islamaumaroc

في موضوع أحمد المنصور الذهبي: قول على قول

  دعوة الحق

178 العدد

نشرفي هذا العدد مقالا للأستاذ عبد القادر العافية حول السلطان أحمد المنصور الذهبي يبرز خلاله ملامح من شخصية العاهل المغربي المجاهد اعتمادا على مراجع مقطوع بصحتها.
ولاشك أن مراجعة شخصية السلطان أحمد المنصور الذهبي تفتح أمامنا آفاق واسعة للدراسة التاريخية المعمقة في الحضارة المغربية وتاريخ الفتوحات الإسلامية العظمى التي تمت على يد ملوكنا وأمرائنا منذ عهد طارق رضي الله عنه.
ونحن نعتبر مقال الأستاذ العافية استمرارا للمناقشة التي بدأها الدكتور عثمان عثمان إسماعيل مع الباحث الدكتور شوقي عطا الله الجمل.
والمجلة ترحب بأي بحث هذا السياق يلتزم شروط النزاهة والموضوعية والإنصاف التاريخي.
جاء في العدد ما قبل الأخير من مجلة دعوة الحق الغراء (العدد الثالث السنة 18) رد للدكتور عثمان عثمان اسماعيل على موضوع «أحمد بابا التمبكتي السوداني» للدكتور شوقي عطا الله الجمل.
وجاء رد الدكتور عثمان عثمان مدعما بكثير من الوثائق والحجج والبراهين، والذي أورده في هذا الحديث هو توضيح بعض الأفكار الواردة في الرد.
وذلك أن الدكتور عثمان عثمان تعرض لموضوعين هامين فر رده وهما:
1 ـ قضية فتح السودان من طرف أحمد المنصور الذهبي.
2 ـ شخصية أحمد المنصور نفسه
وكل واحد من هذين الموضوعين يعد من الأهمية بمكان في تاريخنا الوطني، لأن فترة أحمد المنصور الذهبي تعد بحق من الفترات المشرقة في تاريخ الجناح الغربي من العالم الإسلامي في القرن العاشر الهجري، ونظرا لما لهذه الفترة من الأهمية فإن الحديث عنها قد يكون متشعبا ومتعدد الجوانب. وبالتالي قد يكون مسهبا وذا نتائج مختلفة ومتباينة..
ومن هنا لا يستغرب أي تدخل في مثل هذا الموضوع الهام مادام له البحث عن الحقيقة هو الهدف المنشود لدى الجميع.
أولا ـ قضية فتح السودان بأمر وتوجيه أحمد المنصور السعدي تعرض إليها غير واحد من المؤرخين والباحثين.. فمنهم من يرى أن هذه العملية كانت فاشلة، وأنها كانت عبارة عن مغامرة أليمة...
في حين يرى البعض الآخر أنها كانت عملية هادفة وناجحة.. وأنها حققت الكثير من أهدافها وغاياتها.
وكما اختلف المؤرخون والباحثون في قيمة هذه العملية اختلفوا كذلك في البواعث والدوافع التي حفزت للقيام بعملية فتح السودان، فرأى البعض أن الباعث كان اقتصاديا محضا ورأى البعض الآخر الدافع إلى ذلك كان الغاية منه، هو صرف طاقة الجيش في هذه الناحية البعيدة للتخلص من ضغوطه وتطلعاته..
خاصة وأن صرف هذه الطاقة للتوسع في الشرق أو الشمال يكاد أن يكون من قبيل المستحيل، وذلك لوجود دولتين قويتين هما: الإمبراطورية العثمانية في الشرق، والإمبراطورية الإسبانية في الشمال، (بشبه جزيرة أيبريا وبالثغور المحتلة في سواحل المغرب).
ومعنى ذلك أنه لم يبق مجال للمنصور في تصريف هذه الطاقة الحربية إلا نحو الجنوب ونحو بلاد السودان، وهذا بالإضافة إلى أن ذهب السودان ورقيقه الأسود كانا يشغلان بال محبي الشراء والغنى من ملوك وأباطرة ذلك العهد.. الخ.
لكن مهما يكن من أمر فإن الذي ينبغي ألا ننساه في هذا الموضوع هو أن فكرة فتح السودان كان الباعث عليها هو محاولة استرجاع الأندلس، ذلك الفردوس المفقود الذي لم يكن من السهل على المغاربة أن ينسوا إخوانهم به، ولا أمجادهم فيه.
ولم يكن من اليسير على المغاربة، أن تندمل جراحات نفوسهم العميقة من جراء نكبتهم بفقدان الأندلس. خاصة وأن تلك الجراح لم تكن الأيام المتوالية تزيدها إلا تنكأ وتعميقا.. حيث كانت بقايا المسلمين في الأندلس تعاني أشد الويلات من محاكم التفتيش ومن مضايقة السلطة ورجال الكنيسة وكان فلول من هذه البقايا تصل إلى المغرب بين الفينة والأخرى شاكية باكية بقلوب دامية وعيون دامعة..وكان منظر ومخبر هؤلاء يبعث على الرثاء ويحز في النفس..
وفي عهد أحمد المنصور بالذات تجمع عدد من الأندلسيين الناقمين بالمغرب، وكون أحمد المنصور من هؤلاء جيشا هاما كان يسمى «جيش الأندلسيين» وكان من بين أفراد هذا الجيش الناقم ضباط وقادة ورؤساء.. ونظرا لعهد الازدهار الذي عرفه المغرب في حياة أحمد المنصور الذهبي فإن الجيش المغربي عرف بدوره تنظيما محكما ونموا وقوة ونظاما.. وأصبح هذا الجيش يقوم بتدريباته واستعراضاته في أبهى حلة وأتم استعداد، وأحسن نظام...(1).
وكانت عناصره الأندلسية بخاصة تتوق إلى الحرب وتتطلع إلى الالتحام مع أعدائها الذين اغتصبوا أرضها وخيراتها..
وعلى الجملة كان جيش أحمد المنصور بأعداده الوفيرة، وفرقه المتنوعة ومعداته الحديثة، وبتطلعات وتوقان ضباطه وقوده كان هذا الجيش يريد أن يعمل وأن يخوض المعارف.. وفي نفس الوقت كانت آمال الأندلسيين من القواد والضباط والجنود وغيرهم معلقة على همة أحمد المنصور وعلى ذكائه ونبوغه ونخوته وشهامته..
ولاشك أن أحمد المنصور بحنكته وذكائه وخبرته السياسية.. كان يحسب للحرب مع الإمبراطورية الإسبانية القوية ألف حساء وهو مع ذلك وفي نفس الوقت يقدر نكبة فقدان الأندلس ويحز ذلك في نفسه كما يحز في نفوس الآخرين.
لكن أحمد المنصور المسؤول الأول في الدولة لا يريد أن يغامر ولا يريد أن يخوض حربا يكون مآلها الفشل الذريع.. ولذلك فأحمد المنصور لم يجد بدا من أن يمهد للحرب مع الإسبان بفتح السودان وتوحيد وجمع كلمته بكلمة إخوانه في غرب شمال أفريقيا.
ومعنى ذلك أن عملية فتح السودان في نظر أحمد المنصور فيها فسح المجال للجيش ليقوم بواجبه في توحيد كلمة المسلمين، وفي نشر الإسلام في ربوع افريقيا.
وفي نفس الوقت فيها كسب جديد من الناحية المادية والبشرية خاصة وأن التاريخ يشهد بأن معركة الزلاقة لعب فيها الصحراويون دورا هاما بجمالهم وطبولهم وهيئاتهم...
وهناك عامل آخر وهو ترقب الفرصة في العدو، خلال هذه الفترة من الاستعداد وخاصة فيما إذا أصيب بنكبات من نوع نكبة «الارمادا» التي هزم فيها
 الأسطول الإسباني أشنع هزيمة سنة (997 = 1588م) على يد الأسطول الإنجليزي ثم أن أحمد المنصور من جهة أخرى كان يتبع دبلوماسية حكيمة في الضغط على إسبانيا ومحاولة التحالف ضدها، وفضح نواياها أمام دول ذلك العصر...
ومعنى كل هذا أن عملية فتح السودان كانت عملية استعداد لما هو أهم منها في نظر المغاربة وفي نظر أحمد المنصور.
وتفسر لنا هذا بوضوح كثير من الوثائق التي تعود إلى نفس الفترة، فمن ذلك مثلا تلك القصائد الرائعة التي كانت تنشد بمحضر أحمد المنصور مهنئة ومبرزة مواهبه ومشيدة بفتوحاته وأعماله... والتي كانت في معظمها تشير إلى أن الانتصارات في السودان لا يتم جدواها  إلا بفتح الأندلس!!.
ومن المهنئين بالفتح من كان يذهب بعيدا أو يطالب بأن يكون المغرب هو مقر الخلافة الإسلامية، وبأن يكون أحمد المنصور هو خليفة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها...
ولقد نقل لنا الشاعر الأديب وزير القلم عبد العزيز الفتشالي في كتابه مناهل الصفا (2) عددا من هذه القصائد سواء في حديثه عن فتوح السودان أو أثناء تصويره لروعة الاحتفال بعيد المولد النبوي على عهد احمد المنصور، لأن كثيرا من قصائد التهنئة بهذه المناسبات كانت تعرج في نهايتها على الإلحاح بإنجاز مثل هذه المطالب والمتمنيات.
ومن ذلك مثلا قول الكاتب الشاعر الحسن بن أحمد المسفيوي أثناء احتفالات المنصور بانتصارات جيشه في السودان:
«فملكت أقطار الجنوب وما سمت لمنال ذلك همة الاسكندر»
«وتنال أندلسا يجود ربوعها برد المنية من غمام العيتر»
«فقد الجياد إلى الضلال تسومها حكم الردي وتدوس معطس قيصر».
«أدرك فيها الثأر المنيم فطالما ألوى به للدين رهط الأصغر».
وجاء في قصيدة أخرى لأخي الشاعر السالف الذكر:
«فدان الجنوب وهذا الشمال ستنظمه بعد في قطار» «ود كنت اعثرت جد الصليب ستعثره ضعف ذاك العثار».
والشاعر هنا يشير إلى معركة وادي المخازن التي انهزم فيها الجيش الصليبي بقيادة الملك البرتغالي «سبستيان» أفظع انهزام (986هـ = 1578م)، ويرى أن انهزام الصليب سيتضاعف في المستقبل.
ومن قصيدة طويلة للشاعر محمد بن علي الفشتالي يهنئ بها المنصور على فتوحاته في السودان قوله:
«منحتك ابكار الليالي وصلها حتى تنال بها كبير مؤمل».
«وتضيف ملك مشارق لمغارب عفوا كنظم جنوبها والشمال».
ونرى الشاعر هنا يؤكد على تحقيق هذه الأمل الكبير المنشود الذي هو:
ضم المشرق للمغرب والشمال للجنوب، والمقصود بالشمال هنا بلاد الأندلس.
ولم يكن هذا الأمل الكبير من قبيل أماني الشعراء وخيالاتهم ومبالغاتهم في التهنئة والمدح، بل كان هذا الأمل يراود قلوب المغاربة جميعا حيث كانوا يتطلعون إلى اليوم الذي تعود فيه الحياة الطبيعية إلى بلاد الأندلس، وإلى اليوم الذي يعود فيه المطرودون والمظلومون إلى ديارهم وأراضيهم...
ونجد هذا مصرحا به في عدد من الوثائق الرسمية الصادرة عن الدولة، ولقد نقل لنا الفشتالي في مناهل الصفا بعض هذه الوثائق، وخاصة أثناء حديثه عن ثورة الناصر ابن عبد الله الغالب الذي كان لاجئا عند فيليب الثاني ملك إسبانيا.
تلك الثورة التي كانت مؤامرة خطيرة على سيادة المغرب من قبل فيليب الثاني والأمير الناصر ابن أخي المنصور، في وقت كانت معظم فرق الجيش المغربي تخوض معاركها في السودان، واستطاع جيش ولي العهد بفاس مع فرق من جيش مراكش التغلب على هذه الثورة وإخمادها...
وفي هذا الموضوع يقول عبد العزيز الفشتالي: «لما عظم على الطاغية شأن ما أسفه من اسداء أمير المؤمنين وإلحامه وشحذ عزائمه الماضية على ما يؤمل من نكايته وتدمير أرضه، وأقلقه ذلك وحذر مغبته شمر للاعتمال في المكابد التي هي جنده الأقوى وحصنه الذي يلوذ به عند الشدائد فأملى الناصر لتفريق الكلمة وتحريك حوار الفتنة به، ليثني بذلك عزم مولانا أمير المؤمنين ويشغله عن شأنه ويكافيه على ما يعتمد فيه من نكايته فرمى به إلى مليلية من سواحل العدوة فنزل بها لثلاث بقين من شعبان عام ثلاث وألف...» ـ موافق سابع ماي 1595م (3).
ونرى الفشتالي هنا يصرح بأن مقصود «الطاغية» فيليب الثاني من تدبيره لهذه الثورة هو شغل أحمد المنصور عن المضي في خطته في فتح السودان، وعما يؤمله من النكاية به وتدمير أرضه...
وبعدما تحدث الفشتالي بتفصيل عن هذه الثورة وبعدما أورد بعض القصائد في تهنئة المنصور على الفوز في قمعها، نقل لنا المراسلات الرسمية التي صدرت عن البلاط المغربي لمختلف الجهات معلنة ومبشرة بالنصر على الأعداء وعلى مدبري الفتن...
يقول: « ولما تكاملت ه الفتوح الجليلة...» أي بالقضاء على ثورة الناصر، وفتوح السودان «أهم أيده الله بالجهاد وأخذ الأهبة له والاستعداد ومجازاة عدو الدين على ما كان اعتمل فيه من كيد الإسلام، وتفريق كلمته، والعزم على استرجاع جزيرة الأندلس من يد الكفر وتطهيرها من خبث الشرك... فكتب إلى أهل الخير والدين وأولى الصلاح بكل البلاد يلتمس منهم التوجه إلى جنابه العلي بالأدعية الصالحة... فمنها إلى صاحب مكة والمدينة وأرض الحجاز السلطان حسن بن أبي نمى»(4).
وجاء في هذا الكتاب بعد الاخبار بالانتصار على الأعداء:
«هذا وأن شيخ الركب المغربي وهو المرابط الخير الحاج محمد بن عبد القادر لما أزمع إلى المعاهد الشريفة الرحيل وهب له من حرم الله نسيم يميل... مد إلى على مقامنا أكف الرغبة في كتب كريم يتشرف بحمله فحملنا هذه العجالة لترعوا له إن شاء الله... ونطالبكم لوشائج الرحم بالدعاء تجاه البيت الحرام، وعند الملتزم والمقام أن يؤيدنا الله على عدو الدين بفضله وينجز لنا وعده الصادق في إظهار دين الحق على الدين كله. ويسهل علينا بفضله ومعونته أسباب فتح الأندلس وتجديد رسوم الإيمان بها... (5).
ويقول الفشتالي بعد هذا: «ومنها» أي من الكتب التي بعث بها المنصور إلى البلاد الإسلامية «... إلى قاضي قضاة المالكية بمصر الشيخ بدر الدين القرافي، ثم إلى كبير مشايخ الأولياء والعلماء على الطريقة اليوم بالديار المصرية الشيخ الأستاذ زين العابدين بن الشيخ القدوة محمد بن أبي الحسن البكري الصديقي وكلاهما من أهل ود هذا الجانب العلي النبوي وأوليائه محبة وصداقة يفاتحون مولانا الإمام أمير المؤمنين أيده الله على تتابع الاناء مع كل ركب برسائلهم وبهداياهم من كتب العلم التي هي أنفس الذخائر عندهم أيدهم الله فكتب إليكم مع صاحب الركب عامئذ في معنى الجواب والتعريف بالفتح والتماس الأدعية الصالحة منهم ومن  أهل الخير والصلاح... ونص الخطاب الشريف: من عبد الله تعالى المجاهد في سبيله الإمام المنصور بالله أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين الشريف الحسني الفاضل ـ تحلية طويلة إلى أن يقول: «مما نستطرد لكم ذكره على وجه البشري واهداء المسرة الكبرى أعلامكم أن عدو الدين طاغية قتشالة الذي هو اليوم العدو الأكبر للإسلام وعميد ملل التثليث وعبدة الأصنام لما آنس من تلقاء جنابنا العالي نار العزم تلتهب التهابا وبحر الاحتفال تضطرب أمواجه الزاخرة بكل عدد وعدة اضطرابا، وهمما الشريفة قد همت بتجديد الأسطول والاستكثار من المراكب المتكلفة للجهاد إن شاء الله بقضاء كل دين ممطول، وعلم ان الحديث إليه يساق، وإلى أرضه بالخسف والتدبير بحول الله يهفو كل لواء خفاق، رام خذله الله مكافأتنا على ذلك بما أمل أن ينت في عضدنا الأقوى، وعزمنا الذي بعناية الله يزداد ويقوي، فرمى بمخذول من أبناء أخينا عبد الله كان ربي لديه وطوحت به الطوائح منذ ثمانية عشر عاما إلى مليلية...(6).
وهكذا يمضي هذا النص في مدنا بمعلومات هامة إلى أن يقول: «...أن يؤيدنا الله على عدو الدين بفضله... ويسهل علينا بمعونته أسباب فتح الأندلس وتجديد رسوم الإيمان بها واحياء أطلاله الدرس حتى ينطلق لسان الآذان...»(7).
والوثائق في هذا الموضوع كثيرة، وبذلك يتجلى أن عملية فتح السودان كانت عملية تمهيدية لما بعدها...
ويبدو من خلال النصوص التي أثبتنا بعضها أن المنصور كان عازما على محاربة فيليب الثاني ليتمكن من استرجاع الأندلس وليقضي «كل دين ممطول».
ولعله لو طالت حياة المنصور لحقق بعض ما كان يهدف إليه لكن يبدو أن أسباب تأني المنصور في الهجوم الساحق على خصمه العنيد كانت أسباب متعددة سياسية واجتماعية وطبيعية... ولعل في طليعتها ـ في الفترة الأخيرة من حياته ـ تلك الأسباب الطبيعية التي جعلت المغرب يئن تحت وطأة الأوبئة انحباس المطر، وما يتبع ذلك من ظروف اقتصادية صعبة وحالة نفسية مضطربة...
والحقيقة أن المغرب عرف في الحقبة الأخيرة من حياة المنصور وباء مهلكا، وغلاء فاحشا... حيث صدى ذلك يتردد في كتب التاريخ وكتب التراجم وغيرها...
ثانيا ـ أما عن شخصية أحمد المنصور، فمن المعلوم أنه قد ألفت كتب في وصف عهد المنصور وفي الحديث عن شخصيته وأعماله... وخلافته...
ومن أهم هذه الكتب: مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا لعبد العزيز الفشتالي.
وكتاب المنتقى المقصور على مآثر المنصور، لأحمد ابن القاضي وكتاب: الممدود والمقصور من سنا أبي العباس المنصور، للكاتب محمد بن عيسى التمسلي السوسي. وكتابات أحمد المقري في «روض الآس» «ونفح الطيب» وغير ذلك ولاشك أن هذه الكتب تحدث عن المنصور حديثا مسهبا وأعطت نظرة وافية عن جوانب متعددة من شخصيته... لكن بالإضافة إلى هذه الكتاب التي قد يقال أنها من إنشاء كتاب البلاط هناك مصادر أخرى لا تتم بهذا الطابع بل هي تتحدث عن المنصور حديثا بعيدا عن أن تكون به أية شبهة لسيطرة البلاط وايحاءاته...
ومن ذلك ما نجده في كتب التراجم وكتب النوازل الفقهية والحواشي والطرر... وحتى لا أطيل أكتفي بمثالين من هذه المصادر التي هي في الواقع تعطينا نظرة صادقة عن أحمد المنصور، وهذه الصورة لا تبتعد كثيرا عن الصورة التي رسمها له كتاب البلاط، وقد يقال أن هذه الكتب قد تأثرت بما كتبه أولئك لكننا في الواقع نجد أن السياق يختلف في هذه المصادر عن المصادر السالفة تمام الاختلاف كما اختلف موضوع الحديث من أساسه...
جاء في (كتاب نوازل العلمي ما نصه:
«وسئل سيدي ابراهيم الجلالي، سأله سيدي علي بن أحمد الفزكاري عن عدة مسائل منها مسألة طابة... فأجاب أما ما عمت به البلوي من شرب العشبة المشؤومة على نواحينا المتلفة أموال غربنا وهي المسماة بنابغة بلغة أهلها فقد كنا بحضرة فاس أيام قدوم السلطان عليها مولانا أحمد نصره الله، وبقدومه انتشر أمرها بتلك الحاضرة اجتلبها أهل مراكش واستعملوها كثيرا فانتهى أمرها واستعمالها عند أهل تلك الحاضرة ثم إن الغلاء ظهر هنالك وفي سائر الأفطار فجمع السلطان رحمه الله أعيان فقهاء وقته وسألهم عن سبب تردد الوباء الذي كان يتردد على مدينته المراكشية واباية الانصراف عنها مع ما حل من الغلاء وحبس الأمطار ونحو ذلك من الآفات النازلة في ذلك الوقت، فأجابه كل واحد من الفقهاء بما ظهر له، ومن جملة المجيبين له في ذلك المجلس وكان آخرهم في الجواب شيخنا البركة الفاضل الناسك سيدي محمد بن الحسن بن عرضون الشفشاوني الدار، فقال في جوابه لعل هذه النوازل والوقائع سببها ما أشار إليه المولى سبحانه وتعالى في كتابه «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون»(8) فقبل السلطان جوابه دون جواب غيره من الحاضرين وفرق السلطان مجلسه ومن الغد بعث للفقيه المجيب المذكور قد عرفت الداء فما الدواء فأجابه بأن قال: غير المنكر في أقاربك وخدامك، وسائر رعيتك يبدل الله عليك عادته عملا بقوله تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (9) فأمر رحمه الله بتغيير المنكر وهرق الخمر... ثم من جملة ما أمر به أن تحرق العشبة الخبيثة في ديوان النصارى، وبفاس الجديد حرق منها القناطر المتعددة...» (10).
لاشك أن مثل هذه النصوص المبثوثة في أبواب وفصول كتب النوازل الفقهية لم يقصد بها أصحابها إلا حكاية الواقع كما هو من غير زيادة أو تعديل...
وفي النص السالف يبدو لنا أحمد المنصور مؤمنا بالله أشد الإيمان، ميالا إلى التوبة والاستغفار مهتما بمصالح رعيته وشؤون شعبه... إلى درجة أنه ينقذ في الحال كلمة حق صدرت من أحمد علماء الإسلام.
وجاء في شرح العمل الفاسي للسلجماسي في نفس الموضوع ما نصه: «ان الحليفة أبا العباس المنصور، وقد انحسر الناس إلى الشكوى بالمظالم وكان يحضر مجلسه للحكم فيها علماء فاس كالشيخ محمد القصار، وعلى بن عمران، وعلماء مراكش كمحمد بن عبد الله أبو عبدالي، وقاضي شفشاون محمد بن عرضون وغيرهم، وكان هذا العام هو عام أحد عشر ألف...» (11).
ثم يذكر هذا النص الأخير الحكاية السالفة، وبذلك يكون السلجلماسي قد أفادنا بأسماء بعض العلماء الذين كانوا يحضرون في مجلس الخليفة بفاس كما عين لنا السنة التي حدثت فيها النازلة...
ويذكر لنا محمد العربي الفاسي في مرآة المحاسن أثناء الحديث عن كرامات والده:
«أن المقدم المجاهد محمد بن الحسن أبو الليف جرى بينه وبين صاحب عمل القصر (الكبير) خلاف فسعى به للسلطان فأمر بتغريبه إلى فاس وذلك سنة 998هـ على عهد أحمد المنصور الذهبي.
وفي يوم من الأيام جرى بمحضر السلطان ذكر الشجعان والأبطال من المجاهدين ذوي النكاية في الأعداء، فسأل هل تعرفون ببلدنا مثل هؤلاء فذكروا له محمد بن الحسن «أبو الليف» وأخبروه بأنه مغرب بفاس فأمر المنصور بإطلاق سراحه حالا ليعود إلى نشاطه في النكاية بالأعداء بثغر طنجة... وكان القاضي بفاس هو عبد الواحد الحميري وهو الذي أبلغهم عفو السلطان عنهم...» (12).
وهكذا يبدو لنا أحمد المنصور من خلال هذا النص رجلا يحب الجهاد والمجاهدين ويبحث عن الأبطال والشجعان ويعقد المجالس للكلام في موضوع الجهاد، كما رأينا أنه أسرع إلى إنقاذ ذلكم البطل، وأفسد على الكائد كيده وانتقامه...
فشخصية أحمد المنصور شخصية منصفة باحثة عن خير الرعية، تتسم بالخوف من الله تعالى ومن عقابه الأليم، وهي في نفس الوقت محبة للجهاد رافعة من قدر أصحابه... وليس في هذا ما يستغرب، لأن المنصور كان بحق من أكبر علماء عصره يتوفر على ثقافة عالية وعلى ذكاء حاد ينظم الشعر الجيد ويساجل الشعراء يكتب ويؤلف ويفتي الفتاوي العلمية...

(1)

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here