islamaumaroc

الشيخ القاضي أبو عبد الله ابن عرضون

  دعوة الحق

182 العدد

                                                   -1-
عاش أبو عبد الله ابن عرضون في صميم النصف الثاني من القرن العاشر الهجري –السادس عشر الميلادي- ويعد من أكابر علماء عصره، اشتغل بالتدريس والقضاء والفتيا والتأليف ...

عصره :
عاش محمد ابن عرضون أحداث النصف الثاني من القرن العاشر وبعض أحداث أوائل القرن الحادي عشر، وبذلك فهو قد عاصر أحداثا كبرى كان لها تأثير على مجرى حياته من قريب أو بعيد، ومن أهم الأحداث التي عاصرها مترجمنا هذا :
1- استيلاء السعديين على فاس بقيادة محمد الشيخ المهدي سنة 956هـ/1549م وبذلك أصبح شمال البلاد خاضعا لنفوذ السعديين بما في ذلك موطن مترجمنا الذي كان خاضعا لنفوذ بني راشد بشفشاون، حيث قدم أمير هذه الإقليم محمد ابن علي بن راشد الطاعة والولاء لمحمد الشيخ المهدي السعدي.
وفي هذه السنة أيضا جمع محمد الشيخ العلماء بفاس ومنهم علماء الجبل الذين كان من بينهم بعض شيوخ المترجم، وأقاربه كالشيخ أبي القاسم ابن خجو، والشيخ عبد الله الهبطي وغيرهما ...
وكان مترجمنا في هذه الأثناء ما يزال في طور الطفولة الأولى، غلا أنه في هذه السنة أي سنة 956هـ توفي جده لأمه أبو القاسم بن خجو بفاس، ولا شك أن أسرة مترجمنا تأثرت بهذا الحادث وفي طليعة من تأثر به والدته وخالاته وأخواله ....ولذلك فهو بالرغم من صفر سنة فإن هذه السنة كان لها تأثير عليه وعلى كافة أسرته، وكان لها صدى في أعماق أسرته الخاصة.
2- استنجاد أبي حسون الوطاسي بأتراك الجزائر ثم دخوله إلى فاس سنة 961هـ/1553م، وفرار محمد الشيخ السعدي عنها ...
3- ولا شك أن هذا الحادث كان له دوي كبير في مناطق الشمال. لا لأن أبا حسون الوطاسي كان معروفا بهذا الإقليم فحسب بل لأن أبا حسون هذا قبض على القائد محمد بن علي راشد وإلى شفشاون وزج به في السجن بفاس وكان من نتائج ذلك أن اجتمع نقباء الأشراف، وأعيان الشمال، وكونوا وفدا للاستشفاع عند أبي حسون، وتكون هذا الوفد منأعيان جبل العلم(1) ونازروت(2) وشفشاون(3) ومع ذلك فإن أبا حسون الوطاسي لم يقبل الشفاعة في والي شفشاون محمد بن راشد وذلك للعداوة المستحكمة بينهما من قبل، ولأن محمد راشد أصبح من أهم الموالين لمحمد الشيخ السعدي.
وفي هذه الأثناء كان مترجمنا قد انتقل للدراسة بفاس، واضطربت أحوال فاس بسبب دخول الجيش التركي لها مع أبي حسون حيث أطلق هذا الجيش يد السلب والنهب في المدينة بالإضافة إلى انتهاك الحرمات(4) ولم تستقر الأحوال إلا بعد رجوع محمد الشيخ السعدي وانتصاره على أبي حسون، ولا شك أن هذه الأحداث كان لها تأثير بليغ على حياة مترجمنا حيث تذكر بعض المصادر أنه غادر فاس إلى بعض القبائل المجاورة(5) .
ومن أبرز الأحداث التي عاصرها مترجمنا حادث سقوط الإمارة الراشدية بشفشاون ذلك السقوط الذي كان فيه نهايتها الأخيرة وذلك سنة 969هـ/1561 في عهد السلطان عبد الله الغالب ابن محمد الشيخ الذي بعث لمحاصرتها والقضاء عليها بجيش تحت قيادة الأمير أبي عبد الله محمد بن عبد القادر السعدي(6) ولا شك أن هذا الحادث كان له تأثير على مجرى حياة المدينة، وحياة الإقليم بصفة عامة، وسنرى أنه بعد هذا التاريخ اشتهرت أسرة العرضونيين من أحمد ومحمد ابني الحسن ابن عرضون ثم أولادهما من بعد ...
عاصر مترجمنا الصراع العنيف بين السلطان محمد المتوكل وعميه الملك وأخيه أحمد المنصور، ودام هذا الصراع سنتين كاملتين وكان من نتائجه لجوء المتوكل إلى طنجة واستنجاده بملك البرتغال دون سبستيان (1557-1578م) ثم وقوع معركة وادي المخازن (986هـ/1578م) تلم المعركة الفاصلة في تاريخ الجناح الغربي من العالم الإسلامي، والتي خاضها الشعب المغربي بمختلف طبقاته وهيئاته، خاضها ببسالة وعزم تحت قيادة السلطان أبي مروان عبد الملك السعدي.
ولسنا ندري هل شارك مترجمنا في هذه المعركة أم لا؟ وإنما الذي نعرفه هو أن مترجمنا كان قريبا من هذا الحادث وكان قد جاوز الأربعين من عمره وكان أخوه أحمد في هذه الأثناء هو القاضي بشفشاون.
ولا شك أنه بعد معركة وادي المخازن عرف المغرب عهدا جديدا نتيجة ذلكم الانتصار الرائع الذي حققه المغاربة ونتيجة لوجود ملك في نستوى الأحداث يتمتع بشخصية فذة وبمواهب نادرة وبثقافة وافرة وبخبرة ودهاء سياسي ذلكم هو أحمد المنصور الذهبي الذي سيتصل به مترجمنا ويكون من بين مستشاريه وجلسائه.
4- ومن الأحداث التي كان لها تأثير مريع على سكان هذه المنطقة ثورة ابن الحجاج قرقوش المكناسي، وهي ثورة عنيفة شغلت بال أحمد المنصور الذهبي وجهز جيوشا عظيمة لقمعها، وفي أثناء هذه المعارك كان مترجمنا قد تولى منصب القضاء بشفشاون هي مقر القيادة العسكرية وكان القائد ابن القائد عبد الكريم العلج هو عامل هذا الإقليم وكان مقره بشفشاون، وكان أخوه عبد الرحمان العلج عاملا على إقليم تطوان، إلا أن تسير العمليات الحربية كان بيد القواد العسكريين الذين كانوا يرسمون الخطط الحربية لقمع الثورة من مدينة شفشاون بالذات، واستمرت الحرب من أجل قمع ثورة قرقوش عدة شهور من سنة 996هـ/1587م وأسند أحمد المنصور أمر قمع هذه الثورة لولي عهد محمد الشيخ المامون وأقساهم القائد (حمو بجة)(7) واستطاعت جيوش أحمد المنصور بعد معارك طاحنة وصعوبات جنة التغلب على قمع هذه الثورة التي كان من نتائجها أن عرفت هذه المنطقة فترة حالكة من حياتها سواء أثناء المعارك أو بعدها والنسل، وانتشر الهلع والرهب، وسيطر الخوف واليأس على النفوس وأصابت قبيلة بني خالد بصفة خاصة كارثة ماحقة لم ينفع فيها توسل ولا استشفاع.
وانتهت هذه الفتنة بصلب جد الثائر قرقوش بفاس وتعليق رأسه بمراكش وكانت ثورة قرقوش وبالا على غمارة وعلى شمال المغرب بصفة عامة(8) .
6- ثورة الناصر بن عبد الله الغالب الذي التجأ إلى أصيلا بعد معركة وادي المخازن 986 هـ ثم إلى شبه جزيرة إيبيريا لاجئا عند فيلب الثاني ملك إسبانيا الذي كان يتربص الفرص بالمغرب، وفي سنة 998هـ/1589م أمره بالخروج والثورة على أحمد المنصور فخرج بثغر مليلية من نفس السنة. وبالرغم من أن هذه الثورة كان مسرحها الشمال الشرقي من المغرب إلا أن رقعتها اتسعت فشملت كل شمال المغرب واشتدت أوزار هذه الفتنة على شفشاون ونواحيها عند ما لجأت فلول المنهزمين إلى بعض الزوايا والأضرحة بالشمال، وفي هذا الوقت بالذات كان صاحبنا هو قاضي هذا الإقليم، وكان التجاء الفلول المنهزمة إلى هذه الناحية كارثة عليها لأن المخابرات والعيون الراصدة أكدت للسلطان أن الخطر يكمن في هذه الفلول الفارة إلى جهة الشمال الغربي، خاصة وأن بعض الفارين يذيع في الناس أن الناصر لم يمت ...فما كان من المنصور إلا أن جهز جيشا جرارا تحت قيادة خبير هذه النواحي القائد القاسي العنيف حمو بجة ووجه إلى ملاحقة الفاريين، وكان هذا القائد معروفا عند سكان هذه الأقاليم لأنه هو الذي باشر منذ سنتين فقط قمع ثورة قرقوش وهو الذي دمر قبيلة بني خالد عن آخرها ولم يترك بها ضرعا ولا زرعا...
وانطلق هذا الجيش من فاس وبدأ خطره يقترب شيئا فشيئا من شفشاون ونواحيها متتبعا وباحثا عن أنصار الناصر، وقاضينا لا يملك حولا ولا قوة وأكدت الأرصاد والخابرات للقائد حمو بجة أن الزاوية الريسونية بتزروت تضم بعض اللاجئين وكذا زاوية أخرى ببني كرفط، وكانت هذه الأخبار فيها بعض التهويلات والمبالغات وكل هذا جعل أهل هذه المنطقة يعيشون فترة خطيرة خلال هذه الحملة التفتيشية وكان خبر تنقل القائد حمو بجة يبعث الذعر والرعب في النفوس مما جعل بعض الناس يلجؤون إلى قراءة القرآن الكريم وتلاوة الأوراد والأذكار سائلين الله اللطف وراجين منه سبحانه أن ينجيهم من أخطار هذه الكوارث ...
ويشاء القدر وبضواحي شفشاون بالذات أن يتفشى الوباء القائد العنيف نفسه فمات لحينه !!
بعد أن خلفت أخباره وأعماله موجة من الرعب والهلع ... كل هذا كان تحت سمع وبصر قاضينا بشفشاون.(9)
7- ونختم هذه السلسلة من الأحداث بحادث كان ذا أثر سيء بالغ ذلكم الحدث هو ثورة ولي العهد محمد الشيخ المأمون على والده أحمد المنصور، ولا شك أن هذا الحدث كان له تأثير كبير على حياة أحمد المنصور، وعلى حاشيته ومستشاريه وسنرى أنه في سنة هذا الحادث 1011هـ/ 1602م كان مترجمنا يواظب على الحضور في مجلس السلطان أحمد المنصور بفاس من كبار العلماء، وكان مثل هؤلاء يتدخلون في مثل هذه المشاكل وقبل هذا الحادث الذي نتحدث عنه –والذي أدى إلى اعتقال ولي العهد- كان العلماء قد تدخلوا بالصلح بين ولي العهد ووالده في أحداث مشابهة لأن محمد الشيخ المامون ظل وليا للعهد وحاكما لأقاليم الشمال مدة طويلة في حياة والده وخلال هذه المدة كانت تحدث بينه وبين المأمون مشاكل هي في معظمها ناشئة عن سوء سيرة ولي العهد وعن فسفه وفجوره وسوء تصرفه – مما جعل أحد رجال المنصور المخلصين يشير عليه بقتل ولده الشيخ المامون، إلا أن السلطان أمر بتضييق الخناق على ولي عهده في سجنه بمكناس فحسب.
ومهما يكن من أمر فإن هذه الأحداث كان لها صدى في نفوس حاشية السلطان ومستشاريه وجلسائه الذين منهم صاحبنا أبو عبد الله محمد ابن عرضون.
8- عرف المغرب في الفترة الأخيرة من حياة أحمد المنصور انتشار الوباء والغلاء بالإضافة إلى انتشار عادة التدخين (تدخين التبغ) وكل ذلك كان له تأثير على الحياة الاجتماعية بالمغرب.
ولا شك أن مترجمنا بحكم منصبه وشخصيته وتصدره ... كان له اهتمام بهذه الأحداث خاصة وأن السلطان نفسه يحمل مستشاريه وجلسائه على التفكير في العمل من أجل التخفيف من هذه الأزمات، وسنتعرض فيما بعد للحديث عن مجلس من المجالس السلطانية التي حضرها مترجمنا هذا والتي كانت من أجل البحث عن علاج الأزمات المشار إليها.

مولده ونشأته : 
ولد مترجمنا هذا في مدشر (أعرضن) قرب قرية تلمبوط من قبيلة بني زجل الغمارية بضواحي شفشاون(10).
ومترجمنا ينتب إلى أسرة معروفة بالفضل والدين وهي أسرة العرضونيين إحدى الأسر العلمية العريقة بغمارة، فأبوه الحسن بن يوسف بن عرضون كان من العلماء الأجلة، ومن الذين ساهموا في الحركة العلمية تدريسا وإفتاء وتأليفا وتوجيها وتربية، مؤلف النوازل الفقهية المنسوبة إليه والتي بنقل عنها فقهاء النوازل كالشريف العلمي وعبد العزيز الزياتي وغيرهما ...
ومن أبرز تلامذة الحسن ابن عرضون والداه أحمد ومحمد.
وعرف الحسن هذا في حياته بالعلم والتقوى، وكان بيته ببني زجل مدرسة يؤمها طلاب العلم والمعرفة، والمستفسرون عن الأحكام الشرعية سواء في العبادات أو المعاملات ...
وكان للحسن والد مترجمنا أخوة من العلماء كأخيه الفقيه الشاعر أبي حفص عمر بن يوسف ابن عرضون.
فمترجمنا أبو عبد الله محمد ابن عرضون نشأ في أسرة تشتغل بالعلم والثقافة، ولها شهرة لاذعة في ميدان الفقه والوثائق والأدب والتاريخ ... بالإضافة إلى ما اشتهر به أفرادها من جمال الخط، وجودة الأسلوب، وقرض الشعر، مع البراعة في الفرائض والحساب.
وكان أفراد هذه الأسرة حريصين تمام الحرص على تعليم أبنائهم، ولهم في ذلك مناهج وأساليب تتجلى في العناية بأبنائهم منذ الصغر، وذلك بتحفيظهم المقطوعات الشعرية الجيدة بالإضافة إلى كتاب الله العزيز مع ترويضهم على الخط الجميل، وعلى الآداب الحميدة ...
ولذل نبغ من أسرة العرضونيين عدة أفراد مثل أبي عبد الله محمد ابن عرضون مترجمنا هذا، ومثل أخيه أحمد ابن عرضون صاحب التآليف(11)المفيدة، واللأراء الفقهية النيرة، ثم أولاد هذين الأخوين ...
وعلى الجملة فأسرة مترجمنا كان لها الفضل في بروز شخصيته ... فشيخه الأول هو والده الحسن بن يوسف وكذا عمه أبو حفص عمر بن يوسف، وكان مترجمنا مع أخيه أحمد كفرسي رهان يجدان ويجتهدان ويحصلان العلم بشغف ونهم، واستفاد مترجمنا كثيرا من أخيه هذا كما استفاد منه أخوه أحمد كذلك(12).
وبالإضافة إلى هذا الجو الثقافي والفكري في أسرته الخاصة فإنه أفاد كثيرا من أسر أخرى كانت ترتبط مع أسرته بالمصاهرة وبروابط فكرية وثقافية.
ومن ذلك أسرة (ابن خجو) وهي أسرة علم ودين، وسبقت الإشارة إلى أن والدة مترجمنا كانت من هذه الأسرة فجده لأمه هو الشيخ المفتي أبو القاسم ابن خجو الحساني(13).
ومن ذلك أيضا أسرة عبد الله الهبطي التي كانت لها روابط متينة مع أسرته، وكانت عمة أمه الفقيه آمنة ابن خجو هي زوجة الشيخ عبد الله الهبطي.
وهكذا نجد مترجمنا قد نشأ في جو ثقافي فكري يساعد على الدراسة والتحصيل ... ولذلك فلا عجب إن رأيناه قد وصل إلى مرتبة عالية من المعرفة والشهرة والألمعية ...
وإلى هذا الجو الثقافي الفكري الذي كانت عليه أسرة مترجمنا ... يشير أبو العباس أحمد المقري في إحدى مراسلاته مع أحد أفراد هذه الأسرة فيقول : "... وعلى أخينا وولينا الصدر الأوحد صاحب المآثر التي لا تجحد، والمفاخر الجليلة وارث العلم لا عن كلالة سبط أصحاب الفنون سيدي محمد بن عرضون حفظ الله علاه وأعانه على ما أولاه..."(14).
فالعلامة أحمد المقري يصف أحد أفراد هذه الأسرة بكونه وارث العلم لا عن كلالة، وبأنه سبط أصحاب الفنون ... كل ذلك إشارة إلى الجو الذي كانت عليه أسرة مترجمنا ...
فمترجمنا إذا قد ورث العلم عن آبائه وأجداده وأفراد أسرته أبا وأما ...

شيوخه وأساتذته : 
مما لا مجال فيه للشك أن مترجمنا هذا تقلب في دراسته بين مدارس الجبل، وبين حلقات الدروس في القرويين بفاس، وبالرغم من أنه ذهب إلى فاس وهو دون البلوغ، فإنه كان قد حصل ببلده على معلومات لا بأس بها فهو قد حفظ القرءان الكريم، وكثيرا من "المنون" في مواد مختلفة من فروع المعرفة كالنحو والفقه والبلاغة والعروض وما إلى ذلك، واستظهر كذلك بعض المقطوعات الشعرية البليغة ...
وكان قد درس على والده مبادئ المحو والفقه، ودرس على عمه أبي حفص اللغة والشعر والعروض وما إلى ذلك من الخط ومبادئ الحساب ...
أما في فاس فلقد وجد فيها جوا فكريا رائعا، وجد بها حلقات لدروس متعددة وفي مواد مختلفة كما وجد بها شيوخنا ضليعين في فنونهم وهذا الجو الذي وجده في فاس أخذ بلبه وبجامع قلبه، وكيف لا وهو الطالب المتفتح المنتمي إلى أسرة عريقة في ميدان المعرفة.
وكل ذلك شحذ ملكته فنمت معارفه وزادت حصيلته العلمية، واتسعت آفاق فكره ...

أما أهم شيوخه وأشهرهم فهم :
1- والده الشيخ الحسن بن يوسف ابن عرضون الفقيه المفتي المتضلع ...وهذا قد درس عليه المبادئ الأولى في مختلف الفنون وخاصة المحو والفقه.
2- عمه الشيخ عمر أبو حفص بن يوسف ابن عرضون، وهذا قد درس عليه اللغة والأدب والعروض، وأبو حفص هذا ذكره أحمد أخو مترجمنا هذا في عدة مناسبات في بعض تآليفه.
3- الشيخ عبد الله الهبطي أبو محمد وهذا كان مبرزا في الدراسات العقائدية والأصول والتصوف(15) .
ومن شيوخه بفاس :  
4- الشيخ أحمد المنجور شيخ أحمد المنصور وصاحب الفهرس المشهور، وشيخ الجماعة في وقته ...
5- الشيخ أبو راشد يعقوب بن يحيى اليدري قال ابن القاضي في الجذوة ... الفقيه النوازلي الأستاذ الفرضى الحيوبي، أمام الفرائض والحساب ..."(16).
ولا شك أن تضلع محمد ابن عرضون في الفرائض والحساب كانت له منابع متعددة سواء في بلده أو في فاس وكان له في ذلك سند قوي.
6- الشيخ أبو عبد الله بن أحمد بن مجبر المسناري الملقب بسيبويه زمانه وشيخ الجماعة بفاس في عصره واشتهر هذا الشيخ بحفظه عن ظهر قلب لمختصر ابن الحاجب(17) .
كان متضلعا كذلك في الفرائض والحساب ودرس عليه مترجمنا مختصر ابن الحاجب في فروع الفقه المالكي.
7- الشيخ أبو النعيم رضوان الجنوي(18) قال عنه ابن القاضي في الجذوة "... الشيخ الورع الصالح المحدث أورع أهل زمانه وواحد وقته وأوانه لأخذ عبد الرحمان بن علي سقين القلقشندي عن ابن حجر السقلاني الحافظ ..."
ويقول ابن عرضون في معرض ذلك بعض شيوخه : "...ثم إني رجعت لفاس وصحبت سيدي رضوان الجنوي إلى أن مات رضي الله عنه ..."(19) – توفي سنة 991هـ/1583م- ومعنى ذلك أنه لازم الشيخ رضوان الجنوي مدة طويلة هي في الغالب تزيد عن عشر سنين.
ولابن عرضون عدة شيوخ كبار غير هؤلاء سواء بفاس أو بغير فاس من بلاد المغرب وهو قد استفاد منهم جميعا، وبذلك تكونت لديه حصيلة علمية هامة ساعدته على القيام بمهامه سواء في ميدان القضاء أو ميدان الإفتاء وكذلك في ميدان التعليم والتدريس، ولا غرابة في ذلك ما دام ابن عرضون قد بدأ في طلب العلم خارج بلاده في وقت مبكر جدا، ولنستمع إليه وهو يتحدث عن نفسه فيقول : "... كنت بمدينة فاس قبل البلوغ فخرجت ذات يوم لزيارة زرهون قاصدا زيارة سيدي موسى بن علي، فوصلت لعنده أول ليلة من رمضان فاحتلمت تلك الليلة فأصبحت صائما ومكثت في صحبته سنين إلى أن مات رضي الله عنه، ثم رجعت إلى فاس، وصحبت بعده سيدي رضوان الجنوي إلى أن مات رضي الله عنه، وصحبت بعده الشيخ أبا الشتاء، رضي الله عنه إلى أن مات، ونحن اليوم في صحبة سيدي محمد بن علي بن ريسون الشريف ..."(20).

تلامذته :
لمحمد بن عرضون عدة تلاميذ من أشهرهم ولده أحمد بن محمد ابن عرضون صاحب شرح "التحفة" المسمى "بناصر الحكام" وكان من أهم علماء وقته.
ومن تلامذته كذلك القاضي محمد بن أخيه ابن عرضون(21) وكذلك قاضي شفشاون أحمد بن علي العلمي الشريف (ت. 1027).
والشيخ قاسم ابن القاضي.
والشيخ إبراهيم الكلالي الورياجلي العلامة الشهير صاحب مؤلف "تنبيه الولدان" وهذا درس عليه بفاس.
والقاضي محمد مخشان الشفشاوني.
ومما لا شك فيه أن مترجمنا كان له عدة تلاميذ يطول سرد قائمتهم؛ لأنه داوم على التدريس مدة طويلة وهو يمارس مهنة القضاء بشفشاون. وكذلك عندما كان مقيما بفاس.
يقول أحد تلامذته، الفقيه القاضي الحسن الخالدي:
"كان يحدثنا شيخنا في العلوم الشرعية سيدي محمد بن الحسن بن عرضون الزجلي الأصل أيام قراءتنا عليه بمدينة شفشاون إلى أن يقول : وحدثني المرابط سيدي محمد أسلوفان اليرثني وكانت خالته زوجة سيدي أحمد بن سيدي الحسن ابن عرضون في تدريس العلم وكان يقرأ يوم الخميس والجمعة، الحكم لابن عطاء الله، ويذكر أحوال الصالحين وأخبارهم ..."(22) 
وهكذا نرى أن مترجمنا زاول مهنة التدريس سواء زمن إقامته بفاس أو بشفشاون، وهو لم ينقطع عن التدريس حتى في الأيام الأخيرة من حياته ..

شهرته ومنزلته :     
بعد ما امتلأ وطاب مترجمنا علما ومعرفة وتضلع في كثير من العلوم والفنون وخاصة الفقه والأصول، والمنطق والبيان والفرائض والحساب ..اشتغل بالتدريس والإفتاء ثم بعد ذلك أسند إليه منصب القضاء بشفشاون خلفا لأخيه أحمد بن الحسن بن عرضون الذي توفي سنة 992هـ/1548م على عهد أحمد المنصور الذهبي.
وبقي مترجمنا يشغل منصب القضاء بشفشاون ونواحيها من سنة 992هـ إلى أن توفي سنة 1012هـ/1603م.
وبالرغم من شهرته في منصبه وتدرجه فيه إلى أن أصبح قاضي القضاة لم ينقطع عن التدريس، ولا شك أن ذلك مما زاد في مكانته عند الخاص والعام وجعل مجالسه العلمية مقصودة من القريب والبعيد، وهو بذلك ساهم في تنشيط الحركة الفكرية بشفشاون مما جعلها مقصد طلاب العلم ورواد المعرفة ...
ومما لا جدال فيه أن هذه المدة الطويلة التي قضاها في منصبه بالإضافة إلى غزارة علمه ومواظبته على التدريس كل ذلك أكسبه شهرة وجاها خاصة وأنه اشتهر بمواقفه الفذة كقاض من قضاة العدل والإنصاف، ومن الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم، ولا تغريهم الأطماع، ولا تخيفهم التهديدات. ولنا أمثلة متعددة على مواقفه النبيلة الشجاعة، حيث نجذ ذلك مبثوثا في كتب النوازل وحواشي وشروح كتب الفقه.
وهو بالإضافة إلى شهرته كقاض من قضاة العدل نجد له عدة فتاوي ينقلها عنه كتاب النوازل من فتاويه.    

ابن عرضون في كتب التراجم :
ونظرا لشهرته التي أشرنا إليها فإننا نجد عنه مقتطفات في كتب التراجم التي في معظمها تخصص له بضعة أسطر ولعل أطول ترجمة له نجدها عند القادري في نشر المثاني، وعند الشيخ محمد بن جعفر الكتاني في السلوة وذلك لتأخرهما في الزمن الشيء الذي مكنهما من ضم تلك المقتطفات بعضها إلى بعض حيث نقلا عن ابن القاضي في الدرة والجذوة، وعن المرآة، والمطمح والصفوة وغيرها ...
غلا أننا في الواقع نجد أن معظم تلك التراجم هي محض تكرار لبعضها البعض ولا تنفرد بعضها إلا بزيادات طفيفة كتعيين مكان الوفاة ويومه وشهره وعامه، أو كذكر اسم الأب والجد ... أو غير ذلك.
لكن بالإضافة إلى ما كتبه كتاب التراجم عن مترجمنا فإننا نجد عنه معلومات أخرى هامة في كتب النوازل وكتب الفقه ثم بعض الكتب التي ألفها أفراد من أسرته كأخيه أحمد في كتابه : "حدائق الأنوار" و"مقنع المحتاج" وكولده أحمد في كتابه "ناصر الحكام"(23).
ولا شك أن هذه المصادر الأخيرة تلقي ضوء أكثر على حياة مترجمنا وبواسطتها يستطيع الباحث أن يرسم الخطوط العريضة لحياة أبي عبد الله محمد بن الحسن ابن عرضون، إلا أن تتبع ذلك يحتاج إلى كثير من الوقت، وإلى مزيد من الصبر ...

أخلاقــــه ومواقفـــه :
كان مترجمنا يجمع بين التواضع الجم وبين غزارة الاطلاع ولذلك ظل يتقمص روح الطالب المستفيد بالرغم من تقلده المناصب الهامة في ذلك الوقت، فهو لم يفتأ يراسل شيوخه وأساتذته بفاس وبغير فاس سائلا ومستفسرا ومستوضحا ورابطا للصلة العلمية بينه وبين أصدقائه وشيوخه، ومن حسن الحظ أن بعض المصادر احتفظت لنا بنماذج هامة من كتاباته ومراسلاته، ومن ذلك ما أورده مثلا الشيخ محمد العربي الفاسي في مرآة المحاسن حيث يقول :
"... وجدت بخط شيخنا الشيخ العلامة القاضي أبي عبد الله محمد بن الحسن ابن عرضون رحمه الله كتابا كتبه إلى شيخنا شيخ الإسلام أبي عبد الله القاصر رحمه الله تعالى قال فيه "وما أوضحتم من أول دليلي الشيخ السنوسي دليل مستقل لا يتوقف على شيء من مقدمات الثاني" وهي رسالة في موضوع فلسفي دقيق يتعلق بالعقائد، إلى أن يقول : "هذا ما لاح لنا وإليكم المفزع في حل المشكلات وما كثرت مراجعتنا لكم في هذه المسألة. إلا من أجل أن النفس لم ينقطع حديثها النفسي ...فأزح بنور علمكم هذا الإشكال بما يمنحكم الكريم المعتال، وعجل علينا به لأنه تعلق به البال، والله تعالى يدينكم للحق تنصرونه، وللعلم تظهرونه والسلام"(24) .
ولم تقتصر مراسلات مترجمنا مع شيوخه وأصدقائه على الموضوعات العلمية الأكاديمية فحسب بل كان يراسل شيوخه وعلماء عصره حتى في التعرف على آرائهم فيما يصدره من أحكام، وهو القاضي المبرز العدل بل قاضي القضاة!! وكأنه بذلك كان يستأنف على نفسه بنفسه أمام هيئة عليا، كل ذلك من أجل أن يتدارك ما قد يكون صدر عنه من خطأ في الحكم أو عدم إصابة في اجتهاد ...
وفي هذا الموضوع ينقل لنا الشريف العلمي صاحب النوازل بعض استشارته ومراسلاته لكبار علماء عصره. ومن ذلك ما أورده في (فصل مسائل الحدود والدماء والتعزيرات) فالقاضي ابن عرضون بعدما أصدر حكمه على رئيس شرطة شفشاون بالسجن لاستخفاف هذا الأخير بالمقدسات الإسلامية أراد بعد إصدار هذا الحكم أن يعرف رأي العلماء في بعض الحيثيات والملابسات التي رافقت هذه القضية ولذلك وجه سؤالا مطولا في الموضوع، قال العلمي :
"سأل أبو عبد الله محمد بن الحسن بن عرضون الفقيه أبا العباس أحمد بن محمد البعل المصوري عن مسألة شرطي حاكم (-كذا –لعله يقصد رئيس الشرطة-) بمدينة شفشاون شهد عليه عدلان أنه قال لرجل أما تستحيي؟ فقال له : والله لا أستحيي ولو جاء رسول اله صلى الله عليه وسلم.
وسمع منه عدل آخر وقد قال لبعض خدامه حين شكاه رجل بامرأة –إيتوا بها فقال أحد الخدام : هي زوجة فلان فأجاب : إيتوا بها ولو كانت امرأة عيسى، وهذا الشاهد سمعه في ولايته الحكومة هذه السنة، والأولان سمعا منه أيام الحكومة تقدمت له منذ سنتين عزل عنها ثم ولي الآن ..." يقول العلمي فلما تبتت شهادة الشهود بما ذكر، حكم القاضي على الحاكم المذكور بالسجن وأنفذ حكمه والي البلدة المذكورة. ثم كتب القاضي مستفتيا أهل العلم، هل تضم شهادة الشاهد الثاني للأولين ؟ لاتفاق شهادتهم على استخفافه بحق المرسلين عليهم الصلاة والسلام ؟ وهل ما صدر منه يدخل تحت قول الشيخ خليل : "أو استخف بحقه، عاطفا على قوله : وإن سب نبيا، أو ملكا –لفتح اللام- أو عرض أو لعنه عابه إلى قوله ولم يستتب ..." وأيضا فإن الحاكم المذكور طلب الأعلام بمن شهد عليه، فهل يمكن من ذلك أم لا ؟ أو تكون هذه النازلة كمسألة ابن بشير الذي قال للوزير مثلك لا يخبر بمن شهد عليه؟ أو يحكم بعزله ولا يمكن من شرطته ؟ فيكون بعد سجنه كأحد الناس الذين يعذر إليهم فيمن شهد عليهم ؟ فإن قلتم بالأعذار فلا كلام، وإن قلتم بعدم الأعذار فهل يقدح في شهادة العدليين عدم التعجيل ؟ وإن قلتم بالقدح فهل يعذرون بالجهل وما الحكم في المسجون المذكور ؟ إن ثبت عجزه عن الرفع، جوابا شافيا عن اهتمام بأمور الدين ولكم الأجر من الله سبحانه والسلام".(25)
هكذا نرى علماءنا الأبرار رحمهم الله يتحرون ما أمكن في أحكامهم وقضاياهم ... فالقاضي أبو عبد الله محمد ابن عرضون دفعته غيرته على الدين، ودفعه الواجب الملقى على عاتقه كقاض إلى إصدار حكمه بالسجن على الموظف "الكبير" والذي له خدم وأعوان شرطة وكل ذلك لم يمنع القاضي من الحكم عليه بالسجن، وذلك نظرا لاستخفافه بحق الرسل عليهم السلام وبالمقدسات الإسلامية، لكن قاضينا بعد إصداره لهذا الحكم أراد أن يعرف العقوبة التي يستحقها زيادة على السجن. وأراد كذلك أن يتأكد هل له مطعن فيما صدر وسيصدر عليه من أحكام أم لا ؟
فمترجمنا القاضي الشجاع لا يريد أن ينساق مع عواطفه الدينية مجردا من القواعد الشرعية، بل يريد أن يكون حكمه مبنيا على أسس شرعية لا مطعن فيها ...
وهذا إن دجل على شيء فإنما يدل على نبل في الأخلاق وصراحة في الحق، ورجولة في المواقف ... !!!
ولمواقفه هذه أمثلة عديدة وحتى لا نطيل على القارئ نكتفي بالمثال الآتي الذي يتعلق بفتوى في موضوع كان موضوع الساعة في ذلك الوقت، وهذه الفتوى تتعلق بقضية طابة "التبغ" تلك القضية التي شغلت الأوساط العلمية في ذلك الحين وكتب فيها غير واحد من العلماء الذين انقسموا فيها إلى قسمين متباينين : قسم يرى حلية التبغ، وقسم آخر يرى حرمته، ويحذر من تناوله، وتحتفظ بعض كتب النوازل وكتب الفقه بكثير من آراء العلماء واستدلالاتهم واجتهاداتهم وفتاويهم في هذا الموضوع. بل عمد بعضهم إلى جمع الكثير من هذه الآراء والفتاوي مجموع خاص، وبالرغم من أن مثل هذا العمل لم يستوعب كل ما قيل في موضوع "التبغ" إلا أنه يعطي للقارئ صورة واضحة عم الحوار والجدال الذي استمر مدة تزيد عن قرنين من الزمن.
وكان مترجمنا أبو عبد الله من الفريق الذي يرى حرمة تناول التبغ، واستطاع بذكائه أن يستغل موقفا خطيرا حيث أثار هذه القضية في وقت مناسب جدا، وكان ذلك بمحضر أحمد المنصور الذهبي وفي مجلس من مجالسه، وفي جمع هام من العلماء، وبما أن مترجمنا استطاع أن يؤثر على السلطان فقد كان لفتواه نتائج فعالة وحاسمة في الموضوع.    
جاء في نوازل العلمي ما نصه :
"سئل سيدي إبراهيم الكلالي سأله سيدي علي بن أحمد الفزكاري عن عدة مسائل منها مسألة طابة فأجاب : أما ما عمت به البلوى من شربة العشبة المشئومة على نواحينا المتلفة أموال غربنا، وهي المسماة بتابغة بلغة أهلها، فقد كنا بحضرة فاس أيام قدوم السلطان عليها مولانا أحمد نصره الله، وبقدومه انتشر أمرها في تلك الحاضر، اجتبلها أهل مراكش، واستعملوها كثيرا فانتهى أمرها واستعمالها عند أهل تلك الحاضرة، ثم إن الغلاء ظهر هنالك وفي سائر الأقطار فجمع السلطان رحمه الله أعيان فقهاء وقته وسالهم عن سبب تردد الوباء الذي كان يتردد على مدينته المراكشية وابايته الانصراف عنها مع ما حل من الغلاء، وحبس الأمطار ومحو ذلك من الآفات النازلة في ذلك الوقت فأجابه كل واحد من الفقهاء بما ظهر له، ومن جملة المجيبين له في ذلك المجلس وكان آخرهم في الجواب شيخنا البركة الفاضل الناسك سيدي محمد ابن الحسن بن عرضون الشفشاوني الدار فقال له في جوابه : لعل هذه النوازل والوقائع سببها ما أشار إليه المولى سبحانه وتعالى في كتابه : "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" فقبل السلطان جوابه دون جواب غيره من الحاضرين، وفرق السلطان مجلسه ومن الغد بعث للفقيه المجيب المذكور، فقال له : قد عرفت الداء فما الدواء ؟ فأجابه بأن قال : غير المنكر في أقاربك وخدامك وسائر رعيتك يبدل الله عليك عاداته عملا بقوله تعالى : "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" فأمر رحمه الله بتغيير المنكر، وهرق الخمر، ثم من جملة ما أمر به أن تحرق العشبة الخبيثة في ديوان النصارى بفاس الجديد، حرق منها القناطير المتعددة..."  
الحقيقة أن مثل هذا النص يعد من أهم النصوص التي تحتفظ لنا بها كتب الفقه وكتب النوازل، لأنه زيادة على الحقائق التاريخية التي اطلعنا عليها هذا النص فإنه يعطينا صورة واضحة المعالم عن شخصية مترجمنا أبي عبد الله ابن عرضون الذي كان لموقفه هذا عدة نتائج :
1- رأينا السلطان أحمد المنصور يأمر بإراقة الخمر الذي كان يدخره بعض خدامه وأعوانه، وهذا شيء ليس باليسير في حد ذاته لأنه ليس من السهل على من تعود شرب الخمر وخزنها أن يتخلى عن عاداته اللهم إذا كان يخاف عقابا صارما، ونكالا شديدا ...
ويبدوا أن أمر أحمد المنصور في هذا الشأن لم تكن فيه هوادة ولا أدنى مسامحة ...
2- إحراق القناطير المقنطرة من عشبة التبغ، ولا شك أن إحراق مثل هذه القناطير من مادة التبغ كان يشكل بالنسبة لمدخريها كارثة اقتصادية. وغير بعيد أن يكون مدخرو هذه المادة قد حاولوا بمختلف الوسائل التملص من تنفيذ الأمر السلطاني لكن يبدو أن كل ذلك لم ينفع بتاتا ونفذ الأمر.
3- لا شك أن مثل هذا الأمر كان له صدى في الأوساط الاجتماعية، وكان حديث الناس في مجالسهم واجتماعاتهم، ولذلك فقد كان للحادث تأثير من الناحية الاجتماعية وهو بدون شك أثار عدة تعاليق مختلفة، وسر به أقوام، وشقي به آخرون.
4- اعتبرت هذه الفتوى من الناحية الفقهية تعزيزا قويا للذين كانوا يرون تحريم استعمال التبغ وذلك لأن أمر السلطان الإمام أصبح لصالح هذا الجانب.   
والحقيقة أنه بالرغم من وجود بعض الفقهاء الذين كانوا يرون إباحة تدخين التبغ فإن الجانب المخالف لهم كان أكثر عددا ...
ومهما يكن من أمر لأن مقالة أبي عبد الله ابن عرضون تأثر لها السلطان، وكان لذلك نتائج حاسمة وفعالة ...
وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على قوة شخصية أبي عبد الله محمد بن عرضون الذي استطاع بوضوح أسلوبه، وقوة بيانه إقناع السلطان مما جعله يصدر أوامره من غير هوادة ولا تردد ...
ولعل قوة بيان ابن عرضون جاءت نتيجة صدقه وإخلاصه، ونتيجة تفكيره في إنقاذ مجتمعه، ولذلك فهو كان يتحين مثل هذه الفرصة ليصدع بما في نفسه، وعندما جد الجو المناسب والوقت المناسب كذلك أبان عن مكنون نفسه، خاصة ونحن نعلم أن سلطة ولي العهد التي ظلت تسيطر على فاس وعلى أقاليم الشمال مدة من الزمن كان يشوبها كثير من مظاهر الفساد والظلم ولذلك اغتنم محمد بن عرضون هذه الفرصة ليتنفس الصعداء وليساهم في إزاحة مظاهر ذلك الفساد الذي كان يرين على قصر وبلاط ولي العهد بفاس.
ومن المعلوم أنه في هذه الأثناء كان السلطان قد استطاع أن يقمع طغيان ولي عهده بفاس وأن يجعله وهن الاعتقال بمدينة مكناس.
وعلى أي فالفقهاء اعتبروا الأمر السلطاني انتصارا لهم واعتبروا ابن عرضون أحسن معبر عن مرادهم ولذلك كان لفتواه هذه صدى وأي صدى فتناقلتها كتب الفقه وكتب النوازل والشروح والحواشي، واعتبر ابن عرضون عند الفقهاء من الذين حققوا هدفا نبيلا في قضية طابة "التبغ".
والحقيقة أن ابن عرضون أضاف بهذه القضية شهرة جديدة إلى شهرته التي كان قد اشتهر بها كقاض من قضاة العدل، وكقاض مقتدر شجاع متحرر، لا يخاف في إصدار أحكام الله لومة لائم ...
لكن بالرغم من كل هذه الشهرة، والتي أضيفت إليها شهرة جديدة فإن مترجمنا ابن عرضون تنوسي كما تنوسي غيره من علمائنا الأجلة، أولئك العلماء الذين لهم دين علينا نحن كحفدة من أحفادهم ...
تنوسي ابن عرضون بالرغم من كتاباته وتآليفه، واتساع شهرته، وبالرغم من تعدد جوانب ثقافته، وبالرغم من شجاعة مواقفه ونبلها ...
تنوسي مترجمنا أبو عبد الله –بالرغم من قصر المدة التي تفصلنا عنه- إلى درجة أن أصبح بعض الفقهاء المتأخرين يخلطون في الأسرة العرضونية بين الأخ وأخيه، وبين الوالد وأبيه ...!!
ويمكننا في حلقة أخرى- إن شاء الله – أن نتكلم عن أبي عبد الله محمد ابن عرضون الشاعر، والأديب، والمؤلف ... لأن شخصية مثل شخصية مترجمنا هذا لا يمكن أن تتناول في حلقة واحدة.
وإلى أن تتاح تلك الفرصة نساهم بهذه الالتفاتة السريعة متمنين لتراثنا الأصيل أن يوجد من ينفض عنه الغبار حتى يقدم للأجيال المتعاقبة كمصدر من مصادر الثقافة الغنية بالمعارف الإنسانية.

1 – جبل العلم، يقع في قبيلة بني عروس بإقليم تطوان وإليه ينتسب الشرفاء العلميون، وبه ضريح الشيخ الأكبر مولانا عبد السلام ابن مشيش.
2 – تازرورت قرية مشهورة ببني عروس وكانت تمثل في هذه الفترة أحد المراكز  الثقافية بشمال المغرب، واشتهرت هذه القرية بكونها مقر الزاوية الريسونية.
3 – شفشاون : انظر حديثنا عنها بمجلة دعوة الحق الغراء، ع. 5س .18.
4 – راجع تاريخ الدولة السعدية للمؤلف المجهول فإنه قد وصف هذه الأحداث وصفا دقيقا.
5 – انظر : "فتح التأييد في مناقب سيدنا الجد وأخيه والوالد" ورقة : 44 (مخطوط خاص) لمؤلفه الحسن بن محمد بن ريسون.
6 – هذا الأمير تحدث عنه الأفراني في النزهة ووصفه بالعلم والأدب واللطف، ص : 53، ط. الرباط.
7 – بهذا الاسم كان مشهورا بين الناس، وهو قائد من قواد الدولة السعدية على عهد أحمد المنصور يصفه القشتالي في مناهل الصفا فيقول : القائد الشهم أبو عبد الله إبراهيم بن بجة، وتكلم عنه مرتين أثناء ثورة ابن الحاج قرقوش، وأثناء الحديث عن ثورة الناصر.
8 – انظر عن هذه الثورة مناهل الصفا ص : 93 لعبد العزيز القشتالي ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 1972.
9 – انظر : فتح التأييد السالف الذكر ورقة : 64 مخطوط خاص.
10 – الذين ترجموا لمحمد بن عرضون لم يحددوا زمن ولادته إلا أن ابن القاضي في درة الحجال قال : أنه ولد بعد الخمسين وتسعمائة، ويحتمل أنه ولد قبل ذلك بقليل أي نحو سنة 945هـ أو : 946هـ.
11 – له عدة مؤلفات من أشهرها : الفائق لمعلم الوثائق، ومقنع المحتاج في آداب الأزواج، وحدائق الأنوار، ورسالة التوادد والتحابب، وغير ذلك، وذكر له أخوان الأستاذ عمر الجيدي في رسالته التي تقدم بها لنيل الدبلوم العالي بدار الحديث الحسنية 29مؤلفا.
12 – نرى أخاه أحمد في بعض تآليفه يقول : أخذت هذا السند عن أخي وشقيقي أبي عبد الله محمد، انظر الجزء الأخير من "حذائق الأنوار" نسخة الخزانة الملكية بالرباط.
13 – انظر ترجمته في العدد الثامن من دعوة الحق السنة -17-ص73.
14 – نوازل العلمي ج : 2ص : 418.
15 – الشيخ عبد الله الهبطي، انظر حديثنا عنه بمجلة دعوة الحق، العدد 10 ص : 63 سنة 76. تحت عنوان : "حول النفي في كلمة الإخلاص".
16 – الجذوة ج. 2 ص: 558، ط: دالا المنصور الرباط – والدرة 2 : 504.
17 – الجذوة 1 : 250 والدرة 2: 222 والسلوة 3: 128 وشجرة النور : 286.
18 – الشيخ رضوان الجنوي من أكابر علماء المغرب في وقته خصه بالترجمة غير واحد من كتاب التراجم، انظر السلوة ج : 2 : 257، فله هناك ترجمة وافية.
19 – فتح التأييد ورقة : 44.
20 – هو من شيوخ الصوفية الكبار ومن الذين حضروا معركة وادي المخازن سنة 986هـ (ولد سنة 930 وتوفي سنة 1018هـ) والنص من نفس المصدر السسالف.
21 – محمد بن أحمد بن الحسن ابن عرضون هو قاضي شفشاون في نهاية العصر السعدي الثاني، تجد أحكامه وفتاويه مبثوثة هنا وهناك : في الحواشي والشروح وكتب النوازل، انظر مثلا خطاباته ومصادقاته على رسوم حول شرف البقاليين ج : 5 (من عمدة الراوين) لأحمد الرهوني – مخطوط النكتبة العامة بتطوان.
22 – فتح التأييد ورقة 43.
23 – "ناصر الحكام" هو شرحه لتحفة الأحكام لابن عاصم الأندلسي كان يظن أنه مفقود وبقي الحال على ذلك مدة طويلة من الزمن إلى أن ظهر هذا الكتاب في السنين الأخيرة بفضل معرض الحسن الثاني للوثائق والمخطوطات.
24 – مرآة المحاسن ص 172-173.
25 – موازل العلمي : ج : 4912

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here