islamaumaroc

انعدام الجو التربوي في الأسرة وأثره في انحراف الأحداث

  دعوة الحق

182 العدد

إن موضوع الانحراف متعدد الجوانب متشعب المسالك لا يمكن حصره في نقطة معينة واحدة إذ لا بد فيه من الدراسة العميقة لمختلف الأسباب والحيثيات ومختلف البواعث والدوافع.
ولا تنحصر الدراسة المتعلقة به في علم واحد بل إنها تتصل بعدة علوم واختصاصات حسب الاهتمامات التي يوليها كل علم للكائن الإنساني.
فعلم الطب وعلم النفس وعلم الاجتماع كلها تتناول الموضوع بجد لأنها تدرس الطفل من الجانب الفيزيولوجي والجانب النفسي والجانب الاجتماعي. وهناك من يقوم بالبحث والمقارنة وإبداء التداخل بين هذه العلوم وعلاقتها بالتربية ليستغلها في وضع التخطيطات الصالحة لتوجيه النشء ولإبداء الأخطار الناتجة عن عدم تعهد الغرائز والدوافع وتركها سائمة دون رعاية أو تهذيب.
وتتصل الأبحاث غالبا ببيئة الفرد في أحوالها العامة التي هي الأسرة والمدرسة والمجتمع.
ورغم التأثير المباشر لهذه العوامل الثلاثة في تكييف الفرد وتكوين شخصيته فإن العادة جرت على إفراد كل منها بالحديث على حدة.
وهذا الاستقلال في البحث يمكننا أن نعده استقلالا نسبيا لأننا لا نستطيع عمليا التفصيل بين هذه العوامل وتناسي التداخل الحاصل بينها خصوصا في التداخل الكبير الواقع بين الفرد في الأسرة والفرد في المجتمع.
إن الفرد في الأسرة حينما يكون طفلا صغيرا، يتلقى التعليم الأولي التي تطبع شخصيته وتلون أخلاقه وتيسر له المفاهيم الاجتماعية؛ وعلى أساس الاتصال بوالديه وإخوتها يكتسب كثيرا من العادات الصالحة أو السيئة وتصبح للقوانين الأخلاقية صورة في نفسه يقدسها أو يدرسها حسب الطريقة التي كان يلقن بها هاته المبادئ والقوانين، ومن حق الأسرة أن تطالب بحماية أطفالها من تعفن المجتمع وانحراف أفراده كما أن للمجتمع الحق في أن يطالب الأسرة بحفظ كيان الأطفال وحمايتهم من الإهمال.
وما أحرانا ونحن نتحدث عن دور الأسرة في الانحراف أن نعرف الخصائص التي تميز الأسرة عن غيرها وأن نذكره اختصاصاتها التربوية والاجتماعية : 
من المعلوم أن الأسرة بناء اجتماعي قائم على مشروعية دينية تجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة شريفة مبنية على ميثاق شرعي وعلى احترام متبادل وعلى عقد يعطي لكل جانب حقوقا وواجبات إذا أخل بها أح الطرفين يكون مسؤولا دينيا وقانونيا واجتماعيا.
ولقد أوصى الإسلام فيما أوصى بالعمل على حسن اختيار الطرف الآخر لما في ذلك من الفائدة الوضحة العائدة بالخير على الفرد والمجتمع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فعليك بذات الدين تربت يداك) وقال أيضا : (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ألا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).
فمن خلال قول الرسول عليه السلام نرى البذور الأولى في تكوين الأسرة الصالحة تتصل باختيار العناصر لما في ذلك من الاطمئنان على مصير العلاقة بين الرجل والمرأة ومن الاطمئنان على الاستقرار منصبا على نفوسهم ومؤثرا في تكوينهم وراسما لهم منهج الخير والصلاح.
ولهذا يمكننا أن نقول أن كثيرا من الانحراف الذي يصاب به الأطفال يكون وليد الانحراف الذي يوجد عند آبائهم وأمهاتهم ويكون نتيجة الانحراف الاجتماعي الذي يكفر بالقيم ولا يأبه بهذه التعاليم السليمة فلا يقع اختيار الزوج على من يرضاها دينا وخلقا ولا يقع اختيار الزوجة على من ترضاه دينا وخلقا وإنما تكون بواعث الاختيار مادية صرفة.
هؤلاء الذين يسيؤون الاختيار هم الذين يمهدون سبيل الانحراف في بيوتهم إذا ما أنجبوا.
ومن الطبيعي أن حسن الاختيار يجعل المرأة في البيت شاعرة بكيانها عالمة بحقوقها وواجباتها لا تحتقر نفسها ولا تحتقر زوجها ولا يوجد تعال في سلوكها أو في سلوك من تعاشره.
ومن المؤسف في هذا العصر أننا نلاحظ شبه عداء بين الرجل والمرأة كأن كلا منهما ضحية الطرف الآخر في الوجود. وليس ذلك من المعقول فالرجل والمرأة عنصران متكاملان لا تسعد البشرية إلا إذا كان كل طرف منهما يحس بضرورة وجود الطرف الآخر وبضرورة احترامه؛ أما إذا أصبحت العلاقة بينهما داخلة في إطار الظالم والمظلوم والحاكم والمحكوم والمستبد والمقهور وأصبحت تدعو إلى مؤتمرات لتصنف هذه من ذاك أو هذا من تلك أو لتزيح طغيان الرجل عن المرأة أو طغيان المرأة عن الرجل فإن الحياة حينئذ تصير مكفهرة قاتمة تفقد الأمن والاطمئنان والاستقرار وتتحكم فيها أنواع المخاوف والقلق والاضطراب وتسود الأسرة حينئذ تفككات تؤدي إلى ضياع التماسك وإلى انحلال العلاقات وتفسخها ويصير الزوج متبرما من زوجته والزوجة متبرمة من زوجها ويتقمص الأبناء هذا التبرم الذي يؤدي إلى التشاؤم والحقد، والذي يخلق العوائق الحاجزة بين التكوين السليم وبين نفوس الأطفال وحينئذ تضيع الأمة في أطفالها وتنتشر أنواع الانحراف والفوضى فيعم العنف وتكثر الجرائم وتتلاشى مظاهر الأخلاق الفاضلة ويؤدي المجتمع بدوره ضريبة هذه الأخطاء فيعيش فاقدا للأمن خائفا على المصير.
إذا علمنا ذلك تبين لنا أن أول شرط يجب أن يتحقق في بناء الأسرة هو حسن اختيار الطرف الآخر.
فقد تقول أن هذا الاختيار صعب إنجازه نظرا للنفاق الذي يسود كثيرا من العلاقات فلا تظهر الحقيقة إلا بعد فوات الأوان.
وهذه الملاحظة قد يكون لها نصيب من الصحة إذا تركنا الاختيار لتجاربنا الخاصة وحدها دون أن نستعين بمن نثق فيهم من الآباء والأقرباء.
ونحن لو درسنا مدونة الأحوال الشخصية المغربية فسنجد أن المرأة قد منحت حق اختيار الزوج بحيث لم يعد للأب أو الولي حق في إجبارها على الزواج سواء أكانت بكرا أو ثيبا، وبهذا الحكم لم يبق عمل بالاختيار للبكر وفق ما جاء في الحديث الشريف القائل بأن البكر وأذنها صماتها ووفق ما سار عليه الغمام مالك رحمه الله.
والسبب في أن المدونة لم تعمل بمذهب الإمام مالك ولم تسر وفق ظاهر نص الحديث مرجعه إلى اجتهاد الفقهاء في تحليل النص وإلى الظروف الاجتماعية التي جعلت بعض الآباء يتصرفون تصرفا منكرا ولا يلتزمون بأصول التشريع في اختيار الزوج الصالح لبناتهم؛ الشيء الذي دعا المجتهدين من المسلمين في أن يزيلوا للأب هذه السلطة وأن يمنحوها للبنت ذاتها فأصبحت هي ربة الاختيار وصاحبة المسؤولية.
وهنا كان من الضروري تنبيه هذه البنت ليلا تتعسف هي بدورها في هذا الحق الذي منح لها وليلا تتصرف فيه تصرفا يضر بها وليلا تستبد به دون أن تستجيب لنصائح الأولياء وتوجيهات المربين.
إن المرأة المعاصرة تجد ضروريا من الصعوبات في اختيار الزوج الصالح وهي حينما تريد أن تمارس التجربة وتبحث نفسها عن طبيعة الزوج قد تقع في أخطاء كثيرة نتيجة لتغلب عاطفتها على عقلها أو لوقوعها تحت إغراء رجل يعرف كيف يستغل سذاجتها ثم يدوسها وحينئذ قد تردد مع المرأة التي عبر عمها الشاعر نزار قباني بالمرأة الحاقدة التي قالت رسالتها :
"لا تدخلي"
وسددت في وجهي الطريق بمرفقيك
وزعمت لي ...
أن الرفاق أتوا إليك ...
أهم الرفاق أتوا إليك ...
أم أن سيدة لديك
تحتل بعدي ساعديك.
والواقع أن هذه الرسالة تبين لنا لونا من ألوان التجربة الخائبة التي لا تحقق ضمانا للمرأة في محاولتها معرفة الطرف الآخر لتختاره بنفسها هذا زيادة على أن كثيرا من مظاهر النفاق قد تسيطر على الاتصال الحر بين الرجل والمرأة القاصر دوم رقيب أما إذا كانت الرقابة الأخلاقية مسيطرة على العلاقات وكانت الاستعانة بتوجيهات الأسرة الفاضلة وسيلة من وسائل الاختيار فإن كثيرا من المشاكل نستغني عنها فلا تقف حاجزا بين البيت والسعادة ولا تحول بين الأسرة والتفاهم الإيجابي البناء.
وإذا كان حسن الاختيار وسيلة تمهيدية للعلاقة بين الرجل والمرأة في تكوين الأسرة فإن الهدف منها ينصب على ما بعد الزواج.
ويظهر ذلك فيما يأتي :

أولا – في حسن المعاملة : 
إن حسن المعاملة وصية دينية يجب أن تطبع الحياة الزوجية في كل مجال. والشرع يوصي بها لما فيها من المنافع الإيجابية التي تعطي للبيت جلالا واستقرارا على قدر حسن المعاملة ترفرف السعادة على البيت وتنشر أجنحتها على أعضائه.

ثانيا – في حسن تربية الأطفال : 
وهنا نرى أن لكل من الزوجين دورا عظيما في القيام بهذه المهمة ولهذا يجب على كل من الوالدين إضفاء المحبة على العلاقة الزوجية ليحس الأطفال بأنهم يتمتعون بالاستقرار والهناء.
والتربية في الحقيقة لا تقتصر على الجانب النفسي بل هي متصلة بجميع الحاجيات التي تتوقف عليها سعادة الطفل وسلامته. فالعناية بالصحة والعناية بالغذاء والعناية بالمحبة كلها متداخلة في تكوين شخصية الطفل وفي إبعاد شبح الانحراف عنه بل إن الاحترام المتبادل بين الرجل والمرأة هو نفسه داخل في إطار العناية بتربية الأطفال نظرا لامتصاصهم كل ما يراقبون ولتأثرهم بكل ما يشاهدون فهم يمتصون السلوك المرئي يبدون بعضه ويختزنون أكثرهم في لا شعورهم ولقد برهن على ذلك فرويد في أبحاثه وهذا هو السر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
والعناية بالتربية تدعو الأم إلى الاهتمام بطفلها وإلى عدما إهماله وتركه عرضة للضياع والخوف والاضطراب وقد أثبت علم النفس أن كثيرا من العقد التي يصاب بها الأطفال نكون ناتجة عن هذا الإهمال.
وخير سبيل لهذه العناية الابتعاد عم خلق المشاكل داخل الأسرة ليلا تصاب بالانفكاك وليلا يضيع تماسكها وهذا هو السر في أن الحياة الزوجية الهادئة إذا سيطرت على الأسرة كانت منبعا للخير ومتكأ للاطمئنان ومنطلقا لسعادة الأطفال.
وقد بينت الإحصاءات أن الانحرافات والجرائم تحدث من الأطفال الذين فقدوا رعاية الوالدين أكثر مما تحدث من غيرهم وكذلك تحدث من الأطفال الذين عاشوا في أسرة انفصل فيها الأب عن الأم إما بطلاق أو هجران أو وفاة.
إن تفكك الأسرة قد يؤدي إلى هذه المصاعب الاجتماعية الخطيرة ولكن من المؤسف في هذا العصر أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية جعلت شبه استغناء في المرأة، تحس به نحو الرجل. فبعض النساء حين أصبحن قادرات على الاكتفاء الذاتي وصرن قادرات على كسب المال ظنن بأنهن إذا تحررن من الزوج استطعن أن يحيين ولو مطلقات ولم تعتبر الجانب التربوي الذي يحث على الحرص في خلق جو متناغم بين الرجل والمرأة في البيت وفي المجتمع ليعيش الأطفال متمتعين بدفء الحنان وبروح المودة.

ثالثا – في حسن التصرف في دوافع الزواج : 
إن هذه الدوافع متكاملة تتصل بتحقيق الرغبة الجنسية وبتحقيق المودة وبتحقيق غريزة حب البقاء والخلود وحفظ النوع عند الإنسان.
قد تكون الغريزة الأولى مشتركة بين الإنسان والحيوانات البهيمية وقد تكون المودة أيضا طبعا مشتركا بين الإنسان والحيوان.
أما الرغبة في الخلود وإنماء النسل عن طريق التوالد فهذا أمر يخص به الإنسان أي أن إدخاله في إطار الشعور والتفكير في أن يكون النسل صورة مشرفة للفرد ليس طبعا حيوانيا ولكنه طبع إنساني.
فإذا كانت الاتصالات الجنسية طبيعية في الإنسان والحيوان فإن التفكير في تحقيق النسل الصالح من خاصيات الإنسان وحده.
وعليه فإن كل فرد لا يفكر في ارتباطه الزوجي إلا بهذه العلاقة الجنسية وحدها دون غيرها يكون فردا غير سوي فإذا ربط بين هذه العلاقة وبين نشوة الحب والمودة كان قد أضفى عليها صورة أسمى من صورتها الجنسية المفردة وإذا اتصلت هذه العلاقة الجنسية بالإنجاب وحده دون التفكير في مصير من ستنجبه كانت أيضا قريبة من الإطار البهيمي، أما إذا كان العنصر التفكيري في البحث عن مصير هذا المولود المنتظر وعن الوسائل الكفيلة بتحقيق تربيته وعن الاشتغال به فيما بعد ليكون طفلا صالحا مهذبا فإن الفرد حينئذ يكون قد سما بنفسه عن الصفات البهيمية في الحيوان إلى الصفات الإنسانية الراقية التي كرم الله بها الإنسان في هذا الوجود ويكون قد ساهم في التطور الحضاري وفي استمرار الوجود الصالح لعناصر الحياة الشريفة النافعة.
 وتحقيق هذه الغاية يقتضي أن تكون الولادة شرعية ليلا يعيش الطفل بعيدا عن الحنان العادي وليلا يقسو عليه المجتمع برذيلة لم يرتكبها هو كما يقتضي أن يكون المتزوج راضيا في منحه ذكرا أو أنثى ليلا يحس الطفل بالحرمان من تصرفات الآباء والأمهات.
وينبغي في هذا المجال أن يكون الوعي الجنسي سائدا بين الأسر ليلا يتصرف فيه تصرفا جائرا قد يؤدي إلى الإكثار من النسل في أسر فقيرة لا تقدر على مواجهة الواقع ولا على تمهيد سبيل الاستقرار إلى الأفراد فتكثر الجرائم والانحرافات وتقل التربية السليمة وتنعدم القدرة على ضبط التصرفات. 
وهذا هو السر في أن العالم المعاصر أصبح يتحدث عن هذه النقطة كثيرا وتعددت الاختلافات في حولها ولكن أحسن الحلول على ما يظهر هي التي لا تمنع الإنسان من حقه في الولادة ولكنها تطلب منه أن ينظمها تنظيما يتلاءم مع إمكانياته وإمكانيات المجتمع الذي يعيش فيه ماديا وعلميا واقتصاديا.
إن عدم تنظيم النسل هو أيضا من أسباب انحراف الأطفال في الأسر التي ليس لها مستوى مادي كفيل بأن يحقق التربية المرجوة.
إن هذه المظاهر الثلاثة التي هي حسن المعاملة وحسن تربية الأطفال وحسن التصرف في دوافع الزواج هي نفسها يجب أن تكون قائمة على أسس من الوعي بالمسؤولية.
إن الوعي بالمسؤولية يدفع الإنسان إلى تحقيق ما يرجى منه على أحسن وجه ويجعله قادرا على ضبط نفسه صامدا في مواجهة الأحداث راغبا في إتباع الأوامر واجتناب النواهي عاملا على خلق جو يسوده الأمن والاطمئنان والحنان.  
هذا الوعي بالمسؤولية هو الذي جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لرجل هم بطلاق امرأته لم تطلقها؟ قال لأني لا أحبها، فقال عمر أو كل بيت يبنى على المحبة ! أين الرعاية والذمام.
ومعنى هذا أن البيت يجب أن يسوده الاطمئنان وأن الحب يمكن تعويضه بحب آخر من نوع آخر. إنه حب الواجب المقدس الذي يجعل الزوج شاعرا بأنه حين يتزوج يقوم بواجب اجتماعي يفرض عليه رعاية الطرف الآخر واحترامه وقد يكون هذا الاعتبار أسمى من الحب العادي لأنه خالص من الأنانية وحب الذات.
وهذا الوعي بالمسؤولية هو الذي يفرض على الوالدين تعهد أطفالهما ومراقبتهم مراقبة متواصلة حتى إذا أحسا بانحراف أو شذوذ سعيا في البحث عن وسائل إصلاحهم ولو أدى الأمر إلى عرضهم على أطباء الاختصاص في علاج ذوي الشذوذ.
وإن إصلاح الأسرة إذا كان يعتبر ذاتيا من قبل أرباب الأسرة فهو أيضا يعتبر عملا اجتماعيا وسياسة الدولة في المراقبة والتوجيه.
أما المجتمع فلهيئاته المختلفة حق الدعوة إلى الإصلاح ومراقبة أسباب التخلف والعمل على إبعاد شبح الانحراف عن الأطفال ويتجلى ذلك في الجمعيات التربوية الحرة التي تقوم بهذه الأعمال وفي الجمعيات الخيرية وفي الأعمال الإحسانية التي يتبناها كثير من الأفراد والجماعات.
وأما الدولة فيظهر عملها في المشروعات التربوية وفي التخطيطات الاقتصادية وفي بناء المؤسسات التعليمية والاجتماعية وفي وضع البرامج الصالحة لإعداد النشء ووضع القوانين العانة على الزجر والردع والتوجيه.
وخير مظهر لذلك ما يتجلى من وعي في القوانين الموضوعية خصيصا لانحراف الأحداث مع إنشاء المؤسسات الكفيلة بتطبيق هذه القوانين شكلا ومضمونا.
فعمل الدولة غالبا ما يأخذ واجهتين :
الواجهة الأولى وقائية وتستغل فيها المناهج التربوية ونشر التعليم وإعداد الشغل للمواطنين وتيسير الرخاء لهم.
الواجهة الثانية علاجية وتتجلى في دور الملاحظات والإصلاحيات المكلفة بإعادة التربية وفي نوادي الإصلاح الاجتماعي الذي يكون الطفل تربويا ومهنيا زيادة على مساعدتها في خلق مجال للحرية المحروسة الهادفة إلى خلق توازن نفسي عند الطفل المزف وإرشاده إلى السلوك القويم.
ولا شك أن هذه القوانين لا تؤتي أكلها إلا إذا قام بتطبيقها من الناحية العملية مربون وأعوان يعرفون قيمتها وفضلها على الفرد وعلى المجتمع.
إن هؤلاء المربين منهم من يتولى عمله في إطار توظيفي ومنهم من يتولاه في إطار تطوعي اجتماعي وفي كلتا الحالتين يجب أن يتجلى المكلفون بذلك بمحاسن الصفات وأن يتسلحوا بقوانين العلم وأن يهتموا بدراسة الأوضاع الاجتماعية ليستطيعوا بذلك معرفة أنواع الانحرافات وأسبابها وأن يبنوا أحكامهم على قوانين ثابتة متصلة بعلم الإحصاءات لتكون نتائجهم صائبة ولتكون علاجاتهم مبنية على تشخيص عملي لا يتطرأ إليه شك ولا تعتريه أخطاء وأغلاط.
وينبغي لهم أن يبحثوا عن الجرائم وأسبابها ليستطيعوا بذلك إرشاد المحتاجين وتوجيه المتخلفين وتنبيه الغافلين. ولتكن فيهم مرونة يستطيعون بها فتح علاقات بينهم وبين اسر الأطفال يستعملون فيها وسائل التوجيه الهادف ويستخدمون فيها العقل في الحوار مع استغلال الأسلوب الخطابي أحيانا في التأثير والإقناع.
ولا بأس أن يقيموا من حين لآخر ندوات إقليمية أو على الصعيد الوطني يستدعون لها بعض المختصين في الدراسات النفسية والطبية كما يستدعون لها رجال القانون والقضاء ورجال الأمن وعلماء الدين وخطباء المساجد والمعلمين والأساتذة وبعض الآباء ليستعينوا جميعا على دراسة المشكل من مختلف جوانبه وعلى البحث عن الحلول الصالحة التي يمكن إتباعها أخلاقيا واجتماعيا وقانونيا. وليساهموا في خلق مجتمع حي متخلق بالأخلاق الفاضلة ملتزم يهدف إلى إقرار الفضيلة وإبعاد الاضطراب عن الأفراد والهيئات وينير معالم الطريق أمام الأسر لأنها المسؤولية عمليا من إعداد الأطفال وعن تلقينهم كثيرا من القيم والمقدسات.
إذا اتضح لنا مما تقدم أن للأسرة دورا كبيرا في إعداد الأطفال فلنعلم أنها وحدها لا تكفي إذ لا بد من مساعدة المجتمع ومساعدة المدرسة في ذلك.
ووسائل المساعدات كثيرة جدا.
منها العناية بالمناهج التربوية في المدارس والمعاهد والجامعات.
ومنها انتشار الوعي الكافي وتيسير الرخاء المادي وإعطاء الفرص السامحة لكل فرد في المجتمع للتعلم والعمل لأن الجهل والبطالة لهما خطر على السلوك الفردي.
ومنها خلق المساعدات لنشر التعليم المقرون بالتربية فقد قيل قديما : من فتح مدرسة فقد أغلق سجنا.
ومنها العمل على رفع المستوى الاقتصادي للبلاد لنقل الحاجيات الدافعة إلى الإجرام ولتسلم الأسر حينئذ من الاضطرار المادي الذي يدفع رب الأسرة إلى الوقوع في المخالفات أو يدفع الأطفال إلى البحث عن وسائل العيش بطرق غير مشروعة كالشذوذ الجنسي والسطو والسرقة واستعمال العنف وغير ذلك من المساوئ ومن أنواع الاحتياجات ومن هنا نرى أن المساعدات الخارجية عن الأسرة قد تكون أكبر عامل على إقرار الاطمئنان بها وعلى جعلها قائمة بدورها المنوط بها.
فالأسرة إذن رغم أنها اللبنة الأولى في تربية الأطفال وإعدادهم للحياة فهي لا تنفصل عن مساعدة المجتمع ومؤازرته لها مؤازرة كافية لتستطيع القيام بمهمتها وليمكنها أن تساهم في خلق المواطن الصالح البعيد عن العقد وعن أنواع الانحراف.
فإذا وفق المربون في الأسرة ولكنهم لم يجدوا في المجتمع من يحمي القيم التي حرصوا على نشرها ضاعت مجهوداتهم وانساقت أمتهم إلى الردى ولم تنفع أعمالهم فليتعاون المربون جميعا سواء كانوا في الأسرة أو البيت أو المجتمع على إعداد المواطن الصالح وعلى تحقيق نهضة وطنية يكون شعارها إقرار الأمن ونشر الفضيلة وإبعاد شبح الانحراف عن المواطنين صغارا وكبارا وليستجيبوا لقوله تعالى : "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان". صدق الله العظيم.  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here