم على تعلمها والحفاظ عليها، حتى أصبحت منزلة اللغة العربية الفصيحة في قلوب العرب ووجدانهم في مرتبة التقديس.
وحين خرج الاستعمار من الوطن العربي بدأ الغزو الفكري الغربي للأمة العربية، ذلك الغزو الذي تذرع بوسائل وحجج، بعضها يرتدي رداء العلم والموضوعية والتجرد، وبعضها يرتدي رداء العاطفة الغيور على مصير اللغة العربية (المعقدة) في عصر يتسم بالتبسيط والتيسير في كل شيء! 
وفي مدى لا يتجاوز ثلاثين سنة –أي عبر حياة جيل واحد – بدأت اللغة العربية الفصيحة تتخلى عن كثير من خصائصها الأصيلة وتبتعد كثيرا عن ينبوعها الأصيل العريق دون أن تقوم هناك ضرورة معينة تدعو إلى ذلك.
ومن يقرأ أساليب الكتاب العرب المعاصرين يدهش كثيرا جدا، لأن هذه الأساليب في الكتابة إنما تستمد بعض قواعدها وأصولها ليس في الكتابة إنما تستمد بعض قواعدها وأصولها ليس من الأساليب العربية الأصيلة في الأدب العربي ولكنها مستمدة من الأساليب الأدبية الوافدة : من اللغات الفرنسية والإنجليزية واللاتينية بصفة عامة، ولا شك أن هذا راجع إلى التأثر بالآداب الغربية وإلى الترجمات التي ظهرت للآثار الأدبية الغربية وإلى النمو الحاصل في مجموع مفردات القاموس العربي الحديث – وهو نمو فاق كل تصور- وإلى العلاقات البيولوجية التي نشأت حديثا بين اللغة العربية واللغات الأجنبية تحت ستار علم اللغة المقارن وإلى غير ذلك من التطورات اللغوية التي جعلت اللغة العربية الفصيحة الآن، بينها وبين جدتها القديمة فروق وفوارق تكاد تفصل بين هذه وتلك.
وقد قامت جهود مشكورة على أيدي علماء وأدباء ومفكرين أحسوا بالأخطار المحدقة باللغة العربية الفصيحة في مواجهة هذا الفيضان الجارف من الكلمات والمفردات والتعبيرات فضلا عن المصطلحات الذي امتد إلى الأصوات والأساليب الأدبية والفنية، فهبوا للتنبيه إلى هذه الأخطار ودافعوا عن قضية تطوير اللغة العربية وتسهيلها وتيسير أساليبها في الكتابة والتعبير والإنشاء لأبناء اللغة أنفسهم، في عصر ينمو فيه كل شيء نموا سريعا، أو للأجانب الذين يودون الاتصال بالعرب اتصالا مباشرا، ونذكر من هؤلاء الأساتذة الأجلاء عبد الله كنون وأنور الجندي وتقي الدين الهلالي وسعيد الأفغاني وغيرهم وكثيرون ..
وفي تقديري الخاص أن مسؤولية تسهيل وتيسير اللغة العربية الفصيحة – مع الحفاظ على مقوماتها وخصائصها وروحها الأصيلة- لا تقع فقط على كاهل الأدباء والعلماء والمفكرين وفقهاء اللغة، فذلك شيء مفروغ منه، وإنما ينبغي أن تنسحب هذه المسؤولية الجسيمة إلى الآباء أنفسهم داخل البيت وفي الشارع، وإلى المعلمين والأساتذة في فصول الدراسة والتحصيل، وإلى وسائل الإعلام المختلفة التي يعد دورها في هذا المجال خطيرا جدا، لأن الراديو والتلفزيون –مثلا- أصبحا عضوين من أعضاء الأسرة، ولا يكاد يخلو منهما بيت من البيوت، فتأثيرهما شديد جدا. وكذلك لا ينبغي أن ننسى دور الصحف اليومية والمجلات ...فإذا أحسن استغلال هذه النوافذ التي يطل منها المرء على ما يجري في وطنه وعالمه بواسطة اللغة والأسلوب، وإذا استطاعت تلك الوسائل والأجهزة التي تتصل بالناس اتصالا وثيقا جدا وتؤثر في حياتهم الفكرية والعقلية والوجدانية أن يرتقي أصحابها والمشرفون عليها وعلى برامجها وخططها ومناهجها باللغة والأساليب التي يقدمونها للناس : صغيرهم وكبيرهم، المتعلم منهم والمثقف، الأمي منهم والجاهل، وأن يصقلوا هذه اللغة ويجعلوا بينها وبين اللغة الفصيحة حقا، رابطة تربطها بها ولا تفصلها عنها، واستمدوا طرائف الحديث الذي يصلهم بالناس .... تمكنوا من صيانة جمال اللغة العربية الذي يتشوه وجهها يوما عن يوم، واحتفظوا للغة بنقائها ونصاعة أساليبها التي تكدرها بعض الكلمات المستوردة والدخيلة والتي إن بحثت عن صلة أو آصرة من قريب أو من بعيد تمت بها اللغة العربية الفصيحة حقا، الأصيلة حقا، لما وجدت شيئا من ذلك، وعجبت أشد العجب : يا لها من لغة يسمونها عربية ويا له من مصير يترقبها! 
... عود على بدء ...
مما لا مراء فيه أن اللغة العربية شهدت منذ مطلع القرن عددا من التطورات والتحولات التي مست اللغة في الشكل وفي المضمون معا، وحين نتفحص هذه التطورات والتحولات التي طرأت على اللغة العربية وأساليبها وأشكالها ومضامينها نجدها تنطوي على قدر غير ضئيل من التحدي الذي طرحته عليها الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية والحضارية عموما، واستطاعت لغتنا أن تواجه هذا التحدي مواجهة سريعة وفورية وإن لم تخل من بعض الأخطاء ومن بعض السلبيات كما يحدث في أي مواجهة يطبعها التحدي، فكيف إذن كان حضاريا؟! 
ومما لا مراء فيه أيضا أن اللغة العربية خرجت من هذه المواجهة منتصرة رغم الدعاوي التي قامت في المشرق أو في المغرب إلى محو اللغة العربية الفصيحة وإحلال العامية محلها واستبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية ... –ولو لم تكن اللغة العربية ذات قدرة خارقة- في كافة المواجهات والتحديات التي واجهتها – على امتصاص واستيعاب هذه التحديات لما استطاعت هذه اللغة الحياة والبقاء حتى الآن، وأن يمتد إشعاعها إلى بعض الشعوب والقوميات التي لم تكن تتكلم العربية أو تتحدث بها ولم يكن مثقفوها يكتبون بها، ولا أن تصبح هذه اللغة الآن إحدى اللغات الرسمية في عدد من المنظمات والهيئات الدولية، وهي اللغة التي يمتد تاريخها وتمتد أصولها وجذورها إلى أكثر من سبعة عشر قرنا ضاربة في القدم، ورغم ذلك، لا زالت تحتفظ بحيويتها وصفائها ونقائها وجمالها وشفافيتها وخصائصها في الكتابات الأدبية عند أدبائنا الكبار –القدامى منهم والمعاصرون، هؤلاء الأدباء والكتاب والمفكرون الذين لا زالوا يحملون لواء العربية ويرفعون بريقها في الفضاء عاليا ...
ولكن القضية –أو المشكلة- أن بعض هؤلاء الأدباء والكتاب المفكرين ليسوا على قناعة تامة –ومع الأسف الشديد- بأن اللغة العربية قادرة على التعبير عن أدق ما يشهده العصر والظروف الحضارية الراهنة، وهي النغمة التي تكرر باستمرار والتي تدعي أن قدرة اللغة العربية قدرة محدودة على استيعاب علوم العصر والتعبير عنها وبها، ولذلك على اللغة العربية أن تنزوي بعيدا عن هذا العصر
وظروفه ومتغيراته، أي أن القائلين بهذا الزعم والادعاء يريدون أن يضعوا اللغة العربية في متحف اللغات الميتة وأن تظل فيه أداة من أدوات الماضي وأداة من أدوات الفرجة على أدب وثقافة و ... حضارة ميتة !
ولا شك أن هؤلاء الأدباء والكتاب والمفكرين قادرون على تكريس مواهبهم وطاقاتهم وجهودهم لتطوير اللغة العربية حتى تصبح هذه اللغة قادرة بدورها على مواكبة العصر وظروفه ومتغيراته بدل الإلحاح دائما على عدم قدرة اللغة العربية على مواجهة تحديات العصر الأدبية والعلمية والتفاعل معها والتعبير بها وعنها، وهي حجة واهية استخدمت من قبل في مراحل وفترات تاريخية معينة، ولكن الذين تذرعوا بها واستخدموها ذهولا تماما حين رأوا اللغة العربية والقائمين بها يتفاعلون باللغة العربية ويطورونها ويصهرونها في تجارب أدبية وعلمية وتقنية جديدة ودقيقة في نفس الوقت، فحين ظهر فن التمثيل في الشأن ظهر باللغة العربية العامية لأن الذين أدخلوا هذا الفن الجديد على الأدب العربي اعتقدوا أن اللغة العربية الفصيحة لن تتمكن من التفاعل مع هذا اللون الأدبي الطارئ عليها وبالتالي لن تكون قادرة على التعبير به مع الالتزام بقواعد الفن المسرحي وأصوله ومناهجه ومبادئه، وظهرت فيما بعد أعمال مسرحية باللغة العربية الفصيحة لقت نجاحا كبيرا، وأكثر من ذلك أن كتاب المسرح العرب حين وفد عليهم من الغرب مسرح العبث واللامعقول كتبوا أعمالا مسرحية بالغة التعقيد ووصلوا باللغة فيها إلى درجة التجريد، فلم تقف اللغة العربية الفصيحة حائلا دون ذلك وغيره كما كان يشاع ويروج له ... ووقع نظير ذلك في مجالات الرواية والقصة السيكولوجية والشعر والمسرح الذهني والقصة البوليسية وقصص المغامرات الجاسوسية، مع تحفظ في الأساليب التي توظف وتستعمل للتعبير عن هذه النواحي والزوايا من واقع وطبيعة العلاقات والمتغيرات والزوايا الحضارية الجديدة في عصرنا الراهن ... وهذا كله يسقط الدعاوي والتهم الموجهة إلى اللغة العربية الفصيحة وقصورها ...
وبالرغم من ذلك، لا ننكر أن بعض مجالات النشاط العلمي والتكنولوجي لم تقتحمه اللغة العربية بعد، ولكن ليس بسبب عدم قدرتها وعجز طاقاتها عن ذلك، وإنما للسرعة التي يسير بها هذا النشاط العلمي والتكنولوجي المتنوع والمتشعب، وهي معضلة لا تشكو منها اللغة العربية فحسب، ولكن حتى بعض اللغات الحية مثل اللغة الفرنسية التي يبكي ويتباكى أصحابها الآن مخافة أن تصبح هذه اللغة –لغتهم ذات المجد العريق- لغة في الصنف الرابع بعد عشرين أو ثلاثين سنة، ذلك أن جل المصطلحات والمفردات والمفاهيم الجديدة في العلم وحتى في الآداب والفنون لم تعد تولد في باريس ومعاملها ودور النشر فيها ومطابعها، ولكنها تولد في معامل الولايات المتحدة ومعاهدها العلمية والتكنولوجية العليا وفي ألمانيا الغربية واليابان والاتحاد السوفيتي! وهي الدول التي تتصدر القوى الاقتصادية والعلمية للإنسان وحضارته في عصرنا الحاضر.
والمسألة الأساسية في رأيي تنحصر – في هذه المقالة على الأقل- في محاولة لطرح الصعاب والتحديات والمشاكل التي تواجه اللغة العربية الفصيحة في البلاد العربية نفسها على مستوى الحديث اليومي ومستوى ميادين الأعلام بما تشمله من صحف ومجلات وإذاعة وتلفزيون وسينما، طرحا موضوعيا ونزيها ومجردا، طرحا يشمل ساحة واسعة من النظر والعمل معا، ساحة تجتمع فيها مجموعة من الكفاءات العلمية والأدبية والفنية الواعية والقادرة على الدفع باللغة العربية الفصيحة إلى مجالات للاستعمال والاستخدام متعددة تشمل كافة الوجوه والمناحي التي يبرر فيها نشاط الإنسان وتظهر فيه إنجازاته الإبداعية والعلمية ...
ولا أدري كيف تسعى الدول والحكومات العربية إلى اللحاق في بعض العلوم التكنولوجية وتوظف لذلك الأموال والأرصدة وتعتمد لهذه الخطة البعيدة المدى مبالغ مالية ضخمة وأطرا علمية عليا، ولا تسعى إلى أن تجعل من اللغة العربية- وهي لغة العلم لهذه الأجيال التي تستشرف آفاق القرن الواحد والعشرين – لغة في مستوى المرحلة التي تريد هذه الأقطار أن تحققها، لغة في مستوى القرن الواحد والعشرين.
إننا نفكر في مستقبل الإنسان العربي، مستقبله الاقتصادي والاجتماعي، ونفكر في توفير القدرة له على الدفاع عن نفسه، ولا نفكر في مستقبل لغته، وهي أداة التفكير والتعبير معا في مستقبل الإنسان اقتصاديا واجتماعيا وعسكريا.
وفي رأيي أننا إذا لم نطور لغة الحديث اليومية لنجعلها قريبة من اللغة العربية الفصيحة، وإذا لم نطور لغة وسائل الإعلام، وإذا لم نطور اللغة في البيت و في المدرسة أساسا وبالدرجة الأولى، فإن كل أحلامنا وآمالنا في تقريب أذهان الناس إلى اللغة الفصيحة أو تقريب اللغة الفصيحة إلى الناس وأذهانهم –وتلك مشكلة أخرى- ستنهار في النهاية وتذروها الرياح، ذلك أن المنطلق الأساسي لإصلاح اللغة أو تطويرها أو تحديثها أو صقلها أو مزجها أو إدماجها : نابع من واقع وطبيعة الحياة اليومية للناس والجماهير وما تعج وتضطرب به من علاقات اجتماعية واقتصادية وانفعالية وغيرها، وهذه الجماهير يجب أن نسعى إليها بلغة عربية متطورة ومصقولة وحديثة وممزوجة ومدمجة ومصهورة حتى تستطيع أن تستجيب هذه اللغة وأساليبها في التعبير عن حاجات الجماهير وعن علاقاتها المختلفة، دون أن نطرح هذه اللغة على الناس شائهة هجينة، تحول بينهم وبين تراثهم الأدبي الخالد وتصنع بينهم وبين الآثار الأدبية حواجز أشبه بالأحاجي والألغاز تقتضيهم فكها حتى يفهموا ما يريد الأدباء أن يقولوه ...
ومن منا اليوم لا يحتاج إلى قاموس يفهم معنى بيت من شعر أحمد شوقي –مثلا - ؟ فكيف يكون حجم هذه الحاجة إذا قرأ بيتا للمتنبي، وسار بعيدا فقرأ بيتا من معلقة امرؤ القيس ؟.
وكيف سيؤول إليه أمر الناس عند قراءتهم لآثار توفيق الحكيم أو مجيب محفوظ مثلا في القرن الواحد والعشرين ؟
إن قاموس اللغة العربية تتطور مفرداته باستمرار بما يفد عليه من مفردات جديدة من لغة الحياة اليومية أو من لغة وسائل الإعلام أو من لغة البيت ولغة الشارع ولغة الكتب التي تدور بها مطابع العالم العربي والعالم الغربي على حد سواء، وهناك مفردات جديدة تظهر كل يوم وتدخل القاموس بينما تختفي منه مفردات أخرى كف الناس عن استعمالها أو تخلت عنها عجلة التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأدبي في حركتها اليومية الدافعة، والأديب الذي يكتب للناس باللغة التي يفهمونها لا يمكن له أن يبقي أداته التعبيرية معزولة عن هذا التطور السريع في تغيير بنية اللغة، ولكن الجناية التي نرتكبها في حق الناس وحق اللغة معا هي أننا نأخذ هذا التطور السريع على علته، ونأخذ المفردات والتعابير التي تجري بها الحياة اليومية للناس على ما فيها من عيوب ونقائص، ثم نعود فنقدم هذه المفردات والتعابير الدارجة مرصوفة في قصة أو شعر أو مسرحية على أنها لغة أدبية ترتقي بحاسة تذوق الجمال والإحساس بالخير والحق والفضيلة لدى الناس وتصقل مشاعرهم وتهذب من حدة ميولهم وغرائزهم الفطرية.
إن اللغة العربية تجتاز أزمة من أخطر وأدق الأزمات التي مرت بها، ولكن أزمتها الآن تختلف من حيث الظروف العلمية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية... وأظن أن هذه الأزمة سوف تزداد وسوف تشتد لأن ظروف المرحلة تختلف عن أي ظروف أخرى وعن أي مرحلة أخرى، فعصرنا عصر تتلاقح فيه الأفكار، والأفكار تصورها اللغة – وهذه اللغة –أي لغة – ينبغي أن تكون في مستوى التعبير عن هذه الأفكار وتصويرها تصويرا دقيقا وأمينا وأصيلا وسليما، ومثلما تتراكم الأفكار والمعلومات التي يفرزها العقل البشري تتراكم كذلك المفردات والكلمات والمصطلحات والمفاهيم، ولغتنا العربية لا يجب أن تنزوي مفرداتها وكلماتها ومصطلحاتها ومفاهيمها عن هذا التراكم الذي تستقبله لغات الشعوب المتقدمة بالتصنيف والتنظيم والتنسيق والضبط وعمليات التحليل والتركيب، وإذا تخلفت اللغة العربية عن ذلك كله، تخلفت عن مسارها الذي سلكت فيه مسلك التكيف والملائمة والتأثر والتأثير عبر فترات وحقب تاريخية وحضارية عديدة، وتختلف أيضا فكرنا وتخلى عن صفاته وسماته المميزة له مثل الوعي واليقظة والاجتهاد والطموح والخلق والإبداع ..  وإذا تخلف فكرنا الذي يمثل شخصيتنا وحضارتنا ويجسمها، فلماذا لا يترتب عن ذلك أيضا أن نختلف كلمة عرفت دائما بإسهاماتها في حضارة الإنسان وتقدمه ورقيه ؟ .. ولكن المنزلق الأخطر الذي أخشاه أكثر هو أن نرتمي في أحضان لغة أجنبية نستعيض بها لغتنا الأصلية ونستعين بها في لغة حديثنا اليومي ولغة وسائلنا الإعلامية ولغة بيوتنا ولغة مدارسنا ولغة الشارع، لننتهي أخيرا إلى أن نجعل من هذه اللغة لغة "الحياة" نفكر بها ثم نتحدث ثم نكتب بها! 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here