شارك

[كتاب] نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي (لمحمد الصغير الإفراني )

  دعوة الحق

182 العدد

منذ سنين أدرك المغرب الاكتفاء الذاتي –بل أوشك أن يكون قد تجاوز الاكتفاء إلى التخمة – في الكتاب المدرسي المتصل بالمواد النظرية وببعض المواد التطبيقية، وأكبر الظن أنه لو تم تعريب جميع المواد التطبيقية أو التجريبية لما استعسر على المغرب أن يدرك فيها الاكتفاء جميعا، ورغم النقص والخلل والانحراف وما إلى ذلك من المآخذ التي تتسم بها بعض تلك الكتب المدرسية، فإن نشاط مؤسسات النشر المغربية في تشجيع الكتاب المدرسي قد سجل نجاحا طيبا في التجاوب مع حاجات التلاميذ حتى فيما يتصل باللغة الفرنسية.
وإلى جانب الكتاب المدرسي أخذت تظهر بين حين وآخر منشورات على جانب من الجد وبعضها أطراز من السخف الذي يلجأ إليه بعض المتعجلين النهمين إلى الشهرة أو الذين يلتمسون من تسويد البياض وسيلة إلى الارتزاق أو الذين استهوتهم بعض المذاهب الواردة –وما عرفوا منها غير بعض الجوانب الإعلامية –فانطلقوا لها دعاة وأبواقا.
وباستثناء المنشورات الجادة المتصلة بالتراث التي تصدرها المطبعة الملكية بأمر من صاحب الجلالة حفظه الله وبضعة كتب نشرها الأستاذ عبد الوهاب بن منصور في مؤسسة كان قد أنشأها باسم دار المنصور ثم ما لبث أن صرف عنها النظر وباستثناء كتب قليلة جدا صدرت عن دار الكتاب حين اتجهت إلى محاولة نشر كتب التراث وما شكلها من الكتب الجادة في فترة سابقة، وباستثناء منشورات المطبعة المهدية بتطوان وجلها تراثي قيم أصيل، وباستثناء الكتب التي أخذت تنشرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وجلها ذخائر قيمة من كتب الحديث والتفسير فإن المكتبة التراثية المغربية وخاصة الجانب التاريخي منها – ما فتئت تشكو الافتقار إلى العناية بنشر ذخائرها وباستثناء ما توقف من نشاط في هذا المجال منذ توقفت حركة الطباعة بالمطبعة الحجرية، وقضت الحماية الظالمة على نشاط القصر الملكي لعهد السلطان المنعم مولاي عبد الحفيظ رحمه الله الذي أسهم بجهد مبرور في إثراء المكتبة العربية بذخائر قيمة أتيح لها النشر بعنايته وتوجيهه أجزل الله ثوابه.
تكلم خواطر أثرها في نفسي ما اجتمع إلي في هذه الأيام من منشورات في مكتبة الطالب للسيد عبد القادر المكناسي ودار المغرب للتأليف والترجمة والنشر للأستاذ الدكتور محمد حجي، وبدا لي أن أقدمها للقراء في مقالات متلاحقة إسهاما في لفت الانتباه إلى هذا النوع من العمل الجاد الضروري للمغرب في هذه الفترة التي يلتمس فيها معالم ذاته ويستشف ملامحها ويستشرف مسارها ومصيرها، وهي فترة لا مناص له من اجتيازها بوعي وبصيرة إن أراد أن يقيم حاضره ومستقبله على أسس أصيلة غير مدخولة ولا هجينة. 
ولعل المغرب صادق الحرص على أن يكون في نهضته الراهنة صريحا أصيلا فالاتجاه الذي نشهده الآن إلى تدوين ودراسة تاريخه القديم والحديث انعكاس لإرادته الواعية في أن يكون حاضره ومستقبله استمرارا متجددا متلاحقا لماضيه مع عالمه الراهن.
وإن كانت الأنظمة والأساليب والمناهج التي يأخذ اليوم أو قد يأخذ إذا بها في تخطيط مساره وتحديد مصيره فما من سبيل إلى أن يكون ما يخططه وما يحدده منقطعين انقطاعا جذريا غريبين غربة مطلقة عن الأنظمة والأساليب والمناهج التي يؤلف منها مسيرته التاريخية لما يزيد عن ثلاثة آلاف سنة خلت من تاريخه المنظور كمنطقة دارجة مع الحضارات ولما يقرب من ألف وأربعمائة سنة من تاريخه الملي كقطر من أقطار العالم الإسلامي.
لذلك كان نشر كتاب التراث التاريخي إسهاما قيما يستحق كل من يقدم عليه الجزيل من الشكر والجميل من الذكر، وخاصة إذا وضعنا في تقديرنا أن المغرب لهذا العهد لا يملك وسائل المشرق جغرافيا ولا إعلاميا لضمان سوق صالحة للتغطية المالية لجهوده في النشر مما يجعل أي جهد يبذله أطرازا من التضحية قد يكون غير مأمون العاقبة.
وكتاب نزهة الحاذي الذي نقدمه اليوم أو بالأحرى نقدم طبعته الثالثة، سبق أن طبع مرتين أحدهما طباعة حجرية بفاس والأخرى طباعة عادية بإشراف المستشرق هوداص الذي كان مدرسا للغة العربية بباريس خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر أي في الفترة التي كانت مخالب الاستعمار تستبق إلى اقتناص الفريسة المغربية وكان استكشاف طبيعة المغربي ماضيا وحاضرا إحدى أهم وسائل الافتراس.
وقد لا نكون بحاجة إلى الإفاضة في التعريف بمؤلف الكتاب فما من أحد عنى بعض العناية بتاريخ المغرب لا يعرف شيئا عن عبد الله محمد بن الحاج محمد بن عبد الله الأفراني، الملقب بالصغير، واحد من مواليد مراكش حوالي 1080 هجرية (1669-1670م) والمتوفى بها حوالي 1151 هجرية عن عمر يناهز واحدا وسبعين عاما اضطرب خلاله بين الدراسة والتدريس وإمامة الجامعة انطلاقا من مجلس الفقيه أبي العباس أحمد بن علي السوسي الذي كان يجلس للتدريس في مسقط رأس المؤلف ومرورا بجامعة القرويين حيث أتم دراسته وأنضج ثقافته على النهج الذي كان دارجا يومئذ، ثم بمكناسة الزيتون حيث اضطلع بمهام وكلت إليه في نطاق تسيير الدولة قريبا من المولى إسماعيل ثم عودا إلى مراكش حيث تولى الإمامة والخطابة بمسجد علي بن يوسف بن تاشفين لفترة من الزمن ختم بها حياته الحافلة بجلائل الأعمال.
على أننا قد نعود إلى تقييم لشخصيته في دراسة نفكر في أن نصرف إليها الجهد لكتابة نزهة الحاذي ولبعض من كتبه الأخرى، فهو في تقديرنا نمط من المؤلفين يتميز بين معاصريه وبين أبناء مدرسته من السابقين واللاحقين بخصائص تجعل منهم مثلا جديرا بالاحتذاء حتى في هذا العصر الذي التبس فيه على الكثير عمل التدوين التاريخي الملتزم بالأمانة العلمية يعمل الإعلام القاصد إلى التأثير والاجتذاب.
وكتاب نزهة الحاذي الذي يتألف في طبعته الثالثة من ثلاثمائة وخمسة عشرة صفحة بدخول الفهارس صورة جيدة وتكاد تكون دقيقة لذلك النوع من المنهاج العلمي الأمين الذي يمثله المؤلف أصدق تمثيل.
فقد عرض فيه للدولة السعدية كلها منذ نشأتها ولصدر من الدولة العلوية أدام الله أعلامها معززة بالنصر مؤيدة بالتوفيق إلى عهد المولى إسماعيل بن الشريف.
والتزم في عرضه التشبث من المعلومات التي دونها ما استطاع إلى ذلك سبيلا ولم يكن في تشبثه يعتمد على التأكد من صحة الرواية فحسب، وإنما كان في بعض الأحيان يحاول تمحيص الرواية حين تضطرب في وقعها أو في موقعها من التاريخ حسب ما يتراءى له، وإنك لتعثر في ثنايا كتابه هذا بمواقف التشكك والارتياب من عدة أحداث وحتى حين يقف موقف الترجيح فإنه لا يخفى عليك أنه كان مرجحا وليس بمستقين وإنك لتلمح فيه إشراقا ذهنيا جديرا بالملاحظة في ذلك العصر الذي دأب فيه المؤلفون عامة على الانغلاق والتسليم أمام ما ينتهي إليهم من روايات مهما نزعت في الغرابة بل لعلهم يكونون أشد اطمئنانا إليها كلما أوغلت في الإرغاب.
ولسنا نبرئ الرجل من الخطأ في التقدير ولا نرغم أنها لامع الذهن إلى حد المقدرة على التجرد أو حتى الخلوص من شوائب التأثر بما كان سائدا لعهده من التسليم لبعض ما هو في حكم الأساطير والخرافات، بيد أننا نسجل أنه – مع انسياقه في تيار التسليم لما يتناقله الناس من أنباء خوارق المتصوفة والأشراف ومن إليهم، ومع انطلاقه من التسليم خاصة بكرامات الشرفاء والتقدير لهم ومحاولة التستر عنهم أو التماس المسوغات لما قد يكونوا اقترفوه من أخطاء وسيئات –يشرك في كثير من هذه المواقف بأنه صراعا بين عقله وعقيدته وهذا موقف منهجي جدير بالاعتبار لمؤلف عاش في مثل ذلك العصر الذي هيمنت فيه حتى على عقول الخاصة الأساطير والخرافات.
والكتاب من قبل ومن بعد عبارة عن ثلاثة وأربعين كتابا ما بين خاص بالتراجم ومعني بالتاريخ ومتخصص في غيرهما من المعارف السائدة في ذلك العهد كالفقه والأدب، وجل هذه الكتب له قيمة وثائقية ما في ذلك شك، فهي من مدونات المعاصرين للدولة السعدية والكثير ما يزال يعتبر مفقودا لذلك كان التقييم الوثائقي نزهة الحادي في الدرجة الثانية من حيث التوثيق على الاعتبار الزمني ولكنه قد لا يزحزحه عن صدر الدرجة الأولى من حيث التوثيق في الاعتبار المنهجي، على حين أن الفصول القليلة الخاصة بصدر الدولة العلوية تضعه في الدرجة الأولى على الاعتبارين معا، وبخاصة من حيث أنه لمؤلف لم يعاصر ذلك العهد فحسب، وإنما كان أحد المسؤولين الذين لهم إسهام بارز في تنفيذ السياسة الرسمية الدولية نظرا لموقعه من حكومة المولى إسماعيل.
والكتاب إلى ذلك كله يضم مجموعة منتقاة من النصوص الأدبية التي تعكس جانبا هاما من التاريخ الفكري للعصر الذي عني به، كما تشد إليه القارئ شدا وثيقا.
وما من شك في أن إعادة نشره بعد أن نذرت نسخه من الطبعتين السابقتين حتى أصبحت في حكم المخطوط، عمل قيم لتسيير تداوله للقراء عامة وبخاصة للذين يريدون أن يبذلوا جهدا في استجلاء الطبيعة التاريخية لذلك العهد من عهود التاريخ المغربي، وهو عهد حافل بالعبر والمفاخر والأمجاد، وهو بهذا الوصف جدير بعناية المثقفين عامة والمؤرخين بشكل خاص.

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here