islamaumaroc

إحذروا رواسب الثقافة الخرافية

  محمد الطنجي

23 العدد

إننا نعيش الآن في عصر العلم والثقافة ونود من صميم فؤادنا أن تتوحد هذه الثقافة العامة لتتقارب الأفكار ولا يبقى بين خواص المفكرين في الأمة إلا الاختلاف في نواحي الاختصاص العلمي الذي لا أثر له في اتجاه الأمة العام.
ومن أسباب الاختلاف التي ينبغي اجتنابها رواسب الثقافة الخرافية التي ملأ القصاص والوعاظ الخرافيون كتب الأخبار بها من قصص الأنبياء والأمم السابقين، ولا يزال بعض هذه المعلومات الخاطئة يلقيه بعض الوعاظ الذين يفسرون القرآن أو يلقون أحاديث نبوية غير متحرين في صحتها، والكل ممزوج بالإسرائيليات وأخبار مبدأ الخليقة والمبالغات في أخبار الفتوحات والكرامات المنسوبة لبعض الأشخاص التي تفوق معجزات الرسل.
وقد كانت لعلماء المسلمين والحفاظ المطلعين جولات صادقة في تنفير المسلمين من هدا النوع من القصص والوعاظ والأخبار، ولكن ذلك التنفير لم يكن نتيجته الحاسمة في صرف المسلمين عن هذا الاتجاه لأن النفوس مولعة بالأخبار الغريبة وخصوصا نفوس العوام، وذلك مما دفع بعض القصاص والوعاظ الذين لا ضمير لهم إلى اختراع أخبار وافتراء أحاديث على الرسول راجت في هذه الميادين روجا عظيما، وهذا يدفعنا لإعطاء فكرة عن القصاص والوعظ لأنهم ليسوا في درجة واحدة، بل منهم أئمة عظام في الدين، ومنهم كذابون مستغلون دعاة للنزاعات السياسية والدينية.
وقد استحدث هذا النوع من القصص بتشجيع الأمويين، ففي كتاب الشهاب الراصد، أن أول قاص في تاريخ الأدب العربي عبيد بن شرية الجرهمي العالم بالأنساب والأخبار، وكان من المخضرمين، استحضره معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي الأول من صنعاء اليمن، فسأله معاوية عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة وافتراق الناس في البلاد ونحو ذلك، فلما أجابه أمر معاوية أن تدون أقواله وتنسب إليه.
وهكذا تابع الأمويون خطة معاوية، فذكر المقدسي في الآداب الشرعية أن الإمام أحمد روى عن غضيف ابن الحارث قال بعث إلي عبد الملك بن مروان قال : أبا أسماء إنا جمعنا الناس على أمرين قال وما هما ؟ قال رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة والقصص بعد الصبح والعصر، قال إما أنهم أفضل بدعتكم ولست بمجيبكم إلى شيء منها، قال لم ؟ قال لأن النبي ص قال ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة.  
ثم تطور الوعظ إلى جد حيث خاض ميدانه علماء معرفون بالجد وصدق العزيمة والنصيحة للمسلمين مهما كلفهم الأمر فقص بمكة عبيد بن عمر اللشيثي وأبو بكر الهذلي وقص بالمدينة مسلم بن جندب.
وبلغ الوعظ والنصيحة درجة الكمال بالحسن البصري بالبصرة ومن قاربه كابن ذؤيب والشعبي وأمثالهما، ولما ازدهرت المدينة الإسلامية في القرن الثالث أيام العباسيين حصل فتور عام عن هذا النوع من الوعظ والقصص والأخبار لأن العصر عصر علم، ولكن بقي أثاره وكثير من المنتحلين له من ضعفاء العلم يستغلون العوام إلا في الأقل النادر حيث ينبغ بعض الأفراد في العلم مع الدين المتين فيحيون سننا كثيرة ويميتون بدعا منتشرة، وقد عاب الحافظ أبو محمد ابن حزم في كتابه «الملل والنحل» طائفتين أضرتا بالدين وجرتا وبالا على المسلمين، الطائفة الأولى من درسوا علوم الحساب والهيأة والطبيعيات وعوارض الجو وأراء الفلاسفة في الدين، وحملوا كل كلامهم العلمي والظني والخيالي محملا واحدا وقبلوه قبولا مستويا دون أن يفرقوا بين المسائل التي قامت عليها الحجج البرهانية كعلم الهيأة والحساب، وبين المسائل الروحية التي يتكلمون فيها عن حدس وتخمين دون علم ويقين، وقد وجدت هذه الطائفة الجو خاليا من المعارضة بالحجج الصحيحة فأقامت على ضلالها وأغرقت في استهتارها بالدين والقيم الروحية يقول ابن حزم في حال هؤلاء ولم الق هذه الطائفة المذكورة من حملة الدين إلا أقواما لا عناية عندهم بشيء مما قدمنا، وإنما عنيت من الشريعة بأحد ثلاثة أوجه إما بألفاظ ينقلون ظاهرها ولا يعرفون معانيها ولا يهتمون بفهمها.
وإما بمسائل من الأحكام لا يشتغلون بدلائلها ومبعثها وإنما حسبهم منها ما أقاموا به جاههم وحالهم.
وإما بخرافات منقولة عن كل ضعيف وكذاب وساقط لم يهتبلوا بمعرفة صحيح منها من سقيم ولا مرسل من مسند ولا ما نقل عن النبي (ص) مما نقل عن كعب الأحبار أو وهب بن منبه عن أهل الكتاب، فنظرت الطائفة الأولى من هذه الأخيرة بعين الاستهجان والاحتقار والاستجهال فتمكن الشيطان منهم وحل فيهم حيث أحب، فهلكوا وضلوا واعتقدوا أن دين الله لا يصح منه شيء، ولا يقوم عليه دليل، فاعتقد أكثرهم الإلحاد والتعطيل، وسلك بعضهم طريق الاستخفاف والإهمال، وإطراح ثقل الشرائع واستعمال الفرائض والعبادات، وأثروا الراحات وركوب اللذات من أنواع الفواحش المحرمات، من الخمور والزنى واللواطة والبغاء وترك الصلوات والصيام والزكاة والحج والغسل، وقصدوا كسب المال كيف تيسر، وظلم العباد واستعمال الاهزال وترك الجد والتحقيق إلى أن يقول في شأن القصاص الذين أذوا الإسلام والمسلمين : وأما الطائفة الثانية فهم قوم ابتدءوا الطلب لحديث النبي ص فلم يزيدوا على طلب علو الإسناد وجمع الغرائب دون أن يهتموا بشيء مما كتبوا أو يعملوا به وإنما تحملوه حملا لا يزيدون على قراءته دون تدبر معانيه، ودون أن يعلموا أنهم المخاطبون به، وأنه لم يأت هملا، ولا قاله رسول الله ص عبثا، بل أمرنا بالتفقه فيه والعمل به، بل أكثر هذه الطائفة لا يعمل عندهم إلا ما جاء من طريق مقاتل ابن سليمان والضحاك بن مزاحم وتفسير الكلبي وتلك الطبقة، وكتب البدء (أي بدأ الخليقة) التي إنما هي خرافات وموضوعات وأكذوبات مفتعلات ولدها الزنادقة تدليا على الإسلام وأهله، فأطلقت هذه الطائفة كل اختلاط لا يصح من أن الأرض على حوث والحوث على قرن ثور، والثور على الصخرة، والصخرة على عاتق ملك، والملك على الظلمة، والظلمة على ما لا يعلمه إلا الإله عز وجل، وهذا يوجب أن العالم غيره منتاه «وبالغ ابن حزم فقال» وهذا هو الكفر بعينه انتهى، فقد حكم هذا الحافظ الفذ على هذه الأشياء بأنها خرافات، وإن كانت هذه الخرافات مع الأسف لا زالت تعشش في أدمغة بعض العوام بواسطة بعض المغفلين من الوعاظ، وهذا ما جعل ابن عقيل في الفنون يقول : (لا يصلح للكلام على العوام ملحد ولا أبله وكلاهما يفسد ما يحصل لهم من الإيمان، وقال المرء مخبوء تحت لسانه ولابد أن ينكشف قصده من صفحات وجهه وقلبه ولسانه، وقال ما أخوفني على من كانت الدنيا أكبر همه أن تكون غاية حظه) وإذا نظرنا على استهتار بعض الشباب بالفروض والأوامر الدينية وإلى الانحلال الاجتماعي الذي يشكو منه كثير من المفكرين المتدنيين، ونظرنا من جهة أخرى إلى تمسك بعض المتعاطين للوعظ بالتساهل في المرويات وجلب أخبار الخليقة وكثير من الإسرائليات والأخبار التي لا تصح علميا وتاريخيا في مجتمعنا نجده قوي التشابه بعصر ابن حزم إبان ازدهار واختلاط العلوم الفلسفية والدينية والقصصية والخرافية، وإنها تحتاج إلى تطهير وميز النافع من الضار فيها، فما أشبه الليلة بالبارحة والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون وكان من واجب علماء الدين المتيقظين أن يؤدوا زكاة علمهم الصحيح بملء الفراغ في ميدان الإرشاد الإسلامي الذي يحس به كل منصف في مغربنا، حتى يحتفظ المجتمع بقيمه الروحية ولكن القائمين بهذا الواجب قليلون، والأكثرون استطابوا الراحة والتمتع بالرواتب المرتفعة في عهد الاستقلال، فتعلل القضاة بحث القضايا المعروضة على المحاكم، والإداريون وممثلو السلطة العلماء بالأشغال الإدارية، والأساتذة بكثرة الدروس والمراجعة، والله يهدي من شاء إلى صراط مستقيم، وربك يعلم ما تكن صدوركم وما تعلنون.                

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here