islamaumaroc

من يدري ؟

  محمد الصباغ

23 العدد

منذ أيام وأيام، وأنا لا أفتر عن قراءة هذه الأبيات وتلاوتها حتى أصبحت مني بمثابة النفس المترقرق في جداول دمائي، تترصدني هي عن قصد، وأتلوها أنا عن عفو. أقرأها في كل شيء أراه وألمسه وأفكر فيه، أقرأها في أصابعي الجاهلة الخشنة الطائشة التي تمتد بدون علم مني، فتتناول هذه الأشياء المبعثرة حولي جاهلة بماهيتها، وماهيتي أنا منها، فأشفق من أصابعي الغريرة الحمقى، وأسجنها في رقيق ظلامها بعد أن أعظها وأرشدها وأحذرها، وألمسها في نور عيني الجموح الذي لا يطبع إرادتي، فينفر من جفني، وقد تمسك برماد ظل، أو تسلق دخان حجر، أو انزلق إلى قاع جذر، أو طفا على نهد غمامة، فتتملكني كم بات يمضغني ويجترني بخيالاته التي تجنح بي إلى عوالم وعوالم لا أدري غايتها مني، ولا غايتي منها.
تلك كانت حالتي منذ أن وقعت عيناي على تلك الأبيات من الشعر التي جعلتني أنفر من كل شيء، وأحذر من كل شيء يعيش معي بالذات أو بالخيال أو بالإحساس؛ أنفر حتى من وجودي معتقدا أن بيني وبينه هوة سحيقة من الغرابة النافرة، والهجرة المبحوحة الصدى.
تعيش الأسماك في أحواض من ذهب، ولا تدري ماهية الأحواض الذهبية منها... وبين الأحواض والأسماك صداقة قديمة يعرفها الماء، ويمجدها البخار. ويعيش الشاعر في أحواض هذه الحياة، فيخنقه سياجها المحكم عليه بأسوار من الغربة، فأفكاره وخيالاته وأحاسيسه وعواطفه يشعر بها غريبة عنه، فينفيها من وجوده مرة، ويتمسك بها مرة أخرى، محاولا أن يسير أعماقها التي هي أعماقه. ومن هذا العراك المحموم ينبثق ألم الشاعر ويزيد في الانبثاق حتى يغدو جمرة من الحماس والعنف، فيجحد عالم وجوده الضيق، وما يشمله، وينفر منه إلى عالم آخر أرحب وأوسع، متمسكا به ومتعلقا : 
من يدري ؟
من اليوم حتى ثلاثمائة سنة قد تأتي روح من العالم الواسع تفهمني وتبكيني
 
 لم يصلني من شعرك يا «نجوين دو(1)» إلا هذه الأبيات، ورغم قلتها فقد عرفتك من خلالها معرفة جعلتني أعيش معك وفيك وفيما حولك زمنا طويلا، حتى كدت أنسى هذه السنين التي صرفتها في وطني، بين أهلي وأصدقائي وأحبائي، وكدت أنسى معها لغتي، إذ وجدتني أتكلم بلغة لا أفهمها، ربما قد تكون لغتك، ولغة وطنك «الفيتنام» الذي زرته فتعرفت على ناسك وأهلك وأصدقائك من بشر وجدول وطير ونجم وطريق فحدثوني عنك، ففهمت من أحاديثهم أن الجدول يتلوى بين الصخور راقصا تارة، وضعيفا شاحبا متألما تارة أخرى، وعلى رقصته وشحوبته تضرب السهول الرحيبة موعدها معه، كما فهمت أن الرياح في طرقها تبني الهضاب والآكام، إلا أنها لا تستقر إلا على قمم  الجبال وفي ثغورها، ورافقني بعض ناسك إلى قصور آبائك وعائلتك الحاكمة وقتذاك، فحدثتني أقواسها المرمرية، وأسقفها المذهبة، وعرصاتها الرحيبة، ففهمت منها غربتك التي كانت تعريك من لحمك ودمك وعظامك وأنفاسك، وتتركك كوهم سقيم؛ وفي غربتك مرارة، وفي مرارتك نفور جامح من هذه القصور التي يطيب للعناكب والفئران أن تبني فيها مجدها. إن مجدا يتكئ على القصور لابد من أن يهوي من قببها، فيمسي خرائب وأطلالا، وجثة كبرياء تضحك منها الرياح، كما حدثني أقاربك عن رجوعك من وظائفك السياسية، وكرامتك مهشمة، وعاطفتك مجعدة، وعلى خدك مساحيق و «ميكياج» البسمات البلهاء، ففهمت هجرتك إلى الغاب، إلى قمم «هونج لين» ملاعب النجم، والنسيم الطويل، ومغاني الإصباح المضفرة بالندى، ومراتع الإمساء الوارفة تحت ضلاله أشجار الشفق، وخلفاها قلبك الطائر إلى كل مكان.
هكذا عرفتك يا «نجوين دو» وهكذا عشت معك أحقابا وأحقابا من الصمت العريض.
فما أطول صوتك ! وما أعمق روحك الدافئة المتغلغلة في كل الأشياء التي تعيش معي مبعثرة في طريق حياتي، فتمتد إليها أصابعي الجاهلة لتتناول بعضا منها، جاهلة بأن صوتك متغلغل بدموعك فيها، منذ أن قرأت تلك الأبيات من شعرك على يومنا هذا !.
 فما أجهلني ! وما أجهل الإنسان بكل ما تتناوله أصابعه ويدركه خياله، وتراه عينه! وما أجهله بحواسه التي لا تطيع إرادته، فلا هو يفهم أعمالها، ولا هي تدرك ماهيتها منه.

 (1)  يعد «نجوين دو» أب الشعر الفيتنامي. ولد سنة 1765. ينحدر من عائلة من كبار الحكام. عين ثلاث مرات سفيرا في بكين. استعار لنفسه اسم «صياد الجبل». هاجر إلى الغاب. توفي سنة 1820. من مؤلفاته «رحلة إلى الشمال». «نهاية أسرتي» ملحمة «كيم فان» في ثلاث آلاف بيت يقال انه نظمها في ليلة واحدة.
        

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here