islamaumaroc

منهجية تدريس اللغة العربية -3-

  دعوة الحق

177 العدد

إن مشكلة اللغة قديمة قدم العالم، وضاربة في أحشاء التاريخ. والإنسان ما فتئ منذ ظهوره على الكوكب الأرضي يبحث في أسرارها وكيفية إيصالها وتواصلها، فقد كان الهنود يعتقدون أن اللغة القديمة وأنها هبة من الله وليست من صنع البشر، وقد ميز الإنسان بأن منحه المقدرة على الكلام، وأعطاه اللغة التي يتكلم بها، وحتى الذين حاولوا التركيز على الجانب الطبيعي للغة لم يستطيعوا أن يتخلصوا من فكرة «التدخل الإلهي» في ظاهرة اللغة، وصرحوا بأن المعنى للفظ الأساسي لم يأت عن طريق الاصطلاح ولكن عن طريق الإله(1) ويحكى سفر أعمال الرسل أن حواريي عيسى عليه السلام حصلوا في يوم الخميس الذي أعقب آخر فصح على هبة خاصة جدا هي اللغة، فقد كانوا مجتمعين في غرفة عالية منهمكين في الصلاة، فأقبل عليهم صوت من السماء فجأة، استطاعوا بعده أن يتكلموا بلغات كثيرة: «ولما حل يوم الخميس كانوا كلهم معا في مكان واحد، فحدث بغتة صوت من السماء كصوت ريح شديدة تعصف وتملأ كل البيت الذي كانوا جالسين فيه، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، فاستقرت على واحد منهم فامتلأوا كلهم من الروح القدس وطفقوا يتكلمون بلغات أخرى كما آتاهم الروح أن ينطقوا، فلما كان ذلك الصوت اجتمع الجمهور فتحيروا لأن كل واحد كان يسمعهم ينطقون بلغته»(2) وكان المستمعون من مختلف الجنسيات والأصول، وينتمون إلى خمسة عشر بلدا(3)، فتعجبوا واندهشوا، وقالوا إنهم كانوا يسمعون تلاميذ المسيح ينطقون بألسنتهم بعظائم الله، وعالج الهنود مشكلة العلاقة بين اللفظ ومعناه من جوانبها اللاهوتية والروحية والنحوية والفلسفية جميعا وكانوا يعتقدون أن لغتهم الأساسية قد خلقها الإله لاستعمال الناس بل يعتقدون أنها اللغة المستعملة بين الآلهة، وأطلقوا عليها وصف الوجود بدون سبب وبدون سبق عدم، وتحدث اللغويون الهنود عن المقطع الخفي في اللغة وذكروا أنه يمثل النواة التي تكونت منها الكلمات، ويبدو أن هذه النظرية مرتبطة بنظرية التثليث عند الهنود، لأن الوحدات الثلاث
التي تكون المقطع تقابل الآلهة الهندية الثلاثة(4).
يقول باتنجائي في المهابهاشيا: «إننا ندرس النحو فربما نكون مثل الإله العظيم» ثم أخذ يعقد مقارنات بين أجزاء الكلام فقال: «النحو مثل الرب أربعة قرون وثلاثة أقدام ورأسان وسبع أيد، أما القرون الأربعة فهي أقسام الكلام الأربعة، وهي الأسماء والأفعال وحروف الإضافة والأدوات(5). وما الأقدام الثلاثة فهي أزمنة الفعل الثلاثة الماضي والمستقبل والحاضر. وأما
الرأسان فهما نوعان من الكلمات، نوع طبيعي ونوع صناعي»)(6).
والعلم اليوم لم يعد أداة مدهشة تهول البشرية، ولأول مرة في تاريخ الإنسان يثبت العلماء أن الإنسان ليس هو المخلوق الوحيد الناطق في هذا الكون، فما يصح على مجرتنا، خليق أن يصح على المجرات الأخرى، ومازال علماء الفلك الراديوى معنيين في الفترة الأخيرة، بإشاعات راديوية، واردة من الفضاء، ولا يستبعدون في دراساتهم استبعادا مسبقا أن تكون تلك الإشعاعات واردة من حضارة متقدمة، قائمة على كركب سيار، يدور حول أحد النجوم في مجرتنا أو في إحدى المجرات النائية. ولذلك قال لفيف من العلماء في مؤتمر لهم عقد بالمرصد الفيزيائي الفلكي في بوريا كان بالاتحاد السوفييتي في شهر سبتمبر 1971: «نرى أنه من المناسب أن يقوم ممثلون عن البشرية جمعاء بالبحث عن قدرة عاقلة خارج نطاق الأرض)(7). بل إن العلماء اقتنعوا بأن الإنسان يشهد الليل حافلا بأقراص مشعة يقودها بعض الزائرين القادمين من أقاصي السماء. وتعدد العوالم يؤكد تعدد الاحتمالات ويضاعفه، ويقولون أن سكان كوكب السدم يملكون بالطبع أعضاء حس وزوائد استشعار وحركة، ويتفاهمون فيما بينهم بلغة تحتوي على كلمات وقواعد للنحو والصرف، وبناء الجمل. كما يملكون تنظيمات سياسية وأدب لغة وموسيقى. وفنونا تشكيلية لها مدارس متنافسة، وقواعد إجمالية متعارضة، وأبدعوا معلومات وتقنيات أو ما يعادلها. وثمة أشياء تقوم عندهم مقام الأخلاق والفلسفة والدين(8)، ونحن ـ العرب والمسلمين ينبغي أن لا ندع في نفوسنا مجالا للغرابة في هذا الشأن، أو نعجب وتستبد بنا الحيرة وكتابنا الخالد يقول: «ويخلق ما لا تعلمون»(9) فهل آن لنا أن نعتبر بما وصل إليه البحث اللغوي عند الغرب الذي نردد أقواله، ولا ننتفع بها إلا كشطا ونتفا وابتسارا؟!
إن الإنسانية قد نهضت نهضة شاملة وتفننت في العلوم والصناعات، وظلت تكشف أسرار الطبيعة واحدا تلو الآخر، وسخرت قوى الكون وأخضعتها لتقوى بها على ما يواجهها من صعاب، ففي المجال البشري ـ مثلا ـ توصل الإنسان إلى التعرف على حياة بني جنسه منذ موله حتى نهاية عمره، وتسنى له أن يعرف كيف تعمل الأجهزة الداخلية في جسم الإنسان، فاستطاع بذلك أن يفسر سلوكه الاجتماعي إن رمزا وإن أفرادا. وفي المجال الصحي كافح الجراثيم والأوبئة الفتاكة، وكثيرا من الأمراض التي ظلت مستعصية طوال عهود وأحقاب، وفي الزراعة قضى الإنسان على الحشائش التي تضر ولا تنفع، واختار الأنواع التي تعود عليه بالخير وأعظم الفائدة، فازدادت بذلك المحاصيل الزراعية، وتحسنت غلال الفلاحة، وتم تسويقها على أسس قويمة سليمة، وفي ميدان النظرة في اللغة، فإن البحث اللغوي لا يقل في عصرنا الحاضر شمولا عما وصل إليه البحث في علم اللغة يشبه البحث عن الطبيعة النووية في مجال العلوم البحتة، لأن علم اللغة من أكثر العلوم الإنسانية استنادا إلى المنهج الإيجابي، ويسمون القرن العشرين بقرن علم اللغة، ويرون أن الثورة التي شهدتها اللغة في خلاله، بحثا وتنقيبا، وتصنيفا شبيهة بثورة علم الفيزياء في القرن الثامن عشر، ان المعرفة اللغوية هي التي تكشف لنا بوضوح مجاهل تاريخ الفكر البشري متعاونا بعضه مع بعض ليوصل الإنسانية كلها إلى وراثة هذه الأرض وراثة رشيدة حكيمة أساسها الخير والسلم والرخاء، ولا يعرف تاريخ البشرية فترات نهضات إلا وكانت اللغة هي الطريق والسبيل إلى تجميع الخبرات والنماذج. ومن التراكمات تستحدث التحولات وترفع السدود الينساب الفكر بوعائه، أو ليتقدم هو مدار الحضارة، واللغة درب بين الحومتين يظل سجلا لعمل الإنسان الذي يعمر الأرض(10) جيل يأتي، وجيل يرحل، كل يعمل لإشباع مجاعات في نفسه فينجز بفكره ما أمكنه إنجازه ليخلي السبيل إلى من هم آتون بعده كالشمس تشرق لتغيب وهكذا دواليك:
منع البقاء تقلب الشمس
وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء صافية
وغروبها صفراء كالورس
اليوم اعلم ما يجئ به
ومضى بفصل قضائه أمس(11)
الحركة لازمة في جميع مجالات النشاط الإنساني، ففيها تتلاعب القوى وتتفاعل، وخصب الزمن يتخذ أشكالا كثيرة دون أن يتضاءل أو ينقص، وبذلك يصير التقدم الاجتماعي تحليلا للحاضر، وانتقاء من الماضي، وتنظيما لما هو موجود فعلا، مع تصور المستقبل ـ والليالي حبالى ـ بإمكاناته، واحتمالاته خدمة للإنسان، وتحريرا لقواه، ومساعدة له على الانطلاق، وتنمية لقدراته المتنوعة الكثيرة.
إن معارفنا تتقادم بناء على نماء العلوم وانتشار الثقافة الذي يعيشه عالم اليوم، وإن كثيرا مما يظهر في آفاق الفكر جديدا في يومه. يبليه عامل الزمن، ويرتد طوعا أو كرها إلى حساب القديم في غده، كما يقع لبعض الأواني المعدنية إن قدمت، تصفر، وتتآكل، وتصدأ، وقد يعلوها الطحلب، ولم يعد إنسان اليوم يكفيه أن يشار إليها بالبنان فيقال: «إنه حافظ للمتون، ملم بجميع العلوم والفنون» أو يوصف «بالبحر الفهامة والمدقق العلامة» أو «العالم النحرير المتحلي بحلل الكمالات»، إن مثل هذه الأوصاف تثير كثيرا من الانشداه والسكوت الحائر في مقاييس العصر، إن إنسان اليوم يقاس علمه بالقدر الذي يسخر به معارفه لجعل الآخرين أوسع معرفة، وأكثر انتفاعا، وأحسن تمرسا بتجارب الحياة، ان المعرفة صارت كيانا لعالم اليوم، وجزءا لا يتجزأ من شخصية الإنسان المعاصر الذي يتميز بأنه يظل طوال أيام حياته يتلقى المزيد من المعارف الجديدة، ولم يعد من واجب المدرسة أو الجامعة أن يزودوا التلميذ أو الطالب بعلوم الدنيا كلها، بل أصبح من واجبهما أن يجعلاهما قادرين على تفهم المعلومات والسعي وراء البحث عنها، بمعنى أنهما يريانهما الكيف ويتركان لهما المجال فسيحا لتجميع الكم باستخدام المناهج العلمية المختلفة للتحصيل وإثراء التجارب إثراء دائبا لا يفتر، ولا يعرف الانقطاع حتى بعد التخرج، وإذا تم ذلك ـ وهو واقع فعلا ـ فغن البشرية تتهيأ لها ثقافة الأجيال المتتابعة والمتلاحقة وهي ثقافة مرهصة لما يكون عليه المستقبل، ووعاء تغرف منه حضارة الغد.
وتحطيم الماضي والثورة الشاملة عليه ومحاولة محوه أمر لا يمكن في مجال التطبيق، لأن الماضي رحم المستقبل، وعنه يتولد، وفي أحضانه يكبر، وعلى تربته ينبت ويلقى الجذرو، والحضارة القديمة، أي حضارة مهما بلغت من القدم أو الشيخ أو النهاية في الكبر واليبس والجفاف، فإنها تميزت بشيء دون ريب، وخطت بها الإنسانية خطوة، وساهمت في قليل أو كثير في وضع أسس الحضارة الحديثة بجوانبها الفلسفية والفكرية والنظرية، والتطبيقية. غير أنه لا ينبغي أن نتجاهل أن الحضارات التكنولوجية العلمية الحديثة التي نتفيأ ظلالها اليوم، بطبيعتها الشمولية، وسيطرتها الكونية، تحتم السير بالمجتمعات قدما بصرف النظر عن طبيعة هذا المجتمع أو ذاك، وبغض البصر عن فلسفته، أو درجة تكوينه، أو موقعه الجغرافي، أو موقفه إزاء هذه الحضارة إن حبا وإن كرها، فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث يجدها، كما لا تنبغي الغفلة عما يجد في عالمنا المعاصر، ولو ظللنا غافلين عما يبرز إلى الدنيا كل يوم في مختلف المجالات، لعاد ذلك علينا بالضرر، وعلى مجتمعاتنا، وعلى أجيالنا القادمة والماثلة، ان نكون عاجزين ـ والحالة تلك ـ عن توجيه ما يحدث أمام أعيننا توجيها علميا واعيا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والذي ينكر وجود الشيء لا يملك توجهه، والنتيجة الحتمية لذلك هي الفوضى، والانحلال واضطراب القيم، وازدواج الشخصية والنفاق، وغض الطرف، وعدم المبالاة، والإخلال بالمسؤولية(12).
إن عصر اليوم عصر الفكرة المستنيرة، والبصر الثاقب والحقائق الواضحة، واستقراء الدقائق، والإيغال في البحث، واستبطان دخائل العلم، والوقوف على أغراضه، وتنظيم أبوابه وتجميع مسائله، كل مع فضيلته، واللغة تفعل فعلها في كل أولئك، ولذلك ينبغي أن ننظر إليها على أنها معان وأفكار وحقائق نصوغها في قوالب من الألفاظ، وليست هي الألفاظ تصب فيها المعاني، إن خروج اللغة إلى مجرد شكليات أو ألفاظ ترص، أو محسنات يزوق بها الكلام، أو قوالب تقاس عليها الكلمات والجمل والعبارات، وتصدر بمقتضاها الأحكام، وإنما هو من اللغو أقرب منه إلى اللغة، وأبعد أن يكون جانبا إيجابيا نافعا في الحياة، بل إن ذلك يقضي على اللغة التي نتناقل عبرها حقائق وجودنا، ومختلف خبراتنا الحياتية، وذلك هو ما يشل الحياة التي نحياها لأنها تؤول إلى حال جمود وسطحية، أو كما يقول المثل «جعجعة ولا أرى طحنا»، ان اللغة الحقة، وهي نتاج بشري محض ـ هي التي تجعل للمعاني مكانتها القصوى، ومحلها الأول، أما الألفاظ المطلية البراقة المصبوبة في قوالب مصطنعة، فإنها لا تحقق مطالب الحياة وأغراضها، إنها كالتمر المكتعل يرش بالماء فيزداد فسادا، أو كالحديد يحسب لجينا فتبدى النار عن خبثه عند تذويبه، على حد قول الشاعر:
سبكناه ونحسبه لجينا
فأبدى الكير عن خبث الحديد
ان لغة حالها هذه، لا تؤدي دورا يذكر في التفاهم وفي بناء العقول، ونمو التفكير وسعة المعارف، وإنما تحيل الألفاظ نفسها إلى نظرات ضبابية غائمة تنقل كافة المرئيات والعلاقات إلى ألوان أو نجوم عاتمة. «لقد كف علماء اللغة في كثير من الثقافات المعاصرة، عن معاملة الألفاظ والاصطلاحات، على أنها عناصر مستقلة، إنها علاقات دائمة، وكل علاقة ينتظمها «نظام». ومن شروط ذلك النظام أن نفهمه، أو على الأقل نسعى لفهمه من خلال انعكاساته على الأنظمة الأخرى، ومن ثم فهو الطريق إلى الانتقال من الظواهر المدركة إلى ما وراءها. والجهود الضخمة التي ينفقها علماء الانثربولوجيا، وعلماء التحليل النفسي منذ ثلاثينات هذا القرن توكيد لأمل يومض به علم اللغة، حين يلوح لهؤلاء العلماء بأنه من المستطاع الغوص وراء الذات البشرية وموقفها للغة الحديث أو للغة الأساطير»(13).
اللغة تتحرك بقانون الغاية لا السببية، وهي إذا غلبت بقانون السببية الصرف وأخضعت له في قسر غلبت تجمدت لتؤدي في النهاية إلى تجميد الأذهان، وقتل مكامن الإبداع في الإنسان، لأن «الفهم يأنس من الكلام بالمعروف، ويسكن إلى المألوف، ويصغي إلى الصواب، ويهرب من المحال، وينقبض عن الوخم، ويتأخر عن الجافي الغليظ، ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب، والروية الفاسدة... ولا خير في المعاني إذا استكرهت قهرا، والألفاظ إذا اجترت قسرا، ولا خير فيما أجيد لفظه إذا سخف معناه، ولا في غرابة المعنى إلا إذا شرف لفظه، مع وضوح المغزى، وظهور المقصد»(14).
فالتوفيق في اختيار الألفاظ والمعاني، والحذق في انتقائها حتى تطابق مقضى الحال، وحتى تناسب تناسب عقول المخاطبين وأفهام القراء هو إكسير اللغة وجوهرها، واللغة إذا أبعدت عن اليسر والاسماح، انقلبت إلى بناء فوقي منقطع، وانعزلت رأسا فتحدث بذلك الهوة بينها وبين الناس، وتتضخم لتؤول إلى أداة إرغام، فيعبر المرء عن وطأتها بتأفف مكظوم، وغيظ مكتوم، لأن «النفس تقبل اللطيف، وتنبو عن الغليظ، وتقلق من الجاسي البشع وجميع جوارح البدن وحواسه تسكن إلى ما يوافقه، وتنفر عما يضاده ويخالفه، والعين تألف الحسن، وتقذى بالقبيح، والأنف يرتاح للطيب، وينغر للمنتن، والفم يلتذ بالحلو، ويمج المر، والسمع يتشوف للصواب الرائع، وينزوي عن الجهير الهائل، واليد تنعم باللين، وتتأذى بالخشن(15). ونحن نلمس وطء اللغة الشديد عندما نريد أن نهبر عن فكرة بلغة لا نعرفها إلا قليلا، خاصة إذا كنا أمام حشد من الناس، وقد يصيبنا الخجل، وينتابنا الانكسار، وقد نمتعض في دخائلنا فينعكس ذلك على مظهرنا الفيزيائي، وقد يشعر الإنسان وكأنه في غمرات الموت، وهو يؤدي امتحانا شفويا، أو حتى كتابيا، أمام ممتحن حين تعوزه اللفظة، أو تخونه العبارة، لأن البلاغة، كما قال خالد بن صفوان، ليست اللسان وكثرة الهذيان، ولكنها بإصابة المعنى، والقصد إلى الحجة، قيل لجعفر بن يحيى: «ما البيان؟» فقال: «أن يكون اللفظ محيطا بمعناك، كاشفا عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بطول الفكرة، ويكون سالما من التكلف، بعيدا من سوء الصنعة، بريئا من التعقيد، غنيا عن التأمل». وإن كلام جعفر هذا ينطبق على الأدب كما ينطبق على العلم، بل إن سلبيات اللغة كالتكلف وسوء الصنعة والتعقيد يظهر مدى ثقلها على كثير من النصوص العلمية المكتوبة بالعربية في عصرنا، ولاسيما المترجم منها، أو الذي يغلب عليه الطابع الصحفي الإذاعي، ذلك ـ وبعض الظن إثم ـ إن كثيرا ممن يكتبون مثل هذه النصوص وينشرونها في الناس لا يهمهم من أمرها إلا أن ينجزوها أي إنجاز، فيلقون بنظرهم إلى المكان الذي ينتهي إليه السباق، وهو إنجاز النص أو ترجمته، دون أن يقيموا وزنا للطريق الطويل الشاق الذي لابد من قطعه للوصول إلى الغاية العلمية التي لا تؤتي أكلها من النص إلا بحسن العرض وجمال الأداء. ولذلك يقال «العلم لغة أحسن وضعها». والعلم إذا عبر عنه بلغة سيئة الوضع، كان كالحصرم يؤكل قليله فتضرس الأسنان، ولو أن ابن تيمية بعث من قبره فقرأ مثل تلك النصوص لقال فيها ما قاله في كلام أرسطو معلم الفلاسفة: «لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرقى، ولا سمين فيقلى»
ويخطئ من يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكد، أو يستصفحونه إذا وجدوا ألفاظه كزة غليظة، وجاسية غريبة» ويخطئون أكثر إذا استحقروا الكلام إذا رأوه سلسا عذبا، وسهلا حلوا، فإنهم لا يعلمون أن السهل أمنع جانبا، وأعز مطلبا، وهو أحسن موقعا، وأعذب مستمعا.
إن العبرة، فيما يقدم للناس، ليست بالألقاب التي يوقع بها أصحابها مقالاتهم أو كتبهم، وليست بالشهادات أو السلالم الإدارية، كلا وليست بالصيت البعيدة والشهرة الواسعة، في عرف العلم والعلماء. إن السيف بحده لا يغمده، بل إن السيوف العورى هي التي تمتدح، لا تلك التي تصدأ في الأغماد، لأن الأغماد من خشب يتطرق إليه السوس، ولأنها تموه بالذهب والفضة، وتغطيها الحمائل، وقد تستر سيفا كهاما مفلول الظبة، مكسور الشباة، يغش حامله ورائيه، معا فحامله مسلحا كأعزل، والناظر إليه مخدوع، فبئس الفريسية  يقول طه حسين: «إن عشرة طلبة مثقفين خير عندي من مائة خريج سطحي»:
وفضيلة الدينار يظهر سرها
من حكه لا من ملاحة نقشه
 

(1) البحث اللغوي عند الهنود ـ تأليف الدكتور أحمد مختار عمر ـ ص 100 ـ دار الثقافة ـ بيروت لبنان ـ 1972.
(2) أعمال الرسل، الفصل الثاني: 1 – 6.
(3)
(4) تنتظم عقيدة التثليث عند الهنود ثلاثة أقانيم:
الأول/ براهما  ، كبير الآلهة، ومجسد «المطلق»  وخالق العالم والآلهة والكائنات، تصوره كتب البورانا  على أنه أحمر اللون، خرجت من جسمه امرأة حسناء بيضاء اللون مرتدية ملابس بيضاء، واسمها ساراسفاتي   فما لبث أن أخذه جمالها وموسيقاها الساحرة، فركز بصره عليها، فخرجت لذلك الحسناء وحاولت أن تتخلص منه ومن نظراته، فاندفعت إلى اليمين، فظهر لابراهما رأس ثان ينظر إلى ساراسفاتي وهكذا والرؤوس تظهر كلما حاولت الغادة الاختفاء حتى ظهر الرأس الخامس، وبعد ذلك لبت نداء براهما وقبلت أن تكون رفيقة له، وولدت له كثيرا من الأبناء، كان من بينهم آلهة الخير وآلهة الشر، وهم من قبيل الشياطين!
الثاني: فيشنو  وهو الاقنوم الثاني، مهمته حفظ الكون، قد يتشكل أحيانا بالأشكال البشرية عن طريق التناسخ  بنزوله من السماء إلى الأرض.
الثالث: سيفا  وهو الاقنوم الثالث، إله الدمار والخصب.
(5) أجزاء القول النحوية عند أرسطوطاليس ثمانية هي: الحرف الهجائي، المقطع، الرباط، الأداة الاسم، الفعل، التصريف، القول، وأقسام الكلم عند الأستاذ الفاضل دكتور تمام حسان سبعة هي: الاسم، الصفة، الفعل، الضمير، الخالفة، الظرف، الأداة، وهي عند عامة نحاة العرب ثلاثة: اسم وفعل وحرف. وزاد عليها بعضهم، وهو جعفر بن صابر، قسما رابعا سماه الخالفة، وهي عنده ما يسميه النحاة باسم الفعل. ويروي الرواة أن تقسيم الكلم العربي إلى ثلاثة أقسام يعود إلى الأمام على بن أبي طالب، ذلك أنه سمع أعرابيا يقرأ قوله تعالى، في سورة الحاقة: «فليس لهم اليوم ههنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون». وقرأ لا يأكله إلا الخاطئين فوضع على النحو. روى أبو الأسود الدؤلي قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فوجدت في يده رقعة، فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إتي تأملت كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء، يقصد الأعاجم، فأردت أن أضع شيئا يرجعون إليه ويعتمدون عليه، ثم ألقى إلى الرقعة وفيها مكتوب: الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفاد معنى، فقال لي: انح هذا النحو وأضف إليه ما وقع إليك... وإلى التقسيم التقليدي للكلم يشير ابن مالك في ألفيته:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم                     واحده كلمة والقول عم
بالجر والتنوين والندا وال               بتفاعلت وأتت و«يا» افعلى
سواهما الحرف كهل وفي ولم           واسم وفعل ثم حرف الكلم
وكلمة بها كلام قد يؤم                  ومسند للاسم تمييز حصل
ونون اقبلن فعل ينجلي               فعل مضارع بلى لم كيشم
وإليه يشير ايضا شرف الدين العمريطى في الدرة البهية:
كلامهم لفظ مفيد مسند
لاسم وفعل ثم حرف تنقسم
  والكلمة اللفظ المفيد المفرد
وهذه ثلاثة هي الكلم
وإلى التقسيم التقليدي يشير أيضا الشيخ ناصيف اليازجي في مقدمة أرجوزته المعروفة بالخزانة:
الصرف علم بأصول تعرف            والكلمات في اصطلاح الواضع
وتلك بين اسم وفعل تبنى                 بها مباني لكلم تصرف
ثلاثة ليس لها من رابع                  وبين حرف قد أتى لمعنى
(6) البحث اللغوي عند الهنود، ص 14.
(7) أوراق علمية لفؤاد صروف ص 56، دار الكتاب اللبناني ـ الطبعة الأولى 1972.
(8) ديوجين، ع 30 س 9، أغسطس / أكتوبر 1975 ص 15.
(9) بعض الآية الثامنة من سورة النحل، والآية بتمامها هي: «والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون». قال الألوسي: «والذي أظنه أنه ليس أحد من الكفار فضلا عن المؤمنين يشك في أن لله تعالى خلقا لا نعلمهم ليحتاج إلى إيراد الشواهد على ذلك». وينقل القرطبي عن الماوردي أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن «ما لا تعلمون» أرض بيضاء مسيرة الشمس ثلاثين يوما مشحونة خلقا لا يعلمون أن الله تعالى يعصى في الأرض» قالوا: يا رسول الله، من ولد آدم؟ قال: «لا يعلمون أن الله خلق آدم». قالوا يا رسول الله، فأين إبليس منهم؟ قال: «لا يعلمون أن الله خلق إبليس»، ثم تلا «ويخلق ما لا تعلمون».
(10) اللغة والحضارة للدكتور مصطفى مندور، ص 218، منشأة المعارف بالإسكندرية 1974.
(11) الورس هو الزعفران، وفصل قضائه، معناه قضاؤه الفاسل، من قبيل تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الصرفي الواحد، والأبيات لتبع بن الاقرن، وتنسب لاسقف نجران، ويستشهد النحاة بالبيت الثالث، في المبنى والمعرب من الأسماء، للتدليل على بناء «أمس» على الكسر، هو لغة أهل الحجاز وهم لا يفعلون ذلك إلا إذا أريد به معين، وهو اليوم الذي قبل يومك، ولم يضف، ولم يعرف بأل، ولم يكسر، ولم يصغر، وسر بنائه عندهم أنه تضمن معنى حرف وهو «ال» المعرفة، يقول ابن هشام في «قطر الندى وبل الصدى»: «وأما «أمس» إذا أردت به اليوم الذي قبل يومك، فأهل الخجاز ويقول في «شذور الذهب في معرفة كلام العرب» وإذا أريد بأمس يوم ما من الأيام الماضية، أو كسر أو دخلته «أل»، أو أضيف ـ أعرب بإجماع، تقول. فعلت ذلك أمسا أي في يوم من الأيام الماضية. وذكر المبرد والفارسي وابن مالك والحريري أن «أمس» يصغر فيعرب عند الجميع».
ومعنى الأبيات أن الخلود في هذه الدنيا ممتنع غير ممكن لأحد، والدليل على امتناعه ما نشاهده من تقلبات الأحوال، فالشمس، وهي كوكب عظيم جدا ليست بباقية على حالة واحدة، بل يعتريها التغير والأفول، فهي تطلع من حيث لا تغرب، وهي حمراء صافية عند الشروق، صفراء كالزعفران عند الغروب ويظهر أن ابراهيم الخليل قد رصد هذه الظاهرة التي يقصها كتاب الله الخالد: «وإذ قال ابراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين؟ وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين، فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل ـ قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين». الانعام: 74 – 79.
(12) الدوحة ـ 12 يناير 1976 ص 9.
(13) اللغة والحضارة ص 218.
(14)
(15) 
(16) ليالي الفندق، لبولس سلامة، ص 7 ـ منشورات دار الكتاب اللبناني ـ بيروت ـ الطبعة الأولى 1968، والظبة ج ظبات وظبي وظبوب واظب وهي حد السيف أو السنان أو نحوهما، يقول السموال:
وما مات منا سيد حتف أنفه         تسيل على حد الظبات نفوسنا
  ولا طل منا حيث كان قتيل         وليست على غير الظبا تسيل
والشباة بفتح الشين، جمع شبا وشبوات وهي سن الرمح، وهي من السيف قدر ما يقطع به، يقول أبو تمام في وصف قلم ابن الزيات، وقد استعار الشباة لأسلة القلم وهي سنة:
لك القلم الأعلى الذي بشباته               لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
له ريقة طل ولكن وقعها                  تصاب من الأمر الكلي والمفاصل
وأرى الجني اشتارته أيد عواسل         بآثاره في الشرق والغرب وابل
والفريسة، بفتح الفاء وكسر الراء مشددة، كناية عن الرناء والتظاهر بالخير دون حقيقة والفريسيون   طائفة من اليهود على أيام المسيح، كانوا يفضلون ذواتهم على غيرهم لاعتقادهم بأنهم أشد تمسكا من سواهم بناموس موسى فيتظاهرون بالصلاح وباطنهم كان رديا، فنعتهم المسيح بالقبور المجصصة وكانوا في طليعة مضطهديه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here