islamaumaroc

مأساة اللغة العربية في المغرب

  عبد القادر الصحراوي

23 العدد

الوضع الذي توجد فيه اللغة العربية اليوم في المغرب، لا يمكن وصفه بأقل من كونه مأساة مؤلمة محزنة.
هذه حقيقة بارزة لكل ذي عينين لا مجال إلى الشك فيها أو مناقشتها.
وحقيقة أخرى لا ينبغي أن يفوتنا تسجيلها في هذا المضمار، هي أن المأساة ليست وليدة اليوم أو البارحة، فقد وقع الشروع في نسج خيوطها منذ خمس وأربعين سنة، أي بالضبط منذ 30 مارس سنة 1912 وهو تاريخ عقد الحماية الفرنسية الذي فرض على المغرب فرضا، كما فرضت عقود أخرى من قبيله على شعوب كثيرة كانت مستضعفة مغلوبة على أمرها.
وقد كان منطق الأشياء يقتضي أن يقع الشروع في وضع حد لهذه المأساة منذ يوم 2 مارس سنة 1956 أي منذ الإعلان الرسمي لاستقلال المغرب، ولكن الذي حصل بالفعل - مع كامل الأسف- هو شيء آخر غير ذلك؛ الذي حصل بالفعل شيء آخر كانت نتيجته، أن اللغة العربية - كما يقول كثير من المواطنين- لم تكن يوما ما في المغرب، وإن اللغة الفرنسية- الحاكمة بالأمس- لم يكن لها حتى في عهد الحماية ما لها اليوم من النفوذ والسيادة وسعة الانتشار والمكان الرفيع.
قد يكون في هذا القول شيء من المبالغة، ولكن المواطنين مع ذلك يرددونه في أسمارهم وأحاديثهم، ويشكون منه مر الشكوى، ويتألمون بسببه أعمق الآلام وأشدها، ومن حق المواطنين علينا أن نترجم إحساساتهم ومشاعرهم إلى كلام مكتوب حتى يتمكن المسؤولون من قراءته والإطلاع عليه، ومن حق المسؤولين علينا أيضا أن ننقل إليهم كلام المواطنين ليكونوا على بينة من أمرهم، وليكونوا على علم بما يطلب منهم مواطنوهم الذين سلموهم قيادتهم، ليسيروا بهم في طريق التحرر بجميع أشكاله وألوانه ومظاهره. ولا جدال في أن من أهم مظاهر التحرر، التحرر الفكري واللغوي، وهما شيء واحد، أو كالشيء الواحد تماما، كما قد يأتي شرح ذلك بعد حين.
نعم، لقد كان الاستعمار الفرنسي منسجما مع نفسه وطبيعته عندما استهدف من أول يوم من تاريخه في المغرب، أن يقضي على لغته القومية - دأبه في كل مكان حل به ركابه المشؤوم - وأن يحل محل لغته هو؛ ذلك لأنه يعلم حق العلم، أن سيادة اللغة سيادة لأهلها، وأن استمرار سيادة اللغة القومية في البلاد المستعمرة لا يمكن أن يفسر إلا بمعنى واحد، وهو أن المستعمر لم يبلغ فيها شيئا مما يريده من فرض سيطرته الكاملة على الأرض والألسنة والعقول والقلوب.
لقد احتلت فرنسا أرض المغرب بقوة الحديد والنار، ثم رأت أن ذلك وحده لا يكفي، وأنه لابد من تعزيزه باحتلال عقول السكان وألسنتهم، وتلك مهمة لا موجب في تنفيذها لحشد الجيوش، واستعمال السلاح، وإنما يكفي في إنجاحه برنامج مدرسي محكم، ومدرس فرنسي، يجهل كل شيء عن البلاد التي انتدب للتدريس فيها، ويعرف كل شيء عن عظمة فرنسا وتاريخها وحضارتها وأمجادها وآدابها، ويملأه الغرور والتعصب القومي والوطنية الضيقة العمياء.
وكان الاستعمار الفرنسي منسجما مع نفسه وطبيعته أكثر من ذلك، عندما رأى ألا يخلي برنامجه المدرسي نهائيا من حصة للغة العربية، ينتدب للقيام بها في كل مدرسة شيخا من شيوخ الكتاتيب القديمة يتمثل فيه الجهل والتأخر والقسوة والغلطة. وعلى التلاميذ الصغار بعد ذلك أن يقوموا وحدهم، وبدون تدخل خارجي، بتنفيذ الباقي من الخطة  المحكمة؛ عليهم أن يختزنوا في ذاكراتهم المرهفة صورة للغة العربية مقترنة دائمة بصورة هذا الشيخ القاسي الغليظ، وصورة أخرى بجانبها للغة الفرنسية مقترنة دائما بصورة المدرس الفرنسي الخفيف الأنيق، الممتلئ شبابا وحيوية وفهما وإدراكا، وتقديرا للمسؤولية الدقيقة الملقاة على عاتقه، كمدرس، وكمبشر في نفس الوقت بحضارة فرنسا وثورتها وآدابها.
وكان من اللازم أن تنجح الخطة، ولو إلى حين، لأنها كانت موضوعة بإحكام، ولأن السلطة والمال لم تكن تعوز الذين وضعوها وأشرفوا على تنفذيها، كما كان من اللازم أيضا - وهذا هو ما حصل بالفعل- أن تصطدم هذه الخطة المحكمة برد فعل قوي، خصوصا بعد أن استيقظ الوعي القومي وعم الإحساس بالخطر، وقامت في البلاد حركة وطنية تعمل على عرقلة خطط الاستعمار في كل ميدان، وتعمل في نفس الوقت للتخلص منه نهائيا، مهما تكن التضحيات المطلوبة في سبيل هذا الخلاص.
وهكذا قام الشعب المغربي بقيادة جلالة الملك والأسرة الملكية الكريمة، بفتح عدد من المدارس الأهلية في جميع أنحاء القطر، يكون التعليم كله في بعضها باللغة العربية، ويكون في بعضها الآخر مزدوجا، على أن تأخذ فيه العربية وتاريخ الحضارة الإسلامية والمغربية مكانة ملحوظة واهتماما زائدا.
وقامت قائمة الاستعمار كما كان متوقعا أن يحدث، وتفنن في الكيد لهذه المدارس ومطاردة القائمين عليها والعاملين فيها، بتصيد الفرص للتنكيل بهم وتعذيبهم والزج بهم في المعتقلات والمنافي والسجون، ولكن كل ذلك لم يكن يزيد الشعب إلا تعلقا بهذه المدارس، وإقبالا عليها، وإيمانا بأهمية الرسالة التي تؤديها لمستقبل البلاد في الحفاظ على لغتها، باعتبار هذه اللغة جزءا من الكيان القومي الذي يجب أن يظل قائما باستمرار، مستقلا عن غيره، محتفظا بشخصيته.
وأقبل الكبار أنفسهم رجالا ونساء في حماس متزايد على هذه المدارس في حصص ليلية، يحاولون أن يستدركوا ما فاتهم من معرفة لغتهم العربية كتابة وقراءة وفهما، وجعل يبدو للعيان في تلك الظروف أن اللغة العربية قد استعادت اعتبارها في هذا الجزء من وطنها الكبير، وأن المستقبل لها، خصوصا عندما تستقل البلاد. وتصبح حرة في التصرف في مواردها، وفي وضع التصميمات اللازمة للبلوغ بها إلى أهدافها القومية والإنسانية.
وجاء الاستقلال، وكان من الممكن جدا، ومن الطبيعي أيضا، أن يكون الأمر كما كنا جميعا نتصور، وأن تتخلى اللغة الفرنسية عن مكانتها للغة العربية، وأن تقنع بأن تصبح لغة ثانوية، كما هو شأن كل اللغات الحية في غير مواطنها الأصلية، ولكن انحرافا ما حصل على إثر الاستقلال. انحرافا ما جعلنا نتخلى عن الطريق التي كنا قد رسمناها قبل أن نستقل، وأن نظل سائرين - وبحماس- في نفس الطريق التي كان الاستعمار يحملنا على السير فيها بالأمس بقوة الحديد والنار.
وهكذا تخلينا عن طواعية عن مظهر من مظاهر سيادتنا القومية في بلادنا، وقبلنا عن طواعية أيضا أن نحتفظ لمستعمرنا وجلادنا بالأمس، بمظهر من مظاهر النفوذ والسيطرة والاستعمار.
وكانت نكسة حملت الذين كانوا يقبلون بالأمس على تعلم اللغة العربية ليلا، وإرسال أبنائهم ليتعلموها نهارا، على مراجعة موقفهم : ما لهم وللجري وراء لغة ميتة، يضطهدها المستعمر في أيام الاستعمار، ويتنكر لها أبناؤها في أيام الاستقلال!؟
أنا لا أقصد هنا الحديث عن قصة اللغة العربية في المغرب بعد الاستقلال في المدرسة وحدها، وإنما أقصد الحديث عن مأساتها بصفة عامة، في المدرسة، وفي الشارع، وعلى ألسنة المثقفين؛ وأقصد الحديث عن مأساتها بصورة خاصة في الدواوين الرسمية وفي اعتبار كثير من الموضوعين في مراكز المسؤوليات الكبيرة، وفي هؤلاء من لا يستطيع حتى اليوم أن يصدق، ومهما بدلت من جهد في إقناعه، أن اللغة العربية يمكن أن تصلح لشيء آخر أكثر من أن تكون لغة التعليم في الكتاب، حيث يمحو الأطفال ألواحهم الخشبية في كل صباح، ويصبغونها بالصلصال، ويقعدون بها في حلقات على الحصير أمام الفقيه، ليملي عليهم بعض السور من القرآن الكريم، أو بضعة أبيات من ألفية مالك أو من قصيدتي البردة والهمزية. 
وأنا هنا لا أنشئ الكلام إنشاء، وإنما أتحدث عن تجربة شخصية مع مسؤول يتحكم بطبيعة مركزه في مستقبل المئات إن لم أقل الآلاف من أبنائنا، يقبل من يقبل منهم إذا كان في المستوى التعليمي المطلوب، على شرط أن تكون لغة تعليمهم هي العربية، لماذا؟ لأن العربية كما يقول هذا المسؤول لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون لغة تعليم.
هذا المسؤول يقول لك إذا ناقشته في الموضوع - كما قال لي من قبل- أنه لا يستطيع أن يتصور مطلقا أن يلقن التلاميذ الحساب والجغرافية وغيرها من العلوم باللغة العربية، ذلك لا يجوز أن يكون أبدا، وما يقال من كلام من هذا القبيل لا يعدو أن يكون تهريجا وتدليسا وكذبا وغشا مفضوحا، لا ينبغي أن يأخذ به رجل عاقل عارف ببواطن الأمور.
هذا المسؤول الذي أتحدث عنه لم يأتنا من إسرائيل، وهو ليس فرنسيا ولا اسبانيا، وإنما هو - وهذا هو صلب المأساة - مغربي عربي مثلي ومثلك ومثل الآلاف من عباد الله الطيبين الذين يعمرون هذا الوطن السعيد...!
وأذكر أنني بعد أن تحدث إلى هذا المسؤول، وبعد أن سمعت منه هذا الكلام الذي يترجم عن نفس ألفاظه بالحرف، خرجت من مكتبه وقد أخذ يتضح لي لأول مرة معنى الكلام الذي سمعته مرارا من قبل، كما سمعه غيري من قدماء المعلمين في المدارس الأهلية العربية، من تلامذتهم القدماء.
هؤلاء التلاميذ الذين أصبحوا اليوم رجالا في حاجة إلى العمل، يقولون لنا نحن المعلمين القدماء في المدارس الأهلية العربية : لقد جنيتم علينا، لقد ضيعتم مستقبلنا، كنتم تقولون لنا بالأمس أن المستقبل للعربية، وها قد أصبح المستقبل حاضرا وها نحن نرى أترابنا ممن تلقوا تعليمهم باللغة الفرنسية، تفتح في وجوههم كل الأبواب، على حين تغلق في وجوهنا نحن كل الأبواب، لا لذنب جنيناه إلا لأننا تلقينا باللغة العربية نفس التعليم الذي تلقوه باللغة الفرنسية؛ وها نحن نقرأ في جرائدنا العربية الوطنية في كل يوم إعلانا عن عمل، وتدفعنا الحاجة إلى قراءته في لهفة، فإذا الشرط الأساسي الأول للقبول في هذا العمل، أن يكون طالبه حاملا للشهادة كذا باللغة الفرنسية .. دائما باللغة الفرنسية ! كأننا في باريس أو بوردو أو مرسيليا، أو كأننا في مستعمرة فرنسية، لا وجود فيها إلا للغة المستعمر الفرنسي.
وأنت تستطيع أن تقول كلاما كثيرا في تفنيد هذه الثورة، لكن هذا الكلام لا يستطيع أن يجد لهذا التأثر عملا، أو أن يضمن له خبرا، فضلا عن أن يضمن له حياة محترمة شريفة كمواطن، وكمواطن على قسط لا بأس به من التعليم.
ذكرت من قبل أنني لا أقصد الحديث عن قصة اللغة العربية في المدرسة وحدها، فالحقيقة أن القائمين على شؤون التعليم، وإن كانوا لم يسروا في تعريبه بالجرأة والحزم اللذين تقتضيهما الروح الثورية، إلا أن الذي يبدو عليهم أن قضية التعريب هذه ليست بعيدة عن تفكيرهم بالمرة، لكنهم يفضلون السير فيها ببطء، ومعالجتها بكامل الحذر، خوفا من حدوث نكسة قد تكون أضر بقضية التعليم من تركه فرنسيا، أو فرنسيا في الدرجة الأولى عربيا في الدرجة الثانية.
وهي وجهة نظر تستطيع أن تلحظها بوضوح من برنامج السنوات الخمس للتعليم الذي أعلن أخيرا، ولسنا نستطيع هنا أن نجزم بأن وجهة النظر هذه مخطئة كل الخطأ أو مصيبة كل الصواب : ولكن الذي نستطيع أن نجزم به، هو ما يقرره علماء التربية من أن ذهن التلميذ في المرحلة الابتدائية لا يستطيع أن يتحمل تعلم لغتين في وقت واحد، كما نستطيع أن نجزم بشيء آخر، وهو أن التعليم في كل أمة تحترم نفسها وتاريخها يجب أن يكون تعليما قوميا، ولكي يكون التعليم قوميا يجب أن يكون بلغة البلاد، لأن اللغة ليست مجرد أداة للتخاطب، وليس مجرد أداة لنقل المعلومات والتجارب أو تلقيها، وإنما هي فوق ذلك كله، جزء من الكيان القومي، هي مني ومنك، بمثابة تاريخنا المشترك، وأرضنا المشتركة، وكما لا نقبل أن تتخلى عن تاريخنا أو أن نستبدل به تاريخا آخرٍ؛ وكما لا نقبل أن نتخلى عن أرضنا أو أن نستبدل بها أرضا غيرها، فنحن لا نقبل بالمثل أن نتخلى عن لغتنا أو نقبل بها لغة أخرى، حتى ولو كانت لغة المستعمر الذي أكرهنا على الاعتراف باستقلال أرضنا عن أرضه، ثم قبلنا عن طواعية أن نترك لساننا تابعا للسانه، وبالتالي أن نترك فكرنا تابعا لفكره، لأن اللغة والفكر متلازمان كل التلازم، إلى الحد الذي يجعل علماء اللغات يقررون أن اللغة هي الفكر، وأننا نتكلم بالفكر، ونفكر بالكلام.
ونحن لا نتهم أحدا، نحن لا ندعي أن القائمين على شؤون التعليم في بلادنا يقلون عنا أو عن غيرته حماسا لقضية تعريب التعليم، ونحن نعلم من جهة أخرى أن المناداة بالفكر هي غير معاناة تطبيقها، لأن التطبيق يخضع دائما للإمكانيات؛ وإمكانية تعريب التعليم في المرحلة الابتدائية على الأقل تتطلب عددا هائلا من القادرين على تلقين المعلومات بالعربية، ونحن لا نتوفر على هذا العدد، كما أننا لا نزال مضطرين إلى الاستعانة بكثير من المدرسين من الخارج .. من فرنسا!
ولا نجيب على كل هذا المنطق الطويل العريض، إلا بسؤال بسيط : لماذا من فرنسا بالذات ؟ لماذا لا يكون هذا العدد الهائل من المعلمين الذين نحتاج إلى الاستعانة بهم من الخارج.. عربا ؟ من الجمهورية العربية المتحدة مثلا، ومن العراق ولبنان، مع العلم باستعداد هذه البلاد الكامل لإمدادنا بالعدد الكافي من المعلمين للمرحلة الابتدائية على الأقل. 
نعم قد يقال أن هذا العدد الكافي من المعلمين العرب، قد يوجد من بين أفراده من يحمل أفكارا سياسة خاصة! لكن ما القول في المعلم الفرنسي ؟ أليس من المؤكد أنه يحمل هو الآخر أفكارا سياسية خاصة، ويحمل لنا معها كراهية خاصة، وحقدا خاصا، وتعليمات خاصة، يعمل بمقتضاها مدرسا، ومبشرا، وجنديا في لباس مدني، وفردا في الطابور الخامس، وأشياء أخرى كثيرة قد لا نعلمها الآن، وقد تكشف لنا عنها الأيام بعد فوات الأوان.
وننتقل من المدرسة إلى الدواوين الرسمية حيث تتمثل المأساة في أبشع مظاهرها، وحيث مختلف الوزارات والإدارات والمصالح لا يكتب بعضها إلى بعض إلا باللغة الفرنسية فيما عدا بعض الحالات القليلة النادرة جدا.
ونحن نذكر هنا للحقيقة فقط، أن وزارة واحدة من بين جميع الوزارات المغربية نجحت في أن تعرب نفسها تعريبا كاملا، تلك هي وزارة الأوقاف التي تصدر هذه المجلة.
ونحن لا نذكر ذلك لأن هذه المجلة تصدر عن الوزارة المذكورة، وإنما نذكره كما أسلفنا للحقيقة فقط، ومن باب أن الاستثناء يؤكد القاعدة كما يقولون.
نعم، لقد نجحت وزارة الأوقاف في أن تعرب نفسها تعريبا كاملا، بالرغم من وجود عدد من الفنيين الأجانب في بعض وظائفها حتى اليوم، وبالرغم من كونها تتعامل مع كثير من المؤسسات الأجنبية، ومع كثير من المهندسين والمقاولين الأجانب، من فرنسيين وغيرهم، وهي لم تأخذ في التعريب بقاعدة التدريج المحببة إلى المسؤولين في بلادنا، أو التي يتسترون من ورائها، وإنما أصبحت معربة بكيفية كادت تكون أتوماتيكية بمجرد تكوين أول حكومة في عهد الاستقلال.
وإذا كان ذلك يرجع إلى شيء، فإنما يرجع في الحقيقة والواقع إلى أن الذين وكل إليهم أمر الإشراف على هذه الوزارة عند تأسيسها كانوا مؤمنين حقيقة بقضية التعريب متحمسين لها.
نعم، لا جدال في أن تعريب وزارة الأوقاف قد يكون أسهل من تعريب وزارة أخرى تتم أعمالها كلها بسمة الفنية الدقيقة، ولكن المهم هو أن نتفق أولا على المبدأ، وإذ لم ننجح منذ الآن في تنفيذه تنفيذا كاملا، فلا أقل من أن نرسم طريقه ونشرع فيه.
ونعود إلى دعوى الفنية الطويلة العريضة، فنتساءل :
 أي مدخل للفنية عندما تكتب مصلحة الأمن مثلا استدعاء بسيطا لمواطن مغربي عربي، تطلب منه فيه أن يحضر إلى مكتب كذا في ساعة كذا ؟
أي مدخل للفنية عندما تحيل وزارة من الوزارات المغربية على وزارة أخرى مغربية تقريرا مكتوبا باللغة العربية، واردا من بلد آخر عربي غير المغرب طبعا ؟
أي مدخل للفنية عندما تكتب وزارة التهذيب الوطني مثلا، إلى المدارس الأهلية العربية منشورا تخبرها فيه أن عطلة نصف السنة ستبدأ في منتصف أبريل وتنتهي في آخره؟
أي مدخل للفنية عندما تكتب إدارة البريد مثلا، إلى مواطن مغربي عربي، رسالة صغيرة تخبره فيها بوصول طرد باسمه أو حوالة أو غير ذلك ؟
أي مدخل للفنية عندما تصل إلى مطار الدار البيضاء مثلا، فلا يقبل منك أن تملأ الأوراق التي تقدم إليك، والتي تستلزمها الإجراءات القانونية، إلا باللغة الفرنسية؟
 لا شك أن دعوى الفنية في كل ذلك وفي كثير جدا من الأمثلة غيره دعوى باطلة، وإني لأجاهد نفسي جهادا حتى لا أصف هذه الدعوى بوصف آخر، قد يكون له وقع سيء على بعض الأسماع، كما أن التلفظ به مما لا تقتضيه الآداب التي تحرص هذه المجلة على مراعاتها.
نحن لا نقصد التشهير بأي إنسان، أو بأية مؤسسة، وإنما ننقل هنا إلى المسؤولين كلاما يتحدث به جميع المواطنين، وقد لا تواتي المسؤولين الفرصة لسماعه منهم، فلا أقل أن نكتبه لهم هنا على أمل أن يقرؤوه، وعلى أمل ألا تحول بين بعضهم وبين قراءته أنه مكتوب باللغة العربية!
ونزيد الأمثلة التي أسلفناها إيضاحا بذكر مثال واحد قد يكون أقوى في الدلالة منها جميعا :
هذا ضيف عربي مقيم بالمغرب يشتغل باستيراد الكتب العربية والتجارة فيها، تقتضيه مهنته أن يكتب إلى مؤسسة علمية مغربية رسالة من الرسائل العادية التي تظل مثيلاتها تتوارد على المصالح والمؤسسات الرسمية، لكن الضيف العربي يرتكب غلطا شنيعا، ذلك أنه كتب رسالته إلى المؤسسة العلمية المغربية باللغة العربية، لغته هو، ولغة المسؤولين عن المؤسسة التي كتب إليها.
ويستبطئ الضيف العربي الجواب عن رسالته، خصوصا بعد أن مضى عليها نحو سنة، ويزور المؤسسة للسؤال عن مآل القضية التي كتب في شأنها، والاستفسار عن سبب تأخر الجواب إلى هذا الحد.
ولا يعنينا هنا ما أجيب به الضيف العربي عن قضيته، وإنما يعنينا أنه أجيب بصراحة بأن السبب في تأخر الجواب، أنه كتب رسالته باللغة العربية !
فيا موت زر إن الحياة ذميمـة
                 ويا نفس جدي إن دهرك هـازل
ورحم الله أبا العلاء المعري، ورحم معه اللغة العربية في بلد عربي منذ نحو من ثلاثة عشر قرنا من الزمان.
هذا قليل من كثير عن مركز اللغة العربية ومركز اللغة الفرنسية كلغة كتابة في الدواوين الرسمية.
أما كلغة حديث، فإن من الإنصاف ومن الوفاء للحقيقة أن نقول : أن اللغة العربية ليست مغبونة غبنا  كاملا، بالرغم من تفوق اللغة الفرنسية عليها حتى في هذا الميدان.
إن المسؤولين المغاربة وإن كانوا يتحدثون إلى مرؤوسيهم الأجانب بلغتهم - أقصد طبعا بلغة هؤلاء الأجانب- فإنهم مع بعضهم أو مع مرؤوسيهم من المغاربة يتحدثون لغة مزيجا من العربية والفرنسية، وقد يستبد بهم الحماس أحيانا، فيلغون العربية إلغاء، لأنها غير كافية للتعبير عن أفكارهم..! ويتحدثون لغة فرنسية صرفا، قد يحسدهم عليها سكان حي (الإليزي) وشارع (الأوبرا) بباريز.
فهل كتب على اللغة العربية بعد الاستقلال أن تكون أسوأ حظا -حتى كلغة حديث- مما كانت عليه في عهد الحماية المشؤوم؟
أذكر بهذه المناسبة أنني كنت عضوا في منظمة الكشفية الحسنية حوالي سنة 1942 وكنا في هذه المنظمة نحرص على تعويد أنفسنا، وتعويد الأطفال الصغار الذين كنا نسيرهم، على الحديث بلغة عربية لا تشتمل على أي لفظ غير عربي، بل ذهبنا إلى حد أننا كنا نفرض غرامة على كل من يتلفظ أثناء الحديث بلفظ أجنبي. وكنا أحيانا نصطدم بأشياء لا نعرف لها اسما غير الاسم الفرنسي غالبا أو الإسباني في بعض الأحيان، فكنا نستشير المعاجم، ونسأل من هم أكبر منا سنا وأكثر معرفة باللغة العربية. 
ولم يكن هذا عبث صبيان، وإنما كان مثالا من الاستجابة لروح المقاومة المغربية العربية، تلك الروح التي كانت تحدونا جميعا إلى المحافظة على كياننا القومي، وتحصينه من مفعول سياسة الإدماج التي كان الفرنسيون يحرصون على تطبيقها في بلادنا، مستعينين على ذلك بمحاولة فرنستنا لسانا وفكرا وشعورا.
ويبدوا أن الفرنسيين قد نجحوا بصورة أو بأخرى فيما كانوا يحاولون، ولو أن هذا النجاح لم تظهر آثاره واضحة للعيان إلا بعد الاستقلال، أي إلا بعد أن فترت روح المقاومة التي كان يذكيها وجود المستعمرين بين ظهرانينا كحكام مسيطرين.
واللغة، أية لغة، يمكن لها ويعمل على انتشارها أن تكون لغة الحكام والمسؤولين. هذه قاعدة تاريخية واجتماعية يقررها علماء اللغات، ويشهد على صحتها الواقع، وأقرب شاهد إلينا على صحتها، أن عدوى الحديث بالفرنسية قد بدأت ترى من الحكام والمسؤولين إلى بعض طبقات الشعب نفسه.
وإذا كان الشعب الذي معناه سكان الأحياء الأهلية وسكان مدن الصفيح، لا يزال يتكلم العربية لأنه لا يعرف لغة غيرها، أو لأنه متمسك بعروبته، فإن الشعب الذي معناه سكان الأحياء العصرية الراقية، وأفراد الطبقة المشمولة، وبعض المثقفين، قد بدأ يستنكف من الحديث باللغة العربية، حتى لا يوسم بأنه متأخر أو جاهل أو رجعي، أو (بلدي) على حد تعبير إخواننا المصريين.
وليسمح لي هنا بعض إخواننا الذين يحرصون ألا يطلقوا كلمة الشعب إلا على البؤساء والفقراء والمساكين، ليسمحوا لي إذا أطلقت كلمة الشعب على هؤلاء، وعلى غيرهم، بالرغم من أن هؤلاء الأخيرين يتعالون عن الحديث بلغة الشعب، اللغة العربية، التي هي لغتنا جميعا أحببنا أم كرهنا، لغتنا جميعا ولو طرنا فرارا منها إلى السماء، لغتنا جميعا، ولا راد لقضاء الله، ولا مفر من قدره. فقد قدر أن نكون عربا، وسنظل عربا إلى يوم نبعث !!
قلت إن عدوى الحديث بالفرنسية قد بدأت تسري من الحكام والمسؤولين إلى بعض طبقات الشعب نفسه، واذكر بهذه المناسبة أيضا أنني كنت منذ مدة قريبة في مصطاف (ايفران) وكنت أقابل في كل يوم في مكان ما، عائلة مغربية قدمت للاصطياف من مدينة فاس، المدينة التي نفترض فيها جميعا أنها معقل العربية، وحصن من حصونها في العالم العربي كله، كانت تبدو على هذه العائلة مظاهر الغنى والتجديد في أسلوب الحياة، وكان أفرادها جميعا - حتى الأطفال الصغار-  لا يتحدثون مع بعضهم إلا باللغة الفرنسية وكان من الطريف أن نسمع طفلة من العائلة تنادي طفلة أخرى باسمها العربي، محرفا إلى الطريقة الفرنسية. فقد كان اسم الطفلة نعيمة، وكانت أختها تدعوها (نئيما).
ولم تشغلني الطرافة عن التفكير جديا في الموضوع، فقد بدأت أخشى أن يكون معنى هذه الظاهرة الجديدة، أنه قد بدأت تتكون فينا طبقة منفصلة عن الشعب شعوريا، تخجل من عروبتها ومغربيتها، كتلك الطبقة التي كانت ببعض بلاد الشرق العربي، والتي تجد اليوم نفسها في تلك البلاد مخيرة بين اثنتين لا ثالث لهما : إما الفناء، وإما الاندماج في الشعب اندماجا حقيقيا، وتبني قضاياه، والتحمس لكل ما يتحمس له.
وبعد، فما هو مستقبل اللغة العربية في المغرب؟ سؤال يبدو أن الإجابة عنه الآن لا تعدوا أن تكون ضربا من التخمين، ولكن عند التفكير يبدو أنها ليست كذلك، وأنها من السهولة بمكان كبير.
مستقبل العربية في هذه البلاد - بالرغم من كل ما تقدم- إنها لغة المستقبل، كما كانت لغة الماضي، وكما هي الآن لغة الحاضر في ضمير الشعب وعلى لسانه.
هذا هو الذي يقتضيه منطق الأشياء، وسير التاريخ، وهذا هو الذي يريده الشعب، وإرادة الشعب لا يمكن أن تقهر، وكما حققت هذه الإرادة استقلال أرضنا عن أرض فرنسا، فستحقق - إن عاجلا أو آجلا- استقلال لساننا عن لسانها، وفكرنا عن فكرها.
أما المعوقات التي تقف اليوم في طريق قضية التعريب، فإن تأثيرها لا يعدوا أن يكون تأثيرا مؤقتا، قد ينجح في تأخير نجاح القضية، ولكنه لا يستطيع أن يحكم بفشلها.
إن التاريخ لا يمكن أن يتحول عن مجاريه الرئيسية مراعاة لمصالح بعض الأفراد، أو تملقا لمزاجهم، ومنطق التاريخ يوحي بأن السيادة اللغوية في هذه البلاد ستكون للعربية وحدها، لأنها - أي السيادة - ستكون كاملة غير منقوصة للمغاربة، أصحاب هذه اللغة، في بلادهم.
وما على الذين قد لا يكون ذلك من مصلحتهم، سواء من المغاربة أو من غيرهم،، إلا أن يعملوا بهذه النصيحة المتينة التي نسديها إليهم لوجه الله، وقياما بواجب المواطنة أو واجب الضيافة، وهي أن يسبقوا الزمن، وأن يكبوا من ساعتهم هذه أكبابا على تعلم اللغة العربية. ونحن نضمن لهم مقدما أنها ليست من الصعوبة بالمكان الذي يتصورون، كما نضمن لهم شيئا آخر، هو أنهم سيجدونها لا تقل جمالا وسعة عن أية لغة أخرى من اللغات الحية الراقية، بما في ذلك اللغة الفرنسية نفسها !
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here