islamaumaroc

السياسي المسلم

  محمد الحمداني

23 العدد

لو أن (بارتيليمي سانتهيلير) الذي صرح بحق قائلا1) : «إن السياسة وهي مستغرقة في مشاكل الساعة لا يسعها أن تسمو إلى المبادئ، وان رجل السياسة بما أنه يرعى المصالح، ويخدم الشهوات، ويسعى للتوفيق بينها –ولو أنه قد شارك في أمرها- يتزلزل رأيه، ويعمى بصره، وتوقعه المنازعات اليومية في الحيرة في أن يقول بأي نور سام ينقاد».
لو أن هذا العلامة الفرنسي – إذ يئس من أن السياسي الراغب في النجاح القريب والمطمع الخاص، يطابق سلوكه بالمبادئ الأساسية التي قامت عليها دعوته أول الأمر- جعل من بعض دراساته السياسية والأخلاقية، البحث عما يمكن أن يجده من النماذج الحية للسياسة التي تجعل الصلة المحكمة بين المبادئ والغايات، ولا تبالي بعد بالنتائج المحصلة إلا إذا كانت وفق تلك المبادئ وضمن حدودها، لو أنه فعل ذلك لوجدت في تاريخ «السياسي المسلم» المثل الأعلى للسياسة التي حددت «فكرة» وعملت على أن تبني عليها كيان المجتمع بأسره، ولكان قد أضاف بذلك إلى دراساته السياسية والأخلاقية والفلسفية الزاخرة بالعلم وبالفائدة وبالعمق حقا، شيئا من العلم وشيئا من الفائدة، غير أن مترجم أرسطو وناقد الفلاسفة، قد حصر الثقة في العقل البشري المجرد، وفي المنهج العقلي، وبالتالي في «السياسي الفيلسوف» فوقع في شيء من التهافت على حين قد وقع في شيء من التحيز القومي أيضا، فهو بالرغم من أنه صرح بأن الفيلسوف على استقلاله الشخصي لا يخلص تماما من تأثير القرن الذي يعيش فيه، وأنه عبثا يحاول التجرد، بما أنه دائما يتصل بزمانه، وأن الدولة المثالية التي يرمها أفلاطون يتسنم فيها روح السياسة الإغريقية، وأن حكومة الفرد التي كان يحلم بها (منتسيكيو) هي حكومة الفرد الوحيدة المقيدة في كل أوربا، وأن أعمال الفلاسفة مهما يظهر عليها أنها شخصية فإنها أيضا مظاهر اجتماعية. أنه بالرغم من إدراكه لهذه الحقائق واعترافه بها يناقض نفسه ويعلن «أن الأولى باسترعاء النظر من بين جميع العمال المختلفة الأنواع والتي كلها باعتراف الإنسانية بجميلها هي أعمال الفلاسفة فغنها قد ساعدت على بلوغ النتيجة العامة». وهو في الوقت الذي يقرر فيه «أن هدى رجال السياسة ينطفئ نوره غالبا في سجلات التاريخ» «يطالب الفيلسوف السياسي بأن يعتمد في تحديده لمبادئ السياسة العليا على السيكولوجيا ويجعل دراسة التاريخ مراقبة لهذه الإدراكات السيكولوجية».
أنه إذا كان لا بد لنا من أن نعتمد على العقل –بدل الهوى- بما انه القبس الإلهي الذي خصصت الحكمة الإلهية به إنسان هذه الأرض من بين سائر المخلوقات، وكان لابد لنا من أن نجعل على هذا العقل «مراقبة» تقيه التلف في متاهات الشهوات والشبهات، فإن هذه المراقبة لا يحق أبدا أن تكون للتاريخ أنها للدين، الدين الذي جعله خالق الإنسان لأعمال الإنسان عصمة و «حدودا» يقول (الدوس هكسلي : «إن العقل الناقد قسوة محررة إلى حد ما، غير أن الوسيلة التي بها يصير ذا فائدة تتوقف على الإدارة، وحينما لا تكون الإدارة نزهة وغير متحيزة فإن العقل يصبح الخاصة، وهذا هو السبب الذي من أجله كان أولئك الفلاسفة الأذكياء الذين حرروا أنفسهم بكيفية تامة، من السجن الضيق لعصرهم وبلدهم من القلة بحيث لا يذكرون»2). والذين بما أنه الخاصة الإنسانية التي لم يستطع الإنسان أن يستغني عنها في أي حقبة من أحقاب تاريخه المتعاقب، فغنه وحدة القوة التي تستطيع أن تمسك بزمام العقل وتربطه برباط الإرادة الطيبة التي هي شرط في أن يكون العقل أداة بناء لا أداة هدم، وأداة إصلاح لا أداة إفساد؛ ولقد كان الشاعر الفيلسوف ميخائيل نعيمة من الشعراء المهتدين حين أدرك ما للعقل من قابلية الوقوع في الضلال والحيرة والشك، وعبر عن هذا المعنى في شعره الرائع من قصيدته «ابتهالات» حين قال :
فإذا ما راح فكري عبثـا
               في صحاري الشك يستجلي البقاء
مر منهوكا بقبلي  فجثـا
               ثانيا يمتص  من قلبـي الرجـاء
أما إذا كانت هناك قيمة يجب أن تعطى للتاريخ، فهي قيمة العبرة والتأييد والاستشهاد والاستئناس، لا الاعتماد العلمي، والمراقبة الأساسية؛ ولقد تفطن لهذا المعنى العلامة ابن قيم الجوزية حين قال : «إن الإنسان يجب عليه لتتميم سعادته وفلاحه أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير ويكون له نصيره في ذلك ما شهده في العالم وما جربه في نفسه وغيره، ومع أنفع ذلك تدبر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه وفي أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة؛ ثم السنة، فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني، ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى تعاين ذلك، فإذا تأملت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة، ثم قال :«فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير وللشر3)» وهو في كتاب السياسة الشرعية يثبت «أن من له ذوق في الشريعة وإطلاع على كمالاتها وأنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها لغاية العدل الذي يفصل بين الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، وعرف أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وان من له معرفة بمقاصدها ووضعها مواضعها وحسن فهمه فيها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر بعين الشريعة، علمها من علمها وجهلها من جهلها».
وفي الدراسات الاجتماعية والسياسية المعاصرة الرامية إلى تحديد المثل والأهداف العليا للإنسانية نجد أن الكاتب الانجليزي الذكي (الدوس هكسلي)، الذي أدرك أن الأنانية السياسية هي أسباب الفساد في السياسات الحاضرة، وانه لا سبيل إلى الإصلاح الصحيح إلا بالرجوع إلى الدين الصحيح، هو الذي أدرك الداء في مكمنه، والحقيقة في أصلها، لقد أدرك (هكسلي) عن وعي أن جميع الأمثلة التي رسمت في عصره ومن قبل عصره لأن تكون المثال المحتذى لعالم أفضل، وحياة مثلى، غير حرية بأن تكون ذلك المقام المطلوب أن تتبوأه الجماعة البشرية فوق هذه الأرض، وهي أسعد ما تكون، وأعدل ما تكون، وأكثر جمعا لعناصر الخير والحب الأخوي، ذلك أن جميع الهيئات والجمعيات وأكثر الفلاسفة والمفكرين الذين رسموا تلك الأمثلة وخططوا الطرق الموصلة إليها كانوا عرضة لتأثير البيئات والظروف المحيطة، كما أن الهوى والتعصب كان الديدن والشيمة المسيطرة على هؤلاء، وعلى من أطاعهم طاعة عمياء، واتبعهم تبعية تقليدية جازمة بغير دليل ولا برهان. وبخصوص الخطط السياسية للقرن العشرين –القرن الذي سمى العالم السياسي والاقتصادي «جستاف شتلبر» ما بعد سنة 1914 «عصر الخرافة» وقال4) : «أن الجماهير الجاهلة ورجال العلم والمال والفن والأدب كل أولئك استووا في التعلق بخرافاته» -بخصوص هذا القرن، وبخصوص ساسته الذين حملوا على السياسة زاعمين أنهم سائرون بالإنسانية إلى أهدافها العليا قال (هكسلي) «إن أكثر شعوب العالم اليوم أبعد ما تكون عن المثل العليا والاهتداء بهديها» «انه لا شك أن التقدم العلمي والفني يسير بخطى حثيثة، ولكن تبادل الحب بين القلوب لا يسير مع هذا التقدم جنبا لجنب، وإذن فيس من وراء التقدم العلمي والفني فائدة بل إنه من بواعث التأخر والتدهور في كرم النفوس وطيب الأخلاق».
«إن الدكتاتوريين الاقتصاديين والسياسيين في العصر الحاضر يخترعون الأكاذيب بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ وهم يبثون أكثر هذه الأكاذيب في الدعاية المنظمة التي تنفث الكراهية والغرور في صدور الناس».
«إن تبادل الحب لا يمكن أن يتمكن من القلوب إلا إذا عاد الناس إلى الدين الصحيح والعقيدة في إله واحد ولكن العامة اليوم تعبد آلهة متعددة، فهي تعبد الآمة، أو تعبد طبقة معينة من الناس، أو تقدس الفرد».
«إن أهداف الإنسانية هي بعينها ف يكل زمان ومكان» «وإن الذين استطاعوا أن يذكروها حق الإدراك وان يخطوا لتنفيذها خططا متشابهة إنما هم أولئك الذين حرروا أنفسهم من تأثير البيئة والظروف والزمان، ومن دواعي الهوى والتحيز والتعصب، وأولئك –كما يقول هكسلي- ليسوا إلا الأنبياء ورجال الدين ومن أتبعهم من بعض الفلاسفة الأحرار.
لم يضع (هكسلي) إذن الثقة في «السياسي الفيلسوف» بعد أن فقدها من السياسي الأناني المراوغ كما فعل (بارتيليمي سانتهلير) ولكنه وضعها في السياسي المتدين».
لقد وضع (بارتيليمي سانتهلير) مقياسا تاريخيا فسيحا وعادلا حقا كما يقول، يجب أن تؤسس عليه «محكمة قضاء» يمكن أن ترد إليها جميع أعمال الجمعيات القديمة والحديثة وجميع أعمال رجال السياسة والمقننين في كل الأزمان، وديانة الشرك، وديانة المسيحية، هذا المقياس هو «إن كل جمعية أيا كانت صورتها السياسية يجب عليها أن تحترم «حقوق الإنسان» وتكفلها بمقدار معرفتها إياها، تحترمها وتكفلها أو لا في ذاتها ثم في جميع النتائج المترتبة عليها» وعلى هذا المقياس التاريخي ناقش (بارتيلمي سانتهلير) اعمال أفلاطون وأرسطو وأعمال من سبقه هو من فلاسفة السياسة ورجالها العمليين، فأثبت منها ما أثبت، وزيف منها ما زيف، غير أن العالم الفرنسي كان أبلغ في التناقض، وأظهر عرضة لتأثير البيئة والظروف والعرق الدساس، وأبعد عن تحكيم مقياسه التاريخي الذي وضعه لمحاكمة الناس وآراء الناس عند ما حكم ب «أن الجمعية التأسيسية الفرنسية قد فاقت ف يعملها جميع من سبقها من الحكماء بإعلانها حقوق الإنسان» «وأن الفلسفة ذاتها بلم تكن محيطة بها عما، وأن الديانات إلا قدس ما تكون لم تستطع أن توحيها!!» «وأنه إذا كان بين الأمم الحديثة أمة تستحق قصب السبق فهي أمتنا...» حقا أن العلامة والسياسي الفرنسي كان أكثر عرضة لتأثير الوطنية الضيقة وأبعد عن الاستجابة لنداء الحق عند ما حكم بأن السياسة الفرنسية التي تمثلت صورتها في الجمعية التأسيسية الفرنسية هي وحدها السياسة التي خرجت بريئة أمام محكمة القضاء التاريخية لأعمال الجمعيات السياسية والدينية التي تكلفت بالعمل لخير الإنسان وحقوقه.
ولنضع نحن أمامنا الآن على ضوء هذا المقياس التاريخي الذي وضعه (بارتيلمي سانتهيلر) وحكم به للجمعية الفرنسية، أعمال الجمعية الإسلامية أي أعمال «السياسي المسلم» لنر إلى أي حد استطاع أن يحرر نفسه، ويحرر الإنسانية، أي إلى أي حد استطاع أن يأخذ بزمام الإنسانية للتمكن من حقوقها الطبيعية التي كرمها بها ربها، وخلقها من أجل التمتع بها.
لقد كان محمد (ص) هو السياسي الأول في الجمعية الإسلامية، وبم أن السياسة تعني في أصدق معناها الاشتقاقي، قيادة الإنسانية إلى الخير والصلاح والفلاح والحياة السعيدة، فقد كان محمد سياسيا مسلما بأصدق ما تكون هذه الكلمة، علما وعملا، مبدءا وخلقا، وتحقيقا في عالم الواقع التاريخي، وهو (ص) وغن لم يكن بدعا من الرسل قبله في مبادئ هذه السياسة وأصولها، وأغراضها وغايتها، -فجميع رسل الله من قبله كانوا ساسة لأممهم بهذا المعنى الشريف والقدس للسياسة، فمحمد (ص) هو القائل «كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبيائهم كلما هلك نبي خلفه»5) –فقد كانت سياسته القرآنية مهيمنة على كل سياسات الرسل من قبله، بما أنه كان سياسيا «عالميا» على حين كان الرسل من قبله ساسة «أمميين» «وأوصلنا نوحا إلى قومه» «وإلى عاد أخاهم هودا» «وإلى ثمود أخاهم صالحا» «وما أرسلناك إلا كافة للناس».
وعن محمدا كعقل إنساني كلف من قبل رب البشرية إلى هدايتها إلى طريق تمنعها بحقوقها وقيامه بواجباتها، كان يستمد علمه بقوانين هذه الهداية من السماء، من الوحي، ولكي يسلم هذا العلم بشؤون هداية الناس وأساليب سياستهم وقيادهم من الضلالات والانحرافات، وتأثير الظروف والبيئات، وكل أنواع المؤثرات على العقل وعلى العاطفة، منع الوحي محمدا أن يصغي لغير نداء هذا العلم الذي هو وحده العلم الحق وغيره الضلال،
 والذي هو وحده العلم وغيره الجهل، ذلك أنه وحده العلم الصادرعمن خلق العقل وغير العقل من أشياء يتأثر بها العقل مهما كان مبلغ طبيعته من الاستقلال في التفكير وفي الإدراك وفي الحكم، ومن ثم جاء الوحي ينهي محمدا أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، وان يتخذ من ظنون الناس وتخرصاتهم بديلا بعلم الله «قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير» «وإن قطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله أن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون» «ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون». وبما أن علم محمد بقوانين سياسة الناس وهدايتهم إلى الخير كان مستمدا من الوحي فقد كان محمد ينطق في كل شيء بالعلم لا بالهوى، وتصدر جميع أعماله وسلوكه السياسي في كل ذلك تبعا لمقتضيات هذا العلم «وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى».
وفي هذا جاء حديث عائشة أنه (ص) «كان خلقه القرءان»6) ومن ثم أيضا لم يقل محمد من شيء من العلم بالأشياء أنه أوتيه من عنده، بل كان دائما شعاره «اللهم تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب».
ومن ثم أيضا كانت سياسة محمد للناس وقيادتهم سياسة «المبدأ قبل الغاية» لا «الغاية تبرر الوسيلة» ومن ثم كانت سياسة محمد لا تحفل بالمنافع الحاضرة ولا تتبع أسلوب الدوران واللف، ومن ثم وفقت سياسة محمد في الأخذ بزمام الإنسانية للتمتع بحقوقها، وجعل هذه الحقوق محققة الوجود العملي في كل ميادين الحياة الإنسانية، والحجة الثانية، والتاريخ شاهد.
اعتبر (بارتيليمي سانتهلير) إن وثيقة «حقوق الإنسان» الفرنسية هي أول صك مكنته الجمعية التأسيسية الفرنسية للإنسان ليخوله التمتع بما لم يتمتع به حقوقه الطبيعية من قبل إعلان هذه الوثيقة، ولقد غفل (بارتيليمي سانتهيلير) عن أن التاريخ أثبت أنه كان هناك من قبل «وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية» «وثيقة حقوق الإنسان القرآنية» فإذا كانت الوثيقة الفرنسية قد أعلنت سنة 1789 في أول مبادئها الأساسية «إن الناس قد ولدوا أحرارا متساوين في الحقوق» فإن الوثيقة القرآنية قد هدمت من قبل ذلك بما يزيد واللون والطبقة والجنس، وأعلنت في العبارة القدسية على لسان النبي محمد، إن الحرية الإنسانية والمساواة الإنسانية مكفولة لكل من ولد من بني آدم من ذكر وأنثى، وانه لا فضل لإنسان على إنسان إلا بالتقوى، بالعمل الصالح للفرد وللجماعة في المجتمع الإنساني بأسره «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم».     
ولئن كانت الوثيقة الفرنسية قد أعلنت في مبدئها الثاني «إن الناس يمكنهم أن يفعلوا ما لا يضر بالغير، ويمكنهم بناء على ذلك أن يفكروا وأن يكتبوا وأن يطبعوا في حرية» فغن الوثيقة القرآنية قد أعلنت من قبل بمئات السنين، إن الناس أحرار في أن يفعلوا ما يشاؤون وان يتمتعوا بما خلقهم الله للتمتع به بما يشاؤون، ما لم يتعدوا حدود شريعة الله، أو يعتدوا بغير حق على حقوق عباده «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة» «قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منه وما بطن والإثم والبغي بغير الحق» «إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق» «أما عن حرية القول والكتابة والنشر فإن الوثيقة القرآنية تعتبر إن الناس ليسوا فقط أحرارا في أن يقولوا باللسان أو بالقلم، من حسن القول وطيبه ما يشاؤون، بل هم فوق ذلك مطالبون بأن يعلنوا باللسان أو بالقلم ما يرونه كفيلا بإصلاح المجتمع بإرشاد الضال، وإقامة المعوج، وإرجاع الظالم إلى الحق إرجاعا، «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون» «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله» «وقولوا للناس حسنا» «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس».
ولئن أعلنت الوثيقة الفرنسية في مبدئها الأساسي الثالث «إن المواطنين الذين تتكون منهم الأمة الحق المطلق في إدارتها» فإن الوثيقة القرآنية قد أعلنت من قبل ذلك بمئات السنين؛ عن صاحب الحق في إدارة شؤون الأمة عليه أن يشاورها في الأمر كله، وإن لا يستبد بالأمر دونها، وإن الأمة لها الحق في أن تنازعه، وإن توقفه عند حده فيما لم تره من التصرفات يجري على غير ما تقتضيه مصلحتها المرسلة، ومنفعتها العامة، «فلو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر» «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر».     
ولئن أعلنت الوثيقة الفرنسية في مبدئها الأساسي الرابع «أنه يجب على الأمة صاحب السلطان أن تضع نصب عينها دائما حقوق الأفراد من جهة، والمصلحة العامة من جهة أخرى» فإن الوثيقة القرآنية قد كفلت كل حقوق الأفراد والجماعات، وأوصت بالمحافظة عليها، والضرب على يد من يريد الإساءة إليها والتعدي عليها، «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» «إن الله يأمركم أن تودوا الأمانات إلى أهلهلا وإذا حكمتم بين الناس إن تحكموا بالعدل» «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبون أو تقطع لأيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض» بل إن الوثيقة القرآنية فوق ذلك قد أوجبت القتال في سبيل الدفاع عن حقوق المستضعفين في الأرض «وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا» لقد كفلت الوثيقة القرآنية للإنسان كل حقوقه بالجملة وبالتفصيل وهدته المثل العليا، وإلى السبل التي حققت له بالفعل هذه المثل، وجعلتها حية تمشي على الأرض في شخص رجل الدولة، وفي شخص رجل الشارع معا.
اعترف (بارتيليمي سانتهيلير) إن رجل السياسة الفرنسي اضطره التطبيق العملي، ومراعاة العواطف والميول والأغراض في الميدان السياسي، إلى نسيان المبادئ التي أعلنتها الوثيقة الفرنسية ولقد وعم زاعم7) «إن النبي لما صار رئيسا سياسيا تغير عما كان عليه لما كان لا يزال طامحا في الرئاسة، وإن الحكومة التيوقراطية من حيث أسياسة الفعلية تغيرت عنها لما كانت فكرة، وعلى هذا صار الطابع السياسي يزداد بروزا والطابع الديني يزداد تراجعا».
غير أن تاريخ الرسول وتاريخ رجال السياسة الإسلامية من بعد الرسول، يدل دلالة قاطعة على أن هذا الزاعم لم يعتمد في دعواه على حجة علمية بالغة، وسند تاريخ قوي.
كان محمد في أول قيامه بالدعوة الإسلامية النبي المسلم، والرسول المكافح في سبيل نشر المبادئ الإسلامية ومثلها العليا، وتركيزها وغرسها في نفوس الناس، وعندما أصبح نبي الله، نبيا سياسيا كرجل للدولة وكقائد مظفر، فهل فتنته نعمة الحكم عن الذي أوحي إليه ؟ هل أخرجنه عن مبادئه التي كان يكافح من أجلها من قبل أن يكون حاكما ؟ هل أصبح بعد الحكم القائد الصلف، والحاكم المستعلي، والسياسي المداور؟ هل استغل أو انتهز أو تكبر وتجبر ؟ هناك الأمثلة الرائعة تحتويها شمائل الرسول محمد، وهي حجة قاطعة على أن رجل الدولة في الجماعة الإسلامية، ظل بعد الحكم نبيا، كما كان قبل الحكم نبيا، وظل بعد الحكم إنسانا، كما كان قبل الحكم «إنسانا» وظلت جملة «إنما أنا بشر» تتصدر كل كلماته الشريفة التي يلقيها على الناس في الحياة وشؤون الحياة.
أنصتوا –إن شئتم- إلى هذا امثل الرائع الذي يدل دلالة قاطعة على أن مثل السياسة العليا للديموقراطية الإسلامية –التي قررت الاعتراف بحق المطالبة بالحقوق من أي من كان مهما علت منزلته في الجماعة، وواجب إعطاء الحقوق لأي من كان مهما نزلت منزلته في الجماعة– ظلت تحتل مكانها في نفس النبي محمد وهو القائد المظفر كما كانت تحتل مكانتها في نفسه وهو الرجل الضعيف يكافح مع زمرة قليلة من المستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، كان الرسول وهو يقوم بوظيفة القائد العسكري في إحدى غزواته يسوي الصفوف، فانحرف جندي عن الصف فطعنه رسول الله (ص) بقدح كان في يده بعدل به القوم آمرا له أن يقف مستويا في الصف فقال الجندي الصغير للقائد الأعلى، يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فاقدني. فهل تغطرس محمد أو تجبر أو أخذته عزة القائد العسكري فقدم جنديه للمحاكمة العسكرية بتهمة إساءة الأدب ومخالفة الأوامر، كلا، بل كشف عن بطنه قائلا للجندي البسيط استقد، وهنا سرت الإحساسات الشريفة بالديمقراطية وبالحق وبالتسامح وبالحب من نفس الرسول القائد إلى نفس الجندي المأمور فقبل بطن قائده بعد أن أعطاه الحق في طعنه بالقصاص العادل. وهذا مثل آخر من المثال العديدة على أن الرسول (ص) لم يتزحزح عن مقتضيات المبادئ الإسلامية التي قامت عليها دعوته الأولى، ولم يستعمل أسلوب الأصولية والانتفاع الخاص مما شاع اليوم في أخلاق ساسة الدنيا وقادتها. انتصر محمد في إحدى غزواته فغنم غنائم من الخدم والمتاع ما جعل بنته فاطمة تتشوف إلى نيل بعض ما يخفف عنها آلام الحياة وصعوبة العيش، وشدة ما تقاسي من تعب الخدمة البيتية وذهبت إلى أبيها المنتصر الغانم تطلب إليه أن يمنحها خادما يخفف عنها ما تلقاه من آلام الطحن في الرحى فلقنها محمد كلمات من الذكر ضبط بها نفسها، وأوقفها عند حدود العفة، وعرفها أنها مخطئة في اعتبار الغنائم غنائم أبيها، أنها غنائم الأمة وأن الأحق بها هم مساكين الأمة وضعفاؤها وأراميلها قائلا «والله لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم»8).
أسس محمد للجماعة الإسلامية قواعدها وثبت أركانها، وبنى أسس الحياة الإنسانية فيها على قاعدة، العبودية لله، والأخوة للإنسان، والكرامة للتقوى، والكلمة للعدل، ثم خير فاختار، اختار الرفيق الأعلى، وانتقل إلى رحمة ربه راضيا مرضيا، وخلفه في سياسة الجماعة الإسلامية من بعده أبو بكر بن أبي قحافة فكان سلوكه السياسي في القوم سلوك صاحبه لا يحيد ولا يند، وبنى القاعدة الأساسية لخلافته على أساس أنه مطلق «إنسان» كلف بواجب من الأمر، فلا استئثار ولا استبداد، ولا تحكم ولا استغلال، أنه ليس إلا فردا من الجماعة، فإذا كلفته الجماعة بواجب القيام بشؤونها، فعلى الجماعة أن تقوم بواجبها فبق النصح والتسديد والتصويب ورده إلى جادة الحق إذا هو خرج عنها، أليس هو القائل في أول كلمة في القوم «أما بعد فغني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وغن رأيتموني على باطل فردوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، إلا أن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له الحق، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق».
ومن بعد أبي بكر جاء الخليفة عمر، ذلك السياسي «العبقري»9) المسلم الذي جعلته مبادئه الإسلامية يحس بعناصر الحرية تحيى في نفسه كإنسان، فأدرك بوعيه الإسلامي  أنها في نفس الآخرين كذلك، وبذلك كان مضرب الأمثال في تمكين الضعفاء المحكومين، من أخذ حقوقهم من الحكام الأقوياء، عمر الذي هتك ستر «البرستيج» القيصري والكسروي في الحكومة الإسلامية وأوقف العمال أبناء الأكرمين أمامه تصفعهم أكف المواطنين المظلومين بالقصاص العدل قائلا للأولين كلمته الخالدة في سجل «حقوق الإنسان» في تاريخ السياسة الإسلامية «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».
إن الأمثلة كثيرة وغزيرة في تاريخ السياسة الإسلامية وهي كلها تشهد على أن هذه السياسة كانت سياسة المبادئ لا الأشخاص، فعندما أشيع في غزوة أحد أن رسول الله (ص) قد مات خشى الناس أن يكون       
شخص الرسول قد فقد فنزل القرآن «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل فأئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا».
إن «السياسي المسلم» كانت قاعدته في السلوك السياسي «المبدأ قبل الغاية» لا «الغاية تبرر الوسيلة» كان يزن سلوكه السياسي بمبدئه فيضيع هذا في كفة وذاك في كفة أخرى، فإن تعادلا فذاك، وإلا فما كان لينقص من مبدئه ليخف، وتصير المبادئ العليا لا قيمة لها في وقاع الحياة.
وبعد فإن أي سياسة لا تقوم على هذا الأساس «المبدأ قبل الغاية» سواء في ذلك سياسة الهيئات والأحزاب، أو سياسة الحكومات والأمم، فهي سياسة معرضه إلى الانزلاق، ومحكوم عليها بالفشل قطعا، وإن كانت هناك كلمة معاصرة هي أصدق وصفا للهيئات حين تنحرف عن خطتها الأصلية فهي تلك الكلمة التي وصف بها المفكر المسلم الأستاذ مالك بن النبي، جمعية العلماء الجزائريين حين زجت بنفسها في مهاوي السياسة الوضعية قال10) «إن الحكمة قد تركت مكانها للانتهازية السياسية...» «وانقلبت الحركة الإصلاحية على عقبها، وأصبحت تمشي على قمة رأسها، وما كان الأمر خاصا بالجزائر، بل كان العالم الإسلامي مصابا بمثل ما أصاب الجزائر، فقد نشأت فيه التيارات الحزبية وانعكست فيه روح السمو، وقوة الصعود، إلى عاطفة سفلية وجاذبية سفلية».    

1) جميع ما يدور عليه موضوع المقال من كلام (بارتيليمي) هو منقول من مواضيع مختلفة، التصرف اللفظي، من مقدمته على كتاب السياسة لأرسطو.
2)  نقلت هذه الفقرات من الأصل الانجليزي لكتاب «الغايات والوسائل» لهكسلي، حيث لم يترجمها مترجمه الأستاذ محمد محمود، أما ما سأنقله من  كلامه بعد، فهو منقول من الترجمة العربية للكتاب.
3)  الجواب الكافي.
4) عصر الخرافة، تعريب محمد علي أبو درة ص 29 ج 1.
5) البخاري.
6) مسلم وابو داوود واحمد.
7) يوليوس فلهوزن في كتابه تاريخ الدولة العربية، ترجمة الأستاذ محمد عبد الهادي أبو زيدة.
8) من حديث البخاري وأحمد.
9) أطلق المحب الطبيري كلمة «عبقري» على عمر (ض).
10) في كتابه شروط النهضة ص 26، 27 –الترجمة العربية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here