islamaumaroc

دور الصحراء المغربية في ازدهار الآداب والعلوم

  دعوة الحق

182 العدد

لقد لعبت الصحراء المسترجعة عامة وشنجيط خاصة دورا خطيرا في الآداب المغربية وكادت أن تكون الإقليم الذي آوى العربية واحتضنها ... فرضع الشنجيطيون حب اللغة العربية وتمسكوا بها، وأعانتهم حافظتهم أن يكونوا سدنتها. وليس بغريب أن نقرأ تراجم رجالهم فإذا أمامك علماء يستظهرون القواميس ويحفظون أمهات الكتب الأدبية ... وليس بغريب أن تعثر فيهم على من يحفظ "الكامل" أو يستظهر "النفح" أو غير ذلك من الكتب المشهورة!
"والتركزي" يمثل هذه المدرسة إن لم يكن عظيما من عظمائها ويمثل جانبا آخر وهو الرحلات العلمية، فكثيرا ما كان المغاربة يرحلون إلى الشرق لأداء الفريضة من جهة والاتصالات العلمية من جانب آخر.
- ومظرة عجلى على كتاب "الوسيط في أدباء شنجيط" تبين لنا وفرة أدباء هذا الإقليم وقوة شكيمتهم اللغوية كما تبين لنا قوة شخصيتهم الأدبية !
أحببت أن أقدم لقراء مجلة "دعوة الحق" نموذجا من هؤلاء الأفذاذ وهو محمد محمود التركزي الذي درس بمسقط رأسه دراسته الأولى فحفظ القرآن ودرس اللغة والصرف والنحو والبلاغة، ثم حفظ الحديث وتفنن في رجاله ... على أنه حاز السبق في مضمار اللغة والأنساب فكان حجة في هذا الميدان –وقد اعترف له بالتفوق رجال هذه اللغة، وحتى خصومه الذين نالوا منه ومال منهم لم يستطيعوا أن يجحدوا تفوقه اللغوي-.
كان التركزي مشهورا بثقافته كما كان مشهورا بتنقلاته الكثيرة ... فقد كان أقام بعاصمة العثمانيين، وهناك سمع به السلطان عبد الحميد الذي كان شديد الاهتمام بالتنقيب على أثر السلف العلمي وشديد الرغبة في إحياء إنتاجهم الفكري ... ففكر أن يبعث إلى بلاد الأندلس من يكشف له أسرار الحضارة العربية في خزائنها الكبرى، وانتدب لهذه المهمة العالم الرحالة التركزي الذي كان مشهورا بثقافته وصبره على المثابرة في البحث العلمي !
ولما اختاره الخليفة لهذه المهمة بعث إليه أن يتجهز لأدائها، لكن التركزي اشترط شروطا على الخليفة منها أن يعزل ناظر وقف الشناجطة بالمدينة ... وأن يمنحه طباخا ومؤذنا وأن يعطيه المكافأة الكبرى إذا رجع إلى القسطنطينية فقبل الخليفة ذلك وبعثه على ظهر باخرة خصوصية –بعد شهور رجع يحمل في حقيبته أسماء الكتب النادرة التي لا توجد في خزائن العثمانيين، وأبى أن يمنح للباب العالي نتائج بحثه إلا بعد أن يفي بوعده، الأمر الذي أغضب الخليفة فلم يعد في حاجة إلى نتائج أبحاثه !
ولما انعقد المؤتمر الاستشراقي في مدينة استوكهلم تحت إشراف الملك أسكار الثاني وكان يعتني بالأبحاث العلمية واللغوية وتشجيع المؤتمرات، بعث أسكار إلى الخليفة أن يشرفه بوفد يضم التركزي الذي كانت شهرته قد ذاعت في العالم الإسلامي ولم يقبل الامتثال إلا بعد أن ينفذ الخليفة مطالبه التي كان قدمها للخليفة عبد الحميد لدى سفره إلى بلاد الإسبان ... فاضطر الخليفة أن ينفذ مطالبه وذهب التركزي إلى المؤتمر وهناك أنشد قصيدته الميمية التي بلغت مائتين وثلاثين بيتا.
إن التركزي أحد شعراء شنجيط الذين يغلب عليهم طابع الشعر الجاهلي حتى تحسب نفسك تقرأ جاهلية من الأدب القديم ... وهو كثيرا ما يضع في شعره وحشي الألفاظ وعميقها ليفاخر أبناء جلدته بما بعرف من نادر المفردات ...فأنت لن تجد العاطفة في شعره وإنما تجد الصنعة والصنعة اللغوية بصفة عامة.
ترك التركزي رحلته المسماة "الرحلة التركزية" وهو يرد فيها على خصومه ويزيف أفكارهم في لهجة حادة وتأنيب صارم ... ونثره قوي محكم السجع، مليء بالاقتباسات ومدبج بالأبيات، وهو إن دل على شيء فهو يدل على عنف شخصيته وصرامة أحكامه وقسوته على كل من ينتقده كما يدل على طول باعه في اللغة وتذوق للشعر القديم.
واقتطف لقراء مجلة "دعوة الحق" الفراء من ميمته المشهورة التي بلغت ثلاثين ومائتين بيت بعض هذه النتف المصورة لشاعريته ...
ويستهل قصيدته على الأسلوب الجاهلي فيتشبب بمن يصف محاسنها وصفا جاهليا خالصا :
ألا طرفت في فتى مطلع النجم
غريبا عن الأوطان في أمم العجم
ثم يتخلص إلى ملك السويد فيقول :
إلى ملك السويد أسكارها الشهم
سأرحل وفدا لا على جمل
ويصف الباخرة التي أقلته فيقول :
ولكن على نجب شياطين جنة
تولدن لا عن طرق صهب ولا دهم
ويخاطب أسكار قائلا :
أسكار سألني عن لسان بنينا
أجبك بما قد كان عندي علمه
بوجه الهشيش لا العبوس ولا الجهم
ومقول عضر لا كل جلج فهة
ينوب من العضير في العلم والحكم
ويخبر عن أبناء عاد وجرهم
آذي الحكم والأعوان بعد ذوي الحكم
ويتذكر وطنه وبلاده قائلا :
أنا المغربي المشرقي حمية
أذن على القرطين بالسيف والسهم
بسيف لسان يفلق الصخر غربه
وسهم بنان صائب تقره المرمى
ويحدثنا عن تاريخه فيقول :
شففت بحب العلم طفلا متيما
فصار غذاء الروح واللحم والعظم
غذائي بدر العلم أرأف والد
وأرحم أم لم تبتني على غم
ويمدح نفسه بحب المعرفة فيقول :
ولم يثن عزمي نهي حسناء غادة
شبيهة جمل بل بثينة بل نعم
ولم يعلم قلبي حب عذراء كاعب
وحب العذارى قد يصم وقد يعمي
وإني لأبغي العلم يقظان قاعدا
وفي مضجعي في النوم أبغيه بالحلم
وأبغيه وقت الحرب والسلم لا أنى
وأبغيه أوقات العدالة والظلم
وأطلبه شبعان ريان كاسيا
وأطلبه ظمآن جوعان ذا هدم
وجلت له في العرب والعجم صابرا
على هندات من عريب ومن عجم
وجلت له في الروم والترك صابرا
أقرقف تحت الثلج والويل والسجم
والقصيدة طويلة كما أسلفنا ينتهي آخرها بالتعريف بشخصيته خشية أن تأتي عليها يد الانتحال.
وللتركزي قصيدة أخرى وصفية من روائع الشعر يصف فيها السفينة التي أقلته إلى إسبانيا مطلعها :
خب العباب في الملح الأجاج على
نجينة لم تكن جلسا ولا كرسا
والقصيدة طويلة مليئة بغريب المفردات على عادة أسلوب الشاعر.
وللتركزي نظرية نحوية اشتهر بها ودافع عنها وهي مسألة صرف كلمة –عمر- التي يتفق النحاة على منعه من الصرف. وقد جلب لها عدة شواهد دالة على مبلغ اطلاعه على غريب الشواهد.
يكاد التركزي أن يكون النموذج الأمثل للشعر الشنقطي ... ذلك أنه بعد أن ثقف ثقافة لغوية ودينية متينة غادر المغرب إلى الشرق فجال بمدنه الكبرى واتصل بشخصياته العظيمة ...وكان شديد الجدال والمناقشة، عظيم الاعتزاز بعلمه وأفكاره ... فلم يسلم من خصوم يحاربون نظرياته ويتهجمون عليه، لكن التركزي كان يصمد مقاوما مقاومة كبرى تارة بالتقريض وتارة بالتأليف ... وانتهى بعد هذه المعركة إلى انتشار اسمه.
وقد كانت حلقات الدروس التي يعقدها بالمشرق مجالا كبيرا تلتقي فيه أفكار العلماء المعاصرين فيبذهم شاعرنا باطلاعه الواسع وثقافته الواسعة وحافظته النادرة، ولكن لسانه الحاد كان لا يسلم أحد من لذعاته ... الشيء الذي جعل أعداءه في المشرق يكثرون ويحقدون في نفس الوقت. والواقع أن التركزي كان شديد الشكيمة، قوي الهجوم حتى على الذين يتقون شره، وحسبنا أن نعرف أنه أبى أن يسلم أوراقه حول كتب خزائن اسبانيا إلا بعد أن تنجز مطالبه .. وأن يكون طلب من الخليفة عبد الحميد أن يعزل المتولي على نقابة شنجيط ... حسبنا أن نعرف هذا لنعرف تهجمه على الناس وبحثه على النيل منهم!
وهكذا كان التركزي جادا في هجماته، جادا في النيل من خصومه وحتى من المحسنين إليه... إن هذه الشخصية لا تستطيع أن تستقر في هدوء ما دامت هجماتها تشتد حتى على الملاطفين له، ولهذا عاش التركزي في قلق شخصي دائم!
عرف الشرق كثيرا من أمثال التركزي الذين كانوا يرحلون إلى البلاد العربية تارة بصفتهم حجاجا يؤدون فريضة الدين فيطلب لهم أن يقيموا هناك إقامة قد تكون دائمة حيث يتلاءم طقس الحجاز مع طقس بلادهم فلا يؤذيهم الحر كثيرا ... والتركزي يمثل بلاده التي تتشابه شخصية سكانها البيئية، فيستطيعون الهجرة ويستطيعون الإقامة إما طلبا للعلم أو طلبا للمال ... وهكذا يكون التركزي مثالا حيا لسكان بلاده فقد انتقل إلى الحجاز وطاف بها وقام بمصر مدة ثم رحل إلى بلاد العثمانيين وقد احترمه الخليفة احتراما كبيرا كما سلفنا وعينه في وظيفة كبرى قلما يحظى بها غيره ولكن التركزي ألح وبالغ في الإلحاح حتى أدى ذلك إلى إبعاده عن مطالبه ...ولولا تصميمه على عدم الذهاب إلى استوكهلم إلا بعد تنفيذها لما أجيب مطلبه ... وما حكمه على رجل أبى أن يسافر إلا بعد أن يعطيه طباخا، وهل شرط كهذا مما يعقل أن يشترط على خليفة ... ثم أن يلح على الخليفة ليعطيه ما طلب منه وإلا فهو يرفض السفر ثم يعود إلى طلبه بعد عودته ويأبى أن يسلم نتائج أبحاثه ويبالغ في التنكر للخليفة، فيرفض دعوة "أسكار" إلا بعد أن يعطيه الخليفة ما وعده به سابقا ... وهكذا يظهر التركزي ملحا كبيرا ومبالغا في مطلبه مجازفا تنقصه الثقة بالناس، فلا يطمئن إلى وعدهم ولو كانوا من تماثيل الإنصاف والعدالة وإذا استطاع الإنسان أن يقدر أمثال هؤلاء لشدة شكيمتهم فهو ينتقد لا محالة إلحاحهم الذي يوشك أن يصبح صبيانيا، وفي قصيدة "أسكار" التي قدمها لملك السويد لم يراع أديبنا موقفه في مؤتمر غربي يتطلب نوعا من آخر من السلوك ربما كان لا عهد لهم به ... فهو لم يطلب منه أن يملي قصيدة مديحية وإنما طلب منه أن يحدثه عن القبائل عند العرب ... فلو ألف التركزي كتابا في القبائل والأنساب وهو موضوع يجيده لكان أحسن وأجود بدل من يملي قصيدة على نهج جاعلي مليئة بغريب المفردات تستعصي بلغتها حتى على قلم الترجمة وأسلوب الغرب حتى إذا ترجمت هذه القصيدة وفقدت مقوماتها اللغوية أصبحت عبارة عن مدائح شخصية وإعجاب بالنفس وافتخار بالآباء مما لا يستطيع الرجل الغربي أن يجد فيه لذة بل أي تقدير وإعجاب ... وهكذا نلاحظ أن التركزي لم يسلم من أغلاط جناها عليه تعصبه وتمسكه برأيه وإعجابه بشخصه والكمال به وحده.
وفي عهده فكرت المطبعة الشرقية أن تخرج للناس أعظم كتاب لغوي في اللسان العربي، ذلك الكتاب هو الذي ألفه ابن منظور في اللغة وسماه لسان العرب ومن العسير أن يسلم كتاب من هذا أغلاط قد ترتكبها المطبعة، كما لا يسلم المخطوط منها لشدة ما يحرف الناسخ كتاباتهم ويقترفون الأغلاط ... فالناسخ وبالأخص في اللغة لا بد له من زلات ولا بد له من أغلاط ... ونحن في حاجة إذا أردنا أن نخرج كتابا جديدا أن نبحث عن عالم مقتدر ليصحح الكتاب ويبعده عن الأغلاط والأخطاء وقد أدى التركزي هذه المهمة لما اشتهر به من طول باع في اللغة وقوة يد في معرفة أسرارها.
والواقع أن التركزي كان لغويا حقا ... فتصويباته وإصلاحاته دالة على ما له من مقدرة كبرى في معرفة أسرارها وصعوبة الاشتقاق وغريب المفردات ... ولا يتأتى إصلاح ذلك إلا لمن كان عالما لغويا بكل ما في الكلمة من معنى ضاما إلى معلوماته ذكاء حادا يعينه على معرفة الدقائق حتى لا تخلله أصول الصيغ المتشابهة ... فتحمل أديبنا هذه وساير الكتاب في أجزائه الضخام الطويلة حتى أتم هذه المهمة الكبرى ... فيا لها من عزيمة لا يقهرها أي شيء، بل هي تقهر كل ما يتعرض عقبتها من عثرات! 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here