islamaumaroc

في الإلحاد والكسل الفكري: الداء والتشخيص

  دعوة الحق

182 العدد

أرسل إلى مجموعة من الشباب في أقسام الباكالوريا بإحدى المدن المغربية، هذه الرسالة، فقرأتها بتأثر كبير، وإمعان شديد، لأنها رسالة تترجم ما يحيا عليه كل شاب، وتعبر بصدق عن نفسيته وكوامن صدره، فأشفقت بالغ الإشفاق على شبابنا وفلذات أكبادنا، وهم يعانون صراعا مريرا من الشك والقلق، ويواجهون تساؤلات عريضة لا حصر لها، فأحببت خدمة لهذا الشباب الحائر، وطمعا في تجلية شكوكه، أن أبسط مشاكله وأجيب عن استنفهاماته بقدر الإمكان، وعلى الله قصد السبيل ..
وفي مقدمة ذلك أعرض عليكم الرسالة بأمانة وكما وردت علي : 
"سيدي هناك سؤال كلما واجهنا القبلة، وتأملنا الطبيعة إلا ونجده يتردد على ألسنتنا وعقولنا وهو : أحقا الله موجود ؟ وإذا كان فما هو ؟ أم أن هذه الكلمة أسطورة من جملة الأساطير التي وصلتنا ونسمعها ؟ إنه حقا سؤال سخيف ومهم جدا . إننا حقا نشعر بوجود الله، ويتجلى ذلك في تفكيرنا في هذا السؤال، فتغمرنا الرهبة واقشعرار البدن. وإذا كان هذا الإلاه حقيقيا فلماذا نسمع سبه في الطرقات والشوارع من أفواه الصغار والكبار ؟ ولو كان حقا موجودا لانتقم منهم كما ينتقم الإنسان من الإنسان إذا أساء إليه.
إننا مقتنعون بوجود الله. ولكنه اقتناع غير شاف، مقتنعون إلى الحد الذي جعل الكلمات ترتعش في أفواهنا، وهي تتطاير خائفة من هذه الشكوك والأسئلة التي تراود كل شاب أصبح متصلا ومرتبطا بتيار الفكر الأوربي الذي يتلقاه عن الأساتذة الأوروبيين الذين يأتون كمبشرين يطعنون في ديننا ومعتقداتنا، ونحن نؤمن بأقوالهم وأدلتهم السخيفة والقاطعة في نفس الوقت لجهلنا وعدم معرفتنا بديننا.
إننا نسمع من آبائنا أن الله يحب الحق، يحب العدل، يحب الفضيلة، يحب كل ما هو صالح لعباده، ويساعدهم على ذلك، ولكن نرى العكس إذن : لماذا يتركنا الحق للضلال ؟ لماذا ينتصر الشر فينا على الخير ؟ لماذا تتخلى عنا الفضيلة للخطيئة ؟ قولوا لهذا الشباب الضائع لماذا ؟
قد قيل لنا: إن الله خلقنا وخلق فينا العقل والإرادة: الأول لنميز به بين الشر والخير، والثاني لنتكل به على أنفسنا، ثم تركنا ليختبر سلوكنا في الحياة، ليجري لنا امتحانا فمن نجح كان نصيبه الجنة، ومن رسب كانت له النار. قيل لنا هذا الكلام وحاولنا أن نقتنع به فلم نستطع، فهب أننا فشلنا في هذا الامتحان –وهذه هي الحقيقة – فمن المسؤول ؟ المسؤول هي عقولنا الغبية وإرادتنا الضعيفة، وبالتالي فالله هو المسؤول عن رسوبنا في امتحان السماء، وإذا كان كذلك فكيف عاقبنا على جريمة لسنا مسؤولين عنها ؟ كيف نحترق بالنار لذنب لم نجنه، ولمجرد أن السماء ظلمتنا فكان نصيبنا منها عقلا قاصرا، وإرادة ضعيفة. لا وألف مرة لا. لا يمكن أن يكون هذا هو الله، إن الله ليس في حاجة إلى امتحان الناس.
نعم إننا شباب ضائع في هاوية الجهل والبعد عن حقيقة ديننا وبكل ما يتعلق بأمر آخرتنا. إننا شباب نتلقى في صمت عن أساتذتنا ما يقولون ثم نصبه في قوالب وسطنا، فيصبح ما تلقيناه شرا وذلك لأننا لم نجد شكيمة تردعنا عن غينا إن صحت الكلمة. فنحن في الواقع مجني علينا، نقوله ونحن بريئون من كل ما ينسب لنا، ولسنا مسؤولين إذا خرجنا عن ديننا، واتبعنا دينا آخر. إننا نستحق الرحمة، نستحق الشفقة من الوعاظ والمرشدين، وأصحاب الدين عوض السخط.
قولوا لنا هل نحن المسؤولون عما نتخبط فيه، ولماذا يسنح الله لنا بهذا الضرر والشقاء ؟ وهل نتحمل مسؤولية خطئنا وخروجنا عن طريق الله ؟ إننا نتناقض من شدة شكنا واعتقادنا في حقيقة وجود الله كما رأيتم. هذه مأساة الشباب وهي مختصرة ومستتبة على مسرح الحياة، وقد كثر المتفرجون علينا بدون نتيجة وقل من تأمل وعقل. إن نفوسنا تتعذب أمام هذه المشاكل وهي ثابتة فهل من إنقاذ".
انتهت الرسالة وأدعو كل مسلم مثقف غيور على أن يقرأها ويعيد قراءتها بإمعان ليتعرف من خلال كلماتها الملحاحة على ما تحمله من معان وظلال، وما تحتويه من ريبة وشك واتهام، وما تعرضه من مشاكل العقيدة والإيمان لدى شبابنا وأبنائنا الذين فقدوا المرشد الأمين، والناصح الصدوق، والموجه البار.
إن تساؤلات الرسالة عريضة، وعلامات استفهامها مفتوحة، وأصابع أبنائنا تشير بالتهمة في غير رفق إلى كل من يحمل مسؤولية التوجيه والتعليم والتربية والإرشاد في بلدنا ليدركوا خطر المسؤولية، ويكبروا جسامة التبعة الملقاة على كواهلهم، ويعلموا أن النداء موجه من الأبناء لمحاولة الإنقاذ، فلا يمكن والحالة هذه أن يضيع المسؤولون عن توجيه شبابنا هذه الفرصة وهي بيدهم قبل أن تصير غصة فلا يستطيعون إلى الإنقاذ سبيلا : ها هم أبناؤنا يقولون بوضوح : نحن في الواقع مجني علينا، نقولها ونحن بريئون من كل ما ينسب لنا، ولسنا مسؤولين إذا خرجنا عن ديننا واتبعنا دينا آخر. إننا نستحق الرحمة نستحق الشفقة من الوعاظ والمرشدين وأصحاب الدين عوض السخط.
إن الرسالة عرضت لأهم وأخطر المشاكل العقيدية التي يحياها شبابنا الآن، فهي تتناول قضية الحقيقة الكبرى، أو قضية القضايا التي هي وجود الله في سؤالها : أحقا الله موجود ؟
والسؤال ينبئ عن شك طاغ يساور عقول الشباب وقلوبهم ولا يجلوه إلا يقين صادق وإيمان كامل واقتناع واضح بحقيقة هذا الإلاه العظيم.
عن جلاء هذا الشك لن يتأتى والكتب المقررة لشبابنا في مناهج الدراسة تزيد هذا الشك غموضا ولبسا، وذلك كالكتاب المقرر في مادة الفلسفة مثلا والأطر العارضة لهذه الكتب من الأساتذة والموجهين تعرض هذا الشك في ثوبه القاتم الكثيف الذي يحجب النور، ويبعد الشباب عن الحقيقة، ويحول بينهم وبين تلمس الهداية. هذا في المدرسة فإذا خرج الشباب إلى الشارع والطريق سمع ما لم يكن في الحسبان : سمع سب الملة والدين، فهو يتساءل في رسالته : إذا كان هذا الإلاه حقيقيا فلماذا نسمع سبه في الطرقات من أفواه الصغار والكبار ؟ إن منشأ هذا التجرؤ السافر، يرجع إلى نقص في تكوين البنية الدينية لدى الفرد المسلم، من أول وهلة يعرف ويتعلم إلى أن يتدرج في أطوار الحياة ومراحلها، إنه لا يتنسم عبير هذه التربية ولا يتذوقها ولا يتشبع منها لا في طفولته وبين والديه في البيت، ولا في مدرسته حيث المناهج بعيدة عن هذه التربية، ولا في الحياة العلمية حينما يود أن يرى ممارسة فعلية لهذه التربية.
إنه في البيت لا يجد الأب المسلم حقيقة، ولا الأم المؤمنة صدقا، لا يجد في البيت المظاهر الإسلامية من صلاة وصوم وزكاة وغيرها، ولا يجد فيه الأخلاق الإسلامية من صدق وأمانة وعزة وبرور. فإذا غادر هذا البيت بكل علله إلى المدرسة وجدها مكتظة بكل مادة إلا مادة التربية الإسلامية، فهو لا يلتقي بالإسلام إلا مرة واحدة في الأسبوع، وأنى لساعة واحدة في الأسبوع أن تشفي غليله من مادة يشعر بكامل النقص والجهل فيها، وكيف يتأتى للشاب أن يجلس مرة واحدة في الأسبوع إلى مائدة شهية كمائدة التربية الإسلامية ولو من الطعام لذيذ كهذا اللون، ويتزود بما يكفي، ويأخذ من هذه المائدة قوتها ولذتها وفيتاميناتها. إن هذا أمر عسير وغير ممكن.
إن ساعة واحدة في الأسبوع لن تستطيع أن تخرج الشاب المسلم الذي نريد، والإطار المسلم الذي يعرف واجبه ويؤديه أينما وجد، وكيفما كان هذا الإطار كان عالما أو طبيبا أو محاميا أو قاضيا أو أستاذا جامعيا أو موظفا جنديا أو صانعا أو تاجرا.
إن خلفيات هذا الفقر المدقع في التربية الإسلامية لها نتائجها العكسية على سلوك الناس وحياتهم، وأفعالهم وأقوالهم، وجهلهم بهذه التربية يؤدي بهم إلى معاداتها والتنكر لها وبالتالي إلى سب الملة والدين، وقد قيل من جهل شيئا عاداه.
وهذا كفر بالنعمة، وعصيان لله، وهدم لقيم هذا الدين ومبادئه، وغمط للبناء الشامخ الذي بناه السلف ووضع المحافظة عليه أمانة في عنق هذا الخلف، فاستهتر هذا الخلف بها، وسمع مقدسات الدين تسب، ورآها تهن، فلم ينه عن منكر، ولم يرفع عقيرته بالشكوى ولم يتغير حتى قلبه لها، ومر بها وكأن الأمر لا يعنيه.
وتساءلت الرسالة لماذا لا ينتقم الإلاه من هؤلاء كما ينتقم الإنسان من أخيه إذا أساء إليه.
إن الإنسان إذا أسيء إليه فانتقم فهو محتاج لا يستغني عن الانتقام لتركيز بشريته، ولإرجاع حقه، والانتصاف من الظالم الذي أساء إليه، أما بالنسبة للإلاه فلا يقاس بالإنسان لوجود الفارق، لأنه سبحانه غني عنا وعن أعمالنا، ولا تضره معصيتنا، ولا تنفعه طاعتنا، لا يزيد الانتقام في قدرته، ولا ينقص العفو من قوته، بل هو سبحانه يأمر الإنسان المحتاج إلى أخد حقه، بالصبر والسماح في قوله تعالى : "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون إن الله مع اللذين اتقوا والذين هم محسنون" . فإذا كان هو يأمر بالصبر في حالة توجب الحقوق، فكيف به تعالى وهو الغني المطلق الواسع الرحمة والمغفرة.
لكن ليس معنى هذا أن الله في غفلة عن أفعال الظلمة، قال تعالى : "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون وإنما يوخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء".
إن الله شديد الغيرة على محارمه، ويمهل الظالم ولكنه لا يهمله، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال : إن الله تعالى يغار وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه.
وعن ابن موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ص) أن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ : (وكذلك أخذ ربك إذا أخد القرى وهي ظالمة أن أخذه أليم شديد) متفق عليه.
إن الله رحمة بنا لا يعاملنا كما نعامله، ولا يؤاخذنا على كثير مما نجنيه وما يدريك أن ما يحل بنا من مصائب وويلات هو نتيجة لما نقترفه في حقه من موبقات، وما نجاهر به من عصيان : "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم". قال تعالى في سورة الشورى : "وما أصابكم من مصيبة فما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير".
ثم إن الرسالة تؤكد أن كاتبيها من الشباب مقتنعون بوجود الله، ولكنه اقتناع غير شاف، وعللت ذلك بأسباب ثلاثة : لوجود الجهل بالدين الذي يعيشون عليه، وبطغيان التبشير والمبشرين، وبغزو التيارات الفكرية الملحدة لعقولهم وقلوبهم، وسنعالج كل واحد من هذه الأسباب على حدة وباختصار.
فبالنسبة للتعليل الأول: فقد قدمت أن ضآلة المادة الدينية في المدارس والمعاهد والكليات، وضحالة منهجها، وضعف الإطار الذي يدرسها وعدم إقبال التلاميذ عليها، وعدم اعتبارها كمادة أساسية لها وزنها في الامتحانات والاختبارات، كل ذلك يجعل منها مادة لا تفي بالغرض المقصود منها، وتجعل التلاميذ والطلاب ينفرون من الحضور في حصنها، ولذلك نهيب بالمسؤولين عن المناهج أن يعيروا هذه المادة ما تستحقه من العناية، ويعطوها الاعتبار اللازم، وفي ذلك ضمان للتوجيه الإسلامي الهادف واطمئنان على عقيدة أولادنا وشبابنا، فهم كما قالت الرسالة : شباب ضائع في هاوية من الجهل والبعد عن حقيقة الدين وبكل ما يتعلق بأمر الآخرة.
أما بالنسبة للتبشير والمبشرين : فإن المسألة معادة مكررة، قد تنولها الكثير بالبحث والنقد والتوجيه، والذي يمكن أن يضاف هنا : هو أن ما يهمنا من عقيدة أبنائنا هو مثله الذي يهمنا من السهر على مطعمهم ومشربهم وملبسهم وشؤون حياتهم، وإذا كنا أمام هذه الأشياء نجهد أنفسنا، ونحاول جهد الإمكان أن نوفر لهم ما يحتاجون إليه من غذاء وغيره، فإن الواجب يفرض أكثر أن نجهد أنفسنا أكثر لتوفير الغذاء العلمي السليم، وتوفير الجو الإسلامي الصالح لتربية أبنائنا على عقيدة صحيحة تصلهم بربهم، منها ما يصدرون، وعليها يغارون، وفي سبيلها يضحون.
وأيضا يجب أن تكون قيمة العقيدة في نظرنا وشعورنا وأعمالنا أكبر من قيم أي شيء، آخر في الحياة ولو كان الدرهم والدنيا فلا يعقل في نظرنا أن الإنسان المسلم يثور ويغضب، وتقوم قيامته إذا مس في عرضه أو درهمه وديناره، ولا يثور ولا يغضب إذا مس في عقيدته ودينه، أو عقيدة أبنائه ودينهم. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يغضب لنفسه ولكنه كان يغضب لربه إذا انتهكت حرمات الدين. وقضية أسامة وشفاعته للشريفة المخزومية وجواب الرسول (ص) عليها بقوله : إنما أهلك من كان قبلكم كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها أو كما قال (ص) –دليل على ذلك وتأسيا برسول الله (ص) في غضبه لله يجب علينا نحن كذلك، أن نغضب لله إذا مست عقيدتنا وعقيدة أبنائنا بسوء. إن كثيرا من السموم ينفثها هؤلاء المبشرون الأوربيون، ومن والاهم وسار على سنتهم من المتنطعين، يريدون بذلك أن ينالوا من هذه العقيدة، ويشككوا الشباب فيها، ويحملوهم على غير طريقها، والآباء وغيرهم من المسؤولين على الأبناء في غفلة عن هذا وأمثاله، أفلا ننتظر بعد هذه الغفلة تهويدا وتنصيرا وتمجيسا، وشيوعية وإلحادا، وتفسخا وانحلالا. أفلا نأخذ الأمر بجد ؟ ونعد له عدته قبل أن نفاجأ ونندم، ولات حين مندم. إنه لن يتأتى توفير عقيدته ثابتة صحيحة للأبناء إلا إذا استأصلنا جذور الشر، ونحينا الطفيليات وما علق من الشوائب في أرض هذه العقيدة وهيأنا المناخ الصالح لها، وغرسنا بذورها حتى تنمو شجرتها مباركة طيبة، وينعقد عليها قلب أبنائنا، فإذا هي شجرة وارفة الظلال، أصلها ثابت وفروعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وما هذه الجذور الشريرة، وهذه الطفيليات الدخيلة إلا أصوات نشاز من هنا وهناك، وأياد محطمة تمتد، ومعاول وأفاد تريد الهدم، آلت على نفسها أن تنخر وتخرب، وتنفذ إلى قلوب شبابنا بوسائل التضليل تارة، وبوسائل الإغراء ثارة أخرى، (يريدون أن يطفؤو نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).
إن نور الله لا يطفأ ولن يطفأ أبدا، وإن صخرة هذا الدين لن توهنها قرون الأوعال الرعاديد، فهم كما قال الشاعر :
كناطح صخرة يوما ليوهنها
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وأن زحف العقيدة ليتقدم وهو يغزو القلوب بهديه، ودون حاجة إلى دعوة وتبشير، ودعاة ومبشرين، ودون نفقات وميزانيات كما تفعل الكنيسة الآن، ولا أدل على ذلك من الإحصائيات التي تصلنا –والحمد لله- من المئات من المسيحيين وغيرهم في بقاع المعمور، وخصوصا في أوربا وأمريكا وآسيا وإفريقيا الذين يعتنقون الإسلام طواعية واقتناع.
فلو كان إلى جانب هذا المد الإلاهي الفطري مد من جانب الحكومات الإسلامية، والهيئات العلمية، والجمعيات المؤمنة وذوي الغيرة من المسلمين لكان لذلك أثره وفعله، وخصوصا وأننا الآن بحاجة إلى تكثير القوى الإسلامية والسواد المسلم، والاستفادة من الطاقات المؤمنة، وتقوية الصف الإسلامي، وتزويد الواجهات الإسلامية في كل مكان بما يدرأ عنها خطر الأعداء وهم كثيرون.
ومن ثم أنبه إلى أنه إذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استغنى عن المؤلفة قلوبهم فلم يعطهم بدعوى أن الإسلام في قوة وغنى عنهم، فإن الحاجة تدعوا الآن : -  ما دام الأصل مؤصلا في الدين ولم ينسخ- إلى إعطاء الزكاة إلى المؤلفة قلوبهم ومعنى ذلك : أن نجعل من هذه الزكاة أموالا ترصد للدعوة إلى الله، وتعطى للدعاة المنبثين في كل قارات الأرض، لينفقوا منها على أنفسهم وعلى رحلاتهم، وتنقلاتهم وإقاماتهم، وعلى الكتب الإسلامية التي يوزعونها، وعلى الأفلام الإسلامية التي تبرز وجه المسلمين والإسلام الحق، وعلى كل ما يحتاجونه للقيام بهذه المهمة الصعبة التي هي مهمة الرسل والأنبياء والتي هي أمانة في أعناقنا إلى يوم القيامة.
قال تعالى في سورة آل عمران: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون". وقال تعالى في سورة التوبة: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".
إن آفة التبشير والمبشرين عانى منها العالم الإسلامي الأمرين، وأفسدت ولا زالت تفسد على أبنائه عقولهم وقلوبهم، فلا معنى لأن يرتع هؤلاء في مرتع مؤمن يشهد أن لا إلاه إلا الله، ويخلى لهم الجو في مجتمع مسلم يومن بمحمد رسول الله.
أم الواجب يفرض أن ترحل وسائل التبشير ودعاته، وتقفل كنائسه ونواديه ومكتباته، ويضم ذلك إلى مساجد المسلمين وأوقافهم، وبذلك نأمن على أولادنا وفلذات أكبادنا من الغزو المسيحي الذي يطرق دورنا ومنازلنا، ويؤثر في عقولنا وعقيدتنا.
أما بالنسبة للنقطة الثالثة وهي غزو التيارات الفكرية الملحدة لعقول الشباب : فإن الأمر فيها أخطر مما نتوقع، ذلك أن هذه الوافدات والواردات قد ملأت علينا كل فراغ، وشغلت كل حيز، واندست إلى كل بيت، وطغت على كل عقل، فنتج عن ذلك ذبذبة وزعزعة، وضعف وتشكك، ومزاعم وظنون، وتحد وثورة، وأخيرا تمرد وإلحاد.
ألقت هذه الواردات بشبابنا في منعطفات خطيرة، ومزالق مهلكة، وخدر مفعولها العقول والقلوب، وتردى الشباب بسببها في مهاوي الحيرة والقلق والتميع والاستلاب، فاستحكمت المغاليق، وانسدت الأبواب، وعسر الخلاص.
إن تعدادا هذه الواردات لا يحصر، وكيف يأتي حصرها، وقد تنوعت أساليبها، وتشكلت مظاهرها، وهبطت إلى السوق بكثرة موضاتها وأزيائها، فنرى تقليعات للعقيدة وأخرى للأخلاق، وثالثة للحياة الخاصة والعامة، ورابعة للنساء، وخامسة للتربية والتعليم، وسادسة للعلاقات الاجتماعية بين الناس، وسابعة وثامنة ...وهكذا. لقد نفذت هذه الموضات إلى كل مرفق من مرافق حياتنا، وإلى كل حالة من أحوالنا، وصرنا لا نعيش أو لا نستطيع العيش إلا بها.
وفي الصحيح شاهد من ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال : لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟
إن الدعوات الهادمة، والتيارات الكافرة الملحدة التي تتمثل في الباطنية والبهائية والقاديانية، وغلاة الشيعة، والماركسية الشيوعية، والتعصب الأعمى للمعسكرات الشرقية والغربية، وموالاة غير الله من اليهود والنصارى، والتكذيب بالبعث واليوم الآخر، ونكران الغيبيات التي جاء الإسلام بها من الملائكة والجنة والنار، والنشر والعرض على الله للجزاء، والتكذيب بالقصص القرآني وأنه من مثيل الأساطير والخزعبلات، والتخطيط لتكفير الشباب وسلخه عن مقوماته الأصيلة، والإيمان بأن الدين أفيون الشعوب، والتصفيف لقول ماركس ولينين وماو، والسخرية من أقوال الله ورسوله، وإقبار السنة وإحياء البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، وتحكين غير الله في التشريع والحكم والقضاء والمعاملة، وترك الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطغيان المصالح الخاصة على العامة، والتكالب على المادة، وجعلها وثنا معبودا وعجلا له خوار : كل هذا في نظري من الدعوات التي تهدم جدار الدين لبنة لبنة، وتفتح ثغرات واسعة فيه، ينفذ منها الخطر المحدق، واللهيب المحرق، أضف إلى ذلك ما تتسم به أجهزة الإعلام في العالم الإسلامي من نقص وقصور، وسوء تصرف وتوجيه بحيث يزداد الخرق اتساعا بها، ويزداد الطين بلة بسببها.
إن المفروض في هذه الأجهزة أن تكون أداة إصلاح وتربية، ووسيلة توجيه وخلق، لا معول معاول الهدم في الأمة وشبابها.
إنه لا يضرنا الهدم والتخريب من عدو الإسلام الخارجي، بقدر ما يضرنا هذا الهدم من عدوه الداخلي، من الأمة نفسها/ من أجهزتها الداخلية التي تعين عدوها عليها، وتدله على مواطن الضعف فيها، وتفتح له الطريق لينال منها.
إن الحصانة الداخلية في الأمة المسلمة ضرورية لبقائها ونموها، ضرورية لقوتها حتى تستطيع أن تتغلب على عدوها كيفما كان هذا العدو من القوة والبأس، فإذا خربت حصونها من الداخل سهل على عدوها أن يهزمها وأن يأخذها على غرة وهي غافلة.
والدواء الناجع للهداية والغلبة هو في قوله تعالى: "وجعلنا منهم أمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون".
فلقد ذكر العلامة ابن القيم في زاد المعاد ما يفيد أن الأمة لا تتبوأ هذه المرتبة وتتوفر على الأئمة الهداة إلا بسلاحين هامين ضروريين : الأول سلاح اليقين لمحاربة الأعداء الداخليين من النفس الأمارة بالسوء، والهوى الضال، والشيطان المضل، حتى إذا صلحت الأمة في داخلها وانتفعت بدواء الإيمان واليقين، تصدت لمحاربة العدو الخارجي بالسلاح الثاني وهو الصبر : الصبر على المواجهة، وثبات القدم عند النزال، وعدم التوالي يوم الزحف.
إن أجهزة الإعلام في البلاد الإسلامية من إذاعات وصحف وتلفزة وسينما يجب أن تراجع نفسها فيما تقول وما تكتب وما تقدم من أفلام، وتعرض كل ذلك على ميزان الشرع والأخلاق، فتنبذ ما يجب نبذه، وتبقي ما وضح صلاحه وبره، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فينكث في الأرض.
إن المفروض في المجتمع المسلم أن يفرض رقابته الإسلامية الصارمة على كل ما يقدم ليقرأ أو يسمع أو يرى، وتكون لجان المراقبة من ذوي الاختصاص والدراية بالصالح والفاسد، والحق والباطل، حتى نأمن على أخلاقنا من الشبهات، وعلى حياتنا من التعفن والتمييع.
إننا سئمنا الأفلام المأجورة، والأفلام المسموعة، والأفلام التي تبعث كتابتها الضغائن والأحقاد المدفونة، وتجر الأمة وشبابها إلى الضياع، ضياع الأعمال والأوقات والجهود.
سئمنا أفلام الجنس، والأفلام الوحشية، والأفلام الخرافية.
سئمنا البرامج الهزلية التافهة، والأغاني الفاحشة السافلة، والأصوات المنكرة الخاطئة، والأعمال السلبية الفارغة.
نريد أجهزة إعلام تسد الفراغ، وتدل على الداء وتقدم الدواء وتقوم الاعوجاج، وتصلح الفاسد، وتوجه الضال، وتعلم الخير، وتهدي إلى البر.
نريد أجهزة إعلام نجلس إليها ولا نحتشم، ونتحلق حولها ولا نخجل، ونرفع إليها أبصارنا وأسماعنا ونستفيد.
ذلك ما نرجوه من وسائل الإعلام عندنا وذلك ما نعبر عنه باسم شبابنا.
إن هذا غيض من فيض، ونزر يسير من كثير مما نود أن نبثه في هذه الكلمات المتواضعات، ونحن نطرح مشاكل الشباب أو بعضا منها على المسؤولين والعلماء والمثقفين، وذوي الغيرة على هذا الدين، ليتدارسوها ويحاولوا إعطاء الحلول وإنقاذ الشباب من براثن الجهل والقلق والاستلاب.
وما جوابي المتواضع عن بعض أسئلة رسالة هذا الشباب، إلا فتح للطريق أمام علمائنا الأجلة إذا كان الأمر يحتاج لاستفاضة واستيعاب، والمقام يدعوا إلى علم غزير، والأسئلة تحتاج إلى جواب أوسع بكثير.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here