islamaumaroc

ارتسامات عن كتاب القانون لأبي موسى الجزولي

  دعوة الحق

182 العدد

كلمة القانون يونانية في أصلها، ودخلت الإيطالية، وهو في المعنى الأول مقياس كل شيء ونظامه وقضيته الكلية.
وقد عرفت العربية هذه الكلمة في القرن الثاني، حينما أطلعت على كتب اقليدس في الهندسة، ثم استعملها ابن سينا في القرن الرابع حيث جعلها عنوانا لكتابه الطبي، الذي اشتهر به شهرة بالغة عند الأوربيين خاصة، وقبيله اخترع الفارابي الآلة الموسيقية المعروفة فسماها قانون لكونها جامعة لأوتارها.
وفي القرن السادس (وربما الخامس) كانت الكلمة شائعة في الأندلس، بمعنى القاعدة والنظام، فوجدنا الكلمة تتردد في المدخل إلى المنطق لابن طلمس، ولعل المناطقة بحكم اتصالهم بفلسفة ابن رشد، أستاذ ابن طلمس، كانوا وجدهم المستعملين لهذه الكلمة، وكان المنطق لذلك العهد، قد وجه له صدى طبيا وإقبالا من الدارسين، فاشتهر به لذلك العهد محمد ابن عبد ربه الشاعر الكاتب لأبي الربيع الموحد، كما كان في دارسيه أبو موسى عيسى الجزولي، الذي ركن إلى المنهج المنطقي فاستعمله في تأليفه النحوي، ولم يكتف بهذا، بل سمى كتابه "القانون" فكانت هذه التسمية جديدة، عندنا سواء في المغرب والأندلس.
وفي القرن السابع، وجدنا الكلمة يتوسع في استعماله، حتى إذا كان أوائل القرن السابع، وجدنا أبا القاسم محمد بن جزى الكلبي، يؤلف كتابه في الفقه عامة، ويسميه بالقوانين الفقهية.
واستعمال كلمة قانون في الفقه، كان أولا على يد ابن جزى هذا، ثم انتقلت الكلمة إلى الشرق، حيث وجدناها تستعمل في ذلك عند الأتراك العثمانيين خاصة في القرن العاشر وكان أحد خلفائهم وهو سليمان عاشرهم وأقواهم، يلقب بالقانوني، لكونه نظم لأمته القوانين التشريعية التي يجب إتباعها في السلطنة العظيمة، فأصبح منذ ذلك العهد يسمى كل تشريع أو تنظيم حديث بالقانون، فهذا قانون جنائي وذلك تجاري/ وغيره، وسمي عمل نابليون فيما بعد قانون نابليون، الذي شاع العمل به في عدة بلاد غربية وشرقية.
وعندنا في القرن الحادي عشر كان أبو علي الحسن اليوسي يؤلف كتابه "القانون" في مبادئ العلوم.
لنعد إلى قانون الجزولي ففيه يرى الجزولي أن  الكلام ليس هو المقسم إلى اسم وفعل وحرف، بل المقسم إلى ذلك إنما هو الكلم، وهذا ما يوجد بمدخل ابن طمس.
وفي تعرضه لدلالة المطابقة نجده يساير ابن طلمس فيها كذلك، كما يسايره في تعريفه للفعل، وفي النظرة إلى الاتصال بين المنطق والنحو، كعلم له قوانينه وضوابطه العامة. وما تفسيره للوضع إلا تفسير منطقي نجده في المدخل عند تعرضه للمقولات، وليس الوضع الذي ذكر بعد في الأجرومية، ففسره شراح بكونه القصد، وآخرون بكونه الوضع اللغوي، الذي وجدنا فيه يؤلف العضد الأيجي، وتناوله للأصوليين بالبحث قديما ... ومما يسترعي النظر في هذا الكتاب، أنه يعبر عما يقابل المفرد، وهو المثنى و الجمع، بالكثرة أو التكثير، وهو الصنيع الذي سلكه الأوربيون في نحوهم، فهم إما مستعملون الكلمة التي أصلها اللاتينية plunalis (وما زالت كلمة plus تدل على الأكثر بالفرنسية) وأما مستعملون مرادفها الألمانية Mchrzahi أي أكثر من عدد الذي هو في الألمانية Zahi ومصدره Zahien
والجزولي على شدة اتصاله بالكتاب لسيبويه، فإنه متيقظ مستقل في آرائه النحوية، فهو يأخذ بالرأي الكوفي، إذا ما بدا له صحته فيكون اختياره موفقا غالبا، إن لم يكن دائما.
ويرى الجزولي أن مجيء النعت للتوكيد والمدح، إنما ذلك على وجه القلة.
وهذا صواب منه، إذ مبدأ تسميته بالنعت والوصف، إنما كان سبب أن الغالب والكثير في استعماله، إنما كان النعت والوصف. أما المدح والتأكيد أو الذم مثلا، فمن قبيل الملاحظ البلاغية، وهي بالنسبة إلى الأولى قليلة، وإلا لكان النعت، يسمى بالتوكيد مثلا، مما أشارت إليه كتب النحو وشراح الألفية، وعلى رأسهم ابن ناظمها.
ويفرق الجزولي –كالبصريين- بين التمني والترجي.
وهو على صواب في هذه التفرقة الحاسمة، فالترجي أصله توقع وانتظار، لما يحب ولما يكره، وهو خبر بخلاف التمني فهو طلب فمن الانتظار والتوقع، قوله تعالى : "والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا" أي لا ينتظرنه، لكونهن طاعنات في السن، لا أنهن لا يتمنينه، فقد يكن على تمني ذلك، ولكن تمنيهن من قبيل "ليت الشباب يعود يوما". وعلى كل حال، فهن لا يرجونه أي لا يتوقعنه. وحتى كلمة "لعل" نجدها مجردة للانتظار والتوقع، كما في قوله تعالى : "فلعلك باخع نفسك" فهي تؤدي ما تؤديه الكلمات الأوربية في التمريض الخبري نحو :  perhops أوVielleicht  أو peut-être أو quizas فهي بمعنى ربما، ولها مرادفات أخرى معروفة في هذه اللغات.
وهنا يتبادر السؤال :
ما العلاقة بين التوقيع وهذا التمريض ؟
والعلاقة واضحة، فقد انبثق التمريض، عما يتوقع حدوثه، فمعنى "ربما يكون كذا" هو قولنا "يتوقع أن يكون كذا" من غير ما يكون هناك تحقق، إذن فقولنا "يتوقع كذا" يساوي "ربما يقع كذا" وفي هذا التوقيع وقوته، تتأرجح "ربما" في معناها، فهي للتقليل مرة، وللتكثير آونة، بحسب طبيعة مدخولها.
وعلى العكس من هذا الترجي في انبثاقه من التوقع ما حدث في التمني، فهذا التمني انبثق عن النفي، فهو طلب ما لا طمع فيه، أو ما فيه عسر، فالعلاقة بينه وبين النفي وثيقة، ولهذا قررنا فيما نشرناه، بمجتلى الرسالة والثقافة المصريتين منذ ما يربو على ثلاثين سنة أن كلمة "ليست" ما هي في الواقع إلا "أيت" الرابطة الآرامية في الإسناد، داخلا عليها "لا" النافية، فليست هذه تساوي تماما "ليس" التي هي كذلك في الواقع "ايس" زائدا عليه "لا" النافية، وفي المعاجم، نجد "اثنتي من أيس وليس"، أي من حيث الوجود وعدمه، ويقول الجاحظ، متحدثا عن مصطلحات المناطقة : من عباراتهم الايس والليس، أي الإيجاب والسلب ويلقي الضوء الكاشف على علاقة ليت بليس كلمة "لات" فهي مشبهة بليس كما يقول النحاة، أو هي أختها، أو هي كما في الواقع.
والنتيجة أن الترجي انبثق عن الوقوع، والتمني انبثق عن عدمه، وظل الأول في حيز الخبر، وانتقل الثاني على حيز الطلب، وانخرط في الفصيلة التي جمعها البيت :
دعا نهيا استفهاما أمرا تمنيا
وعرضا وتحضيضا مما شمل الطلب
ومما قرره أبو موسى، أن كل ما جاء من الأفعال، بمعنى صار عمل عملها، وذلك ستة أفعال كما قال، وهذا العدد غير حاصر، ولهذا وجدنا الخضري بعده بسبعة قرون ينهيها إلى عشرة في هذين البيتين :
بمعنى صار في الأفعال عشر
تحول آض عاد ارجع لتغنم
وراح غدا استحال ارتد فاقعد
وحار فكاكها والله أعلم
وهذا العدد كذلك ليس حاصرا، كفعل فعل دل على التحول استحق عمل صار. وما منصوبه وغيره في واقع الأمر إلا حال. وابن جني يراه كذلك في ليس وما الحجازية والكوفيون عامة، ولعل منع سبق الخبر على ليس أتى من قبيل أن هذه غير متصرفة، والحال لا تتقدم عاملها إن لم يكن متصرفا
والحال أن ينصب بفعل صرفا
أو صفة أشبهت المصرفا
فجائز تقديمه كمسرعا
ذا راحل ومخلصا زيد دعا
وقد جيء بالواو الحالية في نحو قول الأفوه :
أصبحت من بعد لون واحد
وهي لونا وفي ذاك اعتبار
وقول الفند :
فلما صرح الشر
فأمسى وهو عريان
مشينا مشية الليث
غدا والليث غضبان
وطعن كفم الزق
غدا والزق ملآن
وقول أبي تمام :
وما كان إلا ما ماله
وذخرا لمن أضحى وليس له وافر
والمهم أن تدخل المنطق في العلوم، أتى استجابة لمقتضيات العقل الذي تدخلت فيه قوانين التفكير المنظم وقد أخذت بيده الفلسفة لذلك العهد عندنا، فأصبحت جارفة طافحة، وخاف طغيانها الوسط العلمي المتزمت وانساق نحوه رجال الدلوة وعلى رأسهم الخليفة يعقوب، ومن قبل بقليل، كانت المجابهة للفلسفة، برغم احتضان يوسف لها، فكان من الشعراء ابن حبوس يداهمها ويسفه أحلامها ثم كان أبو حفص عمر الأغماثي كذلك يسفه أحلام رجالها، فلا شك أن الجزولي كان ممن تأثر بمدرسة ابن رشد فكان زميلا لتلاميذه ابن طلمس، وبذلك وجدنا التجاوب بين الكاتبين المدخل والقانون، في عدة مسائل منهما. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here