islamaumaroc

الثقافة الوطنية

  دعوة الحق

182 العدد

كوكب الأرض مستوطن الإنسان مقسم، كما هو معروف، إلى قارات مجزأة بدورها إلى أوطان وبلاد تسكنها شعوب وأمم مكونة نظما سياسية واجتماعية تتباين وتختلف تبعا لتقاليدها، وعقائدها، ومذاهبها، وأعرافها، وظروفها البئوية المتنوعة.
والحياة التي يحياها الإنسان، ويمارس مسؤولياتها يوميا حياة عقلية يلعب العقل فيها كل حين ودون توقف الدور الرئيسي في الحفز والتنشيط، والدفع والتسيير، والتدبير، والتنظيم.
وبديهي أن يطبع العقل حياة الإنسان كلها بنشاطاته التي تستهدف الإنشاء والبناء والتعمير والتحسين والإصلاح والإنتاج والرفاه وتأمين البقاء والاستمرار الجيد، وهي نشاطات تمدينية تشملها الثقافة، والحضارة.
- وهل أسس كائن ليس له عقل كعقل الإنسان حضارة أو خلف آثارا لثقافة ؟
- ....؟؟
إن الإنسان العاقل إنسان حضاري يمارس يوميا بفضل فعالية عقله نشاطات تمدينية أينما كان، ومهما كانت نوعية حياته، وظروفه البئوية والاجتماعية.
وتؤكد لنا التجربة الحياتية التي يعيشها الإنسان في المجتمع أن كل إنسان يتوفر على قسط من تراث ثقافي موروث تلقته بالممارسة اليومية في الحياة المجتمعية، ويطبقه في أعماله التمدينية.
وهذا هو ما يفسر لنا ظاهرة إسهام "الأميين" في أعمال حضارية مهمة جدا بدون حصولهم على تعليم في المدارس.
إن اليد تتبع العقل وتأتمر بأمره؛ وهي بفضل تبعيتها للعقل تستطيع أن تسهم في النشاطات الحضارية إسهاما إيجابيا.
ومهما يكن من أمر فإن قدرة النشاطات التمدينية للإنسان تتوقف على قدرة تنمية مداركه العقلية التي تعتبر معيارا لقياس حضارته ومستوى ارتقائها.
وما دامت تنمية المدارك العقلية تتفاوت فإن النشاطات التمدينية تتفاوت، وتتفاوت بتفاوتها الحضاري بين إنسان وإنسان، وبين شعب وشعب، وبين وطن ووطن، وبين زمان وزمان. 
والإنسان العاقل الذي يحيا بفضل عقله حياة عقلية، ويمارس نشاطات تمدينية أسهم، ويسهم، دائما بجهوده عظيمة في تكوين الثقافة وتطويرها، وتأسيس الحضارة وإعلاء شأنها، وزيادة أبعادها ومدياتها.
فالثقافة هي ممارسة الإنسان العقلية للحياة واختباره لها في وطنه وشعبه وأمته، ووراء حدود وطنه، والحضارة هي ممارسته لها واقعيا وتطبيقيا.
حسب هذا تبدو لنا الثقافة بمثابة أصل ضروري للحضارة.
لهذا كان لا بد أن يكون الإنسان الحضاري المتمدن مثقفا.
وحيثما وجدت الحضارة وجدت معها الثقافة، وأينما كانت الثقافة كانت الحضارة.
والبحث عن الحضارة يتطلب البحث عن الثقافة كما يستوعب البحث عن الثقافة البحث عن الحضارة في نفس الحين.
إن الحضارة كصورة ظاهرية، تجسيدية، تطبيقية للثقافة في واقع الحياة اليومية تعكس الجوانب الروحية والمعنوية والفكرية التي توصل عقل الإنسان إلى اكتشافها واستيعابها والإحاطة بها، وتدل دلالة واضحة على اتجاه نوازعه، ومقدار ذكائه، وكثافة اجتهاده، وهادفية أبعاده وامتداداته.
ولمعرفة ماهية الحضارة لا بد من معرفة ماهية الثقافة التي تنتمي إليها، وهذا يعني بعبارة أخرى ضرورة معرفة ميزات وطنها، وخصائص شعبها، وانتمائها الروحي والمعنوي والفكري واللغوي، وأبعاد رسالة غائيتها المجتمعية والإنسانية.
والانتماء إلى وطن جعل الثقافة تخضع للسياسة العليا التي توجهها، وأوجب على رسالتها الغائية أن تخدم أهدافها.
وبانتماء الحضارة إلى ثقافة وطنية تغدو حضارة وطنية متميزة ملتزمة بأبعاد وامتدادات رسالتها الغائية.
إن عقل الإنسان ذو أبعاد وامتدادات روحية عميقة في الوجود، وهي خاصية أساسية تطبع الثقافة بطابع روحي وجداني فكري غائي يعتبر بمثابة الحافز الذاتي المحرك لجميع نشاطاتها الغائية.
وليست الثقافة، وتتبعها الحضارة، حصيلة الخبرات العلمية المستمرة في واقع الحياة اليومية للإنسان وحدها فقط، فهي أيضا خلاصة تجاربه الروحية والمعنوية التي تملأ أعماقه باليقين والإيمان، والاطمئنان، والهدوء، ثم هي بعد هذا ناتج تأملاته الدائمة في الحياة والكون والوجود، واجتهاداته لتطوير المعارف وتحسين الأوضاع المجتمعية، وتدعيم العلاقات الإنسانية، وإزالة الخلافات والفوارق بين الأمم والشعوب.
إن التطور المستمر للثقافة والحضارة جعل الإنسان كائنا أسطوريا يعيش دائما تجارب أسطورية حقيقية واقعية ومدهشة غريبة في آن واحد.
وكما يحدث داخل المجتمع الواحد في الشعب الواحد في الوطن الواحد من تجارب وتفاعل وتبادل وتعاون في الثقافة والحضارة يحدث أيضا بين جميع الشعوب والأمم والأوطان حيث تجري ممارسة التجاوب والتفاعل والتبادل والتعاون على مستوى عام شامل بين الثقافات والحضارات والإمكانيات، وبديهي أن تجري ممارسة التجاوب والتفاعل والتبادل بين ثقافات الشعوب والأمم والأوطان وحضاراتها في كوكب أرضي واحد هو مستوطن عام وواحد لكل أبناء الإنسان.
فالكوكب الأرضي إذا صغرناه يصبح على مستوى وطن واحد خاص اتخذ نفس المميزات والخصائص التي يتصف بها أي وطن مهما كانت مساحته بجميع ما فيها من محاسن ومساوئ وأسباب التوافق والتناقض والتلاؤم والتضاد، وكذلك الحال بالنسبة للوطن الواحد الخاص إذا كبرناه ليغدو مستوطنا عاما شاملا لكل أبناء الإنسان.
وجريان ممارسة التجاوب والتفاعل والتبادل والتعاون بين ثقافات الشعوب والأمم وحضاراتها ليست حديثة العهد، وإنما هي قديمة قدم وجود الإنسان على الأرض.
وإذا رجعنا إلى الماضي حتى نصل إلى وحدة الأصول الأولى للنوع الإنساني تتجلى لنا أيضا وحدة الأصول الأولى للثقافات والحضارات الإنسانية التي تفرعت وتنوعت فيما بع لتفرع أبناء الإنسان شعوبا وقبائل وأمما.
إن هذه الحقيقة مهمة جدا بالنسبة لإنسانية الثقافة أو "لعالميتها" بتعبير آخر، وهي حقيقة ينبغي أن تؤخذ بعين التقدير في كل دراسة تقييمية مجردة عن جميع الاعتبارات المعنوية والغائية لكل ثقافة التي كثيرا ما أدت إلى حدوث صراعات بين الشعوب والأمم والأوطان وبخاصة ما يتعلق فيها بالجانب الاعتقادي المتعارض أو بالجانب الوطني الطامح المتحفز.
ويمكن القول بأنه في كل ثقافة وكل حضارة لأي شعب ووطن تأثيرات كثيرة من ثقافات وحضارات شعوب وأمم وأوطان أخرى قريبة مجاورة أو بعيدة نائية. 
وبموجب هذه التأثيرات المتبادلة أضحت كل ثقافة وطنية ثقافة إنسانية (عالمية) متماثلة مع جميع الثقافات المتواجدة معها في الأرض ومتشابهة معها في خطوط رئيسية عامة، ومتناقضة معها في خطوط رئيسية أخرى خاصة، سيما ما يتعلق بالجانب الروحي (الاعتقادي).
والخاصية الإنسانية (العالمية) في الثقافة الوطنية مهمة جدا بالنسبة لجميع أبناء الإنسان لأنها تحمل نعها بشائر خير للمستقبل؛ ذلك الخير المأمول في الوصول إلى تطوير عقلي غائي يوحد جميع الغائيات في جميع الثقافات والحضارات على الكوكب الأرضي، ويوجهها وجهة واحدة لخدمة "إنسانية" واحدة واعية راشدة تعمل لخير جميع أبناء الإنسان في كل مكان ليعم السلام، والرفاه، والإخاء، والتقارب سائر أرجاء الكوكب الأرضي.
طبعا إنه حلم بالخير في عالم تقطع أوصال قرباه حاليا –ومنذ كان – الحروب والأطماع التوسعية والأفكار الصغيرة الضيقة، ولكن مهما بلغت الصعوبات والعراقل الحالية لا ينبغي أن ييأس أبناء الإنسان من تحقيق حلم يقظتهم الجميل بالخير! 
إن الأسباب الحقيقية للأزمات التي يعاني منها أبناء الإنسان الأمرين هي : اللا إيمان وللا دين، والتعصب الديني والطائفي والفكري، والأطماع التوسعية، والشر بجميع نوازعه، وهي أزمات تطبع الثقافات والحضارات طبعا واضحا رغم التجاوب والتبادل والتعاون والتفاعل هذا إن لم تكن سببا في تفجيرها في بعض الأحيان! 
ولكي نفهم هذا لا بد أن نعرف أن كل ثقافة تتضمن جانبين مهمين : الأول : جانب روحي وجداني (ديني وفلسفي)، والثاني : جانب تجريبي اختباري (تطبيقي وتقني).
ويتم تبادل الجانب الثاني بسهولة ودونما أي إشكال غالبا ما لم يكن الأمر يتعلق بمعلومات علمية ذات صبغة سرية جدا لاختصاصها باختراعات أو اكتشافات علمية استراتيجية أو قضائية جديدة .. ذلك لأن العلوم التجريبية (والمختبرية والتطبيقية والتقنية) وحتى العلوم الإنسانية تنفع جميع أبناء الإنسان في كل مكان، وهي بهذا تعتبر علوما عالمية تندرج في تعبير الماهو إنساني الذي ينفع كل إنسان في كل مكان شرط توفر الإمكانيات والتدابير الضرورية.
أما الجانب الأول الروحي الوجداني فهو الذي يكون غالبا سبب في إثارة الاختلافات والتعارضات والمشاكل، وفي حدوث الأزمات التي يعاني منها أبناء الإنسان أفرادا وجماعات وشعوبا وأمما وأوطانا آلاما عظيمة لأنه جانب يشمل الأديان والمعتقدات، والفلسفات، والإيديولوجيات، ولهذا فهو ذاتي كياني صميم وصميم بالنسبة للإنسان، لأن صلته بالروح وبالوجدان وثيقة جدا لعلاقته بالإيمان أو باللاإيمان، وبالدين أو باللادين، وبالتعصب أو بالتسامح، وببعد مدى النظر إلى الوجود الإنساني وعمقه وشموله أو بالعكس قصره وسطحيته، وبالالتزام بالإنصاف والعدل والحق والخير أو بالأخذ بأي مبرر يسوغ اقتراف المظالم والشرور.
إن ما يترتب على هذا الجانب الروحي من نتائج عكسية تكون أحيانا بالغة الخطورة، وخاصة عندما يفتقد التسامح، ويستحيل التعايش.
والجدال في الجانب الروحي الوجداني جدال دقيق جدا ولهذا يكون من الأفضل أن يتولاه العلماء المتفقهون المختصون في الأديان، والمتعمقون في دراسة جميع المذاهب الفلسفية والمتحلون بالتسامح والحلم و بالروح الإنسانية العالية الرفيعة لكي يتمكنوا بواسطة حوار علمي منطقي متفتح إيجابي مثمر من الوصول إلى إيجاد حلول سليمة تساعد على تدعيم التقارب وإزالة الخلافات وفك الأزمات وإحلال التعايش الروحي والتسامح بين جميع أبناء الإنسان في الكوكب الأرضي.
ولا بد من حوار روحي لأنه يبدو أمرا ضروريا ملحا لتطوير الإنسانية ونقلها من جهالتها الحالية إلى مستقبل أكبر وعيا وأعظم رشدا وتسامحا وحلما مهما كان السبيل إليه شاقا وطويلا جدا !  
ولقد أدى التجاوب والتبادل والتعاون والتفاعل إلى حدوث تداخل ثقافي بين الثقافات يؤثر فيها تأثيرات إيجابية، ويدفعها لقبول النزعة الإنسانية (العالمية) العامة الشاملة والانصياع لها، والالتزام بها بنظر واع تتخلله حيطة أريبة ذكية.
ولو وجد أبناء الإنسان قادة أرقى وعيا وأوسع رشدا، وأرفع تفكيرا، وأوسع حلما وتسامحا لعاشوا بدون صراعات ولا خلافات، ولا فتن، ولارتقوا ارتقاء عظيما.
إن الجانب الروحي والمعنوي في الثقافة يعبر جوهرها ولب رسالتها الغائية (الفلسفية)، وهو يشمل : الوطنية، وحب اللغة الوطنية، والتمسك بالعقيدة الدينية، أو ما يعوضها في حالة ثقافات اللا إيمان واللا دين من مذاهب وإيديولوجيات.
فالوطنية، واللغة، والدين دعائم أساسية ضرورية للثقافة وللحضارة الوطنيتين.
وقد لعبت العقيدة الدينية دورا كبيرا في الصراعات التي جرت في مختلف عصور التاريخ بين الشعوب والأمم والأوطان، وبين الثقافات والحضارات.
إن عنصر العقيدة الدينية ضروري جدا في الثقافة، وبدونه تصبح فاقدة للبها، أو لجوهرها، أو لروحها.
وانفصال الإنسان عن العقيدة الدينية يعني انفصاله عن الله الخالق، وبالتالي انفصاله عن الحقائق العليا للوجود، وهذا هو سر الأزمة التي يعانيها الإنسان على الكوكب الأرضي.
إن عالمنا ما يزال يعيش الجاهلية اليونانية قبل ميلاد المسيح والجاهلية العربية قبل الإسلام رغم التقدم العلمي العظيم الذي أدركه في القرن العشرين، والتفكير الفلسفي السليم وحده هو الذي يمكن أن يخرج أبناء الإنسان من الأزمة بإرشادهم إلى الإيمان بالله الخالق.
وإذا كان بعض أبناء الإنسان يهربون من التعصب الديني إلى العلمانية أو إلى الإيمان أو إلى اللا دين أو إلى أية إيديولوجية مادية ضالة فإن هروبهم هذا ليس حلا معقولا وإنما الحل السليم المعقول هو الإيمان والتدين مع التسامح والحلم والنظرة الواسعة العميقة الشاملة للوجود والحياة.
والإلحاد في حقيقة أمره، سلاح يستخدمه الأقوياء لتبرير هيمنتهم التوسعية وهو يستخدمونه في تدخلاتهم في الشعوب المتخلفة ثقافيا وحضاريا.
إن ثقافتنا الوطنية ثقافة إسلامية عربية مغربية إفريقية وإنسانية (عالمية) جانبها الباطني هو روحانية دين الله الإسلام، ولباب الفلسفة الإشراقية الإسلامية، وخلاصة التجاوب الفكري مع سائر الثقافات العريقة، وجانبها الظاهري الواقعي التطبيقي هو الخبرة القديمة (الأصيلة) والحديثة في مختلف مجالات العلوم والفنون الحديثة، وهي تحتاج إلى تنمية دائمة مستمرة تؤمن لها تطورا ارتقائيا جديرا بها، ويجب أن تشمل هذه التنمية جانبها الباطني (الروحي الوجداني والمعنوي) والظاهري (الواقعي التطبيقي التجريبي) معا.
إنها ثقافة أصيلة ذات إشعاعات وإشراقات عريقة، وذات رسالة غائية قيمة في الوجود والحياة متوازية روحيا وواقعيا، تشرف المواطن المغربي كإنسان واع راشد يستوطن الكوكب الأرضي.
والالتزام بالثقافة الوطنية واجب وطني مقدس على كل مواطن لأنه جزء صميمي من كيانه كإنسان وطني واع راشد يمشي رافعا رأسه في كل مكان من كوكبنا الأرضي، ويستطيع أن يقول بصوت عال وبحق لكل إنسان : إني مواطن مغربي!
أما الإنسان الذي لا يلتزم بثقافته الوطنية فإنه قد يكون أمعة أو تابعا لثقافة أخرى، ويفقد أصالته كمواطن أصيل، وكمفكر ومثقف واع وراشد، ويصعب أن تقبله تلك الثقافة الأخرى ما لم يلتزم بجانبها الروحي، وإن فعل و التزم به يصبح ضالا، مرتدا، خسر شرف التزامه بثقافته الوطنية، ولا يحظى بالمكانة التي كان ينتظرها عند تلك الثقافة الأخرى.
وأن الشرف الذاتي الشخصي للإنسان المواطن يفرض عليه أن يلتزم بثقافته الوطنية، وأن يعمل جاهدا بدون انقطاع لتنميتها، وإعلاء شأنها، وزيادة رصيدها، وتحسين أوضاعها، وتوفير إمكانياتها ومضاعفتها.
وعليه؛ إن أفضل اختيار ثقافي بالنسبة للإنسان المواطن هو اختيار الثقافة الوطنية والالتزام والعمل بهدوء ومثابرة في كل آن لرفع شأنها، وإعلان رايتها، وإعزازها، ودفعها لتواكب الثقافات الراقية بعد أن نجت من الأزمات التي كانت تهددها في النصف الأول من القرن العشرين.
وما دامت الثقافة الوطنية تحتوي على جانب باطني روحي وجداني فإن روح المواطن المثقف هي التي يجب أن تختار التزامها بها!!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here