islamaumaroc

من تشويهات التحليل الماركسي

  دعوة الحق

182 العدد

من خلال حملة القراءات الجديدة، والرؤى الجديدة التي شنها التيار الماركسي –التقدمي على الفلسفة الإسلامية، نجد تركيزا هاما وفاصلا حول مسألة الخلق من عدم. هذه المصادرة الغيبية كما يسمونها والتي دعت إليها كل الأديان، ما عدا الداعية منها إلى وحدة الوجود، والحلولية، تعتبر في نظر الماركسيين التقدميين تقهقرا وتراجعا في النظرة المادية للكون. فهي تفصل العالم عن الله، خالق الكون من عدم ومن لا شيء، وتجعل الله بذلك قوة خالقة بعد أن كان في الفكر اليوناني مجرد قوة صانعة (أفلاطون) أو معشوقة (أرسطو)، وتجعل الله وحده الأزلي الأبدي، بعد أن كان معه في الفكر اليوناني، العالم ومادته. فهي مصادرة تقول بالتوحيد مقابل الوثنية اليونانية ولهذا السبب فالفكر الديني متقهقر أمام الفكر الوثني ما دام هذا الأخير قريبا من المفاهيم المادية. وعلى هذا الأساس عمدوا إلى عزل الفكر الديني عزلا تاما بحجة أنه غيبي وغير عقلاني، ومن الفلسفة الإسلامية أخذوا وفيها وضعوا نظرية الفيض لتحل محل مصادرة الخلق من عدم، وتحل الإشكال القائم بين الفكر الغيبي والفكر الوثني. وهكذا جعلوا من نظرية الفيض حجرا زاوية التوفيق بين الدين والفلسفة، وحجر الزاوية في الهجوم على الفكر الغيبي باعتبار أن نظريته دفعت النظرة المادية الهرطقية التقدمية إلى الأمام في الفكر العربي، أما مصادرة الخلق من عدم الدينية، فقد أثارت صعوبات خاصة كبيرة، في نظرهم، عاقت الرؤية المنطقية العقلانية البرهانية، وحاجات التطور المادي والعلمي ... وفي ذلك يقول طيب تيزيني : المشكلة الأساسية الدينية وهي "الوجود" الإلاهي وعلاقته بالعالم المادي، هذه العلاقة التي تحددت ضمن التصور الديني ب "خلق" العالم المادي من "عدم" محض إطلاقا بدافع من "الوجود" الإلاهي أو الإله. بيد أن الصعوبات الخاصة الكبيرة، التي نشأت وتبلورت في معمعان محاولات البرهنة على التصور الديني ذاك (أي خلق العالم من عدم محض إطلاقا) والتي أعاقت قيادة البرهان على ذلك بشكل منطقي عقلاني حازم، وكذلك حاجات التطور المادي للإنتاج البضائعي المتنامي وللتجارة العالمية الشاملة، وبالتالي لدور العلوم الطبيعية في الحياة الاجتماعية الإنتاجية والثقافية العامة، إن كل ذلك قد ساهم في تعزيز عملية مجابهة التصور المشار إليه فوق وفي انبعاث اتجاه فكري جديد يمثل آفاق هذه الفترة على نحو معقد ومثير و مليء بالتوقعات في آن واحد، إن ذلك الاتجاه الفكري قد عبر عن نفسه آنذاك من خلال فكرة "الفيض" أو "الصدور"(1) .
فما هي نظرية الفيض هذه ؟       
يقول الماركسيون التقدميون أن الفرابي بنظرية الفيض جمع بين المتناظرات في منظومته الفلسفية.
فماهي؟ وهل قال بها الفرابي حقا كما يقولون؟ ! وهل بسقوطها تنهار منظومته الفلسفية ويسقط معها كل من اعتمدها في الفلسفة الإسلامية ؟!
تقول نظرية الفيض أن الوجود واجب الوجود وممكن الوجود وواجب الوجود بغيره. وأن واجب الوجود واحد، بسيط، عقل وعاقل ومعقول .. وعن تعلقه لذاته صدر عقل أول يتعقل واجب الوجود ويتعقل ذاته، وعن تعلقه للذات الإلهية صدر عقل ثاني، وعن تعلقه لذاته بدا التكثر بصدور وجود السماء الأولى والنفس(2) ثم استمر التعقل واستمر معه الصدور الواحدي (العقل) والتكثري (السماء والنفس)معا إلى العقل العاشر(3) الذي يتولم العالم الأرضي الخاضع للكون والفساد والذي تتكثر فيه الأشياء، باختلاط عناصرها وامتزاجها ثم تتلقى صورها عن واهب الصور الذي هو الواسطة بين الله والعالم.
فالوجود عند الغزالي كلمة عامة تجمع بين واجب الوجود وممكن الوجود الذي لن يكون موجودا بالفعل إلا بتدخل العلة الفاعلة، وهي الصور المتدفقة عن الذات الإلهية السخية المعطاء. فوجود الموجودات من وجود الله، وهذا الوجود عطاء وفيض وصدور عنه، وهذا الفيض والصدور ضرورة ولكن عينها الحرية، إنها ضرورة غير مشروطة.
ويقول الباحثون أن نظرية الفيض هذه هي المرتكز الذي جمع به الفرابي كل المتنافرات؛ جمع ما بين الله والعالم، والوحدة والكثرة، والقدم والحدوث، والمنطق والميتافيزيقا والمعرفة والوحي و الإلهيات و السياسة. وفي الكل جمع بين الدين والفلسفة. وبهذا الجمع يقول الماركسيون التقدميون أن ذلك خطوة كبرى للتوحيد بينهما. فهما وجهان لعملة واحدة.
وقد اعترض الأقدمون على هذه النظرية كالغزالي والرازي الذي قال بأن المنطق الذي يسمح بصدور الواحد يسمح كذلك بصدور التعدد وأن البسيط أعقد من المركب فمن أصدر هذا الواحد البسيط يستطيع أن يخلق المركب.
أما المحدثون4 فقد اتجهوا اتجاها راديكاليا حيث ترفض نظرية الفيض بتاة(5) من منظومة الفرابي بالاعتماد على تعريف كلمتي الإبداع والإيجاد ونظرية المعرفة عند الفرابي لينتهي الأمر إلى القول بالخلق من عدم. ومعنى هذا أن نظرية الفيض ومكانتها في المنظومة الفلسفية تسقط كلية ويبقى الإيجاد من عدم هو المصادرة الأساسية في منظومته الفلسفية.
وبهذا ينهار الصرح القائل بأن مكانة نظرية الفيض في منظومته هي التوفيق بين الدين والفلسفة، بين الله والخلق، بين الوجود والذات، فالأمر إذن ليس لحل مشكل ثنائي بين الله والعالم كوجوديين أزليين حسب ما تقدمه الفلسفة اليونانية الوثنية، أو حسب ما قدمت عن طريق المترجمين المسيحيين. وإنما الأمر خلق ووضع لمنظومة فلسفية متكاملة، منسجمة، على أسس ومنطلقات غير يونانية، وجديدة كل الجدة في مواجهة الفلسفة اليونانية ومصادرتها الفلسفية، وهذا مع استعمال مصطلحاتها ومضامينها التي تفرغ من محتوياتها وتوظف في الوجهة الجديدة ... وهذا يقدم الفرابي على أنه فيلسوف واقعي، متدين، ينطلق من أرضية إسلامية واقعية تقول بالعالم المادي الحسي المخلوق من عدم.
تأويل وتشويه لنظرية الفيض ...
ورغم هذا الانتقاد والتحول الجذري في تأويل نظرية الفيض فإن ذلك لا يعني نفي كلمات الفيض والصدور، فهي تبقى قائمة في منظومة الفرابي وتفسر تفسيرا يناسب المنحى الجديد(6) ولكن هذا البقاء لا يبرر التفسير الماركسي –التقدمي لهذه النظرية.
يقول طيب تيزيني : إن عرض مفهوم الموجود الأول أو الإله لدى الفرابي يقتضي من طرف آخر التعرض للموجودات وبالطبع المادية منها. أما هذه الموجودات فتوجد على شكل فيوضات عن الإله الذي هو الموجود الأول واو هذه الموجودات الفائضة هو العقل الأول وآخرها المادة أو العالم المادي"(7) .
ويقول في نص آخر : "إن الموجودات المتعددة والمختلفة، ابتداء بالموجود الأول وانتهاء بعالم ما تحت القمر الهيولاني توجد من حيث تكون عالما واحدا. أي أن التمايز بين الموجودات تمايز في الدرجة الذاتية ضمن إطار وجودي شامل واحد"(8).
ويقول في نص آخر : وفي الوقت الذي ينطلق فيه الفرابي من ضرورة فيض الأشياء كلها عن الموجود الأول يفقد هذا الأخير وجوده لذاته بشكل علوي مفارق بل أكثر من ذلك. إن وجوده لذاته يصبح وجوده للعالم، فهو لحمة هذا العالم، (وحركته – عقله) الخاصة الذاتية، والتحدث عن وحدة الطبع ذات يتمتع بها الموجود الأول تلقاء الموضوع (الذي هو العالم المادي) تتلاشى، إذ نحل محلها وحدة الذات بالموضوع أو الوجود الواحد".(9)
فهل حقا أن كلمات الفرابي فيض، وصدور، وعقول تتحمل كل هذه التأويلات البعيدة المشبوهة؟ ! وهل حقا أن الفرابي يقصد عالم المعقولات اللامادية التي لا تخضع للكون والفساد وعالم الماديات الخاضع للكون والفساد؟ !
وهل حقا أن الفرابي يقول أن واجب الوجود فقد تعليه ومفارقته للعالم، وتلاشى وتلاشت وحدته الذاتية، لتحل محلها وحدة شاملة ووجود واحد ؟ !
إنك تشعر ولا شك أن تيزيني يستعمل نظرية الفيض ليقفز على هوة هائلة بين عالم الأمر (المعقولات) وعالم الخلق (الماديات) فهل عالم الماديات هو حقا فيوضات، وفيوضات ضرورة (التي شددها تيزيني)، فيوضات سخاء وعطاء كاملة كانت أو ناقصة كما يراها تيزيني أم أن هذه الفيوضات وهذه الضرورة وهذا السخاء وهذا العطاء هو فقط في عالم الأمر عالم العقول التي لا تخضع للكون والفساد ؟ ! أم أن مجرد إضافات وتعميمات من تيزيني مثل "هذه العلاقة (الوحدة) الأنطولوجية الجدلية" تكون مبررا كافيا عنده "لعقد رباط وثيق بين المادة (العالم المادي) والوجود الأول ليس فقط على أساس علاقة نسبية بين كلا الطرفين وإنما أيضا على أساس علاقة وجودية، نقول أن عقد ذلك الرباط كان خطوة مرموقة على طريق إزالة أو على الأقل أضعاف الثنائية الكندية تلك"(10) .
ويقصد تيزيني بالثنائية الكندية الله والعالم المخلوق من عدم، وينسى أن ما يجر إليه هو شخصيا بتفسيره علاقة وجودية أو العلاقة الوحدة، هي التي يجب أن تنعث بالثنائية مادام الله عقل وعاقل ومعقول. أما منظومة الكندي فتقول بخلف العالم أي تنفي الثنائية في الأزل والأبد. فهل قلب حقائق الأمور وتشويهها كاف لتمرير النظرة المادية في الفلسفة الإسلامية ؟ !
أقول أن إطلاق مصطلحات توحي بالترابط بين الله والعالم في علاقة أنطولوجية، وتوظيف كلمة الفيض والصدور في ذلك لتقريب الفوارق بين عالم الأمر وعالم الخلق، عالم الغيب وعالم الشهادة للوصول إلى الوحدة أي وحدة الوجود بين الله والعالم. وتقديم الفرابي على هذا الأساس ليس كافيا لسد الهوة والثغرة بين العالم العلوي والعالم السفلي .. وبالتالي فنحن نعلم جيدا أن موقف التحليل الماركسي – التقدمي من نظرية الفيض ليس حبا فيها أو تأييدا لها لأنها علمية، أو نظرية إسلامية، لا، إنها عندهم مجرد أداة لمقارعة مصادرة الخلق من عدم الدينية التي يلحقون بها كل الشرور في المجتمع مادية وعلمية، وكأنها شيطان الفلسفة عندهم. وهذا يدل على عقلية دينية معكوسة مغلوطة بحق عند هؤلاء الماركسيين التقدميين.
وبطبيعة الحال فتيزيني كعادة الماركسيين يراوغ ويدلس على القارئ ليصل إلى مبتغاه. فتأمل هذه الفقرة مثلا : "إن كل واحد من تلك الموجودات يكتسب وجودا بالفعل حينما يحصل على صورته"، هذا يعني أنه "مادامت موجودة دون صورته فإنما هو ذلك النوع بالقوة"(11) .
فهو يريد أن يوهم أن هناك موجودات تحصل على الصورة وكأنها موجودة دون الصورة، وجودا بالقوة، كأن هناك عالم مادي سابق. ونحن إذ سلمنا له مؤقتا بذلك، فهل هذه المادة الموجودة دون الصورة وبالقوة هي الأخرى من الفيوضات مثلما هي العقول المفارقة ؟ ! والجواب واضح أن لا أحد يقول بأن المادة ولو بالقوة فاضت عن الموجود الأول ولا هي معه في علاقة وجودية أو وحدة، بغض النظر عن أن الفرابي لا يستعمل معنى الوجود مساويا لمعنى المادة .. إن العلاقة الوجودية أو الوحدة قد تكون بين الصورة والمادة في العالم السفلي أي المادي الواقعي، أما العلاقة الوحدة مع عالم الغيب فمن الخطأ أن نقول عنها علاقة وجودية أنطولوجية، فالمادة لم تفض مطلقا عن الموجود الأول، ويمكن أن نقف على نصوص الفرابي المؤيدة لهذا.
فما هي المادة أولا ؟ : إنها كما يقول الفرابي أحد نوعي الممكن : ما هو ممكن أن يوجد شيئا ما وأن لا يوجد ذلك الشيء" "وهي ما لم يكن له وجود محصل" "والمادة الأولى وجودها هو أن تكون لغيرها أبدا وليس لها وجود لأجل ذاتها أصلا، فلذلك إذا لم يوجد ذلك الذي هو مفطورة لأجله، لم توجد هي أيضا، ولهذا إذا لم توجد صورة من هذه الصور لم توجد هي أيضا. فلذلك لا يمكن أن توجد المادة الأولى مفارقة لصورة ما في وقت ما"(12).
ونتساءل إذا كانت هذه المادة مفطورة كما قال، أين نبعث إن لم تكن قد فاضت عن الوجود الأول؟ ! يقول الفرابي مقسما الموجودات إلى : "ثلاثة منها ليست أجساما ولا هي في أجسام، وهي السب الأول والثواني والعقل الفعال. وثلاثة هي في أجسام وليست ذواتها أجساما : وهي النفس والصورة والمادة (لا حظ أن المادة في ذاتها ليست جسما) والأجسام ستة أجناس : الجسم السماوي والحيوان الناطق والحيوان غير الناطق والنبات والجسم المعدني والاسطقسات الأربع والجملة المجتمعية من هذه الأجناس الستة من الأجسام هي العالم"(13).
إذن فواضح أن العالم يشمل فقط الأجسام الستة ومنها الجسم السماوي الذي عنه تتولد المادة الأولى يقول الفرابي : " والجسم السماوي فإن جوهره وطبيعته وفعله أن يلزم عنه أولا وجود المادة الأولى. ثم بعد ذلك يعطي المادة الأولى كما في طبيعتها وإمكانها واستعدادها أن تقبل من الصور كائنة ما كانت. 
والعق الفعال معد بطبيعته وجوهره أن ينظر كل ما وطأه الجسم السماوي وأعطاه ... فعن هذين يكمل وجود الأشياء التي بقيت متأخرة واحتيج إلى إخراجها إلى الوجود التي من شأنها أن تخرج إلى الوجود بها، وبالوجوه التي من شأنها أن يدوم وجودها بها"(14) .
فالمادة الأولى إذن تلزم عن الجسم السماوي ولا تفيض عن الموجود الأول. فهي ليست من الفيوضات الضرورة التي شدد عليها تيزيني. وإنما هي تنبعث عن : "القوة التي تشترك فيها جملة الجسم السماوي يلزم عنها وجود المادة الأولى المشتركة لجميع ما تحت السماء"(15).
فالفيض عند الفرابي بهذا ليس هو الفيض الذي يحاول مراكسة اليوم تصوره أي فيض وحدة وجود ... ونحن إذا تأملنا النصوص التالية ازداد يقيننا بتشويه الماركسيين –التقدميين لنظرية الفيض لدى الفرابي.
"فلذلك وجوده الذي به فاض الوجود إلى غيره هو في جوهره ووجوده الذي به تجوهره في ذاته هو بعينه وجوده الذي به يحصل وجود غيره عنه "(16) "ولا ينقسم إلى شيئين يكون بأحدهما تجوهر ذاته وبالآخر حصول شيء آخر عنه"(17).
"ولا يحتاج في أن يفيض عن وجوده وجود شيء آخر إلى شيء غير ذاته وغير جوهره"(18).
وفي هذا إثبات لوحدته الذاتية وعدم حاجته لغير ذاته. وفي قوله "فاض الوجود إلى غيره" أو "يحصل وجود غيره عنه" إثبات بغيرية الوجود الآخر. بمعنى أن هناك وجودين وجود الذات الإلهية التي من صفاتها الوحدة وعدم الانقسام إلى شيئين، ووجود غيره الذي يفيض عنه ويحصل عنه. وفي هذا دحض واضح لما يدعيه تيزيني من أن هناك وحدة أنطولوجية بينهما أو وجود شامل واحد. فالفيض معناه الحقيقي عند الفرابي هو حصول وجود غير وجود واجب أو جود. "حصول شيء آخر عنه" و " به يحصل وجود غيره عنه" و" يحصل عنه شيء آخر" هذه الجمل تقتضي أن الفيض هو مجرد حصول شيء آخر، وتقتضي الفصل بين الوجودين، وتقتضي تأخر وجود غيره عنه بسائر أنحاء التأخر : "فلذلك صار وجود ما يوجه عنه غير متأخر عنه بالزمان أصلا بل إنما يتأخر عنه بسائر أنحاء التأخر"(19) .
وتيزيني مرة أخرى يحاول أن يوهم أمورا على غير حقيقتها فبعد هذا التأويل المادي لنظرية الفيض ولفلسفة الفرابي نراه يجعل ذلك فعلا من مميزات الفكر المادي الهرطقي عند الفرابي : "إن الفرابي لم يدر ظهره لل"مادة" وإنما واجهها بصدره من خلال تفهم دنيوي يطرح الروح إلى جانب المادة يشكل أن دنيوية الفكر الفرابي المتعارض مع تصور الخلق من عدم محض ومع تصور الإله المفارق العلوي أي الميل المادي الفلسفي لدى الفرابي لا يبرز فقط في إطار مشكلات الوجود الأساسية الكلية على النحو الذي أوردناه فوق، بل أيضا في إطار الفهم الاجتماعي التاريخي"(20) .
وما أظن إلا أن تيزيني قد نسي أن يعلق بالفرابي أو يدعي أنه ماركس ذلك العهد، على غرار ما كان يفعله الكذابون الذين يدعون النبوة والمؤيدون المناصرون ينسبونها لهم، أو تكون مع التواضع التام إرهاصات لنبوة نبي الأنبياء ماركس طبعا. فماذا تبقى بعد أن أثبت تيزيني أو حاول، دنيوية التفكير عند الفرابي أو الفهم الاجتماعي التاريخي ؟ ! وأكرر للمرة الثانية أن هذا الغلط ليس إلا عقلية دينية معكوسة مغلوطة اتخذت من الماركسية شعاراتها المادية لتصبغ كل شيء باللون الأحمر..ولست أدري كيف تستمر هذه المهازل في التحليل الماركسي للفلسفة الإسلامية وبكل وقاحة ودون خجل ؟ ! فهل هي مسيرة نحو الغباء التام كما أشرت في كتابي : الانحدار الماركسي في العالم الإسلامي. فأين هي عملية التحليل يا أصحاب التحليل الماركسي وأنصار التحليلات العلمية ؟ !

1 – مشروع رؤية جديدة للفكر العربي : ص 284-285.
2 – "يفيض من الأول وجود الثاني فهذا الثاني هو أيضا جوهر غير متجسم أصلا ولا هو في مادة، فهو يعقل ذاته ويعقل الأول ... فيما يعقل من الأول يلزم عنه وجود ثالث، وبما هو متجوهر بذاته التي تخصه يلزم عنه وجود السماء الأولى" آراء المدينة الفاضلة. ص : 25.
3 – "ثم بعد الأول يوجد الثواني والعقل الفعال والثواني على مراتب ... وكل واحد منها يعقل الأول ويعقل ذاته ... ولكن يفيض من وجود كل واحد منها وجود سماء فأولها يلزم عنه وجود السماء الأولى إلى أن ينتهي إلى السماء الأخيرة التي فيها القمر، وجوهر كل واحد من السماوات مركب من شيئين من موضع ومن نفس" كتاب السياسة المدنية ص : 52-53.
4 – القائل بهذا الاتجاه فوقية حسين محمود : مقالات في أصالة المفكر المسلم، وهي أستاذة الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب بفاس : أن الفرابي عندما يستعمل كلمة فيض "واجب الوجود مبدأ كل فيض" يلاحظ أنه يستعمل هذا اللفظ كتسمية فقط لفصل الإيجاد والخلق الذي هو من العدم المحض". ص : 99.
5 – معنى بتاتا ليس نفيا لكلمات الفيض والصدور، وإنما نفي للتأويل الذي يعطي لنظرية الفيض ليؤدي إلى وحدة الوجود.
6 – فوقية حسين محمود : مقالات أصالة المفكر المسلم : ص 40 : "ومن يطلع على أقوال الفرابي مثلا فيما يتعلق بالموجودات الثواني يشعر بأنه يتناولها كألفاظ ليس لها مدلول واقعي فهو يتناولها على سبيل التأمل، ومن أجل أن يبقيها على مستوى التأمل والمداعبة الذهنية".
7 – مشروع رؤية جديدة للفكر العربي ص : 288.
8 – مشروع رؤية جديدة للفكر العربي ص : 293.
9 – مشروع رؤية جديدة للفكر العربي ص : 300.
10 – مشروع رؤية جديدة للفكر العربي ص : 292-293.
11 – مشروع رؤية جديدة للفكر العربي ص : 293.
12 – كتاب السياسة المدنية لابن نصر الفرابي ص : 58-59.
13 – كتاب السياسة المدنية لأبو نصر الفرابي ص : 31.
14 – كتاب السياسة المدنية لأبي نصر الفرابي ص : 55.
15 – كتاب السياسة المدنية ص: 55.
16 – كتاب السياسة المدنية ص : 48
17 – كتاب السياسة المدنية ص : 48.
18 - كتاب السياسة المدنية ص : 48.
19 - كتاب السياسة المدنية ص : 48.
20 – مشروع رؤية جديدة للفكر العربي ص : 295.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here