islamaumaroc

الجزائر في مهرجان الشعر بدمشق

  أبو عبد الله صالح الجزائري

23 العدد

دعا المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالجمهورية العربية المتحدة إلى مهرجان للشعر يعقد في الفيحاء بلد الشعر والجمال. يبتدئ من 16/5 1959 إلى 21 منه.
والمجلس لم يغفل أن يوجه الدعوة إلى بعض البلدان العربية المتحدة بإقليمها الجنوبي والشمالي.
وجهت الدعوة إلى الجزائر وفلسطين. إلى لبنان والسودان. وتوجيه الدعوة إلى الجزائر وفلسطين فيها من تعزيز الأولى. ومواساة الثانية ما يكل عن وصفه البيان. وأي محفل لم تذكر فيه فلسطين ؟ بل قل، هل تقوم لمحفل قائم من غير أن تقوم فيه فلسطين تهيب بالعرب أن يستردوا أرضهم السليبة. وتقوم فيه الجزائر تحذر العرب أن يجعلوا منها فلسطين ثانية. كلتا القضيتين تخدمان بعضهما وتخدمان العرب جميعا. فلسطين تضع نفسها موضع العبرة والتجربة حتى لا تتكرر مأساتها في الجزائر، والجزائر تقدم من بطولتها النادرة ما يمكن للعرب أن يستردوا به فلسطين إن هم لم يتوانوا عن تعزيزها.
وللعرب في كلا البلدين، وفي كلتا الواجهتين المجد والسؤدد. ولأمر ما كانت القضيتان إحداهما في المشرق والأخرى في المغرب. ليمثلا مجد العرب بجناحي بلاد العروبة، الشرقي والغربي.
وقبل أن توجه الدعوة رسميا إلى الجزائر كانت الجزائر قد فرضت وجودها طبيعيا وفطريا فهي الثورة البطولية التي تعيش على طرف كل لسان، وتخفق معها نبضة كل قلب. وتجري من كل عربي مجرى الدم في عروقه. فلم تخل قصيدة ولا كلمة ألقيت في المهرجان من الإشارة إلى هذه الثورة الزاحفة والإشادة ببطولتها النادرة. مما برهن على أن إخواننا في العروبة يعيشون آمالنا. ويتقمصون آلامنا، ولا تأخذهم في السهر علينا سنة أو غفلة.
وافتتح المهرجان السيد كمال الدين حسين وزير التربية والتعليم، منوها بمكانة الشعر في تخليد البطولات، ومبنيا حاجتنا الملحة في هذه الفترة الحاسمة التي نجتازها إلى شعر يحدو قافلة التحرر، ثم ضرب المثل بالجزائر المجاهدة، وتطرق إلى القول :
  «بأنه لن يهدأ للعرب بال، ولن يطمئن لهم خاطر والجزائر على ما هي عليه من الاضطهاد والمعاناة من نير الأجنبي».
وتوالي المحاضرون والشعراء على المنصة يخصون الجزائر بقصائد كاملة أو بعيون أبيات قصائدهم، ومن هذه العيون هذه الأبيات نقتطفها من قصيدة الشاعر الأستاذ أنور العطار بعنوان (ثورة الجزائر)
أتـرى الـربع داميـات وهــاده
                 من شباب ندبــة أعـواده
من جريح يود لو برئ الجرح فخـ
                ـاض الوغى خضيبا ضماده
وطعيــن علـى الثـرى يتلـوى
               غاب عن نفسه وضاع رشاده
ثـورة عـربيـة مــا تناهــى
                فار تنورها فهـال اشتـداده
هـزت الأرض هـزة، فإذا الحـق
               مبيـن لا يستبـاح مـراده
وعرا الكون فرحة حيـن سالـت
               بالروابـي وبالذرى أجنـاده
فارقبـي أمـة الفسـاد الرزايــا                                                              
                كالحات فالبطل بـأن فسـاده
يـا فرنسـا أخت  العنـاد أفيقـي
                إنما يصـرع الغبـي عنـاده
وخديها حمراء تلتـه الأفـق فيش
يا دماء على الجزائر سالت، أنت أصل العلا وأنت عماده فانزلي واسكبي، وجودي لنحيا، علقم العز منك يحلو شهده.
وفي مثل هذه القوة والرقة البيانية التي نستشف من ورائها صورا لا تعد ببطولة الجزائر يمضي الأستاذ العطار في قصيده حتى يبلغ به ما يزيد على مائة بيت في غير ما إملال أو إطالة. لأن إطالة من شاعر موهوب وقلم صناع في موضوع بطولي قصر وأي قصر.
ومن الإقليم الجنوبي وقف الشاعر هاشم الرفاعي بصور للجمهور مأساة من مئات المآسي في الجزائر تعيشها كل مطلع فجر، مأساة المقلصة والمشنقة التي تطيح بأعز أبناء الوطن. نضارة عود، وسعة أفق، وقوة إيمان بجزائر الغد. قصيدة سماها رسالة في ليلة التنفيذ. ليلة تنفيذ حكم الإعدام:
أبتـاه مـاذا قـد يخـط بنانــي
                 والحبل والجـلاد منتظـران
هـذا الكتـاب إليك مـن زنزانـة
                مقرورة صخـرية الجـدران
لـم تبـق إلا ليلـة أحيـا بهــا
              أحـس أن ظلامهـا أكفانــي
ستمر يـا أبتاه. لسـت أشك فـي
             هـذا وتحمـل بعدهـا جثمانـي
شكرا لهـم أنا لا أريـد طعامهـم
             فليرفعـوه فلسـت بالجوعــان
هذا الطعام المر مـا صنعته لـي
            أمي،  ولا وضعوه فـوق خـوان
مـــدوا إلـي يــد مصبـوغــة
                  بدمـي، وهذي غايـة الإحسـان
ويدور همسي في الجوانح، مـا الـذي
                  بالثـورة الحمقاء قـد أغرانـي؟
أو لـم يكـن خيـرا لنفسـي أن أرى
                 مثل الجموع أسيـر فـي إذعـان
مـا ضرني لـو قد سكـت ، وكلمـا
                غلب الأسى، بالغت فـي بالكتمـان
هذا دمـي سيسيـل يجـري مطفئـا
               مـا ثار في جنبـي مـن  نيـران
وفـؤادي المـوار فـي  نبضاتــه
              سيكف مـن غـده عـن الخفقـان
والظلم بـاق، لـن يحطـم قيــده
              موتى، ولـن يودي  به قربانـي
ويسير ركب  البغـي ليس يضيـره
              شـاة، إذا اجتنـت مـن القطعـان
هذا حديث النفس حين تشـف عـن
             بشـريتي. وتمـور بعـد ثــوان
وتقول لــي : إن الحياة لغايــة
             أسمـى مـن التصفيـق للطغيـان
أنفاسك الحرى وإن هـي أخمـدت
             ستظـل تغمـر أفقهـم بدخــان
وقروح جسمك وهو تحت  سياطهم
             قسمـات صبـح يتقيـه الجانـي
دمـع السجين هناك فـي أغلالـه
             ودم الشهيـد هنــا سيلتقيــان
حتى إذا ما أنعمت بهمـا الربـى
            لـم يبقى غيـر تمـرد الفيضـان
وبهذه النغمة الحزينة، يوقع هاشم على أوتار القلوب، ويهز المشاعر وبهذه الدمعة الحائرة يستثير العزائم، ويلهب الحماس، تماما كالمتأبط وشاشته يوقع بدوي رصاصها على وتر الحفاظ والآباء. حتى يأتي على آخر القصيد فيقول :
هذا الذي سطرتـه لك يـا أبـي
           بعض الذي يجـري بفكـر عـان
لكن إذا انتصر الضيـاء ومزقـت
           بيـد الجمـوع شريعـة القرصـان
فلسوف يذكرني ، ويكبـر همتـي
           من كان في بلـدي حليـف هـوان
وإلـى لقـاء تحت ظـل عدالـة
           قدسيــة الأحكــام والميــزان
أما الدكتورة الآنسة طلعة الرفاعي، فلا تقنع بأن تشير إلى أوراس مسقط رأس أول رصاصة نووية في 4  نوفمبر 1954. بل هي أوراس نفسه، هي إباؤه، هي غلين بركاته هي كل شيء على قمة أوراس رمز الثورة الخالدة.
لا، لن أكون فتاة يعرب إن أنـا
           لم يرو من دمـي التراب المضـرم
أنا كل شبر في  رحابك ساهـر
           وعلـى ربـاك أنـا النخيل مخيـم
وأنا أنا أوراس يقذف باللظى
           حقـدا.  أنا الأرز الشمـوخ يحـوم
وعلى نفس الوتر تعزف الشاعرة الرقيقة عزيزة هارون فتقول :
أنـا فـي ربوع القدس لهفة حـرة
            بفؤادهــا المغـروس بالأوتــاد
بعمـان اقتحـم اللظـى مجنونـة
            بتسابــق  الفرسـان والأنــداد
وعلى ربـى أوراس خفقة مهجـة
            مسحـورة ببطولــة الأجــداد
كذلك كانت شاعرة الحساسية والرقة. حساسية ورقة حد السيف القاطع. كانت خفقة مهجة جزائرية رابضة بقمم الأطلس لتربط حاضرها المجيد بماضيها المجد. كانت كذلك بإنشادها الساحر. وتعابير قسمات وجهها. كانت تنشد للقمم الشماء، لا للجمهور أمامها فحسب :
يـا شعر غـرد للبطولة والفـدا
           وأرسـل حنانك فـي غناء الشـادي
أنـا هواك شذى العروبة فابتدع
           لحنـي، وهيئ للـذرى  إنشـادي
وكأني بنغمات عزيزة هارون وأمثالها من الشاعرات والشعراء نردد صخور الأطلس صداها فيعيش العرب بين الإيقاع والصدى بحمية لا ينطفئ أوراها، وقلوب لا يسكن مواريها ما دام الشعر يحدوها، ويتغنى ببطولتها.
ولم يكن حظ الجزائر من الزجل الشعبي بأقل من حظها في الشعر الفصيح. إنها ثورة بكل لسان وبكل لغة. إنها ثورة الشعب ولن يغيض نبعها في لسان الشعب.
قال الزجال على دياب :
كيـف يهنأ للعرب أكـل وشـراب
          وأرض الجزائر غارقة ببحر العذاب
يـا رجال العرب يا شيوخ وشباب
          هبـوا جميعـا وحطمـوا أغلالهـا
يا أهل الشيـم والحميـة والشمـم
          نادوا النفير وارفعوا أعظـم  علـم
أرض الجزائر أصبحت رهن الألم
          لبـوا نـدا نسوانهـا وأطفالهــا
لبيك يا أرض العروبـة والفخـر
         نحن معك لا نخشى صرف الدهـر
حولك رجال بسيوفها تقد الصخر
         تبـذل فـداك أرواحهـا وأموالهـا
أما الجزائر فقد رفعت عقيرتها في صوت ابن من أبنائها هو الشاعر أبو عبد الله صالح. فألقى قصيدة قالت عنها جريدة الوحدة السورية، إنها ثورة جزائرية لاهبة، إنها نفحة من ذرى أوراس «وقالت في عدد آخر» إن القصيدة ألهبت مشاعر المستمعين، وطارت بهم إلى الذرى الشم في أوراس حيث يعتصم الثوار ويحاربون الطغيان.
والقصيدة بعنوان (يوم الجزائر) ومطلعها :
حي في الأطلـس الأشـم رجـالا
            بهـم صـال في الكفـاح وجـالا
وقد سبق لمجلة «دعوة الحق» أن نشرت هذه القصيدة كاملة بالعدد التاسع من السنة الثانية.
وقد تشرفت الوفود بدعوة من الفريق جمال فيصل قائد الجيش الأول إلى الغذاء في القنيطرة كما تشرفت بزيارة الخطوط الأمامية للجبهة هناك، لترى رأي العين استعداد الجندي العربي لأي عدوان، ويقظة العين العربية لكل دخيل على أرضها. وليتلاقى هناك السلاحان المادي والأدبي فيعاهدان الوطن على العمل جنبا إلى جنب في معركة الحرية.
وكانت هذه الزيارة الخالدة فرحة لممثل الجزائر، فيهدي العلم الجزائري لسيادة العقيد أحمد زكي قائد الجبهة والأستاذ فخري البارودي قائد المقاومة الشعبية اعترافا بجميلهم، وجزيل أياديهم على ثورة إخوانهم في الجزائر بل ثورتهم في الجزائر.
كما تشرف الجزائر بميكروفون برنامج (الجندي) في الإذاعة السورية فأجاب عن أسئلة البرنامج التي تدل على يقظة وعين لا تغفو في متابعة خطوات الثورة، واشتياق وتحرق إلى المزيد من انتصاراتها التي هي نصرة للعرب حيث كانوا.
والمهرجان وإن لم يحدد المشرفون عليه موضوعا معينا، إلا أن الأحداث العربية التي تعيش في دم كل عربي هي التي تحكمت في المهرجان وحددت له موضوعه فأصبح مظاهرة عربية صاخبة. تجلت فيها وحدة الألم ووحدة الأمل، وأثبتت عمق إيمان العرب بتحرير أجزاء وطنهم. والوقوف إلى جنب كل انتفاضة عربية تهدف إلى صالح العب، وفي مقدمة تلك الانتفاضات. ثورة الجزائر الباسلة. وفي مقدمة تلك الأجزاء الوطن السليب.
وهكذا انفض المهرجان بعد أن أعاد للشعر سلطانه على النفوس، وجنديته في الميدان فكتبت له صفحة جديدة، وتاريخ جديد يساير موكب هذا التاريخ العربي الجديد.
وقد ألقيت في المهرجان بحوث قيمة عن الشعر تاريخا وواقعا، وألقي فيه ما يزيد عن ثلاثين قصيدة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here