islamaumaroc

على هامش الاجتماع الأخير لوزراء خارجية الدول الإسلامية: "لماذا" السارية المفعول

  دعوة الحق

177 العدد

انعقد أخيرا ـ كما هو معلوم بمدينة طرابلس ـ الاجتماع الدوري لوزراء خارجية الدول الإسلامية حيث تبودلت الآراء واتخذت القرارات والتوصيات التي تمس مواضيع مختلفة من شؤون العالم الإسلامي على مختلف الأصعدة والدرجات، وكلما التأم جمع من هذا القبيل أو ندوة من الندوات التي تعنى بشؤون هذا العالم في شتى الميادين إلا ووجد المجتمعون أنفسهم أمام تحديات لابد وأن يواجهوها اليوم مثلما ما واجهوها بالأمس القريب والبعيد، وإذا كان البعض من هذه التحديات ينتمي إلى خارج العالم الإسلامي فإن البعض منها ـ ولعله الأهم ـ ينبع من داخل العالم الإسلامي نفسه ومن قلب مجتمعاته، وعلى مستوى قيادته ووجهته وأساليب مسيرته، في عالم يعوج ويموج وعلى التوالي بأنواع من التحديات.
فمنذ ما يزيد على أربعين سنة أصدر المرحوم المجاهد الأمير شكيب أرسلان، كتيبه الصغير في حجمه الضخم بمضمونه: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم».
والأمير شكيب أرسلان كان رحمه الله عبارة عن موسوعة علمية كما تشهد على ذلك تعاليقه وشروحه التي أصبحت تفوق النص والمتن في كتاب «حاضر العالم الإسلامي» للكاتب العربي عجاج نويهض، ومؤلفه المفيد الشيق والممتع «الحلل السندسية» وذلك بالإضافة إلى ثقافته الأجنبية الواسعة التي فتح بها واجهة أخرى في جبهات نضاله وكفاحه عن طريق إصداره مجلة «الأمة العربية» في سويسرا باللغة الفرنسية، وهو نضال وكفاح تحتم علينا خصلة الوفاء بهذه المناسبة الاعتراف لصاحبه بحظ المغرب الوافر منه، ذلك أن الأمير شكيب أرسلان رحمه الله كان في طليعة الزعماء والمفكرين الذين وقفوا إلى جانبنا بالمؤازرة والمناصرة خلال محنة الظهير البربري وما تلاها من خلفيات.
وتتلخص أجوبة الأمير على سؤاله العريض في أن الإسلام دين حضارة وتطور وإشراق وهو وحده الدين الذي يستطيع أن يكبح جماح التقدم المادي حتى لا ينقلب الإنسان إلى آلة صماء لا تختلف عن الآلات الأخرى التي يصهرها الحديد وتصوغها المصانع والمعامل، فهو دين التوجيه والتهذيب والتفتح الفكري والتطور الحضاري بقدر ما هو عبارة عن تعاليم تتألف وتتآلف كذلك من الانضباط الذي يتسم بالحزم والصرامة حيال كل هيمنة غريزية تستدرج الإنسان نحو أعراف الحيوان وعوائد الغابات.
ولهذا فإن الإسلام لم يعد في حاجة إلى الإشادة بمبادئه والتفاخر بها والاستشهاد بآراء جوستاف لوبون وبرناردشو الإيرلندي وجوته الألماني وكارليل الإنجليزي وغيرهم من الكتاب والمفكرين الأجانب الذين تعاطفوا مع الإسلام كمبدأ وعقيدة.
ولقد تعلمنا نحن قبل، وعلمنا أبناءنا فيما بعد «أن المرء من يقول ها أنذا، وليس المرء من يقول كان أبي».
ولئن كانت الأربعون سنة أو تزيد التي أصبحت تفصلنا عن صدور كتيب الأمير شكيب أرسلان وسؤاله العريض: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم» قد جد ما جد فيا من حوادث وأحداث وملابسات ومعطيات جغرافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا فإن ذاك السؤال العريض مايزال مطروحا لحد الآن وحتى هذه الساعة.
والواقع أنه منذ عهد المصلح ابن تيمية إلى عهد عبد الرحمن الكواكبي مرورا بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والوضع في العالم الإسلامي موضوع أخذ ورد تتوالى نقط عديدة من علامات الاستفهام حول ما يئن تحت وطأته هذا العالم من متناقضات وعراقيل ومعوقات كان من شأنها إن حالت فيما بينه وبين تحقيق التوازن بين كميته العددية وسعة رقعته الجغرافية وإمكانياته المادية، وبين دوره كقوة عالمية على المستوى الدولي كان ولابد من أن يكون لها تأثير يتناسب مع كميتها العددية وسعة رقعتها الجغرافية وإمكانياتها المادية.
ومع ما فتئ يطرأ على العالم الإسلامي من تبديل وتغيير في ملامحه جغرافيا واجتماعيا واقتصاديا فإن «لماذا» هذه التي كادت أن تصبح تقليدية تظل سارية المفعول. فلماذا ظلت «لماذا» هذه موضوعة على الساحة الإسلامية وسارية المفعول؟ لقيد قيل فيما قيل وروى قيما روى أن الشاعر الألماني جوته اطلع على ترجمة لبعض آيات من القرآن الكريم ثم عقب بقوله: «إذا كان هذا هو الإسلام فهؤلاء المسلمون ليسوا بمسلمين، وإذا كان هؤلاء هم المسلمون فليس هذا هو القرآن».
وسواء صحت هذه القولة أم لا، فإن مشكلة السلوك في العالم الإسلامي وخصوصا على مستوى القيادات الإسلامية هي التي تكون المعضلة المتأصلة والآفة المزمنة فيما عاناه ويعانيه العالم الإسلامي من بسطة في الكم وانخفاض في الكيف وضعف في التأثير والنفوذ كانت حصيلته ما تعرض ومايزال العالم الإسلامي يتعرض له من مكايد وتآمر وإضعاف واستضعاف.
على أنه إذا كان لرواسب الصليبية والهيمنة الاستعمارية أدوارها المباشرة والغير المباشرة في تقليص الوجود الإسلامي على الساحة العالمية بكيفية لا توازري حيزه على الرقعة الجغرافية، فإن مسؤولية السلوك الإسلامي على المستويين القيادي والجماهيري تبعا لذلك لا ينبغي التغاضي عنها فبالأحرى إهمالها أو محاولة إخفائها والتستر عنها لمجرد إرضاء نزعة «الكبرياء العاطفي» الصرف، بل إنه يصح القول أن هذا الكبرياء العاطفي يكون في حد ذاته جانبا من جوانب السلوك الإسلامي الذي لابد وأن يوضح حظه في مسؤولية الضعف والاستضعاف، وفي ديمومة «لماذا» التي ماتزال سارية المفعول، ومن غير ما أن نتعمق في عهود الماضي وسنواته وما تعاقب خلالها من تطور سلبيا وإيجابيا على العالم الإسلامي في مرحلته الحالية التي هي بدون شك تنتمي بحكم هويتها إلى ما سبقها من مراحل أخرى.
إن العالم الإسلامي مايزال مصنفا في بلدان ما اصطلح على تسميته بالعالم الثالث، مع أنه من حيث قوته العددية واستراتيجيته الجغرافية وإمكانياته من المواد الأولية يمكن أن يكون قوة ثالثة عظمى، وبمثل أقل تعقيدا وأكثر بساطة فإن عدد المسلمين في العالم يساوي سبعمائة مليون وإليه تنتمي معظم بلدان منظمة الأوبيك التي تقبض بناصية الطاقة في العالم كله بينما تنتمي إليه بلدان أخرى تمتلك مادة الفوسفاط والأورانيوم وغيرها من المواد الأولية هذا العالم يقضه وقضيضه وبعدده الضخم ورقعته الجغرافية الممتدة عبر الكوكب الأرضي مايزال عاجزا عن تحقيق حقه المشروع في استعادة مسجد الأقصى في القدس.
كما أنه مايزال غير قادر على استعادة ما انتزع من أراضيه في فلسطين المحتلة.
وبالمقابل فإن عدد اليهود في العالم كله لا يتعدى ثلاثة عشر مليونا ونصف المليون لا يوجد في فلسطين متهم سوى مليونين بينما هم مقطعون ـ بلغة القرءان «في الأرض أمما» ستة ملايين في الولايات المتحدة ومليونان ونصف في الاتحاد السوفياتي في حين أن فرنسا والمملكة المتحدة تقتسم فيما بينهما مليونا ونصف المليون منهم.
ويجب التنبيه على أننا لا نرمي من وراء ضرب هذا المثل إلى غاية دينية أو عرقية، ذلك أننا نرفض أن نضع ما يسمى بالنزاع العربي الإسرائيلي في مثل هذا الإطار ولسبب بسيط هو: أنه لا عصبية في الإسلام، ثم إنه إذا لجأنا إلى هذه المقارنة فلأنها أقرب في فهم معضل «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم، لماذا هو مردود ثلاثة عشر مليون ونصف المليون أكثر على الساحة العالمية تأثيرا ونفوذا من مردود 700 مليون مسلم وملايين أخرى من العرب؟ مع أن المسلمين هم الذين يقول قرآنهم الكريم: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وأن يكون منكم ألف يغلبوا ألفين»، لماذا؟؟
إن القرآن حينما نعت العشرين الذين يغلبون المائتين بالصابرين، لم يكن يقصد مجرد المدلول اللغوي لكلمة «الصابرين» بل كان يعني بعدها الخلقي والسلوكي، فالصبر هنا يرادف الاستقامة التي تعني فيما تعنيه من مفاهيم: التضامن والتكافل والتلاحم، والتضامن والتكامل والتلاحم هي خصائص لا ينبغي لها أن تكون مجرد شعارات وفواتح ودعاءات، بل يجب أن يشخصها سلوك إسلامي وبشقيه الروحي والمادي على السواء، الروحي الذي يجسم «مثل المؤمنين في تواددهم وتراددهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
والمادي الذي لا يقوم على مجرد قاعدة «المصالح المشتركة» التي كان تشرشل يقيم بها العلاقات فيما بين الدول فيقول: «ليست هنالك صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة وإنما هي مصالح دائمة».
الإسلام لا يقر فيما بين أهله المصالح الدائمة، وإنما هو يوصي بعلاقات الأخوة والتماسك والتكامل، وبلغة العصر يوصي بعلاقات التخطيط المشترك والتكامل الاقتصادي والمواقف الموحدة التي لا تعتمد على مجرد المصالح، وإنما على أساس التعاطف الوجداني الذي هو وحده الكفيل بتحقيق عناصر القوة والمناعة والتوعية لكمية العالم الإسلامي.
ولا يعيب المسلمين في شيء الاعتراف بما هو موجود في سلوكهم من اعوجاج هو في حاجة إلى تقويم، وإنما العيب وكل العيب هو التغاضي والإهمال والانقياد لنزعة «الكبرياء العاطفي» ومن غير شك فإنه قد آن الأوان لتغيير خطة التبشير بمبادئ الإسلام وتحويلها من مجرد نظريات تبرز محاسن الإسلام إلى حركة تبشير وتوعية بالسلوك الإسلامي.
وبتقويم ما هو كامن فيه من اعوجاج، ولن يتحقق هذا التحول إلا بإدخال أساليب عملية وفعالة على تكوين الإنسان العربي في هذا العالم وطبقا لمقتضياته وظروفه وملابساته، الإنسان المسلم يحتاج إلى تكوينه كفرد، ثم إلى تكوينه كجماعة وشعب وكمجموعة تربط فيما بين أجزائه روابط يومية لا روابط وقتية وموسمية في أغلب الأحيان.
وكما أن مجرد النظريات المكتوبة والمدروسة لم تعد بكافية في تقوية ودعم الكيان الإسلامي على الساحة العالمية، فإن المؤسسات التي تستحدث من مؤتمرات وندوات ووكالات على اختلاف مهماتها لا تستطيع أداء مهمتها ما لم تعززها برامج عملية تتناول سلوك الفرد المسلم بداية من انتمائه العائلي إلى انتمائه الإسلامي الممتد عبر هذا الكوكب الأرضي.
وإذا كان أمرا حتميا على العالم الإسلامي ألا يتقوقع على نفسه ويتفتح على العالم كله ليأخذ بالأسباب التقدم المادي فإن هذا التطلع لا ينبغي له أن يجعل من الإنسان المسلم مادة قابلة للذوبان في محيط هذه البيئة التقدمية ذات الإشعاع التكنولوجي الذي يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، فليس بعزيز على العالم الإسلامي أن يبلور ما يكتسبه من معالم التقدم والتكنولوجية ويصبه في قوالب إسلامية مثلما فعل أسلافه مع تراث الفرس واليونان والرومان، على أن مفتاح السر لا يكمن فقط في اكتساب من ذلك في بناء الإنسان العربي وتكوينه كفرد وأسرة وشعب ليتكامل فيما بعد ذلك على الساحة الإسلامية الواسعة الأرجاء، وهو في وضع متماسك قوي يمكنه من مواجهة التحديات ومصارعتها بعقله وروحه وسلوكه الذي تنضبط فيه الأقوال بالأفعال، ومهمة تكوين كهذا يكاد من المستحيل أن يضطلع بمسؤولياتها الضخمة مجرد الوعظ والإرشاد وخصوصا حينما يتسمان بالجمود والرهبانية التي لا محل لها من الإعراب بنص مبادئ الإسلام.
فالمدرسة والبيت والشارع والنادي وما يضبطها ويوثقها من برامج هادفة وواضحة هي التي تكون مجتمعة أصول تكوين الإنسان المسلم ذلك أن كل أنواع الانخفاض في مستوى الإنسان الإسلامي اجتماعيا واقتصاديا وفكريا تعتبر نتيجة حتمية لانعدام التخطيط والتوجيه بطرق جدية وأساليب جدية، وأساليب لانعدام التخطيط والتوجيه بطرق جدية وأساليب جدية، وسيظل السلوك القيادي على مستوى كافة المسؤوليات الموجهة في البلدان الإسلامية هو الإسوة الصالحة أو الطالحة التي لابد وأن تكون لها انعكاساتها المباشرة والغير المباشرة على مستوى الجماهير الإسلامية، وليس بالأمير الجديد القول بأن أغلبية الدعوات الإصلاحية الرامية إلى الرفع من شأن الإسلام والمسلمين كانت تهتم بالشكل أكثر مما تهتم بالجوهر، كانت تغفل دور الإنسان العربي كفرد في مجتمعه في حيزه الجغرافي المحلي وكامتداد للمجتمعات الإسلامية الأخرى التي تجمع فيما بينها هذه الروابط الروحية على اختلاف أسمائها.
وهكذا يبدو كيف أن بناء الإنسان المسلم وتكوينه يعتبران اللبنة الأولى في صياغة مجتمعات إسلامية قادرة على مواجهة التحديات التي مافتئت تطاردها وتصورها لبقية العالم على أنها لا تزيد على كونها مجتمعات «كمية استهلالكية» وذلك بالرغم عما تتوفر عليه من إمكانيات مادية وبشرية، وبما أن الشيء بالشيء يذكر فإنه لابد من الإشارة إلى ما ورد في الأثر من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تناكحوا تناسلوا فإني مباه أو مفاخر بكم الأمم»، ومن الخطأ البين والفادح الاعتقاد بأن «المباهاة والمفاخرة» التي يعنيها هذا الأثر إنما هي مباهاة ومفاخرة بالكمية العددية، فهذا ما لم يقصده الحديث بكل قطع وجزم، لأن الإسلام في أول رسالته كان أولا وقبل كل شيء رسالة ترتكز على الكيفية أكثر مما ترتكز على الكمية، وإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، تعني عشرين من الأكفاء لا مجرد عشرين من الكسالى المستهلكين الغير المنتجين.
فالإسلام دوما وأبدا كان يقوم على أساس الكيفية والنوعية ثم العددية فيما بعد ذلك، فأبطاله البارزون في الحروب ومفكروه في مختلف ميادين العلوم والعرفان كانوا يرمزون إلى مبدأ «الكيفية قبل الكمية» والمسلمون ساروا وتقدموا يوم إن كانوا منتجين ثم تخلفوا بعدما أصبحوا مجرد مستهلكين وعدديين، وهذه الحقيقة ستظل ثابتة وسيبقى حكمها هو القول الفصل الفاصل فيما بين حالتي التأخر والتقدم، ولن تنمحي «لماذا» تأخر المسلمون وتقدم غيرهم السارية المفعول ، إلا باستيعاب هذه الحقيقة والتسليم بها ودمجها في السلوك الإسلامي لتكيفه بكيفيتها وحتميتها.
وهذه الحقيقة الأصلية تتفرع عنها حقيقة أخرى وهي أن عالم اقتصاد بالدرجة الأولى، اقتصادي بكل ما يعنيه مدلول الكلمة من مواد أولية، وكفاءات بشرية، وهذا الباب هو الذي يجب على العالم الإسلامي اقتحامه بثقة وتضامن وتخطيط ومعرفة ودراية قبل ذلك، إذ هو باب المستقبل المنظور على الأقل، ولن يعدم العالم الإسلامي الوسائل التي تمكنه من أخذ مكانته التي تناسب استراتيجيته الجغرافية وإمكانياته المادية ثم قيمته العددية، فهو يمتلك بالفعل أهم الوسائل، إلا أنه لابد من حسن تدبيرها، ويبقى مبدأ التخطيط المحكم هو المفتاح الآخر الذي يكون معه العالم الإسلامي قد أتى البيوت من أبوابها. وهنالك نوعان من الإمكانيات التي تجعل العالم الإسلامي مجهزا بما ينبغي لمواجهة التحديات النوع الأول هو الثروات الوطنية التي تتوفر عليها أراضيه وهذا النوع لا يكفي فيه أن يكون ملكا وثروة بل لابد من توفر عنصر «حسن السلوك الإسلامي المطلوب، وهذا الشرط الأخير، يندرج في خطة المراجعة الجذرية للمجتمعات الإسلامية على ضوء وضع جديد يكون من شأنه فرض الوجود الإسلامي على الساحة الدولية وبالتالي الاستماع إلى رأيه بدون عدم مبالاة وبدون سخرية أو ازدراء كما كان الشأن ومايزال.
وبما أن حسن تدبير أمر الثروات يقتضي اكتساب الخبرة والمهارة فإن العالم الإسلامي مطالب بأن يكتسب الخبرة والمهارة من أي كان مصادرا على اعتباران: «الحكمة ضالة المؤمن ينشدها حيث يجدها» إلا أنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يؤدي اكتساب الخبرة والمهارة إلى نوع من التبعية الاقتصادية أو الغزو الاقتصادي الذي يتقمص حللا تكنلوجية، بل ويحسن في هذا السير على نفس المنوال الذي سارت عليه البابان في دربها الطول لاكتساب الخبرة والمهارة وهو منوال بقيت معه الشخصية اليابانية على شرقيتها وذاتيها بعدما تمكن اليابانيون من النجاح في عمليات الاقتباس والاستيعاب لمختلف أنواع التكنولوجية كانت خاتمة المطاف فيها هي هذه القدرة الإنتاجية التي أصبحت اليابان تتمتع بها وتزهو بها حتى على أساتذتها ومحتليها السابقين.
ونحن إذ نقوم بعملية مسح جغرافي وجيولوجي واقتصادي لبلدان العالم الإسلامي فإننا نخرج بالوقائع التالية:
أولا: إن العالم الإسلامي يتمتع عبر البحار القرات بمواقع استراجية ممتازة وحساسة في نفس الوقت.
ثانيا: أن بعض بلدانه تتوفر على ثروات ومواد أولية من بينها البترول الذي يتحكم الآن في تكيف الإقتصاد العالمي وتقرير مصيره.
ثالثا: إن العالم الإسلامي تتجاذبه تيارات مختلفة النزعات.
رابعا:إن أغلبية المجتمعات الإسلامية ماتزال تعاني من انخفاض تختلف درجاته.
إن تصنيف هذه النقط الأربع والربط فيما بينها وتحديد دور كل واحدة منها هي مضمون المخطط الذي سبق أن أشرت إليه، وهو تخطيط يجري إعداده على كل بلد إسلامي على حدة، ثم على مستوى البلدان الإسلامية كمجموعة. وإنه لما يبعث على الدهنة والاستغراب أن تتفق التكتلات في نطاق بلدان لا يجمع فيما بينها سوى روابط تاريخية قديمة مهلهة في أكثر جزء منها أو مصالح اقتصادية متبادلة أو إيديولوجيات حديثة في حين أنها تنعدم أو تكاد في نطاق العالم الإسلامي، وحتى ولو وقعت فإنها لا تتعدى عمليا إطارها العاطفي والشاعري الصرف، في حين أن أصول الروابط في العالم الإسلامي نعتبر أجذر وامتن وأشد استعداد وتلقائية من غيرها ومن أجل ذلك بقيت «لماذا» السارية المفعول هي هي.
إن في وسع العالم الإسلامي بحكم إمكانياته الحالية أن ينصرف في النضال إلى واجهتين اثنتين وأن يركز كل جهوده وطاقته في خنادقهما ـ إن صح هذا التعبير ـ، الأولى: واجهة التنمية الاقتصادية على مستوى كل بلد إسلامي، ثم على المستوى الإقليمي الجغرافي وبعد ذلك على مستوى العالم الإسلامي ككتلة ومجموعة، وهي تنمية ستؤدي في خاتمة مطافها إلى نوع من التكامل الاقتصادي العلمي الذي يزن المسافات قبل أن يشرع في الخطو عبرها. وعلى بلدان العالم الإسلامي إن هي إرادات أن تبدل بقية العالم نظرتها التقليدية إليها أن تخرج بالعنصر الاقتصادي في مخططاتها من «الأدبيات والعنتريات» فلن تتفق إلا على ما تستطيع إنجازه وتنفيذه أو على الأصح ما تسلم المقاييس العلمية من جهة والخصوصيات البيئوية والاجتماعية من جهة أخرى بصحته وسلامته.
أما الواجهة الثانية فهي واجهة الاعلام، نعم الإعلام الإسلامي الذي يستطيع أن يخترق الحصار المضروب عليه من طرف خصومه وأعدائه على السواء، وأنا لا أشك بأنه قد أصبح في الإمكان الآن استثمار البترودولار في وسائل الإعلام عبر مختلف أنحاء العالم وفي مواقعه الستراتيجية بشكل خاص، إن الحصار المضروب على العالم الإسلامي والعربي في الميدان الإعلامي وتقديم هذا العالم في صور مشوهة ومغرضة وحاقدة ومدسوسة على أقل تقدير، وبألطف تعبير، يكون الحلقة الأولى في سلسلة تطويقه وخنقه، كما أن خصوم العالم الإسلامي ومناهضي انبعاث قوته يستثمرون أموالهم في ميدان العالم العربي والإسلامي أن يتحارب بنفس الأسلحة التي تستخدم ضده وإلا بقيت «لماذا» تأخر المسلمون وتقدم غيرهم سارية المفعول.
فإذا سارت خطة التنمية الاقتصادية والتوعية الاجتماعية التي تكون قادرة على صياغة سلوك الإنسان المسلم في قالب جديد، وتكوينه روحيا وماديا في شكل متوازن مع تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بين البلدان الإسلامية كلما توفرت العناصر العلمية لهذا التكامل.
أقول إنه إذا سارت خطة التنمية هذه جنبا إلى جنب مع ما يجوز تسميته «بالاستثمار والتوسع الإعلامي» فإن الطريق سيصبح مفتوحا أمام العالم الإسلامي وبكيفية علمية وعملية، ليصبح قوة يحسب لها حسابها وتكون في نفس الوقت قادرة على القيام بدورها الحضاري والتأثير في مجريات الأحداث حتى لا تظل وسائل الإعلام المعاصرة تتحدث عن العالم الإسلامي وشؤونه إما بأسلوب ألف ليلة وليلة، وإما بأسلوب الاستهانة بقوة هي موجودة حقا إلا أنها تعتبر متفتتة وغير قابلة للالتئام، وعلى وسائل الإعلام الإسلامي أن تجعل من مهمة التبشير بالدعوة الإسلامية مهمة ترتكز على سلوك إسلامي متواز في قاعدته وقمته وفي أساليب تكوينه وتربيته.
ويومئذ قد يزول مفعول «لماذا» تأخر المسلمون وتقدم غيرهم التي ماتزال سارية المفعول إلى يومنا هذا ومع ما يحز في النفس من أسى وأسف وحسرات أتمنى أن يكون هذا اليوم قريبا وليس بالبعيد.
ومن الأكيد أن هذا اليوم لن يأتي إلا إذا كيف المسلمون سلوكهم عمليا «لا كتابيا وشفاهيا» فقط بحكم الآيتين الكريمتين الفائلتين: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم».
فبنيان الإنسان المسلم بنيانا اجتماعيا رصينا ومتينا وباستثمار الثروات الوطنية وتوزيعها توزيعا عادلا وبتكاملها عبر الوطن الإسلامي الكبير.
وبقرض الوجود الإسلامي الفعلي على طول الساحة الدولية وعرضها وبالوسائل التي ذكرناها آنفا.
وبالانضباط الروحي الصقيل.
إنه بكل ذلك وبما لابد منه من ذلك نستطيع أن نعطي المدلول الصحيح والعلمي للآية الكريمة:
«كنتم خير أمة أخرجت للناس» وإلا فستبقى «لماذا» التي وضعها الأمير شكيب أرسلان منذ أزيد من أربعين عاما سارية المفعول.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here