islamaumaroc

الفتنة أخطر حملة يتعرض لها المسلمون

  دعوة الحق

182 العدد

أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين "قرآن كريم"
مقدمة لا بد منها
بمجرد ما يرن في الأذن طنين "الفتنة" تنطلق من المخ صفارة الإنذار لجميع الأجهزة في الإنسان، فتستعد الحواس تلقائيا للدفاع عن النفس بكل الوسائل وجميع الإمكانيات، باعتبار الفتنة عنوان الشؤم ونذير الفوضى، إن لم تكن رسول الدمار والخراب، "والفتنة أشد من القتل" كما وصفها كتاب الله العزيز.
والمؤمن في حياته الخاصة والعامة عرضة لها، كما أن الشعوب والحكومات تتحمل النصيب الأكبر من ويلاتها ومضاعفاتها، سواء أخمدتها في مهدها، أم خاضت معركة ضارية للقضاء عليها، ولعل أكثرية المشاكل والمصائب التي تعاني منها البشرية الأمرين مصدرها عند التحليل التي تعاني منها البشرية الأمرين مصدرها عند التحليل العميق فتنة أصحاب المطامع والأهواء الذين لا يتطلعون دائما إلا لتحقيق أحلامهم على حساب الآخرين.
وصراع الإنسان ضد الفتنة في جميع مظاهرها يتخذ أشكالا وألوانا، تقل وتكثر، وتضعف وتقوى، تبعا لرصيد الخير في الفرد، وانطلاقا من وعي الأمة، وانبعاثا من الحذر وسرعة التدخل من لدن المسئولين.

مفهوم الفتنة
والفتنة في مفهومها ومنطوقها تشمل عدة ميادين يصول ويجول إبليس وجنوده فيها صولات شيطانية وجولات جهنمية، بحكم توفره على أنواع شتى من الحيل والخداع، وامتلاكه للكثير من أساليب المكر والبدع، وبما يتوفر عليه من أساليب الكذب والبهتان والتضليل، التي تحدث البلبلة في صفوف الأفراد والمجتمعات والدول، فهي قبل كل شيء وبعد كل شيء أساس كل حنة، وبؤرة تفريخ الشكوى في العقول والاضطرابات في الشعوب.

الامتحان
وعندي أن الفتنة ليست إلا امتحانا من الله تعالى للمؤمنين ليختبروا بأنفسهم مدى عمق إيمانهم، "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين".
ومن جانب آخر تكون كشفا للغطاء عن المنافقين وتقديمهم للناس على حقيقتهم البشعة وسلوكهم الخبيث طبقا للوصف الإلاهي في قوله تعالى : "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم".

ولاية الله للمؤمنين
والمؤمن عرضة للفتنة أينما توجه وحينما نزل، حتى يظل قلبه يقظا كل اليقظة ومتحفزا بإيمانه لقهر وسوسة الشيطان أثناء السعي في كسب معاشه والحياة داخل بيته وبين أسرته "إنما أموالكم وأولادكم فتنة".
فبقدر ما للمال من منافع إذا كان الكسب من طرقه الشرعية وإنفاقه فيما أحله الله من الطيبات، بقدر ما يكون شؤما ووبالا على صاحبه إن جمعه من حرام وأنفقه في الحرام، والأولاد نعمة كبرى إن حرص الفرد على تهذيبهم وتعميق الإيمان في قلوبهم، وإلا انقلبوا مثار قلق دائم وحزن مستمر وخسر أن مبين على أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم "يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون".
فالمسألة هنا تنحصر في شيء واحد، هو أن يكون المسلم وليا لله في تصرفاته وأفعاله ومواقفه، بحيث لا يعمل إلا داخل نطاق التعاليم الربانية ولا يسير إلا على ضوء الهداية المحمدية، فهما الوسيلة الوحيدة التي لا نصب فيها ولا عناء إلى رضوان الله، وهذا النوع من البشر لا سبيل للفتنة إلى قلوبهم، ولا سيطرة للمفسدين على أفكارهم، بدليل قوله تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم".

يقظة الشعوب
أما عندما تتعرض الشعوب لوباء الفتنة فهناك تكمن الطامة الكبرى إذا لم تكن تلك الشعوب واعية كل الوعي ومدركة الإدراك التام لما يراد بها ويحاك في الخفاء ضدها، وإذا أطلقنا كلمة "الشعوب" فنعني بها المسلمة بوجه خاص، فهي التي تعنينا في هذا البحث الذي نرمي منه إزاحة الستار عن أولئك المندسين في الصفوف لأجل تخريب العقول، وإماطة اللثام عن الفئة الضالة التي تسعى في الأرض فسادا، حتى يكون المسلمون على حذر من دعاة الفتنة تمشيا مع تحذير الله لأوليائه "يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجاهلة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".

الفتنة في بدء الدعوة الإسلامية
ولا أحد يجهل ما يتعرض له الإسلام من حملات مجنونة، وما يدبر للمسلمين من مكائد خبيثة، لبلبلة أفكارهم، وزعزعت عقيدتهم، ونسف قيمهم، وبث روح العداوة والبغضاء بينهم، لا لشيء سوى العداوة التقليدية التي لا زال مع الأسف دفينة في القلوب، وللرغبة في إضعاف المسلمين لاستغلالهم أبشع استغلال.
على أن الفتنة التي عرفها المسلمون في بدء الدعوة المحمدية كانت فتنة علنية بين الشرك والتوحيد، وصراعا بين رسول الله وأتباعه وبين أعداء الملة والدين، مع الحرب الخفية التي يعمل مدبروها في الظلام ووراء شعارات براقة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.
وما من شك ولا ريب أن الأعداء التقليديين للإسلام ومن لف لفهم فكروا وقدروا وخططوا ودبروا، فكانت حصيلة مكرهم الخطير أن اتخذوا من بعض الذين غرهم الشيطان وخدعهم السراب مطايا لحملاتهم على المسلمين، وبراذين لتنفيذ مخططاتهم على مراحل وفترات "ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر".

مخطط مرعب
والحقيقة أن أعداء الإسلام اليوم اقتنعوا بأن لا سبيل للقضاء على الروح المعنوية العالية والحصانة العميقة عند المسلمين المستمدة من القرآن الكريم، وأدركوا أن هذا الكتاب المقدس قد استعصت محاربته على دهاقنتهم، رغم ما بذلوه من جهود مضنية وما رصدوه لذلك من أموال باهظة على مر العصور والأجيال "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" واستخلصوا من تجاربهم السابقة والحديثة أن الحل الوحيد هو "فتنة" المسلمين بكل الوسائل وعلى جميع المستويات، حتى إذا ما تسربت ميكروبات الخداع ودخلت جراثيم البلبلة إلى الأدمغة تمهد الطريق وأفسح المجال أمام الطامعين الذي يحركون الدمى ون الوراء، ومن هذه الفكرة الإبليسية انطلقت جحافل الشياطين الإنسية تعمل لتخريب العقول في بقاع التضليل والتشكيك في سبيل غايتها الدنيئة كل أنواع التضليل والتشكيك من كتب ونشرات، ومجلات، ومحافل ومنتديات.

لا خطر على الإسلام
ونحن وإن كنا على يقين لا يتزعزع من ديننا خالد خلود السماوات والأرض، ونؤمن عميق الإيمان بأن لا سبيل للقضاء على الإسلام كدين ارتضاه الله ليكون آخر الأديان، فلا مناص من الاعتراف بأن خصومه استطاعوا التسرب –ولو جزئيا – إلى بعض القلوب المريضة فزعزعوها، وبعض الفئات المدخولة فاستغلوها مطية لتحقيق أغراضهم والوصول عن طريقها إلى أهدافهم القريبة والبعيدة، مرددين تعليمات من تواطؤوا معهم على الكذب والبهتان "وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا" .

كلمة إلى الشباب المسلم
وهنا نهيب بشباب الإسلام أن يكون في طليعة مسيرة دينه الطاهر، فقد كان زملاؤهم في الواجهة الأمامية للدعوة الإسلامية، وفي الطليعة التي آمنت بالرسول عليه السلام وهو يعارك الشرك والمشركين، ويناضل في سبيل التوحيد وإعلاء كلمة الدين، فمواقف شباب الإسلام في صدر الدعوة المحمدية مواقف لامعة نتطلع أن يكون شبابنا مرآة صافية لها، خصوصا في وقتنا الحاضر الذي فسح المجال أمامهم للاحتكاك بزملائهم عن طريق الرحلات والمؤتمرات والتجمعات في أطراف الدنيا، مما يساعدهم على أن يكونوا رسل الهداية وسفراء الإسلام.

سيدنا علي قدوة الشباب
ومثال واحد قدمه لشبابنا آمل أن يتدبره بإمعان ويركز تفكيره فيه ولو لحظة واحدة، فهو النموذج الحي الذي كان عليه شباب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
هذا المثال الرائع هو سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه الذي نام في سرير النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدرك مسبقا أن سيوف فتية من المشركين على أهبة لتمزق جسده، فبهذا الموقف الشجاع والبطولي ضرب هذا الشاب مثلا رائعا للتضحية والفداء في سبيل العقيدة الإسلامية، وخط الطريق أمام شباب الإسلام لحماية المبادئ السامية من كيد الكائدين، ومع عزمه على الفداء نجاه الله وادخره لخدمة الإسلام "ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم".

مسؤولية الدعاة
أما مسؤولية رجال الدعوة الإسلامية فهي أن يكونوا على حذر من تسرب الأفكار المسمومة والنظريات الملغومة المستوردة من الشرق أو الغرب، وأن يعملوا على تسفيه تلك الدعوات المضلة بالحجة والدليل، لتسفيه الأفكار التي لا تثبت أمام البرهان، الفساد والانحلال وبؤر الإلحاد والضلال، وقد دلت التجربة على أن دعاة الفتنة لا يستطيعون الصمود في وجه الحق، ويتهربون من المرشد الحكيم الذي يعرف كيف يصارع الضلال بالهدى، ويقارع الباطل بالحق "إن الباطل كان زهوقا".
ولا مناص للدعاة من الخروج عن عزلتهم، بحيث لا يقتصرون على الكتابة والوعظ والإرشاد من بعيد، بل لا مندوحة من النزول إلى الشارع والمقهى وغشيان الأندية والتجمعات للالتحام بالشباب على جميع مستوياته لشرح ما حيره من تساؤلات، وتفنيد ما علق بذهنه من وسوسة المفسدين، وهذه الطريقة –فيما اعتقد- ناجعة ومجدية في إرشاد الحيارى والوقوف في وجه مروجي الضلال، وكلنا يعلم أن خصومنا يكتسحون هذه الميادين وغيرها لبث الشكوك وتفجير قنابلهم المدمرة لنسف العقيدة الإسلامية في أدمغة جميع الطبقات، وليس من المنطق أن نترك الميدان فارغا أمام الزيغ والإلحاد، بل لابد من أن نؤكد حضور الإسلام في كل وقت وحين، وبذلك نقطع الطريق على كل أفاك أثيم.
وسيقول البعض أن المفسدين يمولون من جهات مختصة للتفرغ في العمل داخل هذا الميدان، ودعاتنا أكثرهم من المتطوعين في سبيل الله، والحقل واسع وعريض يحتاج إلى المتفرغين للحرث والبذر والسقي.
وهذا القول وجيه من بعض جوانبه، ولكننا يجب أن نعرف –في بلدنا على الأقل – أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تتوفر على مديرية للشؤون الإسلامية مختصة في هذا الميدان، ولها جهاز قار للتوعية والإرشاد، بمعنى أن لدينا نواة صالحة لهذا العمل الديني الكثير، ولا يحتاج الأمر إلا لتوسيع هذا الجهاز من الوعاظ وتلقيحه بعناصر جديدة متنورة وواعية، وآمل أن تكون من الشباب الموثوق في عقيدته، فقد يستطيع أداء الرسالة على أحسن وجه، وقد يكون في متناوله الاحتكاك بالشباب في أي حي وعلى أي مستوى.
كما أن المغرب ولله الحمد يفتخر بأن لديه رابطة علماء بالمغرب، وجمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية، وغيرهما من المؤسسات الدينية الحرة، ويتوفر على صحف ومجلات وجرائد دينية ووطنية تعمل جاهدة في هذا السبيل، وبتضافر هؤلاء وأولئك تشق الدعوة طريقها بعون الله ومدده الذي لا ينقطع عن المؤمنين الصادقين.

واجب المسؤولين
أما على الصعيد الرسمي في العالم الإسلامي، فلا بد من أن نناقش بعض الحالات في مجالنا هذا، ومن الواضح جدا أن الفتنة من تسربت إلى الأمة واندست في صفوف الشعب، فإن الحكومة –أية حكومة- ستكون بنارها، وستحتاج إلى كثير من الجهد والعديد من الإجراءات للقضاء عليها، وسواء أكانت فتنة عقائدية أم غيرها من الفتن التي يتخيلها العقل.
ومن هذا المنطق يأتي دورها في الحفاظ على سلامة مواطنيها من البلبلة الدخيلة على مجتمعها، وحماية الشعب من دعاة الفتنة التي لم تكن ولن تكون إلا نفطا مشتعلا يأتي على الأخضر واليابس.
وهنا تبرز أمامنا مشكلة أخرى لا مناص من الإشارة إليها ولو بإيجاز، ذلك أن بعض الحكومات –أو بعض قادتها  على الأصح- يكونون هم السبب الرئيسي في هذه الفتنة بتبنيهم نظرية من النظريات السياسية والاجتماعية التي ما أنزل الله بها سلطان، ويحاولون فرضها على شعوبهم بالقوة الغاشمة، رغم أنها دخيلة على المحيط الإسلامي وبعيدة كل البعد عن تقاليد المسلمين وأعرافهم، بل الأدهى من ذلك أن هذه الفئة تسعى جادة لتصدير تلك الانحرافات إلى جيرانها، وإلا ناصبتهم العداء، وأظهرت ما كان لديها في الخفاء، ولم تخجل من تسخير أجهزة إعلامها للتحريف والهذيان والقذف والبهتان "وكان الإنسان أكثر جدلا"
وهذه الظاهرة المؤسفة ليست إلا فتنة من الفتن التي يتعرض لها الإسلام، والتي تحتم على الشعوب الإسلامية أن تنتبه إليها وتحذر مصدرها، وتحاصرها في كل الطرقات وعلى جميع المنعرجات، فهي السم الزعاف الذي يريد أعداء الإسلام أن يجرعوه للمسلمين ليشتتوا شملهم، ويحطموا وحدتهم، ويبعثروا جهودهم، ولهؤلاء الذين يسعون في الأرض فسادا نردد ما قاله الله تعالى في كتابه الحكيم "أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here