islamaumaroc

علي الجارم

  دعوة الحق

182 العدد

الحقيقة أننا نعيش فترة سعيدة من تاريخ الإسلام، ومن تاريخ البلدان التي تدين به !. ذلك أنا فتحنا أعيننا على ديننا –كما قد لا يعرف شباب اليوم- وهي ملفوفة بالظلام والغيوم واليأس، وتثقل مناخها مظاهر الجهل والغفلة والجمود. وكان بعض الأدباء والمتفقهين والمتعلمين، من ذلك العهد هم وحدهم الذين يشعرون بوطأة المآسي المحيطة ببلاد الإسلام.
بعض بلدان المسلمين، بل أكثرهم كان تحت سيطرة الاستعمار الأجنبي، وبعضها كان في قبضة حكم محلي متخلف جامد مستبد ... فمتى قبض الأولون على الأمور فإنما يقبضون على زمامها بقصد الاستنزاف لأرزاق الأوطان، وتسخير المواطنين وحمل الخيرات الغذائية والمعدنية وغيرها إلى الأراضي الأصلية ... ومتى قبض عليها الآخرون فإنما ليضمنوا حكما غاشما، وسيطرة ظالمة على بني وطنهم، والنكابة هي أنهم على درجة من الجهل والغفلة، لا يكادون يعرفون من شؤون الدنيا والناس –من حولهم- شيئا، والأنكى والأفظع أنهم يحضرون أنفسهم الجشعة بكل شيء، ويحرمون بني أوطانهم من كل شيء !
وأهم مقوم من مقومات الإسلام (في جميع أوطان الإسلام- وهو اللغة العربية كان في حالة من التأخر والجمود، فلا منشورات ولا مطبوعات إلا في القليل، وهذا القليل موسوم بالسجع المتكلف، والتقليد الممل المضيع لكل فائدة، ويأبى القابضون على أزمة الأمور –هؤلاء وأولئك- إلا أن تبقى الحالة كذلك، لأن في الجمود حركة لهم، وفي الاحتضار حياة ونعيما؛ وأنى لأمانيهم الخائبة أن تتحقق، وهناك الروح السامية الخالدة الصامدة (المصحف الشريف)، ضامن حياة اللغة، وحافظها من الاندثار، وهو وحده الذي ظل يمثل عنصر التحدي والصمود والمواجهة، في انتظار أن يأتي أقوام آخرون، ليجددوا العهد، ويعيدوا أيام المجد.
وجاء القدر السعيد بهؤلاء الأقوام الفضلاء، حاملا لواءهم الرائد المسلم العظيم السيد جمال الدين الأفغاني، وخلفه في كل أرض من مناطق الإسلام داعية مهيب المقام جهير الصوت ثابت الجنان : فبالمغرب الشيخان الجليلان شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي وبالجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس وبتونس الشيخ خير الدين والشيخ الثعالبي، وبليبيا المجاهد السنوسي وبمصر الشيخ محمد عبده وبالشام الإمام رشيد رضا وغيرهم، وأخذ عنهم الفكرة الكبرى تلامذتهم الكثيرون فكانوا في مستوى الدعوة. لم يكونوا إلا أفرادا معدودين في كل قطر، ولكنهم في وحدة خطتهم، وسمو هدفهم، كانوا يمثلون مجموعة جبارة من ثابتي القلوب، الأقوياء الإيمان، الماضي العزائم، لا تهن لهم إرادة، ولا يقهر لهم تصميم ... وبفضل هذه المزايا العظيمة استطاعوا أن يجددوا للدين الإسلامي شبابه، وأن يوضحوا الخفي من مقاصده، وأن يبعثوا الاعتزاز الكبير به في النفوس، إلى حد أن قويت صفوفهم، وتكاثرت أعدادهم، وظهر منهم من هم على أتم استعداد للمقاومة والفداء.
وتمت نعمة الله –بسبب هذا- فتحررت الأوطان الإسلامية، الواحدة بعد الأخرى، وأخذ المسؤولون في كل مكان، يجتهدون في أن تكون ممالكهم، وجمهورياتهم، وإماراتهم، في مستوى طيب سياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا، ولولا المؤامرات الدولية المتمثلة في جرثومة الصهيونية ونكبة فلسطين لكان للعالم الإسلامي والعربي شأن أعظم، وذكر أوسع، وازدهار أنفع!! ..
وتبعا لذلك فازت لغة القرءان بخدمات المجددين والمصلحين، كما وقع في إصلاح شؤون الدين، سواء بسواء. والعجيب أن حلقات الدرس الإصلاحية التي رفعت من مستوى التفكير الديني، هي نفسها التي رفعت من مستوى اللغة العربية ... كان هذا شيئا واضحا في جميع الأقطار العربية الإسلامية، ولكنه بمصر المجيدة أوضح وأشمل، وهكذا برز في الميدان أساتذتنا : العقاد والمازني وأحمد أمين والزيات والرافعي وزكي مبارك وعلي الجارم :

  * علي الجارم :
وقفتنا –الآن- عند الأستاذ علي الجارم (1881-1949) يقتضيها الاعتراف بالجميل، فهو الأستاذ المجدد في اللغة وفنونها، وبفضله أصبح على النحو وظيفيا –كما يقال- من حيث أزال واستبعد ما لا فائدة فيه، وبسط القواعد والحقائق بالطريقة الاستقرائية المعروفة عند رجال التعليم، وجعل أمثلته في التقديم وتمارينه في التطبيق حية معبرة موحية، فيها إرشاد وتهذيب واستنهاض، وهكذا تحققت الأغراض التربوية كاملة، وكما فعل بالنحو فعل بفنون البلاغة، حتى صار سفره فيها نماذج من فنون القول المعجبة السائقة.
فلماذا هذا السكوت عن الأستاذ الجارم ؟ لماذا لا يذكر إلا في قليل ؟ لماذا لا تقام ذكراه ؟ ولماذا لا تحمل اسمه المؤسسات التعليمية ؟ ولماذا لا يأخذ مكانته في ميدان تاريخ الأدب العربي ؟ لماذا كل هذا والأستاذ قد أدى خدمات جلى للغة العربية ولعلم التربية، ولفن القصة، ولحقل الشعر ولميادين البحث ؟
ولكي نزيد اقتناعا بدور أستاذ الجيل (السيد علي صالح الجارم) نستعرض جمعا حياة هذا المربي الأديب البارع الفاضل، وسنرى كم هي قيمة حياة هذا الرائد الماجد.
لقد عاش أديبنا الكبير ثمانية وستين عاما، وهي فترة ليست بالقصيرة، لكنها قصيرة بالنسبة لحياة كانت نافعة للأجيال وللأمة العربية قاطبة، طيلة فترة الخدمة الإدارية الرسمية، وكان منتظرا أن تزيد في العطاء الأدبي الخير، بعد الهدوء وراحة البال والتخفف من الأعباء، لولا أن الأجل وافى عاجلا، وعلى حين غرة.
مطلع هذه الحياة العامرة قضاها الأديب في ثلاث بيئات مختلفات، في مدينة صغيرة مجيدة، تعيش على الأمجاد ونحافظ عليها، تلك هي (مدينة رشيد)، ثم قضاها في المدينة الواسعة الأكناف، العريقة الأصول، التي تزخر بسكانها الأصليين والنازحين، تلك هي (مدينة القاهرة) ثم قضاها في مدينة ثالثة، تختلف ظروفها وأحوالها كثيرا عن ظروف المدينتين الأوليتين، تلك هي (مدينة نوتنكهام) الإنجليزية، فالذكريات الجميلة الحلوة كانت بأرض الطفولة والمرح والانطلاق، بمدينة رشيد، وذكريات الدراسة والتحصيل والمعاشرات كانت بالعاصمة العريقة القاهرة، وذكريات الأوساط الفنية والجمالية كانت في صميم بلاد الانجليز الأصلاء ... وكل هذا من شأنه أن يثري تجاوب المفكر الرقيق الشعور، المتفتح القلب، الخصب الخيال، وأن يوقفه على حقائق الحياة كما هي، نجاح وفشل، مناصرات وخصومات، أمجاد باهرة، ومعاكسات قاهرة.
وكما هو شأن الرواد في كل زمان ومكان، بدأ الكاتب بداية عادية، دراسة في أحد كتاتيب الحي، بمدينة متوسطة، ثم بمدرسة عصرية، في مدينة كبيرة، ثم بدار العلوم، وكوفئ على نبوغه وتفوقه بأن أرسل في بعثة إلى الخارج، لتتخصص في شؤون التربية والتعليم ... مع أن رغبة السيد صالح والد علي، وهو القاضي الشرعي، كانت أن يعد ولده ليخلفه في منصبه القضائي، ولكن المطامح الشخصية للشباب كانت شيئا آخر غير القضاء، والفصل في الأحكام. المطمح كان هو الانصراف إلى تهذيب الأجيال وتعليمها، وإرضاء حاجات الفكر والجوانح والخيال بحمل القلم !
ويستوقف نظر الباحث أن الأستاذ الجارم المربي، المتخرج من مدارس الغرب المتقلب في بيئاته تلك المدارس والبيئات التي تموج بالتيارات الفكرية، والمبتدعات الفلسفية والاجتماعية، وبأنماط من السلوك والتصرف والمعاملة، تفوق في بعض المناحي ما عند بني القوم من ديار الأوطان ... كل هذا لم يدفع الكاتب القدير أن يؤلف كتابا في فلسفته التربوية، كما يؤملها لبني قومه، وفي آماله وأمانيه في نطاق التكوين والتوجيه والتعليم على مختلف مستوياته، إنه كان جديرا بذلك وأحق ... ولا يعرف أحد كيف لم يخالج ذهنه هذا المشروع مع أنه خطر للدكتور طه حسين وأنجزه في كتابه : ... مستقبل الثقافة في مصر ... وأنجزه الأستاذ إسماعيل القباني في كتابه القيم ..دراسات في تنظيم التعليم بمصر ... كل ما كتب في ميادين التربية وعلم النفس هو كتيب "في علم النفس" وهو تأليف –حقا- لا يشفي غليلا. ومما يستحق الذكر أن رفيقه في عدة تآليف تعليمية، نعني الأستاذ مصطفى أمين انفرد بتأليف سفر أكاديمي هو كتاب "تاريخ التربية". ولم يشر أحد إلى أن الأستاذ الجارم كتب في الموضوعات التربوية نظريا حتى مقالات متفرقة مثلا، ولو كان فعل ذلك لأشار إليه كاتب ترجمته الأستاذ (محمد عبد المنعم خاطر ... الحقيقة أننا كنا جد متشوقين إلى وجهة نظر الأستاذ في التربية النظرية، وإلى تحديد موقفه من شؤونها الشائكة ...
هناك الجانب التطبيقي من التربية والتعليم وهو الذي قدم فيه أستاذنا الجليل خدمات جلى، وذات قيمة لا تبلى، في مقدمتها الكتاب النافع. النحو الواضح، بأجزائه الستة، إذ الحقيقة أننا تلاميذ الأمس، ومعلمو ومفتشو وأساتذة اليوم نعترف بالنفع الذي أسدته هذه السلسلة للغة العربية، وأكاد أجزم –شخصيا- أنه إذا كان في السنة الكثيرين والكثيرات من طلاقة وإفصاح ومن تراكيب صالحة وصياغة جيدة فإن ذلك يرجع في الكثير لسلسلة "النحو الواضح" في الأجزاء الأربعة الأخيرة خصوصا.
إن الطريقة الاستقرائية، التي تقضي بدراسة الأمثلة للوصول إلى القاعدة، والتي سلكها الأستاذ الجارم وصاحبه في كتابهما يوجه اليوم إليها بعض النقد، وترجع عليها طريقة (دراسة النص المتكامل) للوصول إلى القاعدة. ويتناسى الناقدون أن الطريقة المنقودة ابتدعت منذ نحو الأربعين سنة، أيام لم يكن هناك قياس ولا استقراء ولا مزج بين الطريقتين، وإنما كان الجو يستبد به زيد وعمر وخالد وبكر ...وحدهم ... إلى أن جاءت أمثلة الجارم في نحوه الواضح ... كطريقة مشوقة، في نفس الوقت موحية، لا تخلو من توجيه وتهذيب وإشعار بالنخوة والعزة.
ونفس الدور البيداغوجي الذي أدته سلسلة (النحو الواضح) قام به كتاب (البلاغة الواضحة) و (دليلها) فبفضلهما فهم التلاميذ بأسلاك الثانوية البلاغة، وفنونها بكيفية أجود، وطبقوها على نطاق واسع بمختلف التمارين والتطبيقات التي أوردها المؤلفان الجليلان.
وتعدى الأستاذ دور التعاون الثنائي بينه وبين الأستاذ مصطفى أمين إلى التعاون الجماعي، فأصدر مع لفيف من الأساتذة المشهورين مثل الأستاذ أحمد أمين والأستاذ طه حسين مؤلفات في تاريخ الأدب العربي، ويمكن أن أجزم أن دور الأستاذ الجارم كان أظهر من أدوار أصحابه، فروح أستاذنا الجارم ولمساته غير خافية! 
ونستخلص من هذا أن هذا الرائد كان ذا قابلية للإعانة والاستعانة، وهما مزيتان –في كل الأحوال- لهما دلالة على مرونة في الطبع وعلى مكانة مرموقة بين الأقران الأجلاء، وعلى رغبة قلبية صادقة في خدمة الصالح العام، الخدمة المتمثلة في ترقية الأجيال، وتهذيبها، والتسامي بأذواقها ومداركها وعواطفها ..وأتذكر في هذا المقام قولة أحد الأساتذة المصريين الذين كانوا يعملون في المغرب الذي شهد (بأن الأستاذ الجارم كان صارم الطبع شديدا في مزاولة مهام التفتيش ...) ولا تقبل هذه القولة، لأن صرامة الطبع، لا يتمكن بها الإنسان، من التعاون مع الأفراد، ومع الجماعات، في ميدان دقيق، ودقيق جدا، وهو ميدان التأليف، حيث يكثر التفاضل بالمعرفة، ويقل الاعتراف بتفوق الآخرين، والواقع المشهود يؤكد أن الأستاذ عاشر وعوشر وتعارف وتآلف. أما الشدة في مزاولة المهام فأحبب بها مزية ونخشى إذا ما زلت هذه الشدة في مزاولة المهام أن تعود الأمور، في أخطر جوانبها، تزاول بغير حزم ولا شدة وإنما بالمداهنات والمحسوبيات والاستعطافات والتدخلات، وبذلك يشيع في ميدان اللغة العربية –وهي التي نحن بصددها-الضعف والانحلال والانحدار، ويضيع على اللغة رونقها ونصاعتها، وبلاغتها، وجاذبيتها، وتأثيرها الجميل على الأذواق والأذهان والعواطف.
لقد بذل الأستاذ على ما يستطيع لخدمة التربية والتعليم، لا من الناحية النظرية ولكن من الناحية العلمية، فلقد عمل مدرسا بالتعليم الثانوي، ومفتشا للتعليم، وعميدا لدار العلوم، ومفتشا من الدرجة الأولى بوزارة المعارف، ووصل به المطاف السعيد إلى عضو المجمع اللغوي بالقاهرة، وهي تطورات محمودة، فيها تقدير لكفاءة ومكانة الأستاذ الجليل.
ولم تقف جهود الأستاذ ومشاريعه على خدمة التربية والتعليم، وإنما أضاف إليها جهوده في ميدان الأدب، وهكذا كان أستاذنا رجل قصة ورواية، ورجل أبحاث أدبية ورجل شعر.
ونبادر بالوقوف على الإنتاج القصصي الروائي، لأنه ابرز أعمال الأستاذ ما أظنه يقل عما أنتجه الكاتب النمسوي (استيفان زفايج) في ميدان القصة  التاريخية، وما كتبه الأديب الفرنسي (ديما)، وهو يفضل ما كتبه الأستاذ جرجي زيدان، لأن هذا الكاتب القصصي كتب إنتاجه الغزير السلس بدون عاطفة إسلامية قوية، وبدوم حرارة الاعتزاز القومي، وبالمقابل يرى إنتاج أستاذنا وهو حار، متدفق، مغذ، مثير للحمية والاعتزاز ... ويهمنا من هذا الإنتاج نحن المغاربة ورثة الأندلس والأندلسيين ما كتب عن الأندلس : (هاتف من الأندلس) و (شاعر ملك)، وأقصوصة "الفارس الملثم" وليس هناك ما يمنعنا من اعتبار قصص (للشاعر الطموح) و(خاتمة المطاف) و(فارس بني حمدان) ما دامت تتعلق بشخصية شاعرية رفيعة المقام هي شخصية المتنبي ومن يتصل به من الأنصار والخصوم.
إن قصة (هاتف من الأندلس) من القصص الأندلسية الممتعة، المصورة للبيئة القرطبية تصويرا جميلا في فترة تدهور الأحوال، عند اقتراب أفول العهد الأموي، ثم إنها تدور حول شخصيتين أدبيتين محبوبتين هما (ابن زيدون وولادة) ...
لكم كنا جديرين –ونحن ورثة الأندلس عن جدارة- أن ندخل هذه القصة في مجال دراستنا الثانوية أو الجامعية، فهي من خير الكتب التي تمثل البراعة العربية في الصياغة القصصية، ثم هي نموذج لجزالة الأسلوب وحلاوة التعبير ... ولا أظن أن هناك كتابا عربيا في القصة الأندلسية يشبه كتاب (هاتف من الأندلس)، ولست –شخصيا- بعيدا من الأدب الأندلسي، بل إنني متتبع له.
أما القصة (شاعر ملك) أي المعتمد بن عباد فهي في مستوى القصة السابقة، ويثير العجب فيها أن الأستاذ بن تاشفين، وهذا من وجهة نظرنا – نحن المغاربة- غير صحيح، بل هو غير صحيح من وجهة نظر المؤرخين المنصفين، فالمعتمد – عفا الله عنه- تآمر مع العدو، عدو الدين والوطن، وحبك المؤامرات معه ضد الأمير، الذي سبق أن أغاثه في محنته الخانقة ... فتأييد (المعتمد) من أي كاتب جاء هو تأييد اندفاعي، ليس مقبولا أبدا.
وما دمنا بصدد الحديث عن الأندلس، فيجب أن نذكر كتيبا بعنوان (العرب في الأندلس) مترجما عن اللغة الإنجليزية، وهو كتيب قيم، يشيد بالحضارة العربية بالأندلس ودورها في النهضة الأممية. وقد ترجمه الأستاذ بعاطفة حارة، وجوانح راقصة، وقلم غريد ... واعتقد أنه –هو أيضا- من الكتب التي يجب أن توضع بين أيدي تلاميذنا بالتعليم الثانوي، ليكون في فمهم أغنية لذيذة، تمجد دور أجدادنا الميامين الأوفياء؛ الصامدين بديار الأندلس، الذين أدوا خدمات للفكر البشري، والذوق الإنساني، بشكل لا ينتهي ولا ينقضي، مهما تقلبت الأحوال والأزمان.
نوع آخر من الإنتاج النثري بقي مع الأسف في طيات مجلة (الكتاب) التي كانت تصدر عن دار المعارف بمصر، وهو المتعلق بأبحاث طريفة مسلسلة تحت عنوان (الذين قتلتهم أشعارهم) أو تحت عنوان (المعارضات في الشعر العربي) ... وكل من مارس البحث والكتابة، يقدر الأعباء التي يتحملها الكاتب الباحث، في إعداد مواضيع متعمقة شاملة، من مثل ما ذكر، اللهم إلا إذا كان من الأفذاذ الطويلي الباع، الواسعي الاطلاع من مستوى أستاذنا علي الجارم رحمه الله.
نأتي بعد هذا على جانب من إنتاج الأديب الكبير، وهو عند البعض أعظم جانب من شخصيته، ألا وهو الميدان الشعري، وهو عند البعض ليس مما يضمن الخلود والذكر الدائم للأستاذ الجارم، فلنأخذ المسألة بهدوء دون اندفاع :
إن للأستاذ الجارم ديوانا من أربعة أجزاء، أصدرته دار المعارف المصرية في طبعة فاخرة، وقد قام أستاذ مشهور بشرح الديوان بيتا بيتا، ولفظا لفظا، ولكن الديوان من الذخائر العتيقة، التي أحييت بالمراجعة والتحقيق والشرح! والواقع أن قارئ تلك الأشعار الجزلة المسبوكة، تضايقه تلك الشروح والتعاليق، التي توجه ضمنيا اتهامين خطيرين، الأول القارئ في حسن إدراكه وفهمه، والثاني إلى الشاعر في وضوحه وسلاسته، وبساطة مراميه!.
هناك ملاحظة رئيسية هي أن الدواوين الأربعة يمكن أن يصنفها الباحث إلى صنفين : صنف (أشعار البلاط)، وهذه يمكن أن تستغرق ثلاثة أجزاء من الأربعة ! وهنا تجب وقفة هادئة تأملية غير مسبقة –كما يقال- لوضع الأمور في نصابها، فشاعر البلاط شخصية معروفة في تاريخ الشعر الغنائي منذ الزمن الأقدم والقديم والوسيط في مختلف بلاطات الدنيا، حتى شيخ القبيلة عندنا نحن العرب كان يستطيب أن يسمع كلمات حلوة منغومة تمجد عدله ومكانته، وتثني عليه بما هو أهله، وتطور الأمر إلى أن أصبح أبهاء قصور الخلافة الأموية والعباسية وغيرها ملتقى لأكثر من شاعر، حتى الحفاة الغلاظ الأكباد الجبابرة وجدوا من يقول في حقهم شعرا.
وآن الأوان لأبناء الشاعر، أو أحد تلامذته لينتقي لنا مجموعة من الأشعار، جديرة بقيمة هذا الأديب الماجد، الذي عاش وهو يقول الشعر، ومات وهو يستمع للشعر ! 
ونختم هذا البحث القصير عن شاعرنا وأستاذ الأجيال بهذه الأبيات الجميلة :
قد تولى الشباب ريحانة الحـ
        ـب، فمن لي بالحب أو ريحانه؟
آه من حيرة المشيب : سواء
       هو في بوحه، وفي كتمانه!
إن كتمانه قهقه الدهر جذلا
      ن، ومد الخبيث طرفه لسانه !
أو أبحناه راعنا، كل يوم،
      شرفات يهوين من بنيانـــه
ورأينا العيد الأماليد حلمــــا
       ضمن بالملتقى على وسنانـــه
كل شيء له أوان يوفيــ
      ـه، وفوت الشباب قبل أوانه
كم نعمنا به زمانا، فلمـــا
      طاح، عشنا في ذكريات زمانه !
طائر كان أن تغنى إلى الـــرو
       ض شجا الحاليات من أغصانه
عسجدي الجناح، وذو العذارى،
         أو خضبن البنان من ألوانه !
وتمنى الأصيل لو تمنى يومـــا
        لمحة الحسن من سنا لمعانـــه
أين تصفيقه ؟ وأين مجاليـــ
      ــه؟ وأين الرخيم من ألحانه ؟
جال في الأفق جولة ثم ولى
      هل يعود الشادي إلى جولانه؟
ومضى خافق الجناح ولم يتـ
      ـرك لقلبي منه، سوى خفقانه !
وحواه الماضي الخضم، وأبقى
       ذكريات، تطفو على شطآنــــه
مرة نستريح شوقا لذكـــرا
      ه، وحينا نجد في نسيانـــه !
مقتطفات من مثل هذا الشعر الرقيق، المعبر عن خوالج النفس لا يجب أن يهمل أو أن ينسى، أو ينسى مبدعه، أما نحن –جيل الكهول والشيوخ- فسنبقى ذاكرين، بإخلاص واعتزاز، فضائل رجال نهضتنا الدينية، والقومية، واللغوية، إلى أن نلقاهم على أحسن حال.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here